Al-QasimiAl‑Insan · 76:1–31

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

الانسان

Al-Insan

The Man · Medinan · 31 ayahs

76:1Page 578

هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا ١

Has there [not] come upon man a period of time when he was not a thing [even] mentioned?

(p-٦٠٠٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الإنْسانِ

وتُسَمّى سُورَةَ (الدَّهْرِ) و(الأمْشاجِ) و(هَلْ أتى) وهي مَكِّيَّةٌ وآيُها إحْدى وثَلاثُونَ.

رَوى الإمامُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الجُمُعَةِ- الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ- وهَلْ أتى عَلى الإنْسانِ».

(p-٦٠٠٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١ ] ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾

﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ أيْ: في ذَلِكَ الحِينِ، بَلْ كانَ شَيْئًا مَنسِيًّا، نُطْفَتُهُ في الأصْلابِ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ.

قالَ الشِّهابُ: أيِ: الحَمْلُ عَلى الإقْرارِ بِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، والمُقَرَّرُ بِهِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ. وقَدْ عَلِمَ أنَّهم يَقُولُونَ: نَعَمْ، قَدْ مَضى دَهْرٌ طَوِيلٌ لا إنْسانَ فِيهِ، فَيُقالُ لَهُمْ: فالَّذِي أوْجَدَهم بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُونُوا، كَيْفَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إحْياؤُهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ؟ والمُرادُ بِالإنْسانِ جِنْسُ بَنِي آدَمَ.

76:2Page 578

إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا ٢

Indeed, We created man from a sperm-drop mixture1 that We may try him; and We made him hearing and seeing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢ ] ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾

﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ أيْ: ذاتِ أخْلاطٍ، وهي مَوادُّها المُؤَلَّفَةُ مِنها. جَمْعُ مَشَجٍ أوْ مَشِيجٍ، كَسَبَبٍ وأسْبابٍ، ونَصِيرٍ وأنْصارٍ. أوْ مُفْرَدٌ، كَبَرْمَةِ أعْشارٍ، البَرْمَةُ: القِدْرُ. وأعْشارٌ أيْ: مُنْكَرَةٌ كَأنَّها صارَتْ عَشْرَ قِطَعٍ. انْتَهى ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ أيْ: نَخْتَبِرُهُ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: خَلَقْناهُ مُبْتَلِينَ لَهُ، أيْ: مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ، لا عَبَثًا وسُدًى ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أيْ: لِنَنْظُرَ هَلْ صَرَفَ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ إلى اسْتِماعِ آياتِ اللَّهِ والنَّظَرِ فِيها. ولَمّا كانَ تَمامُ المِنَّةِ بِهِما بِهِبَةِ العَقْلِ، وأشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

76:3Page 578

إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا ٣

Indeed, We guided him to the way, be he grateful or be he ungrateful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣ ] ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾

﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ أيْ: سَبِيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ والنَّجاةِ والهَلاكِ، أيْ: عَرَّفْناهُ وبَيَّنّا لَهُ (p-٦٠١٠)ذَلِكَ، بِأدِلَّةِ العَقْلِ والسَّمْعِ ﴿إمّا شاكِرًا﴾ أيْ: بِالِاهْتِداءِ والأخْذِ فِيهِ ﴿وإمّا كَفُورًا﴾ أيْ: بِالإعْراضِ عَنْهُ. ونَصْبُهُما بِـ: (يَكُونُ) مُقَدَّرَةٌ، أيْ: لِيَكُونَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا، أيْ: لِيَتَمَيَّزَ شُكْرُهُ مِن كُفْرِهِ، وطاعَتُهُ مِن مَعْصِيَتِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ [الملك: ٢]

قالَ الرّازِيُّ: قالَ القَفّالُ: ومَجازُ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُ القائِلِ: قَدْ نَصَحْتُ لَكَ، إنْ شِئْتَ فاقْبَلْ، وإنْ شِئْتَ فاتْرُكْ، أيْ: "فَإنْ شِئْتَ" فَتُحْذَفُ الفاءُ. فَكَذا المَعْنى، ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ فَإمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا، فَتُحْذَفُ الفاءُ. وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ. أيْ: إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ فَإنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ، وإنْ شاءَ فَلْيَشْكُرْ؛ فَإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ كَذا ولِلشّاكِرِينَ كَذا. كَقَوْلِهِ: ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] انْتَهى.

لَطِيفَةٌ:

قالَ في (النَّهْرِ): لَمّا كانَ الشُّكْرُ قَلَّ مَن يَتَّصِفُ بِهِ قالَ: ﴿شاكِرًا﴾ ولَمّا كانَ الكُفْرُ كَثِيرًا مَن يَتَّصِفُ بِهِ ويَكْثُرُ وُقُوعُهُ مِنَ الإنْسانِ بِخِلافِ الشُّكْرِ قالَ: ﴿كَفُورًا﴾ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ. انْتَهى.

وهَذا ألْطَفُ مِنَ القَوْلِ بِمُراعاةِ رُؤُوسِ الآيِ.

76:4Page 578

إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ وَأَغۡلَٰلٗا وَسَعِيرًا ٤

Indeed, We have prepared for the disbelievers chains and shackles and a blaze.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤ ] ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالا وسَعِيرًا﴾

﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ﴾ أيْ: لِيُقادُوا بِها ويُسْتَوْثَقُ بِها مِنهم شَدًّا في الجَحِيمِ ﴿وأغْلالا﴾ أيْ: لِتُشَدَّ فِيها أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ ﴿وسَعِيرًا﴾ أيْ: نارًا تُسَعَّرُ عَلَيْهِمْ فَتَتَوَقَّدُ.

(p-٦٠١١)

76:5–6Page 578

إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥

Indeed, the righteous will drink from a cup [of wine] whose mixture is of Kāfūr,1

عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا ٦

A spring of which the [righteous] servants of Allāh will drink; they will make it gush forth in force [and abundance].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥ - ٦ ] ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]

﴿إنَّ الأبْرارَ﴾ أيِ: الَّذِينَ بَرُّوا بِطاعَتِهِمْ رَبَّهم في أداءِ فَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ أيْ: خَمْرٍ، أُطْلِقَتْ عَلَيْها لِلْمُجاوَرَةِ ﴿كانَ مِزاجُها﴾ أيْ: ما تُمْزَجُ بِهِ ﴿كافُورًا﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي في طِيبِ رائِحَتِها كالكافُورِ. ولَمّا كانَ الكافُورُ مِن أطْيابِهِمْ كانَ كِنايَةً عَمّا يَطِيبُ بِهِ مِمّا لَهُ عُرْفٌ ذَكِيٌّ.

﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦] أيْ: يُثِيرُونَها مِن مَنابِعِها في رَوْضِ الجَنَّةِ، وإثارَةٌ مُبْهِجَةٌ، تَفَنُّنًا في النَّعِيمِ. و"عَيْنًا" مَنصُوبٌ بِنَحْوِ (يُؤْتَوْنَ)، والباءُ في "بِها" بِمَعْنى مِن. وقَوْلُهُ تَعالى:

76:7Page 579

يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا ٧

They [are those who] fulfill [their] vows and fear a Day whose evil will be widespread.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧ ] ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾

﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ رُزِقُوا ما ذَكَرَ مِنَ النَّعِيمِ، مُشْتَمِلٌ عَلى نَوْعِ تَفْصِيلٍ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ اسْمُ الأبْرارِ إجْمالًا، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَفْعَلُونَ حَتّى يَنالُوا تِلْكَ الرُّتْبَةَ العالِيَةَ؟ فَقِيلَ: يُوفُونَ بِما أوْجَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ؟ ﴿ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ﴾ أيْ: عَذابُهُ ﴿مُسْتَطِيرًا﴾ مُنْتَشِرًا ظاهِرًا لِلْغايَةِ.

76:8Page 579

وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا ٨

And they give food in spite of love for it1 to the needy, the orphan, and the captive,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨ ] ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾

﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ أيْ: مَعَ حُبِّ الطَّعامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] أوْ عَلى حُبِّ اللَّهِ تَعالى، لِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] ﴿مِسْكِينًا ويَتِيمًا (p-٦٠١٢)وأسِيرًا﴾ أيْ: مَأْسُورًا مِن حَرْبٍ أوْ مَصْلَحَةٍ. وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى الثَّلاثَةِ لِأنَّهم مِن أهَمِّ مَن تَجْدُرُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ المِسْكِينَ عاجِزٌ عَنْ الِاكْتِسابِ لِما يَكْفِيهِ. واليَتِيمُ ماتَ مَن يَعُولُهُ ويَكْتَسِبُ لَهُ، مَعَ نِهايَةِ عَجْزِهِ بِصِغَرِهِ، والأسِيرُ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَصْرًا ولا حِيلَةً.

قالَ في (الإكْلِيلِ): والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إطْعامَ المُشْرِكِ مِمّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

76:9Page 579

إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا ٩

[Saying], "We feed you only for the face [i.e., approval] of Allāh. We wish not from you reward or gratitude.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩ ] ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾

﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ أيْ: قائِلِينَ ذَلِكَ بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ، وإزاحَةً لِتَوَهُّمِ المَنِّ المُبْطِلِ لِلصَّدَقَةِ، وتَوَقُّعِ المُكافَأةِ، أيْ: لا نَقْصِدُ بِإطْعامِكم إلّا ثَوابَهُ تَعالى والقُرْبَةَ إلَيْهِ والزُّلْفى عِنْدَهُ. وإطْلاقُ (الوَجْهِ) عَلى الذّاتِ مَجازٌ مَشْهُورٌ ﴿نُرِيدُ مِنكم جَزاءً﴾ أيْ: مُكافَأةً ﴿ولا شُكُورًا﴾ أيْ: ثَناءً ومَدِيحًا.

76:10Page 579

إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوۡمًا عَبُوسٗا قَمۡطَرِيرٗا ١٠

Indeed, We fear from our Lord a Day austere and distressful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠ ] ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾

﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا﴾ أيْ: عَذابَ يَوْمٍ ﴿عَبُوسًا﴾ أيْ: شَدِيدًا مُظْلِمًا. أوْ تَعْبِسُ فِيهِ الوُجُوهُ مِن شِدَّةِ مَكارِهِهِ وطُولِ بَلائِهِ ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ أيْ: شَدِيدَ العُبُوسَةِ والكَرْبِ. وخَوْفُهم مِنَ اليَوْمِ كِنايَةٌ عَنْ عَمَلِ ما يُؤَمِّنُهم فَزَعَهُ وهَوْلَهُ، مِنَ الصّالِحاتِ.

76:11–13Page 579

فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ وَسُرُورٗا ١١

So Allāh will protect them from the evil of that Day and give them radiance and happiness

وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيرٗا ١٢

And will reward them for what they patiently endured [with] a garden [in Paradise] and silk [garments].

مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا ١٣

[They will be] reclining therein on adorned couches. They will not see therein any [burning] sun or [freezing] cold.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١ - ١٣ ] ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢] ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣]

(p-٦٠١٣)﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ذُكِرَ مِن خَوْفِهِمْ مِنهُ ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً﴾ أيْ: في الوُجُوهِ ﴿وسُرُورًا﴾ أيْ: في القُلُوبِ.

﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ [الإنسان: ١٢] أيْ: عَلى طاعَةِ اللَّهِ واجْتِنابِ مَحارِمِهِ والدَّعْوَةِ لِسَبِيلِهِ واحْتِمالِ الأذى ﴿جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢] أيْ: يَلْبَسُونَهُ ويَتَزَيَّنُونَ بِهِ.

﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ [الإنسان: ١٣] أيِ: السُّرُرِ ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣] أيْ: لا حَرًّا ولا بَرْدًا، مِن بابِ ذِكْرِ المَلْزُومِ وإرادَةِ اللّازِمِ.

76:14–16Page 579

وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا ١٤

And near above them are its shades, and its [fruit] to be picked will be lowered in compliance.

وَيُطَافُ عَلَيۡهِم بِـَٔانِيَةٖ مِّن فِضَّةٖ وَأَكۡوَابٖ كَانَتۡ قَوَارِيرَا۠ ١٥

And there will be circulated among them vessels of silver and cups having been [created] clear [as glass],

قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٖ قَدَّرُوهَا تَقۡدِيرٗا ١٦

Clear glasses [made] from silver of which they have determined the measure.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤ - ١٦ ] ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا﴾ ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرا﴾ [الإنسان: ١٥] ﴿قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦]

﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ أيْ: ظِلالُ أشْجارِها، أيْ: قَرِيبَةٌ مِنهُمْ، مُظِلَّةٌ عَلَيْهِمْ، زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا﴾ أيْ: سُهِّلَتْ ثِمارُها لِمُتَناوِلِيها. فَلا يَرُدُّ أيْدِيَهم عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ.

﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ [الإنسان: ١٥] جَمْعُ كُوبٍ، وهو كُوزٌ لا أُذُنَ لَهُ: ﴿كانَتْ قَوارِيرا﴾ [الإنسان: ١٥] ﴿قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٦] قالَ أبُو البَقاءِ: حَسُنَ التَّكْرِيرُ لِما اتَّصَلَ بِهِ مِن بَيانِ أصْلِهِما، ولَوْلا التَّكْرِيرُ لَمْ يَحْسُنْ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ رَأْسَ آيَةٍ، لِشِدَّةِ اتِّصالِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦] أيْ: في أنْفُسِهِمْ أنْ تَكُونَ عَلى مَقادِيرَ وأشْكالٍ عَلى حَسَبِ شَهَواتِهِمْ. فَجاءَتْ كَما قَدَّرُوا، أوْ قَدَّرَها لَهُمُ السُّقاةُ عَلى قَدْرِ رِيِّهِمْ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ. وهو ألَذُّ لِلشّارِبِ، لِكَوْنِهِ عَلى مِقْدارِ حاجَتِهِ، لا يُفَضَّلُ عَنْها ولا يَعْجِزُ.

قالَ أبُو حَيّانَ: أقْرَبُ مِن هَذا ما نَحّاهُ أبُو حاتِمٍ، وهو أنَّ أصْلَهُ قَدَّرَ رِيِّهِمْ مِنها تَقْدِيرًا والرِّيُّ العَطَشُ، فَحُذِفَ المُضافُ وحَرْفُ الجَرِّ وأُوصِلَ الفِعْلُ لَهُ بِنَفْسِهِ.

قالَ الشِّهابُ: وفي كَوْنِهِ أقْرَبَ، نَظَرٌ، فَإنَّهُ أكْثَرُ تَكَلُّفًا، ولَكِنْ كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ.

(p-٦٠١٤)

76:17–18Page 579

وَيُسۡقَوۡنَ فِيهَا كَأۡسٗا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ١٧

And they will be given to drink a cup [of wine] whose mixture is of ginger

عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا ١٨

[From] a fountain within it [i.e., Paradise] named Salsabeel.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٧ - ١٨ ] ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا﴾ ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا﴾ [الإنسان: ١٨]

﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا﴾ أيْ: ما يُشْبِهُهُ في الطَّعْمِ. وكانَتِ العَرَبُ يَسْتَلِذُّونَ الشَّرابَ المَمْزُوجَ بِهِ.

﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا﴾ [الإنسان: ١٨] وهي شَدِيدَةُ الجَرْيَةِ المُنْسابَةُ بِنَوْعٍ خاصٍّ بَهِيجٍ. ونَصْبُ "عَيْنًا" بِنَحْوِ: (يُؤْتَوْنَ)، أوْ (يَنْظُرُونَ).

76:19Page 579

۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيۡتَهُمۡ حَسِبۡتَهُمۡ لُؤۡلُؤٗا مَّنثُورٗا ١٩

There will circulate among them young boys made eternal. When you see them, you would think them [as beautiful as] scattered pearls.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩ ] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾

﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ. أوْ دائِمٌ شَبابُهم لا يَتَغَيَّرُونَ عَنْ تِلْكَ السِّنِّ. أوْ مُسَوَّرُونَ. أوْ مُقَرَّطُونَ.

﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ أيْ: لِحُسْنِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ في مَنازِلِهِمْ، وانْبِثاثِهِمْ في مَنازِهِ أماكِنِهِمْ.

76:20–21Page 579

وَإِذَا رَأَيۡتَ ثَمَّ رَأَيۡتَ نَعِيمٗا وَمُلۡكٗا كَبِيرًا ٢٠

And when you look there [in Paradise], you will see pleasure and great dominion.

عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابٗا طَهُورًا ٢١

Upon them [i.e., the inhabitants] will be green garments of fine silk and brocade. And they will be adorned with bracelets of silver, and their Lord will give them a purifying drink.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٠ - ٢١ ] ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]

﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ﴾ أيْ: نَظَرْتَ في الجَنَّةِ، ورَمَيْتَ بِطَرَفِكَ ما أُوتِيَ الأبْرارُ ﴿رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ أيْ: واسِعًا لا يَنْفُذُهُ البَصَرُ.

﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ [الإنسان: ٢١] وهو ما رَقَّ مِنَ الحَرِيرِ ﴿خُضْرٌ﴾ [الإنسان: ٢١] قُرِئَ بِالرَّفْعِ لِـ "ثِيابٌ" وبِالجَرِّ لِـ "سُنْدُسٍ" ﴿وإسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١] وهو ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ. وفِيهِ القِراءَتانِ، رَفْعًا وجَرًّا ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم (p-٦٠١٥)رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] أيْ: لَيْسَ بِرِجْسٍ كَخَمْرِ الدُّنْيا. أوْ لِأنَّهُ لَمْ يُعْصَرْ فَتَمَسُّهُ الأيْدِي الوَضِرَةُ، وتَدُوسُهُ الأقْدامُ الدَّنِسَةُ، ولَمْ يُجْعَلْ في الدَّنّانِ الَّتِي لَمْ يُعْنَ بِتَنْظِيفِها. والآيَةُ مِمّا يُسْتَرْوَحُ بِها في نَجاسَةِ الخَمْرِ، لِما فِيها مِنَ التَّعْرِيضِ بِها.

76:22Page 579

إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا ٢٢

[And it will be said], "Indeed, this is for you a reward, and your effort has been appreciated."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٢ ] ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾

﴿إنَّ هَذا﴾ أيْ: ما عُدَّ مِن ثَوابِهِمْ ﴿كانَ لَكم جَزاءً﴾ أيْ: عَلى ما قَدَّمْتُمْ مِنَ الصّالِحاتِ ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ أيْ: مُجازًى عَلَيْهِ غَيْرَ مُضَيَّعٍ.

76:23Page 579

إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا ٢٣

Indeed, it is We who have sent down to you, [O Muḥammad], the Qur’ān progressively.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٣ ] ﴿إنّا نَحْنُ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْـزِيلا﴾

﴿إنّا نَحْنُ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْـزِيلا﴾ أيْ: عَظِيمًا لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ، أيْ: فَأمْرُهُ الحَقُّ ووَعْدُهُ الصِّدْقُ. والقَصْدُ تَثْبِيتُ قَلْبِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وشَرْحُ صَدْرِهِ وتَحْقِيقُ أنَّ المُنَزَّلَ وحْيٌ، وعَدَمُ المُبالاةِ بِرَمْيِهِمْ لَهُ بِالسِّحْرِ والكِهانَةِ.

76:24Page 579

فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا ٢٤

So be patient for the decision of your Lord and do not obey from among them a sinner or ungrateful [disbeliever].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٤ ] ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾

﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ: مِنَ الصَّدْعِ بِهِ، والتَّبْلِيغِ لِآيِهِ، والعَمَلِ بِأوامِرِهِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ أيْ: ولا تُطِعْ في مَعْصِيَتِهِ تَعالى مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ، مَن رَكِبَ الإثْمَ وجاهَرَ بِالكُفْرِ، مِمَّنْ يُرِيدُكَ عَنِ الرُّجُوعِ عَنْ دَعْوَتِكَ، بِما شِئْتَ مِن مالٍ أوْ مَطْلَبٍ، و"أوْ" إمّا عَلى بابِها. أيْ: لا تُطِعْ مَن كانَ فِيهِ أحَدُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، فالنَّهْيُ عَمَّنِ اجْتَمَعا فِيهِ يُعْلَمُ بِالطَّرِيقِ الأُولى. وإمّا بِمَعْنى الواوِ.

(p-٦٠١٦)قالَ الفَرّاءُ:

"أوْ" هاهُنا بِمَنزِلَةِ الواوِ. وفي الجَحْدِ والِاسْتِفْهامِ والجَزاءِ يَكُونُ بِمَعْنى (لا)، فَهَذا مِن ذَلِكَ مَعَ الجَحْدِ. انْتَهى.

وإمّا بِمَعْنى (بَلْ) إضْرابٌ إلى وصْفٍ هو بِهِ أخْلَقُ وأجْدَرُ. وإمّا لِلتَّخْيِيرِ في التَّسْمِيَةِ أيْ: مَن شِئْتَ بِالآثِمِ أوِ الكَفُورِ، لِتَحَقُّقِ مَفْهُومِهِما فِيهِ.

76:25–26Page 579

وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٢٥

And mention the name of your Lord [in prayer] morning and evening

وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَٱسۡجُدۡ لَهُۥ وَسَبِّحۡهُ لَيۡلٗا طَوِيلًا ٢٦

And during the night prostrate to Him and exalt [i.e., praise] Him a long [part of the] night.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٥ - ٢٦ ] ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ [الإنسان: ٢٦]

﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ: بِدُعائِهِ وتَسْبِيحِهِ والصَّلاةِ لَهُ ﴿بُكْرَةً وأصِيلا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ﴾ [الإنسان: ٢٦] أيْ: بِالتَّهَجُّدِ فِيهِ ﴿وسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ [الإنسان: ٢٦] أيْ: مِقْدارًا طَوِيلًا، نِصْفَهُ أوْ زِيادَةً عَلَيْهِ. وفي هَذِهِ الأوامِرِ، مَعَ الأمْرِ في أوَّلِ (المُزَّمِّلِ) وأمْثالِها ما يَدُلُّ عَلى العِنايَةِ بِقِيامِ اللَّيْلِ والحِرْصِ عَلَيْهِ.

ويَأْتِي البَحْثُ المُتَقَدِّمُ هُنا أيْضًا في أنَّ الأمْرَ خاصٌّ بِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِناءً عَلى أنَّهُ لِلْوُجُوبِ، أوْ يَشْمَلُ غَيْرَهُ تَبَعًا وهو لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ، قَوْلانِ مَعْرُوفانِ في نَظِيرِهِ. والقَصْدُ حَثُّهُ ﷺ أنْ يَسْتَعِينَ في دَعْوَةِ قَوْمِهِ والصَّدْعِ بِما أُمِرَ بِهِ، بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم والصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ وقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] وقَوْلِهِ:

﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] وأمْثالِهِما.

(p-٦٠١٧)

76:27Page 580

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمۡ يَوۡمٗا ثَقِيلٗا ٢٧

Indeed, these [disbelievers] love the immediate and leave behind them1 a grave Day.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٧ ] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلا﴾

﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ ﴿يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ أيِ: اللَّذّاتِ العاجِلَةَ، فَيَسْعَوْنَ لَها جُهْدَهُمْ، وإنْ أهْلَكُوا الحَرْثَ والنَّسْلَ، ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلا﴾ أيْ: شَدِيدًا، لِثِقَلِ حِسابِهِ وشِدَّتِهِ وعُسْرِهِ.

76:28Page 580

نَّحۡنُ خَلَقۡنَٰهُمۡ وَشَدَدۡنَآ أَسۡرَهُمۡۖ وَإِذَا شِئۡنَا بَدَّلۡنَآ أَمۡثَٰلَهُمۡ تَبۡدِيلًا ٢٨

We have created them and strengthened their forms, and when We will, We can change their likenesses with [complete] alteration.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٨ ] ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلا﴾

﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ أيْ: خَلْقَهم وأعْضاءَ بِناهِمْ.

قالَ الشِّهابُ: الأسْرُ، مَعْناهُ لُغَةً الشَّدُّ لِيَقْوى، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى ما يُشَدُّ ويُرْبَطُ بِهِ؛ ولِذا سُمِّيَ الأسِيرُ أسِيرًا بِمَعْنى مَرْبُوطًا، فَشُبِّهَتِ الأعْصابُ بِالحِبالِ المَرْبُوطِ بِها، لِيَقْوى البَدَنُ بِها أوْ لِإمْساكِها لِلْأعْضاءِ؛ ولِذا سَمَّوْها رِباطاتٍ أيْضًا.

﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلا﴾ أيْ: بِإهْلاكِهِمْ والإتْيانِ بِآخَرِينَ. وهَذا مَحَطُّ التَّرْهِيبِ، وما قَبْلَهُ كالتَّعْلِيلِ لَهُ.

76:29Page 580

إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٢٩

Indeed, this is a reminder, so he who wills may take to his Lord a way.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٩ ] ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾

﴿إنَّ هَذِهِ﴾ أيِ: السُّورَةَ، أوِ الآياتِ القَرِيبَةَ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: عِظَةٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ واتَّعَظَ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ أيْ: بِالطّاعَةِ المُوَصِّلَةِ لِقُرْبِهِ، وإيصالِ السَّبِيلِ لِلْمَقاصِدِ، فَهو تَمْثِيلٌ.

(p-٦٠١٨)

76:30–31Page 580

وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٣٠

And you do not will except that Allāh wills. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا ٣١

He admits whom He wills into His mercy; but the wrongdoers - He has prepared for them a painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٠ - ٣١ ] ﴿وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١]

﴿وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وما تَشاؤُونَ اتِّخاذَ السَّبِيلِ إلى رَبِّكم إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذَلِكَ لَكُمْ، لِأنَّ الأمْرَ إلَيْهِ لا إلَيْكُمْ، أيْ: لِأنَّ ما لَمْ يَشَأِ اللَّهُ وُقُوعَهُ مِنَ العَبْدِ، لا يَقَعُ مِنَ العَبْدِ، وما شاءَ مِنهُ وُقُوعَهُ، وقَعَ. وهو رَدِيفُ: (ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ)، هَذا تَأْوِيلُ السَّلَفِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: أيْ: وما تَشاؤُونَ الطّاعَةَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ بِقَسْرِهِمْ عَلَيْها. والمَسْألَةُ مَبْسُوطَةٌ في الكَلامِ. وقَدْ لَخَّصْناها في (شَرْحِ لُقْطَةِ العَجْلانِ) فارْجِعْ إلَيْهِ.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا﴾ أيْ: بِأحْوالِهِمْ وما يَكُونُ مِنهم ﴿حَكِيمًا﴾ أيْ: في تَدْبِيرِهِ وصُنْعِهِ وأمْرِهِ.

﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١] قالَ أبُو السُّعُودِ: بَيانٌ لِإحْكامِ مَشِيئَتِهِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، أيْ: يُدْخِلُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَهُ فِيها، وهو الَّذِي يَصْرِفُ مَشِيئَتَهُ نَحْوَ اتِّخاذِ السَّبِيلِ إلَيْهِ تَعالى، حَيْثُ يُوَفِّقُهُ لِما يُؤَدِّي إلى دُخُولِ الجَنَّةِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ.

﴿والظّالِمِينَ﴾ [الإنسان: ٣١] وهُمُ الَّذِينَ صَرَفُوا مَشِيئَتَهم إلى خِلافِ ما ذُكِرَ ﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] يَعْنِي عَذابَ النّارِ. وقاناهُ اللَّهُ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском