Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
الطارق
At-Tariq
The Nightcommer · Meccan · 17 ayahs
86:1–4Page 591
وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ ١
By the sky and the knocker
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ ٢
And what can make you know what is the knocker?
ٱلنَّجۡمُ ٱلثَّاقِبُ ٣
It is the piercing star1.
إِن كُلُّ نَفۡسٖ لَّمَّا عَلَيۡهَا حَافِظٞ ٤
There is no soul but that it has over it a protector.
(p-٦١٢٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطّارِقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ وآيُها سَبْعَ عَشْرَةَ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ: «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خالِدِ بْنِ أبِي حَبْلٍ العُدْوانِيِّ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ أبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَشْرِقِ ثَقِيفٍ وهو قائِمٌ عَلى قَوْسٍ أوْ عَصا، حِينَ أتاهم يَبْتَغِي عِنْدَهُمُ النَّصْرَ. فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ والسَّماءِ والطّارِقِ حَتّى خَتَمَها: قالَ فَوَعَيْتُها في الجاهِلِيَّةِ وأنا مُشْرِكٌ. ثُمَّ قَرَأْتُها في الإسْلامِ. قالَ فَدَعَتْنِي ثَقِيفُ فَقالُوا: ماذا سَمِعْتَ مِن هَذا الرَّجُلِ؟ فَقَرَأْتُها عَلَيْهِمْ. فَقالَ مَن مَعَهم مِن قُرَيْشٍ: نَحْنُ أعْلَمُ بِصاحِبِنا. لَوْ كُنّا نَعْلَمُ ما يَقُولُ حَقًّا لاتَّبَعْناهُ».
ورَوى النَّسائِيُّ عَنْ جابِرٍ. قالَ: «صَلّى مُعاذٌ المَغْرِبَ فَقَرَأ البَقَرَةَ أوِ النِّساءَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أفَتّانٌ أنْتَ يا مُعاذُ ؟ ما كانَ يَكْفِيكَ أنْ تَقْرَأ بِالسَّماءِ والطّارِقِ والشَّمْسِ وضُحاها ونَحْوَ هَذا؟»
(p-٦١٢١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١- ٤ ] ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ [الطارق: ٢] ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ [الطارق: ٢] ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] أيِ: المُضِيءُ كَأنَّهُ يَثْقُبُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ ويَنْفُذُ فِيهِ، فَيُبَصَّرُ بِنُورِهِ ويُهْتَدى بِهِ. وسُمِّيَ طارِقًا لِأنَّهُ يَطْرُقُ لَيْلًا أيْ: يَبْدُو فِيهِ.
قالَ الشِّهابُ: الطّارِقُ مِنَ (الطَّرْقِ)، وأصْلُ مَعْناهُ الضَّرْبُ بِوَقْعٍ وشِدَّةٍ يُسْمَعُ لَها صَوْتٌ، ومِنهُ المِطْرَقَةُ والطَّرِيقُ؛ لِأنَّ السّابِلَةَ تَطْرُقُها، ثُمَّ صارَ في عُرْفِ اللُّغَةِ اسْمًا لِسالِكِ الطَّرِيقِ، لِتَصَوُّرِ أنَّهُ يَطْرُقُها بِقَدَمِهِ، واشْتُهِرَ فِيهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً. وتَسْمِيَةُ الآتِي لَيْلًا (طارِقًا)؛ لِأنَّهُ في الأكْثَرِ يَجِدُ الأبْوابَ مُغْلَقَةً فَيَطْرُقُها.
والتَّعْرِيفُ في "النَّجْمِ" لِلْجِنْسِ. وأصْلُ مَعْنى (الثُّقْبِ) الخَرْقُ؛ فالثّاقِبُ الخارِقُ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى المُضِيءِ، لِتَصَوُّرِ أنَّهُ ثَقَبَ الظَّلامَ أوِ الفَلَكَ. وفي إبْهامِهِ ثُمَّ تَفْسِيرِهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهٌ عَلى الِاعْتِبارِ والِاسْتِدْلالِ بِهِ.
﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أيْ: مُهَيْمِنٌ عَلَيْها رَقِيبٌ، وهو اللَّهُ تَعالى، كَما في آيَةِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] فَيُحْصِي عَلَيْها ما تَكْسِبُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، (p-٦١٢٢)وقَدْ قُرِئَ: (لَما) بِالتَّخْفِيفِ، فَـ: (إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ و"كُلُّ نَفْسٍ" مُبْتَدَأٌ و"عَلَيْها حافِظٌ" خَبَرُهُ. و(ما) صِلَةٌ واللّامُ هي الفارِقَةُ. وقُرِئَ: (لَمّا) بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّها بِمَعْنى (إلّا) الِاسْتِثْنائِيَّةِ، و"إنْ" نافِيَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما كُلُّ نَفْسٍ كائِنَةٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، إلّا في حالِ أنْ يَكُونَ عَلَيْها حافِظٌ ورَقِيبٌ و"كُلُّ" عَلى هَذا مُؤَكِّدَةٌ؛ لِأنَّ "نَفْسٍ" حِينَئِذٍ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَتَعُمُّ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والقِراءَةُ الَّتِي لا أخْتارُ غَيْرَها في ذَلِكَ التَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الكَلامُ المَعْرُوفُ مِن كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ أنْكَرَ التَّشْدِيدَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعْرِفَةِ بِكَلامِ العَرَبِ، غَيْرَ أنَّ الفَرّاءَ كانَ يَرى أنَّها لُغَةٌ في هُذَيْلٍ، يَجْعَلُونَ (إلّا) مَعَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ لَمّا، فَإنْ كانَ صَحِيحًا ما ذَكَرَ الفَرّاءُ فالقِراءَةُ بِها جائِزَةٌ صَحِيحَةٌ، وإنْ كانَ الِاخْتِيارُ مَعَ ذَلِكَ قِراءَةَ التَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَعْرُوفُ مِن كَلامِ العَرَبِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُتْرَكَ الأعْرَفُ إلى الأنْكَرِ. انْتَهى.
وقَدْ صَحَّحَ غَيْرُ واحِدٍ ثُبُوتَها، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةٌ، واسْتَشْهَدَ ابْنُ هِشامٍ لَها في "المُغْنِي" فَراجِعْهُ.
[ انْظُرْ تَفْسِيرَ الآياتِ السّابِقَةِ ]
86:5–10Page 591
فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ مِمَّ خُلِقَ ٥
So let man observe from what he was created.
خُلِقَ مِن مَّآءٖ دَافِقٖ ٦
He was created from a fluid, ejected,
يَخۡرُجُ مِنۢ بَيۡنِ ٱلصُّلۡبِ وَٱلتَّرَآئِبِ ٧
Emerging from between the backbone and the ribs.
إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجۡعِهِۦ لَقَادِرٞ ٨
Indeed, He [i.e., Allāh], to return him [to life], is Able.
يَوۡمَ تُبۡلَى ٱلسَّرَآئِرُ ٩
The Day when secrets will be put on trial,1
فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٖ وَلَا نَاصِرٖ ١٠
Then he [i.e., man] will have no power or any helper.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ - ١٠ ] ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠]
(p-٦١٢٣)﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] جَوابٌ لِمُقَدَّرٍ. والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ: إنِ ارْتابَ مُرْتابٌ في كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ عَلَيْها رَقِيبٌ، فَلْيَنْظُرْ إلَخْ.
قالَ الإمامُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ﴾ بِمَنزِلَةِ الدَّلِيلِ عَلى الدَّعْوى المُقْسَمِ عَلَيْها، زِيادَةٌ في التَّأْكِيدِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الماءَ الدّافِقَ مِنَ المائِعِ الَّذِي لا تَصْوِيرَ فِيهِ ولا تَقْدِيرَ لِلْآلاتِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيها عَمَلُ الحَياةِ كالأعْضاءِ ونَحْوِها، ثُمَّ إنَّ هَذا السّائِلَ يَنْشَأُ خَلْقًا كامِلًا كالإنْسانِ مَمْلُوءًا بِالحَياةِ والعَقْلِ والإدْراكِ، قادِرًا عَلى القِيامِ بِخِلافَتِهِ في الأرْضِ؛ فَهَذا التَّصْوِيرُ والتَّقْدِيرُ وإنْشاءُ الأعْضاءِ والآلاتِ البَدَنِيَّةِ، وإيداعُ كُلِّ عُضْوٍ مِنَ القُوَّةِ ما بِهِ يَتَمَكَّنُ مِن تَأْدِيَةِ عَمَلِهِ في البَدَنِ، ثُمَّ مَنحِ قُوَّةِ الإدْراكِ والعَقْلِ، كُلُّ هَذا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِدُونِ حافِظٍ يُراقِبُ ذَلِكَ كُلَّهُ ويُدَبِّرُهُ، وهو اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ مِن قَبِيلِ التَّفْرِيعِ عَلى ما ثَبَتَ في القَضِيَّةِ الأُولى، كَأنَّهُ يَقُولُ: فَإذا عَرَفْتَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها رَقِيبٌ، فَمِنَ الواجِبِ عَلى الإنْسانِ أنْ لا يُهْمِلَ نَفْسَهُ، وأنْ يَتَفَكَّرَ في خَلْقِهِ، وكَيْفَ كانَ ابْتِداءُ نَشْئِهِ لِيَصِلَ بِذَلِكَ إلى أنَّ الَّذِي أنْشَأهُ أوَّلَ مَرَّةٍ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَهُ؛ فَيَأْخُذُ نَفْسَهُ بِصالِحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ، ويَعْدِلُ بِها عَنْ سُبُلِ الشَّرِّ؛ فَإنَّ عَيْنَ الرَّقِيبِ لا تَغْفُلُ عَنْها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ. انْتَهى.
و﴿دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] مِنَ الدَّفْقِ، وهو صَبٌّ فِيهِ دَفْعٌ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وإنَّ اسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ. كَما أنَّ المَفْعُولَ يَكُونُ بِمَعْنى الفاعِلِ كَ: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]
والصَّحِيحُ أنَّهُ بِمَعْنى النِّسْبَةِ كَ: لابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ، وهو صادِقٌ عَلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ. أوْ هو مَجازٌ في الإسْنادِ، فَأسْنَدَ إلى الماءِ ما لِصاحِبِهِ مُبالَغَةً. أوْ هو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أوْ مُصَرِّحَةٌ بِجَعْلِهِ دافِقًا؛ لِأنَّهُ لِتَتابُعِ قَطَراتِهِ كَأنَّهُ يَدْفُقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، أيْ: يَدْفَعُهُ. أوْ دافِقٌ بِمَعْنى مُنْصَبٍّ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، كَما نُقِلَ عَنِ اللَّيْثِ، أقْوالٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] أيْ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ ونَحْرِ المَرْأةِ.
(p-٦١٢٤)قالَ الإمامُ: الصُّلْبُ هو كُلُّ عَظْمٍ مِنَ الظَّهْرِ فِيهِ فِقارٌ، ويُعَبَّرُ عَنْهُ في كَلامِ العامَّةِ بِسِلْسِلَةِ الظَّهْرِ. وقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنى الظَّهْرِ نَفْسِهِ إطْلاقًا لِاسْمِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ. و"التَّرائِبِ" مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وكَنّى بِالصُّلْبِ عَنِ الرَّجُلِ وبِالتَّرائِبِ عَنِ المَرْأةِ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ الماءَ الدّافِقَ إنَّما يَكُونُ مادَّةً لِخَلْقِ الإنْسانِ إذا خَرَجَ مِن بَيْنِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ووَقَعَ في المَحَلِّ الَّذِي جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ أنْ يَخْلُقَهُ فِيهِ، وهو رَحِمُ المَرْأةِ؛ فَقَوْلُهُ: "يَخْرُجُ" إلَخْ وصْفٌ لا بُدَّ مِن ذِكْرِهِ لِبَيانِ أنَّ الإنْسانَ إنَّما خُلِقَ مِنَ الماءِ الدّافِقِ المُسْتَوْفِي شَرائِطَ صِحَّةِ الخَلْقِ مِنهُ.
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الطِّبِّ: التَّرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عِظامُ الصَّدْرِ في الذَّكَرِ والأُنْثى، ويَغْلِبُ اسْتِعْمالُها في مَوْضِعِ القِلادَةِ مِنَ الأُنْثى، ومِنها قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
قالَ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّ المَنِيَّ بِاعْتِبارِ أصْلِهِ وهو الدَّمُ، يَخْرُجُ مِن شَيْءٍ مُمْتَدٍّ بَيْنَ الصُّلْبِ -أيْ: فَقَراتِ الظَّهْرِ في الرَّجُلِ- والتَّرائِبُ أيْ: عِظامُ صَدْرِهِ، وذَلِكَ الشَّيْءُ المُمْتَدُّ بَيْنَهُما هو الأبْهَرُ (الأوُرْطِيُّ)، وهو أكْبَرُ شِرْيانٍ في الجِسْمِ يَخْرُجُ مِنَ القَلْبِ خَلْفَ التَّرائِبِ ويَمْتَدُّ إلى آخِرِ الصُّلْبِ تَقْرِيبًا، ومِنهُ تَخْرُجُ عِدَّةُ شَرايِينَ عَظِيمَةٌ، ومِنها شِرْيانانِ طَوِيلانِ يَخْرُجانِ مِنهُ (p-٦١٢٥)بَعْدَ شِرْيانَيِ الكُلْيَتَيْنِ، ويَنْزِلانِ إلى أسْفَلِ البَطْنِ حَتّى يَصِلا إلى الخُصْيَتَيْنِ، أوِ الشِّرْيانَيْنِ المَنَوِيَّيْنِ فَلِذا قالَ تَعالى عَنِ المَنِيِّ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] لِأنَّهُ يَخْرُجُ مِن مَكانٍ بَيْنَهُما وهو الأوُرْطِيُّ أوِ الأبْهَرُ. وهَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ تُعْتَبَرُ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ وهَذا القَوْلُ أوْجَهُ وأدَقُّ مِنَ التَّفْسِيرِ الأوَّلِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ [الطارق: ٨] أيِ: الحافِظُ سُبْحانَهُ، المُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أوِ الخالِقُ المَفْهُومُ مِن خُلِقَ ﴿عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] أيْ: رَجْعِ الإنْسانِ وإعادَتِهِ في النَّشْأةِ الثّانِيَةِ لَقادِرٌ كَما قَدَرَ عَلى إبْدائِهِ في النَّشْأةِ الأُولى.
﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] أيْ: تَظْهَرُ وتَعْرِفُ خَفِيّاتِ الضَّمائِرِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّرائِرُ ما أُسِرَّ في القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ وغَيْرِها، وما أُخْفِيَ مِنَ الأعْمالِ. وبَلاؤُها تَعَرُّفُها وتَصَفُّحُها، والتَّمْيِيزُ بَيْنَ ما طابَ مِنها وما خَبُثَ.
﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] أيْ: مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ مِن عَذابِ اللَّهِ وألِيمِ نَكالِهِ. ولا ناصِرَ يَنْصُرُهُ فَيَسْتَنْقِذُهُ مِمَّنْ نالَهُ بِمَكْرُوهٍ، يَعْنِي أنَّهُ فَقَدَ ما كانَ يَعْهَدُهُ في الدُّنْيا إذْ يَرْجِعُ إلى قُوَّةٍ بِنَفْسِهِ أوْ بِعَشِيرَتِهِ، يَمْتَنِعُ مِنهم مِمَّنْ أرادَهُ بِسُوءٍ. وناصِرٌ حَلِيفٌ يَنْصُرُهُ عَلى مَن ظَلَمَهُ واضْطَهَدَهُ. ولَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا انْتِظارُ الجَزاءِ عَلى ما قَدَّمَ.
86:11–17Page 591
وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجۡعِ ١١
By the sky which sends back1
وَٱلۡأَرۡضِ ذَاتِ ٱلصَّدۡعِ ١٢
And [by] the earth which splits,1
إِنَّهُۥ لَقَوۡلٞ فَصۡلٞ ١٣
Indeed, it [i.e., the Qur’ān] is a decisive statement,
وَمَا هُوَ بِٱلۡهَزۡلِ ١٤
And it is not amusement.
إِنَّهُمۡ يَكِيدُونَ كَيۡدٗا ١٥
Indeed, they are planning a plan,
وَأَكِيدُ كَيۡدٗا ١٦
But I am planning a plan.
فَمَهِّلِ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَمۡهِلۡهُمۡ رُوَيۡدَۢا ١٧
So allow time for the disbelievers. Leave them awhile.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ - ١٧ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] (p-٦١٢٦)﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]
﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيِ: المَطَرِ؛ يُسَمّى رَجْعًا لِأنَّهُ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا إلى العِبادِ، ولَوْلاهُ لَهَلَكُوا وهَلَكَتْ مَواشِيهِمْ.
﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] أيِ: النَّباتِ؛ لِأنَّهُ يَصْدَعُ الأرْضَ، أيْ: يَشُقُّها، أيْ: الِانْشِقاقُ بِالنَّباتِ، فَهو عَلَمٌ أوْ مَصْدَرٌ.
﴿إنَّهُ﴾ [الطارق: ١٣] أيِ: القُرْآنَ الكَرِيمَ ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] أيْ: حَقٌّ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] أيْ: بِالكَلامِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الفِطْرَةِ ولا مَعْنًى في القَلْبِ، بَلْ هو جِدُّ الجِدِّ.
﴿إنَّهُمْ﴾ [الطارق: ١٥] أيِ: المُكَذِّبِينَ بِهِ، الجاحِدِينَ لِحَقِّهِ ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] أيْ: يَمْكُرُونَ مَكْرًا لِإبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِهِ.
﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأمْكُرُ مَكْرًا. ومَكْرُهُ جَلَّ ثَناؤُهُ بِهِمْ إمْلاؤُهُ إيّاهم عَلى مَعْصِيَتِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ. يَعْنِي أنَّ الكَيْدَ هُنا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهِ إمْهالِ اللَّهِ لَهم لِيَسْتَدْرِجَهم بِالكَيْدِ، وبِهَذا يَظْهَرُ تَفْرِيعُ أمْرِهِ بِإمْهالِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ [الطارق: ١٧] أيْ: لا تَسْتَعْجِلْ عِقابَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿أمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧] بِمَعْنى: (مَهِّلْهُمْ)، فَهو بَدَلٌ مِنهُ لِلتَّأْكِيدِ. أوْ تَكْرِيرٌ بِلَفْظٍ آخَرَ لِلتَّأْكِيدِ. وقَوْلُهُ: ﴿رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] أيْ: قَلِيلًا.
قالَ الإمامُ: وفي ذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم بِأنَّ ما يُصِيبُهم قَرِيبٌ، سَواءٌ كانَ في الحَياةِ الدُّنْيا أوْ فِيما بَعْدَ المَوْتِ. ثُمَّ فِيهِ الوَعْدُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَلْ لِكُلِّ داعٍ إلى الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ، أنَّهُ سَيَبْلُغُ مِنَ النَّجاحِ ما يَسْتَحِقُّهُ عَمَلُهُ، وأنَّ المُناوِئِينَ لَهُ هُمُ الخاسِرُونَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences