Al-Qasimi'Abasa · 80:1–32

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

عبس

'Abasa

He Frowned · Meccan · 42 ayahs

80:1–2Page 585

عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ ١

He [i.e., the Prophet (ﷺ) ] frowned and turned away

أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ ٢

Because there came to him the blind man,1 [interrupting].

(p-٦٠٥٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ عَبَسَ

وتُسَمّى الصّاخِبَةَ. مَكِّيَّةٌ وآيُها اثْنَتانِ وأرْبَعُونَ.

(p-٦٠٥٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١- ٢ ] ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ [عبس: ٢]

﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ [عبس: ٢] رَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ««بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُناجِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وأبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ والعَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وكانَ يَتَصَدّى لَهم كَثِيرًا، ويَحْرِصُ عَلَيْهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا»، فَأقْبَلَ إلَيْهِ رَجُلٌ أعْمى يُقالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، يَمْشِي وهو يُناجِيهِمْ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً مِنَ القُرْآنِ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ «فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَبَسَ في وجْهِهِ، وتَوَلّى وكَرِهَ كَلامَهُ، وأقْبَلَ عَلى الآخَرِينَ فَلَمّا قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَجْواهُ» وأخَذَ يَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ، أمْسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ وخَفَقَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: "عَبَسَ وتَوَلّى" الآياتِ؛ فَلَمّا نَزَلَ فِيهِ ما نَزَلْ «أكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكَلَّمَهُ، وقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما حاجَتُكَ؟ هَلْ تُرِيدُ مِن شَيْءٍ؟ وإذا ذَهَبَ مِن عِنْدِهِ قالَ: هَلْ لَكَ حاجَةٌ في شَيْءٍ»» ؟

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، أنَّها نَزَلَتْ في ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، والمَشْهُورُ أنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، ويُقالُ: عَمْرٌو. واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.

وقالَ الرّازِيُّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الَّذِي عَبَسَ وتَوَلّى هو الرَّسُولُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وأجْمَعُوا أنَّ الأعْمى هو ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ. قالَ الشِّهابُ: وهو مَكِّيٌّ قُرَشِيٌّ مِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ.

(p-٦٠٥٧)«وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَخْلِفُهُ عَلى المَدِينَةِ في أكْثَرِ غَزَواتِهِ». وكانَ ابْنَ خالِ خَدِيجَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

وقِيلَ: عَمِيَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ نُورٍ. وقِيلَ: وُلِدَ أعْمى؛ ولِذا لُقِّبَتْ أُمُّهُ أُمَّ مَكْتُومٍ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ عَماهُ؛ إمّا لِتَمْهِيدِ عُذْرِهِ في الإقْدامِ عَلى قَطْعِ كَلامِهِ ﷺ وتَشاغُلِهِ بِالقَوْمِ، وإمّا لِزِيادَةِ الإنْكارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَوَلّى لِكَوْنِهِ أعْمى. وكانَ يَجِبُ أنْ يَزِيدَهُ لِعَماهُ، تَعَطُّفًا وتَرَؤُّفًا وتَقْرِيبًا وتَرْحِيبًا.

80:3–10Page 585

وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ ٣

But what would make you perceive, [O Muḥammad], that perhaps he might be purified1

أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ ٤

Or be reminded and the remembrance would benefit him?

أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ ٥

As for he who thinks himself without need,1

فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ ٦

To him you give attention.

وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ٧

And not upon you [is any blame] if he will not be purified.1

وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ ٨

But as for he who came to you striving [for knowledge]

وَهُوَ يَخۡشَىٰ ٩

While he fears [Allāh],

فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ ١٠

From him you are distracted.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣ - ١٠ ] ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ [عبس: ٥] ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ [عبس: ٦] ﴿وما عَلَيْكَ ألا يَزَّكّى﴾ [عبس: ٧] ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ [عبس: ٨] ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ [عبس: ٩] ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ [عبس: ١٠]

﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ أيْ: يَتَطَهَّرُ -بِما يَتَلَقَّنُ مِنكَ- مِنَ الجَهْلِ أوِ الإثْمِ. وفي الِالتِفاتِ إلى الخِطابِ إنْكارٌ لِلْمُواجَهَةِ بِالعَتْبِ أوَّلًا؛ إذْ في الغَيْبَةِ إجْلالٌ لَهُ ﷺ؛ لِإيهامِ أنَّ مَن صَدَرَ مِنهُ ذَلِكَ غَيْرُهُ، لِأنَّهُ لا يَصْدُرُ عَنْهُ مِثْلُهُ؛ كَما أنَّ في الخِطابِ إيناسًا بَعْدَ الإيحاشِ، وإقْبالًا بَعْدَ إعْراضٍ.

(p-٦٠٥٨)وقالَ أبُو السُّعُودِ: وكَلِمَةُ (لَعَلَّ) مَعَ تَحَقُّقِ التَّزَكِّي وارِدَةٌ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ، أوْ عَلى اعْتِبارِ مَعْنى التَّرَجِّي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ﷺ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الإعْراضَ عَنْهُ عِنْدَ كَوْنِهِ مَرْجُوَّ التَّزَكِّي، مِمّا لا يَجُوزُ، فَكَيْفَ إذا كانَ مَقْطُوعًا بِالتَّزَكِّي؟ كَما في قَوْلِكَ: (لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلى ما فَعَلْتَ). وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إعْراضَهُ كانَ لِتَزْكِيَةِ غَيْرِهِ. وأنَّ مَن تَصَدّى لِتَزْكِيَتِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ لا يُرْجى مِنهُمُ التَّزَكِّي والتَّذَكُّرُ أصْلًا.

﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] أيْ: يَعْتَبِرُ ويَتَّعِظُ فَتَنْفَعُهُ مَوْعِظَتُكَ. وتَقْدِيمُ التَّزْكِيَةِ عَلى التَّذَكُّرِ مِن بابِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ.

﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ [عبس: ٥] أيْ: بِمالِهِ وقُوَّتِهِ عَنْ سَماعِ القُرْآنِ والهِدايَةِ والمَوْعِظَةِ.

﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ [عبس: ٦] أيْ: تَعْرِضُ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ، رَجاءَ أنْ يُسْلِمَ ويَهْتَدِيَ.

﴿وما عَلَيْكَ ألا يَزَّكّى﴾ [عبس: ٧] أيْ: ولَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ في أنْ لا يَتَزَكّى بِالإسْلامِ؛ إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ. قالَ الرّازِيُّ: أيْ: لا يَبْلُغَنَّ بِكَ الحِرْصُ عَلى إسْلامِهِمْ، إلى أنْ تَعْرِضَ عَمَّنْ أسْلَمَ، لِلِاشْتِغالِ بِدَعْوَتِهِمْ.

﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ [عبس: ٨] أيْ: يُسْرِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ.

﴿وهُوَ يَخْشى﴾ [عبس: ٩] أيْ: يَخافُ اللَّهَ ويَتَّقِيهِ.

﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ [عبس: ١٠] أيْ: تُعْرِضُ وتَتَشاغَلُ بِغَيْرِهِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في هَذِهِ الآياتِ حَثٌّ عَلى التَّرْحِيبِ بِالفُقَراءِ والإقْبالِ عَلَيْهِمْ في مَجْلِسِ العِلْمِ وقَضاءِ حَوائِجِهِمْ، وعَدَمِ إيثارِ الأغْنِياءِ عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَقَدْ تَأدَّبَ النّاسُ بِأدَبِ اللَّهِ في هَذا تَأدُّبًا حَسَنًا. فَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الفُقَراءَ كانُوا في مَجْلِسِهِ أُمَراءَ.

الثّانِي: في هَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ ضَنِّهِ ﷺ بِالغَيْبِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ يُقالُ: لَوْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَمَ مِنَ الوَحْيِ شَيْئًا، كَتَمَ هَذا عَنْ نَفْسِهِ.

الثّالِثُ: قالَ الرّازِيُّ: القائِلُونَ بِصُدُورِ الذَّنْبِ عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَمَسَّكُوا (p-٦٠٥٩)بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: لَمّا عاتَبَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ الفِعْلِ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ كانَ مَعْصِيَةً. وهَذا بَعِيدٌ فَإنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ كانَ هو الواجِبَ المُتَعَيِّنَ، إلّا بِحَسَبِ هَذا الِاعْتِبارِ الواحِدِ، وهو أنَّهُ يُوهِمُ تَقْدِيمَ الأغْنِياءِ عَلى الفُقَراءِ. وذَلِكَ غَيْرُ لائِقٍ بِصَلابَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، كانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى تَرْكِ الِاحْتِياطِ وتَرْكِ الأفْضَلِ؛ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ذَنْبًا البَتَّةَ.

وأجابَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (الفَصَلِ) بِقَوْلِهِ: وأمّا قَوْلُهُ:

﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ [عبس: ١] الآياتِ، فَإنَّهُ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ جَلَسَ إلَيْهِ عَظِيمٌ مِن عُظَماءِ قُرَيْشٍ، ورَجا إسْلامَهُ. وعَلِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لَوْ أسْلَمَ لَأسْلَمَ بِإسْلامِهِ ناسٌ كَثِيرٌ وأظْهَرَ الدِّينَ، وعَلِمَ أنَّ هَذا الأعْمى الَّذِي يَسْألُهُ عَنْ أشْياءَ مِن أُمُورِ الدِّينِ لا يَفُوتُهُ، وهو حاضِرٌ مَعَهُ؛ فاشْتَغَلَ عَنْهُ -عَلَيْهِ السَّلامُ- بِما خافَ فَوْتَهُ مِن عَظِيمِ الخَيْرِ عَمّا لا يَخافُ فَوْتَهُ، وهَذا غايَةُ النَّظَرِ في الدِّينِ والِاجْتِهادِ في نُصْرَةِ القُرْآنِ في ظاهِرِ الأمْرِ ونِهايَةُ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ، الَّذِي لَوْ فَعَلَهُ اليَوْمَ مِنّا فاعِلٌ لَأُجِرَ؛ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى ذَلِكَ إذْ كانَ الأوْلى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُقْبِلَ عَلى ذَلِكَ الأعْمى الفاضِلِ البَرِّ التَّقِيِّ، وهَذا نَفْسُ ما قُلْناهُ. انْتَهى.

وقالَ القاشانِيُّ: كانَ ﷺ في حِجْرِ تَرْبِيَةِ رَبِّهِ، لِكَوْنِهِ حَبِيبًا، فَكَما ظَهَرَتْ نَفْسُهُ بِصِفَةٍ حَجَبَتْ عَنْهُ نُورَ الحَقِّ، عُوتِبَ وأُدِّبَ كَما قالَ: ««أدَّبَنِي رَبِّي فَأحْسَنَ تَأْدِيبِي»» إلى أنْ تَخَلَّقَ بِأخْلاقِهِ تَعالى. انْتَهى.

80:11–17Page 585

كـَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ ١١

No! Indeed, they [i.e., these verses] are a reminder;

فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ١٢

So whoever wills may remember it.1

فِي صُحُفٖ مُّكَرَّمَةٖ ١٣

[It is recorded] in honored sheets,

مَّرۡفُوعَةٖ مُّطَهَّرَةِۭ ١٤

Exalted and purified,

بِأَيۡدِي سَفَرَةٖ ١٥

[Carried] by the hands of messenger-angels,

كِرَامِۭ بَرَرَةٖ ١٦

Noble and dutiful.

قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ ١٧

Destroyed [i.e., cursed] is man;1 how disbelieving is he.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١ - ١٧ ] ﴿كَلا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] (p-٦٠٦٠)﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٤] ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦] ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "كَلّا" رَدْعٌ عَنِ المُعاتَبِ عَلَيْهِ وعَنْ مُعاوَدَةِ مِثْلِهِ. قالَ أنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ««كانَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ»» رَواهُ أبُو يَعْلى. وقَوْلُهُ تَعالى "إنَّها تَذْكِرَةٌ" أيْ: أنَّ المُعاتَبَةَ المَذْكُورَةَ مَوْعِظَةٌ يَجِبُ الِاتِّعاظُ بِها والعَمَلُ بِمُوجِبِها.

قالَ الشِّهابُ: وكَوْنُ عِتابِهِ عَلى ما ذَكَرَ عِظَةً؛ لِأنَّهُ مَعَ عَظَمَةِ شَأْنِهِ ومَنزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ إذا عُوتِبَ عَلى مِثْلِهِ. فَما بالُكَ بِغَيْرِهِ؟ وجَوَّزَ عَوْدَ الضَّمِيرِ لِلْآياتِ ولِلسُّورَةِ، والوَصِيَّةِ بِالمُساواةِ بَيْنَ النّاسِ، ولِدَعْوَةِ الإسْلامِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] أيْ: حَفِظَهُ. عَلى أنَّهُ مِنَ (الذِّكْرِ) خِلافَ النِّسْيانِ: أوِ اتَّعَظَ بِهِ، مِنَ: (التَّذْكِيرِ).

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَكَّرَ الضَّمِيرَ لِأنَّ التَّذْكِرَةَ في مَعْنى الذِّكْرِ والوَعْظِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، والكَلامُ اسْتِطْرادٌ.

﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] يَعْنِي صُحُفَ آياتِ التَّنْزِيلِ وسُوَرِهِ.

﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ [عبس: ١٤] أيْ: عالِيَةِ المِقْدارِ ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٤] مِنَ التَّغْيِيرِ والنَّقْصِ والضَّلالَةِ.

﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] جَمْعُ سافِرٍ بِمَعْنى سَفِيرٍ. أوْ هو الَّذِي سَعى بَيْنَ قَوْمِهِ بِالصُّلْحِ والسَّلامِ. يُقالُ: سَفَرَ بَيْنَ القَوْمِ، إذا أصْلَحَ بَيْنَهُمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ:

؎وما أدَعُ السِّفارَةَ بَيْنَ قَوْمِي وما أمْشِي بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ

(p-٦٠٦١)والسَّفَرَةُ، إمّا المَلائِكَةُ لِأنَّهم يُسَفِّرُونَ بِالوَحْيِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ، كَأنَّهُ مَحْمُولٌ بِأيْدِيهِمْ، وإمّا الأنْبِياءُ لِأنَّهم وسائِطُ في الوَحْيِ يُبَلِّغُونَهُ لِلنّاسِ.

﴿كِرامٍ﴾ [عبس: ١٦] أيْ: عِنْدَهُ تَعالى لِاصْطِفائِهِمْ لِلرِّسالَةِ ﴿بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦] أيْ: أخْيارٍ، جَمْعُ: (بارٍّ)، وهو صانِعُ البِرِّ والخَيْرِ.

﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَدَأ بِذِكْرِ القِصَّةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى تَرَفُّعِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، عَجَّبَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ سَبَبٍ في هَذا العَجَبِ والتَّرَفُّعِ؟ مَعَ أنَّ أوَّلَهُ نُطْفَةٌ قَذِرَةٌ وآخِرَهُ جِيفَةٌ مَذِرَةٌ وفِيما بَيْنَ الوَقْتَيْنِ حَمّالُ عَذِرَةٍ؛ فَلا جَرَمَ ذَكَرَ تَعالى ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِعَجَبِهِمْ، وما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِكُفْرِهِمْ؛ فَإنَّ خَلْقَ الإنْسانِ تَصْلُحُ لِأنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وعَلى القَوْلِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، ومَرْجِعُهُ إلى أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ مَنِ اسْتَغْنى عَنِ القُرْآنِ الكَرِيمِ الَّذِي ذُكِرَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ المُوجِبَةُ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ والإيمانِ بِهِ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لِلْمُسْتَغْنِي، ولِأمْثالِهِ مِن أفْرادِهِ، لا بِاعْتِبارِ جَمِيعِ أفْرادِهِ.

لَطائِفُ:

الأُولى: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:

﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ [عبس: ١٧] دُعاءٌ عَلَيْهِ وهي مِن أشْنَعِ دَعَواتِهِمْ؛ لِأنَّ القَتْلَ قُصارى شَدائِدِ الدُّنْيا وفَظائِعِها.

الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في قَوْلِهِ: ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] وجْهانِ: أحَدُهُما التَّعَجُّبُ مِن كُفْرِهِ مَعَ إحْسانِ اللَّهِ إلَيْهِ وأيادِيهِ عِنْدَهُ. والآخَرُ ما الَّذِي أكْفَرَهُ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ؟ وعَلى الثّانِيَةِ فالهَمْزَةُ لِلتَّبْصِيرِ كَأغَدَّ البَعِيرُ.

الثّالِثَةُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ: ولا تَرى أُسْلُوبًا أغْلَظَ مِنهُ ولا أخْشَنَ مَتْنًا ولا أدَلَّ عَلى سُخْطٍ ولا أبْعَدَ شَوْطًا في المَذَمَّةِ، مَعَ تَقارُبِ طَرَفَيْهِ، ولا أجْمَعَ لِلْأئِمَّةِ، عَلى قِصَرِ مَتْنِهِ؛ وسِرُّهُ ما أشارَ لَهُ الرّازِيُّ مِن أنَّ قَوْلَهُ:

﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ [عبس: ١٧] تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ. وقَوْلُهُ: ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اتَّصَفُوا بِأعْظَمِ أنْواعِ القَبائِحِ والمُنْكِراتِ.

(p-٦٠٦٢)الرّابِعَةُ: أفادَ في (الكَشْفِ) أنَّ الدُّعاءَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ، لِامْتِناعِهِ مِنهُ تَعالى، لِأنَّ مَنشَأهُ العَجْزُ، فالمُرادُ بِهِ إظْهارُ السُّخْطِ بِاعْتِبارِ جُزْئِهِ الأوَّلِ، وشَدَّةُ الذَّمِّ بِاعْتِبارِ جُزْئِهِ الثّانِي، أيْ: لِاسْتِحالَةِ التَّعَجُّبِ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ أيْضًا.

80:18–21Page 585

مِنۡ أَيِّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥ ١٨

From what thing [i.e., substance] did He create him?

مِن نُّطۡفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ١٩

From a sperm-drop He created him and destined for him;1

ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ ٢٠

Then He eased the way for him;1

ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقۡبَرَهُۥ ٢١

Then He causes his death and provides a grave for him.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٨ - ٢١ ] ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ إفْراطِهِ في الكُفْرِ، بِتَفْصِيلِ ما أفاضَ عَلَيْهِ مِن مَبْدَأِ فِطْرَتِهِ إلى مُنْتَهى عُمُرِهِ مِن فُنُونِ النِّعَمِ المُوجِبِ لِقَضاءِ حَقِّها بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ، مَعَ إخْلالِهِ بِذَلِكَ.

وفِي الِاسْتِفْهامِ عَنْ مَبْدَأِ خَلْقِهِ، ثُمَّ بَيانِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٩] تَحْقِيرٌ لَهُ، أيْ: مِن أيِّ شَيْءٍ حَقِيرٍ مَهِينٍ خَلَقَهُ؟ مِن نُطْفَةٍ مَذِرَةٍ خَلَقَهُ ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] أيْ: فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ ويَلِيقُ بِهِ مِنَ الأعْضاءِ والأشْكالِ، أوْ فَقَدَّرَهُ أطْوارًا إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ.

﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] أيْ: سَهَّلَهُ، وهو مَخْرَجُهُ مِن رَحِمِ أُمِّهِ بَعْدَ اجْتِنانِهِ وتَعاصِيهِ. أوْ سَبِيلُ الإسْلامِ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَداهُ لِلْإسْلامِ الَّذِي يَسَّرَهُ لَهُ وأعْلَمَهُ بِهِ، أيْ: بِما غُرِزَ في فِطْرَتِهِ مِنَ الخَيْرِ، وأُودِعَ في غَرِيزَتِهِ مِن وِجْدانِ مَعْرِفَةِ الخالِقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي الشَّقاءِ والسَّعادَةِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ قالَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] فَهو يَتَناوَلُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، وبَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، أيْ: جَعَلْناهُ مُتَمَكِّنًا مِن سُلُوكِ سَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ. والتَّيْسِيرُ يَدْخُلُ (p-٦٠٦٣)فِيهِ الإقْدارُ والتَّعْرِيفُ والعَقْلُ وبِعْثَةُ الأنْبِياءِ وإنْزالُ الكُتُبِ، نَقَلَهُ الرّازِيُّ.

﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] أيْ: جَعَلَهُ ذا قَبْرٍ يُوارى فِيهِ؛ تَكْرِمَةً لَهُ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مَطْرُوحًا عَلى وجْهِ الأرْضِ لِلطَّيْرِ والسِّباعِ، كالحَيَوانِ. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ: (فَقَبَرَهُ)؛ لِأنَّ القابِرَ هو الدّافِنُ بِيَدِهِ، والمُقْبِرُ هو اللَّهُ تَعالى يُقالُ: (قَبَرَ المَيِّتَ)، إذا دَفَنَهُ، و: (أقْبَرَ المَيِّتَ)، إذا أمَرَ غَيْرَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ في القَبْرِ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: القابِرُ هو الدّافِنُ المَيِّتَ بِيَدِهِ، كَما قالَ الأعْشى:

؎ولَوْ أسْنَدَتْ مَيِّتًا إلى نَحْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ

80:22–32Page 585

ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ ٢٢

Then when He wills, He will resurrect him.

كـَلَّا لَمَّا يَقۡضِ مَآ أَمَرَهُۥ ٢٣

No! He [i.e., man] has not yet accomplished what He commanded him.

فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ ٢٤

Then let mankind look at his food -

أَنَّا صَبَبۡنَا ٱلۡمَآءَ صَبّٗا ٢٥

How We poured down water in torrents,

ثُمَّ شَقَقۡنَا ٱلۡأَرۡضَ شَقّٗا ٢٦

Then We broke open the earth, splitting [it with sprouts],

فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا حَبّٗا ٢٧

And caused to grow within it grain

وَعِنَبٗا وَقَضۡبٗا ٢٨

And grapes and herbage

وَزَيۡتُونٗا وَنَخۡلٗا ٢٩

And olive and palm trees

وَحَدَآئِقَ غُلۡبٗا ٣٠

And gardens of dense shrubbery

وَفَٰكِهَةٗ وَأَبّٗا ٣١

And fruit and grass -

مَّتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ ٣٢

[As] enjoyment [i.e., provision] for you and your grazing livestock.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٢ - ٣٢ ] ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ ﴿كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلا﴾ [عبس: ٢٩] ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] (p-٦٠٦٤)﴿وفاكِهَةً وأبًّا﴾ [عبس: ٣١] ﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٣٢]

﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ: بَعَثَهُ بَعْدَ مَماتِهِ وأحْياهُ؛ وإنَّما قالَ: "إذا شاءَ" لِأنَّ وقْتَ البَعْثِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِأحَدٍ، فَهو مَوْكُولٌ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، مَتى شاءَ أنْ يُحْيِيَ الخَلْقَ أحْياهم.

قالَ الشِّهابُ: وتَخْصِيصُ النُّشُورِ بِهِ دُونَ الإماتَةِ والإقْبارِ، لِأنَّ وقْتَهُما مُعَيَّنٌ إجْمالًا، عَلى ما هو المَعْهُودُ في الأعْمارِ الطَّبِيعِيَّةِ.

﴿كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُ الإنْسانُ الكافِرُ، مِن أنَّهُ قَدْ أدّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ ومالِهِ، فَإنَّهُ لَمّا يُؤَدِّ ما فَرَضَ عَلَيْهِ مِنَ الفَرائِضِ رَبُّهُ.

وقالَ القاشانِيُّ: لَمّا بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ تَذْكِرَةٌ لِلْمُتَذَكِّرِينَ تَعَجَّبَ مِن كُفْرانِ الإنْسانِ واحْتِجابِهِ حَتّى يَحْتاجَ إلى التَّذْكِيرِ. وعَدَّدَ النِّعَمَ الظّاهِرَةَ الَّتِي يُمْكِنُ بِها الِاسْتِدْلالُ عَلى المُنْعِمِ بِالحِسِّ، مِن مَبادِئِ خِلْقَتِهِ، وأحْوالِهِ في نَفْسِهِ، وما هو خارِجٌ عَنْهُ مِمّا لا يُمْكِنُ حَياتُهُ إلّا بِهِ. وقَرَّرَ أنَّهُ مَعَ اجْتِماعِ الدَّلِيلَيْنِ، أيِ: النَّظَرُ في هَذِهِ الأحْوالِ المُوجِبُ لِمَعْرِفَةِ المُوجِدِ المُنْعِمِ والقِيامُ بِشُكْرِهِ، وسَماعُ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ بِنُزُولِ القُرْآنِ، لَمّا يَقْضِ في الزَّمانِ المُتَطاوِلِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِن شُكْرِ نِعْمَتِهِ، بِاسْتِعْمالِها في إخْراجِ كَمالِهِ إلى الفِعْلِ، والتَّوَصُّلِ بِها إلى المُنْعِمِ، بَلِ احْتَجَبَ بِها وبِنَفْسِهِ عَنْهُ. انْتَهى.

ولَمّا فَصَّلَ تَعالى النِّعَمَ المُتَعَلِّقَةَ بِحُدُوثِهِ، تَأثُّرَها بِتَعْدادِ النِّعَمِ المُتَعَلِّقَةِ بِبَقائِهِ.

فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] أيْ: فَإنْ لَمْ يَشْهَدْ خَلْقَ ذاتِهِ، وعَمِيَ عَنِ الآياتِ في نَفْسِهِ، وأصَرَّ عَلى جُحُودِهِ تَوْحِيدَ رَبِّهِ، فَلْيَنْظُرْ إلى طَعامِهِ ومَأْكَلِهِ الَّذِي هو أقْرَبُ الأشْياءِ لَدَيْهِ. ماذا صَنَعْنا في إحْدائِهِ وتَهْيِئَتِهِ لِأنْ يَكُونَ غِذاءً صالِحًا.

وقَوْلُهُ تَعالى:

﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ﴾ [عبس: ٢٥] أيْ: مِنَ (p-٦٠٦٥)المُزْنِ ﴿صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] أيْ: شَدِيدًا ظاهِرًا. وقَدْ قُرِئَ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنّا)، عَلى الِاسْتِئْنافِ المُبَيِّنِ لِكَيْفِيَّةِ حُدُوثِ الطَّعامِ، وبِالفَتْحِ عَلى البَدَلِيَّةِ، بَدَلَ اشْتِمالٍ، بِمَعْنى سَبَبِيَّةِ الأوَّلِ لِلثّانِي أوْ تَقُومُ الثّانِي بِالأوَّلِ. فَهو مِنِ اشْتِمالِ الثّانِي عَلَيْهِ أوْ بَدَلَ كُلٍّ، ادِّعاءً.

﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] أيْ: صَدَعْناها بِالنَّباتِ، أوْ شَقَقْنا أجْزاءَها بَعْدَ الرَّيِّ لِيَتَخَلَّلَ الهَواءُ والضَّباءُ في جَوْفِها.

﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] يَعْنِي حَبَّ الزَّرْعِ، وهو كُلُّ ما حُصِدَ مِن نَحْوِ الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وغَيْرِهِما مِنَ الحُبُوبِ.

﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] وهو كُلُّ ما أُكِلَ مِنَ النَّباتِ رَطْبًا، كالقِثّاءِ والخِيارِ ونَحْوِهِما. سُمِّيَ قَضْبًا لِأنَّهُ يُقْضَبُ، أيْ: يُقْطَعُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.

﴿وزَيْتُونًا ونَخْلا﴾ [عبس: ٢٩] ﴿وحَدائِقَ﴾ [عبس: ٣٠] جَمْعُ حَدِيقَةٍ وهي البَساتِينُ ذَواتُ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ، عَلَيْها حَوائِطُ تُحِيطُ بِها ﴿غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] جَمْعُ غَلْباءَ، أيْ: ضَخْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وعِظَمُها إمّا لِاتِّساعِها البالِغِ حَدَّ البَصَرِ، أوْ لِغِلَظِ أشْجارِها وتَكاثُفِها والتِفافِها.

﴿وفاكِهَةً﴾ [عبس: ٣١] أيْ: ما يُؤْكَلُ مِن ثِمارِ الأشْجارِ ﴿وأبًّا﴾ [عبس: ٣١] وهو المَرْعى الَّذِي تَأْكُلُهُ البَهائِمُ مِنَ العُشْبِ والنَّباتِ.

﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٣٢] أيْ: تَمْتِيعًا. مَفْعُولٌ لَهُ لِـ: أنْبَتْنا، أوْ مَصْدَرٌ حُذِفَ فِعْلُهُ وجُرِّدَ مِنَ الزَّوائِدِ، أيْ: مَتَّعَكم بِذَلِكَ مَتاعًا، وجَعَلَكم تَنْتَفِعُونَ بِهِ أنْتُمْ وأنْعامُكم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском