Al-QasimiAs‑Saf · 61:1–9

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

الصف

As-Saf

The Ranks · Medinan · 14 ayahs

61:1Page 551

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١

Whatever is in the heavens and whatever is on the earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.

(p-٥٧٨٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الصَّفِّ

وتُسَمّى سُورَةَ (الحَوارِيِّينَ). وهي مَدَنِيَّةٌ. ولا عِبْرَةَ بِقَوْلِ إنَّها مَكِّيَّةٌ؛ لِأنَّ آياتِها المُحَرِّضَةَ عَلى القِتالِ تَرُدُّهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُشْرَعِ الجِهادُ إلّا في المَدِينَةِ. وآيُها أرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً.

(p-٥٧٨١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ: أذْعَنَ لِلَّهِ كُلُّ خَلْقِهِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وانْقادَ لِتَسْخِيرِهِ، ودَلَّ عَلى أُلُوهِيَّتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ. وتَقَدَّمَ بَيانُهُ.

61:2–3Page 551

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ ٢

O you who have believed, why do you say what you do not do?

كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ ٣

Greatly hateful in the sight of Allāh is that you say what you do not do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢ - ٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]

﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: مِن لَوازِمِ الإيمانِ الحَقِيقِيِّ الصِّدْقُ وثَباتُ العَزِيمَةِ؛ إذْ خُلُوصُ الفِطْرَةِ عَنْ شَوائِبِ النَّشْأةِ يَقْتَضِيهِما. وقَوْلُهُ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] يَحْتَمِلُ الكَذِبَ، وخُلْفَ الوَعْدِ. فَمَنِ ادَّعى الإيمانَ وجَبَ عَلَيْهِ الِاجْتِنابُ عَنْهُما بِحُكْمِ الإيمانِ، وإلّا فَلا حَقِيقَةَ لِإيمانِهِ؛ ولِهَذا قالَ:

" ما لا تَفْعَلُونَ " لِأنَّ الكَذِبَ يُنافِي المُرُوءَةَ الَّتِي هي مِن مَبادِئِ الإيمانِ، فَضْلًا عَنْ كَمالِهِ؛ إذِ الإيمانُ الأصْلِيُّ هو الرُّجُوعُ إلى الفِطْرَةِ الأُولى والدِّينِ القَيِّمِ. وهي تَسْتَلْزِمُ أجْناسَ الفَضائِلِ بِجَمِيعِ أنْواعِها، الَّتِي أقَلُّ دَرَجاتِها العِفَّةُ المُقْتَضِيَةُ لِلْمُرُوءَةِ، والكاذِبُ لا مُرُوءَةَ لَهُ، فَلا إيمانَ لَهُ حَقِيقَةً. وإنَّما قُلْنا: لا مُرُوءَةَ لَهُ؛ لِأنَّ النُّطْقَ هو الإخْبارُ المُفِيدُ لِلْغَيْرِ مَعْنًى، المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ. والإنْسانُ خاصَّتُهُ الَّتِي تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ، هي النُّطْقُ، فَإذا لَمْ يُطابِقِ الإخْبارَ، لَمْ تَحْصُلْ فائِدَةُ النُّطْقِ، فَخَرَجَ صاحِبُهُ عَنِ الإنْسانِيَّةِ، وقَدْ أفادَ ما لَمْ يُطابِقْ مِنَ اعْتِقادِ وُقُوعِ غَيْرِ الواقِعِ، فَدَخَلَ في حَدِّ الشَّيْطَنَةِ، فاسْتَحَقَّ المَقْتَ الكَبِيرَ عِنْدَ اللَّهِ، (p-٥٧٨٢)بِإضاعَةِ اسْتِعْدادِهِ، واكْتِسابِ ما يُنافِيهِ مِن أضْدادِهِ. وكَذا الخُلْفُ؛ لِأنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الكَذِبِ، ولِأنَّ صِدْقَ العَزْمِ وثَباتَهُ مِن لَوازِمِ الشَّجاعَةِ الَّتِي هي إحْدى الفَضائِلِ اللّازِمَةِ لِسَلامَةِ الفِطْرَةِ، وأوَّلُ دَرَجاتِها، فَإذا انْتَفَتِ انْتَفى الإيمانُ الأصْلِيُّ بِانْتِفاءِ مَلْزُومِهِ، فَثَبَتَ المَقْتُ مِنَ اللَّهِ. انْتَهى.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا مِن أفْصَحِ الكَلامِ وأبْلَغِهِ في مَعْناهُ، قَصَدَ في (كَبُرَ) التَّعَجُّبَ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ. ومَعْنى التَّعَجُّبِ تَعْظِيمُ الأمْرِ في قُلُوبِ السّامِعِينَ. وأسْنَدَ إلى (أنْ تَقُولُوا)، ونَصَبَ (مَقْتًا) عَلى تَفْسِيرِهِ، دَلالَةً عَلى أنَّ قَوْلَهم ما لا يَفْعَلُونَ مَقْتٌ خالِصٌ، لا شَوْبَ فِيهِ، لِفَرْطِ تَمَكُّنِ المَقْتِ مِنهُ. واخْتِيرَ لَفْظُ (المَقْتِ)؛ لِأنَّهُ أشَدُّ البُغْضِ وأبْلَغُهُ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى أنْ جَعَلَ البُغْضَ كَبِيرًا، حَتّى جُعِلَ أشُدَّهُ وأفْحَشَهُ. و(عِنْدَ اللَّهِ) أبْلَغُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إذا ثَبَتَ كِبَرُ مَقْتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَقَدْ تَمَّ كِبَرُهُ وشِدَّتُهُ.

قالَ النّاصِرُ: وزائِدٌ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ وجْهٌ خامِسٌ، وهو تَكْرارٌ لِقَوْلِهِ:

" ما لا تَفْعَلُونَ " وهو لَفْظٌ واحِدٌ، في كَلامٍ واحِدٍ. ومِن فَوائِدِ التَّكْرارِ التَّهْوِيلُ والإعْظامُ.

61:4Page 551

إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ ٤

Indeed, Allāh loves those who fight in His cause in a row as though they are a [single] structure joined firmly.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤] ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾

﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ قالَ القاشانِيُّ: لِأنَّ بَذْلَ النَّفْسِ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ خُلُوصِ النَّفْسِ في مَحَبَّةِ اللَّهِ؛ إذِ المَرْءُ إنَّما يُحِبُّ كُلَّ ما يُحِبُّ مِن دُونِ اللَّهِ لِنَفْسِهِ. فَأصْلُ الشِّرْكِ ومُحِبَّةِ الأنْدادِ، مَحَبَّةُ النَّفْسِ. فَإذا سَمَحَ بِالنَّفْسِ، كانَ غَيْرَ مُحِبٍّ لِنَفْسِهِ، وإذا لَمْ يُحِبَّ نَفْسَهُ فَبِالضَّرُورَةِ لَمْ يُحِبَّ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيا، وإذا كانَ بَذْلُهُ لِلنَّفْسِ في اللَّهْوِ وفي سَبِيلِهِ لا لِلنَّفْسِ، كَما قالَ -تَرَكَ الدُّنْيا لِلدُّنْيا- كانَتْ (p-٥٧٨٣)مَحَبَّةُ اللَّهِ في قَلْبِهِ راجِحَةً عَلى مَحَبَّةِ كُلِّ شَيْءٍ، فَكانَ مِنَ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وإذا كانُوا كَذَلِكَ يَلْزَمُ مَحَبَّةُ اللَّهِ إيّاهُمْ، لِقَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] انْتَهى.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: في ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِيبَ مَقْتِ المُخَلَّفِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْتَ قَدْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِ الَّذِينَ وُعِدُوا الثَّباتَ في قِتالِ الكُفّارِ، فَلَمْ يَفُوا. انْتَهى.

وأيَّدَهُ النّاصِرُ مِنَ الوُجْهَةِ البَيانِيَّةِ بِأنَّ الأوَّلَ كالبَسْطَةِ العامَّةَ لِهَذِهِ القِصَّةِ الخاصَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] فالنَّهْيُ العامُّ ورَدَ أوَّلًا، والمَقْصُودُ انْدِراجُ هَذا الخاصِّ فِيهِ، كَما تَقُولُ لِلْمُقْتَرِفِ جُرْمًا مُعَيَّنًا: لا تَفْعَلْ ما يُلْصِقُ العارَ بِكَ، ولا تُشاتِمُ زَيْدًا. وفائِدَةُ مِثْلِ هَذا النَّظْمِ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ الواحِدِ مَرَّتَيْنِ، مُنْدَرِجًا في العُمُومِ، ومُفْرَدًا بِالخُصُوصِ. وهو أوْلى مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ عَلى الخُصُوصِ مَرَّتَيْنِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مَعْدُودٌ في حَيِّزِ التَّكْرارِ، وهَذا يَتَكَرَّرُ مَعَ ما في التَّعْمِيمِ مِنَ التَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ. انْتَهى.

الثّانِي: في "الإكْلِيلِ": قالَ الكَيا الهَرّاسِيُّ: يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] في وُجُوبِ الوَفاءِ بِالنَّذْرِ، ونَذْرِ اللَّجاجِ. قالَ غَيْرُهُ: والوُعُودِ. انْتَهى.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو إنْكارٌ عَلى مَن يَعِدُ وعْدًا، أوْ يَقُولُ قَوْلًا، لا يَفِي بِهِ. ولِهَذا اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَن ذَهَبَ مِن عُلَماءِ السَّلَفِ إلى أنَّهُ يَجِبُ الوَفاءُ بِالوَعْدِ مُطْلَقًا، سَواءٌ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ عَزْمُ المَوْعُودِ أمْ لا. واحْتَجُّوا أيْضًا مِنَ السُّنَّةِ بِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ (p-٥٧٨٤)أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ»» . ولِهَذا أكَّدَ اللَّهُ تَعالى هَذا الإنْكارَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]

وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: أتانا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأنا صَبِيٌّ، فَذَهَبَتْ لِأخْرُجَ لِألْعَبَ، فَقالَتْ أُمِّي: يا عَبْدَ اللَّهِ ! تَعالَ أُعْطِكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وما أرَدْتِ أنْ تُعْطِيَهُ» ؟ قالَتْ: تَمْرًا. فَقالَ: «أمّا إنَّكِ لَوْ لَمْ تَفْعَلِي، كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ»» .

وذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى أنَّهُ إذا تَعَلَّقَ بِالوَعْدِ عَزْمٌ عَلى المَوْعُودِ، وجَبَ الوَفاءُ بِهِ. كَما قالَ لِغَيْرِهِ: تَزَوَّجْ ولَكَ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ كَذا. فَتَزَوَّجَ. وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَهُ ما دامَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ.

وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لا يَجِبُ مُطْلَقًا، وحَمَلُوا الآيَةَ عَلى أنَّها نَزَلَتْ حِينَ تَمَنَّوْا فَرِيضَةَ الجِهادِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا فُرِضَ، نَكَلَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: ٧٧] وقالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُـزِّلَتْ سُورَةٌ فَإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠] الآيَةَ. وهَكَذا هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها كَما «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ ناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ الجِهادُ، يَقُولُونَ: لَوَدِدْنا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ (p-٥٧٨٥)دَلَّنا عَلى أحَبِّ الأعْمالِ إلَيْهِ فَنَعْمَلُ بِهِ فَأخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنَّ أحَبَّ الأعْمالِ إيمانٌ بِهِ لا شَكَّ فِيهِ، وجِهادُ أهْلِ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ خالَفُوا الإيمانَ، ولَمْ يُقِرُّوا بِهِ. فَلَمّا نَزَلَ الجِهادُ كَرِهَ ذَلِكَ ناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وشَقَّ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]» وقِيلَ: كانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: لَوْ نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أحَبَّ إلى اللَّهِ لَأتَيْناهُ، ولَوْ ذَهَبَتْ فِيهِ أنْفُسُنا وأمْوالُنا، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ، تَوَلَّوْا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، حَتّى شُجَّ وكُسِرَتْ رَباعِيَّتُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ.

وقِيلَ: نَزَلَ هَذا تَوْبِيخًا لِقَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِدُونَ المُؤْمِنِينَ النَّصْرَ وهم كاذِبُونَ. يَقُولُونَ: لَوْ خَرَجْتُمْ خَرَجْنا مَعَكُمْ، وكُنّا في نَصْرِكُمْ، وفي وفي...... رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ.

وكُلُّ المَرْوِيِّ هُنا ما تَشْمَلُهُ الآيَةُ.

وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «تَذاكَرْنا أيُّكم يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيَسْألُهُ: أيُّ الأعْمالِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ فَلَمْ يَقُمْ مِنّا أحَدٌ، فَأرْسَلَ إلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا فَجَمَعَنا فَقَرَأ عَلَيْنا هَذِهِ السُّورَةَ -يَعْنِي سُورَةَ الصَّفِّ- كُلَّها». ولَفْظُ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ «أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: لَوْ أرْسَلْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ. قالَ: فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُولَئِكَ النَّفَرَ رَجُلًا رَجُلًا، حَتّى جَمَعَهُمْ، ونَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ السُّورَةُ -الصَّفُّ- قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: فَقَرَأها عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّها».

وفِي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ هَذِهِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ: وهي أنَّ قَوْلَ الصَّحابِيِّ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، بِمَعْنى قُرِئَتْ في الحادِثَةِ، كَما بَيَّنَتْهُ الرِّوايَةُ قَبْلَهُ. والرِّواياتُ يُفَسِّرُ بَعْضُها بَعْضًا. وقَدْ نَبَّهْنا عَلى ذَلِكَ مِرارًا.

الثّالِثُ: في "الإكْلِيلِ" في قَوْلِهِ:

﴿كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ اسْتِحْبابُ قِيامِ المُجاهِدِينَ في القِتالِ صُفُوفًا كَصُفُوفِ الصَّلاةِ، وأنَّهُ يُسْتَحَبُّ سَدُّ الفُرَجِ والخَلَلِ في الصُّفُوفِ، (p-٥٧٨٦)وإتْمامُ صَفِّ الأوَّلِ فالأوَّلِ، وتَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ قَدَمًا بِقَدَمٍ، لا يَتَقَدَّمُ بَعْضٌ عَلى بَعْضٍ فِيها.

قالَ ابْنُ أبِي الفَرَسِ: واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ قِتالَ الرَّجّالَةِ أفْضَلُ مِن قِتالِ الفُرْسانِ؛ لِأنَّ التَّراصَّ إنَّما يُمْكِنُ مِنهم. قالَ: وهو مَمْنُوعٌ. انْتَهى.

وفِي التَّشْبِيهِ وجْهانِ آخَرانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ الثَّباتَ ورُسُوخَ الأقْدامِ في المَوْقِفِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُتَزَلْزِلَ القَدَمُ، والمُضْطَرِبَ في المَوْقِفِ: دَعْ مَن يَعْزِمُ عَلى الفِرارِ مِمَّنْ يَمْقُتُهُ اللَّهُ تَعالى، ولا تَنالُهُ مَحَبَّتُهُ.

ثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المَعْنِيُّ بِهِ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ، والِاتِّفاقَ عَلى تَسْوِيَةِ الشَّأْنِ مَعَ العَدُوِّ، حَتّى يَكُونُوا في الِاتِّحادِ ومُوالاةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ. وقَدْ أشارَ لِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ الرّازَّيُّ. وهُما أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ، لِتَقْوِيَتِهِما لِمَعْنى طَلِيعَةِ السُّورَةِ، مِنَ الثَّباتِ عَلى الوَعْدِ والوَفاءِ بِهِ، والعَتَبِ عَلى مَن يُخْلِفُ فِيهِ، كَما تَقَدَّمَ.

61:5Page 551

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ لِمَ تُؤۡذُونَنِي وَقَد تَّعۡلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡۖ فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٥

And [mention, O Muḥammad], when Moses said to his people, "O my people, why do you harm me while you certainly know that I am the messenger of Allāh to you?" And when they deviated, Allāh caused their hearts to deviate. And Allāh does not guide the defiantly disobedient people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥] ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾ أيْ: لِمَ تُوصِلُونَ إلَيَّ الأذى بِالمُخالَفَةِ والعِصْيانِ لِما آمُرُكم بِهِ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ صِدْقِي فِيما جِئْتُكم بِهِ مِنَ الرِّسالَةِ، لِما شاهَدْتُمْ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ؟ ومُقْتَضى عِلْمِكم ذَلِكَ تَعْظِيمِي وإطاعَتِي؛ لِأنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ وعَظَمَتَهُ، عَظَّمَ رَسُولَهُ؛ لِأنَّ تَعْظِيمَهُ في تَعْظِيمِ رَسُولِهِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفي هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما أصابَهُ مِنَ الكُفّارِ مِن قَوْمِهِ وغَيْرِهِمْ، وأمْرٌ لَهُ بِالصَّبْرِ. ولِهَذا قالَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ««رَحْمَةُ اللَّهِ عَلى مُوسى! لَقَدْ أُوذِيَ بِأكْثَرَ (p-٥٧٨٧)مِن هَذا فَصَبَرَ»» . وفِيهِ نَهْيٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُوصِلُوا لَهُ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أذًى، كَما قالَ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] انْتَهى.

وقالَ أبُو السُّعُودِ: هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن شَناعَةِ تَرْكِ القِتالِ. و"إذْ" مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ. خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ. أيْ: واذْكُرْ لِهَؤُلاءِ المُعْرِضِينَ عَنِ القِتالِ، وقْتَ قَوْلِ مُوسى لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ نَدَبَهم إلى قِتالِ الجَبابِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] فَلَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَهُ، وعَصَوْهُ أشَدَّ عِصْيانٍ، حَيْثُ قالُوا: ﴿يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] وأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ، وآذَوْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كُلَّ الأذِيَّةِ. هَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، ويَرْتَضِيهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ. وأمّا ما قِيلَ بِصَدَدِ بَيانِ أسْبابِ الأذِيَّةِ، مِن أنَّهم كانُوا يُؤْذُونَهُ بِأنْواعِ الأذى، مِنَ انْتِقاصِهِ وعَيْبِهِ في نَفْسِهِ وعِصْيانِهِ فِيما تَعُودُ إلَيْهِمْ مَنافِعُهُ، وعِبادَتِهِمُ البَقَرَ، وطَلَبِهِمْ رُؤْيَةَ اللَّهِ جَهْرَةً، فَمِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ. انْتَهى مُلَخَّصًا. ومُلَخَّصُهُ: أنَّ المَقامَ يُعَيِّنُ نَوْعَ الأذِيَّةِ ويُخَصِّصُها، والقَرِينَةُ إحْدى مُخَصِّصاتِ العامِّ، إلّا أنَّ أخْذَها عامَّةً أعْظَمُ في التَّسْلِيَةِ وأوْلى، وُقُوفًا مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ الكَرِيمِ.

﴿فَلَمّا زاغُوا﴾ أيْ: عَنْ مُقْتَضى عِلْمِهِمْ لِفَرْطِ الهَوى، وحُبِّ الدُّنْيا ﴿أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ: عَنْ طَرِيقِ الهُدى، وحَجَبَهم عَنْ نُورِ الكَمالِ، لِصَرْفِ اخْتِيارِهِمْ نَحْوَ الغَيِّ والضَّلالِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ ومِنهاجِ الحَقِّ، المُصِرِّينَ عَلى الغَوايَةِ.

(p-٥٧٨٨)

61:6Page 552

وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٦

And [mention] when Jesus, the son of Mary, said, "O Children of Israel, indeed I am the messenger of Allāh to you confirming what came before me of the Torah and bringing good tidings of a messenger to come after me, whose name is Aḥmad."1 But when he came to them with clear evidences, they said, "This is obvious magic."2

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦] ﴿وإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾

﴿وإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ أيِ: الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى، وذَلِكَ مِمّا يَدْعُو إلى تَصْدِيقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: الدَّلالاتِ الَّتِي آتاها اللَّهُ إيّاهُ، حُجَجًا عَلى نُبُوَّتِهِ، ﴿قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: بَيِّنٌ.

والإشارَةُ إلى ما جاءَ بِهِ أوْ إلَيْهِ ﷺ، وتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا مُبالَغَةٌ. يُرِيدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنَّ دِينِي التَّصْدِيقُ بِكُتُبِ اللَّهِ وأنْبِيائِهِ جَمِيعًا، مِمَّنْ تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: نَقَلَ الرّازِيُّ وغَيْرُهُ مِصْداقَ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الإنْجِيلِ المَوْجُودِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ. وذَلِكَ في "إنْجِيلِ يُوحَنّا"، في البابِ الرّابِعَ عَشَرَ، هَكَذا:

إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فاحْفَظُوا وصايايَ، وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ فَيُعْطِيكم فارْقِلِيطَ آخَرَ لِيَثْبُتَ مَعَكم إلى الأبَدِ -كَما في النُّسْخَةِ المَطْبُوعَةِ سَنَةَ ١٨٢١ و١٨٣١ و١٨٣٣ بِمَدِينَةِ لَنْدَنَ - وفارْقِلِيطُ يُونانِيَّةٌ، ولَفْظُها الأصْلِيُّ بِيرْكِلُوطُ، ومَعْناهُ: مُحَمَّدٌ أوْ أحْمَدُ، كَما بَيَّنَهُ صاحِبُ "إظْهارِ الحَقِّ".

وذَكَرَتْ جَرِيدَةُ المُؤَيَّدِ عَدَدَ (٣٢٨٤) صَفْحَةِ (٢) تَحْتَ عُنْوانِ: لا يَعْدَمُ الإسْلامُ مُنْصِفًا:

وقالَ مِسْيُو مارْسِيهْ مِن مَدْرَسَةِ اللُّغاتِ الشَّرْقِيَّةِ، ما يَأْتِي:

إنَّ مُحَمَّدًا هو مُؤَسِّسُ الدِّينِ الإسْلامِيِّ، واسْمُ مُحَمَّدٍ جاءَ مِن مادَّةِ حَمَدَ. ومِن غَرِيبِ الِاتِّفاقِ (p-٥٧٨٩)أنَّ نَصارى العَرَبِ كانُوا يَسْتَعْمِلُونَ اسْمًا مِن نَفْسِ المادَّةِ يَقْرُبُ في المَعْنى مِن مُحَمَّدٍ، وهو أحْمَدُ، لِتَسْمِيَةِ البَراكِلِيَّةِ بِهِ، ومَعْنى أحْمَدَ صاحِبُ الحَمْدِ، وهَذا ما دَعا عُلَماءَ الدِّينِ الإسْلامِيِّ أنْ يُثْبِتُوا بِأنَّ كُتُبَ المَسِيحِيِّينَ قَدْ بَشَّرَتْ بِمَجِيءِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ. وقَدْ أشارَ القُرْآنُ نَفْسُهُ إلى هَذا بِقَوْلِهِ عَنِ المَسِيحِ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾

وقَدْ قالَ اسْبِرانْجِيهْ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُشِيرُ إشارَةً خاصَّةً إلى عِبارَةِ "إنْجِيلِ يُوحَنّا" حَيْثُ وعَدَ المَسِيحُ تَلامِذَتَهُ بِبَعْثَةِ صاحِبِ هَذا الِاسْمِ. انْتَهى بِالحَرْفِ.

وأمّا "إنْجِيلُ بِرْنابا" فَفِيهِ العِباراتُ الصَّرِيحَةُ المُتَكَرِّرَةُ، بَلِ الفُصُولُ الضّافِيَةُ الذُّيُولِ، الَّتِي يُذْكَرُ فِيها اسْمُ مُحَمَّدٍ في عَرْضِها ذِكْرًا صَرِيحًا، ويَقُولُ: إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.

وقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بِيرَمٍ عَنْ رَحّالَةٍ إنْكِلِيزِيٍّ أنَّهُ رَأى في دارِ الكُتُبِ الباباوِيَّةِ في الفاتِيكانِ نُسْخَةً مِنَ الإنْجِيلِ مَكْتُوبَةً بِالقَلَمِ الحِمْيَرِيِّ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وفِيها يَقُولُ المَسِيحُ:

﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ وذَلِكَ مُوافِقٌ لِنَصِّ القُرْآنِ الكَرِيمِ بِالحَرْفِ. وقَدْ بَدَّلَ الرُّهْبانُ نَقْطَ الفارْقِلِيطِ في المَطْبُوعاتِ الأخِيرَةِ بِ: "المُعَزِّي".

قالَ بَعْضُهُمْ: ولا عَجَبَ مِن هَذِهِ التَّحْرِيفاتِ المُتَجَدِّدَةِ بِتَجَدُّدِ الطَّبَعاتِ؛ فَإنَّها سَجِيَّةُ القَوْمِ في كُتُبِهِمُ المُقَدَّسَةِ.

؎سَجِيَّةٌ تِلْكَ فِيهِمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ

الثّالِثُ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "جَلاءِ الأفْهامِ": الفَرْقُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وأحْمَدَ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ مُحَمَّدًا هو المَحْمُودُ حَمْدًا بَعْدَ حَمْدٍ، فَهو دالٌّ عَلى كَثْرَةِ حَمْدِ الحامِدِينَ لَهُ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ كَثْرَةَ مُوجِباتِ الحَمْدِ فِيهِ، و(أحْمَدُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الحَمْدِ، يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَمْدَ الَّذِي (p-٥٧٩٠)يَسْتَحِقُّهُ أفْضَلُ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ. فَمُحَمَّدٌ زِيادَةُ حَمْدٍ في الكَمِّيَّةِ، وأحْمَدُ زِيادَةٌ في الكَيْفِيَّةِ، فَيُحْمَدُ أكْثَرَ حَمْدٍ، وأفْضَلَ حَمْدٍ حَمِدَهُ البَشَرُ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مُحَمَّدًا هو المَحْمُودُ حَمْدًا مُتَكَرِّرًا كَما تَقَدَّمَ، وأحْمَدُ هو الَّذِي حَمِدَهُ لِرَبِّهِ أفْضَلَ مِن حَمْدِ الحامِدِينَ غَيْرِهِ. فَدَلَّ أحَدُ الِاسْمَيْنِ - وهو مُحَمَّدٌ - كَوْنَهُ مَحْمُودًا. ودَلَّ الِاسْمُ الثّانِي: وهو أحْمَدُ - عَلى كَوْنِهِ أحْمَدَ الحامِدِينَ لِرَبِّهِ، وهَذا هو القِياسُ، فَإنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ والتَّعَجُّبَ عِنْدَ جَماعَةِ البَصْرِيِّينَ لا يُبْنَيانِ إلّا مِن فِعْلِ الفاعِلِ، لا مِن فِعْلِ المَفْعُولِ، ذَهابًا إلى أنَّهُما إنَّما يُصاغانِ مِنَ الفِعْلِ اللّازِمِ لا المُتَعَدِّي ونازَعَهم آخَرُونَ وجَوَّزُوا بِناءَهُما مِنَ الفِعْلِ الواقِعِ عَلى المَفْعُولِ، لِقَوْلِ العَرَبِ: ما أشْغَلَهُ بِالشَّيْءِ.

إلى أنْ قالَ: والمَقْصُودُ أنَّهُ ﷺ سُمِّيَ مُحَمَّدًا وأحْمَدَ؛ لِأنَّهُ يُحْمَدُ أكْثَرَ ما يُحْمَدُ غَيْرُهُ، وأفْضَلَ مِمّا يُحْمَدُ غَيْرُهُ. فالِاسْمانِ واقِعانِ، عَلى المَفْعُولِ، وهَذا هو المُخْتارُ. وذَلِكَ أبْلَغُ في مَدْحِهِ، وأتَمُّ مَعْنًى. ولَوْ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الفاعِلِ لَسُمِّيَ الحَمّادَ وهو كَثِيرُ الحَمْدِ، كَما سُمِّيَ مُحَمَّدًا، وهو المَحْمُودُ كَثِيرًا؛ فَإنَّهُ ﷺ ««كانَ أكْثَرَ الخَلْقِ حَمْدًا لِرَبِّهِ»»، فَلَوْ كانَ اسْمَهُ بِاعْتِبارِ الفاعِلِ، لَكانَ الأوْلى أنْ يُسَمّى حَمّادًا، كَما أنَّ اسْمَ أُمَّتِهِ الحَمّادُونَ. وأيْضًا فَإنَّ الِاسْمَيْنِ إنَّما اشْتُقّا مِن أخْلاقِهِ وخَصائِلِهِ المَحْمُودَةِ الَّتِي لِأجْلِها اسْتَحَقَّ أنْ يُسَمّى مُحَمَّدًا وأحْمَدَ، فَهو الَّذِي يَحْمَدُهُ أهْلُ الدُّنْيا وأهْلُ الآخِرَةِ، ويَحْمَدُهُ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلِكَثْرَةِ خَصائِلِهِ الَّتِي تَفُوتُ عَدَّ العادِّينَ سُمِّيَ بِاسْمَيْنِ مِن أسْماءِ الحَمْدِ، يَقْتَضِيانِ التَّفْضِيلَ والزِّيادَةَ في القَدْرِ والصِّفَةِ. انْتَهى.

61:7Page 552

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُوَ يُدۡعَىٰٓ إِلَى ٱلۡإِسۡلَٰمِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٧

And who is more unjust than one who invents about Allāh untruth while he is being invited to Islām. And Allāh does not guide the wrongdoing people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ وأشَدُّ عُدْوانًا مِمَّنْ يُدْعى إلى الإسْلامِ الظّاهِرِ حَقِيقَتُهُ، المُسْعِدِ لَهُ في الدّارَيْنِ، فَيَسْتَبْدِلُ إجابَتَهُ (p-٥٧٩١)بِافْتِراءِ الكَذِبِ، واخْتِلاقِهِ عَلى اللَّهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ لِكَلامِهِ تَعالى: سِحْرٌ، ولِرَسُولِهِ: ساحِرٌ، وهَذِهِ الآيَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ لِتَحْقِيقِ رِسالَةِ النَّبِيِّ ﷺ، طَلِيعَةَ لِلْآياتِ بَعْدَها، وإمّا مُتَمِّمَةٌ لِما قَبْلَها، لِتَقْبِيحِ ما بَهَتَ بِهِ الإسْرائِيلِيُّونَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ الإشارَةِ بِعُمُومِها إلى ذَمِّ كُلِّ مَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِمْ. ولا يُقالُ: " الإسْلامُ " يُؤَيِّدُ الأوَّلَ؛ لِأنَّهُ عُنْوانُ المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُرادُ بِهِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ. وقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ في آياتٍ شَتّى، نَعَمِ: الأقْرَبُ الأوَّلُ، واحْتِمالُ مِثْلِ الآيَةِ لِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ مَعَ بَدائِعِ التَّنْزِيلِ.

﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ بِما أُنْزِلَ مِنَ الحَقِّ.

61:8Page 552

يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨

They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh will perfect His light, although the disbelievers dislike it.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨] ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾

﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يُرِيدُ هَؤُلاءِ القائِلُونَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: هَذا ساحِرٌ، لِيُبْطِلُوا الحَقَّ الَّذِي جاءَ بِهِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ ساحِرٌ، وما جاءَ بِهِ سِحْرٌ، واللَّهُ مُعْلِنٌ الحَقَّ، ومُظْهِرٌ دِينَهُ، وناصِرٌ رَسُولَهُ عَلى مَن عاداهُ، فَذَلِكَ إتْمامُ نُورِهِ. انْتَهى.

فَ: ﴿نُورَ اللَّهِ﴾ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ لِدِينِهِ، و(الإطْفاءُ) تَرْشِيحٌ، أوِ التَّرْكِيبُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، مُثِّلَتْ عَلى حالِهِمْ في اجْتِهادِهِمْ في إبْطالِ الحَقِّ، بِحالِ مَن يَنْفُخُ في نُورِ الشَّمْسِ بِفِيهِ لِيُطْفِئَهُ، تَهَكُّمًا وسُخْرِيَةً بِهِمْ، كَما يَقُولُ النّاسُ: هو يُطَيِّنُ عَيْنَ الشَّمْسِ والثّانِي أبْلَغُ وألْطَفُ، وهو مُخْتارُ الزَّمَخْشَرِيِّ.

وفِي لامِ ﴿لِيُطْفِئُوا﴾ مَذاهِبُ لِلنُّحاةِ مُقَرَّرَةٌ في المُطَوَّلاتِ، ومِن أشْهَرِها أنَّها مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الإرادَةِ، لِما في لامِ العِلَّةِ مِنَ الإشْعارِ بِالإرادَةِ والقَصْدِ.

(p-٥٧٩٢)

61:9Page 552

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٩

It is He who sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although those who associate others with Allāh dislike it.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩] ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾

﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ ﴿بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: عَلى كُلِّ دِينٍ سِواهُ. وذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وحِينَ تَصِيرُ المِلَّةُ واحِدَةً، فَلا يَكُونُ دِينٌ غَيْرَ الإسْلامِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لِيُعْلِيَهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ المُخالِفَةِ لَهُ، ولَعَمْرِي لَقَدْ فَعَلَ، فَما بَقِيَ دِينٌ مِنَ الأدْيانِ إلّا وهو مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ بِدِينِ الإسْلامِ، وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ الفَتْحِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيقٌ آخَرُ، فَلْيُراجَعْ.

﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ أيْ: لِما فِيهِ مِن مَحْضِ التَّوْحِيدِ، وإبْطالِ الشِّرْكِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском