Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
المؤمنون
Al-Mu'minun
The Believers · Meccan · 118 ayahs
23:1–7Page 342
قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١
Certainly will the believers have succeeded:
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ٢
They who are during their prayer humbly intent
وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ ٣
And they who turn away from ill speech
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ ٤
And they who are observant of zakāh
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٥
And they who guard their private parts
إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٦
Except from their wives or those their right hands possess,1 for indeed, they will not be blamed -
فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٧
But whoever seeks beyond that, then those are the transgressors -
(p-٤٣٨٦)سُورَةُ المُؤْمِنُونَ
سُمِّيَتْ بِهِمْ لِاشْتِمالِها عَلى جَلائِلِ أوْصافِهِمْ ونَتائِجِها، في أوَّلِها وفي قَوْلِهِ:
إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، إلى قَوْلِهِ: سابِقُونَ أفادَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها آيَةً حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ، إلى قَوْلِهِ: مُبْلِسُونَ وآيُها مِائَةٌ وثَمانِي عَشْرَةَ.
وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السّائِبِ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ الصُّبْحَ. فاسْتَفْتَحَ سُورَةَ المُؤْمِنُونَ. حَتّى إذا جاءَ ذِكْرُ مُوسى وهارُونَ، أوْ ذِكْرُ عِيسى، أخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ» .
(p-٤٣٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٧] ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] .
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: دَخَلُوا في الفَوْزِ الأعْظَمِ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] أيْ: مُتَذَلِّلُونَ مَعَ خَوْفٍ وسُكُونٍ لِلْجَوارِحِ، لِاسْتِيلاءِ الخَشْيَةِ والهَيْبَةِ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] أيْ: عَنِ الفُضُولِ وما لا يَعْنِي مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، مُعْرِضُونَ في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ، لِاسْتِغْراقِهِمْ بِالجِدِّ.
﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] أيْ: لِلتَّجَرُّدِ عَنْ رَذِيلَةِ البُخْلِ. قِيلَ: السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ ؟ وجَوابُهُ: إنَّ الَّذِي فُرِضَ بِالمَدِينَةِ إنَّما هو النُّصْبُ والمَقادِيرُ الخاصَّةُ. وإلّا فَأصْلُ التَّفَضُّلِ بِالعَفْوِ مَشْرُوعٌ في أوائِلِ البِعْثَةِ، فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى إرادَةِ زَكاةِ النُّفُوسِ مِنَ الشِّرْكِ والعِصْيانِ، لِعَدَمِ التَّبادُرِ إلَيْهِ.
{ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] } لِأنَّهُ الحَقُّ المَأْذُونُ فِيهِ (p-٤٣٨٨)﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] أيِ: الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُرْتَكِبُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَعْلِيقِ فَلاحِ العَبْدِ عَلى حِفْظِ فَرْجِهِ، وأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الفَلاحِ بِدُونِهِ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: مَن لَمْ يَحْفَظْ فَرْجَهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُفْلِحِينَ. وأنَّهُ مِنَ المَلُومِينَ. ومِنَ العادِينَ. فَفاتَهُ الفَلاحُ واسْتَحَقَّ اسْمَ العُدْوانِ ووَقَعَ في اللَّوْمِ. فَمُقاساةُ ألَمِ الشَّهْوَةِ ومُعاناتُها، أيْسَرُ مِن بَعْضِ ذَلِكَ. وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ بِغَضِّ أبْصارِهِمْ وحِفْظِ فُرُوجِهِمْ. وأنْ يُعَلِّمَهم أنَّهُ مُشاهِدٌ لِأعْمالِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْها، يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ. ولَمّا كانَ مَبْدَأُ ذَلِكَ مِن قِبَلِ البَصَرِ، جَعَلَ الأمْرَ بِغَضِّهِ مُقَدَّمًا عَلى حِفْظِ الفَرْجِ. فَإنَّ الحَوادِثَ مَبْدَؤُها مِنَ النَّظَرِ. كَما أنَّ مُعْظَمَ النّارِ مَبْدَؤُها مِن مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ. ثُمَّ تَكُونُ نَظْرَةً، ثُمَّ تَكُونُ خَطِرَةً، ثُمَّ خُطْوَةً، ثُمَّ خَطِيئَةً. ولِهَذا قِيلَ: مَن حَفِظَ هَذِهِ الأرْبَعَةَ أحْرَزَ دِينَهُ: اللَّحَظاتُ، والخَطِراتُ، واللَّفَظاتُ. والخُطُواتُ. فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنَّ يَكُونَ بَوّابَ نَفْسِهِ عَلى هَذِهِ الأبْوابِ الأرْبَعَةِ. ويُلازِمَ الرِّباطَ عَلى ثُغُورِها. فَمِنها يَدْخُلُ عَلَيْهِ العَدُوُّ، فَيَجُوسُ خِلالَ الدِّيارِ ويُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا.
الثّانِي: رُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: لا أعْلَمُ بَعْدَ القَتْلِ ذَنْبًا أعْظَمَ مِنَ الزِّنى.
واحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: «أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ»» . والنَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ مِن كُلِّ نَوْعٍ أعْلاهُ لِيُطابِقَ جَوابُهُ سُؤالَ السّائِلِ. (p-٤٣٨٩)فَإنَّهُ سُئِلَ عَنْ أعْظَمِ الذَّنْبِ فَأجابَهُ بِما تَضَمَّنَ ذِكْرَ أعْظَمِ أنْواعِهِ وما هو أعْظَمُ كُلِّ نَوْعٍ، فَأعْظَمُ أنْواعِ الشِّرْكِ أنْ يَجْعَلَ العَبْدُ لِلَّهِ نِدًّا. وأعْظَمُ أنْواعِ القَتْلِ أنْ يَقْتُلَ ولَدَهُ خَشْيَةَ أنْ يُشارِكَهُ في طَعامِهِ وشَرابِهِ. وأعْظَمُ أنْواعِ الزِّنى أنْ يَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِهِ. فَإنَّ مَفْسَدَةَ الزِّنى تَتَضاعَفُ بِتَضاعُفِ ما انْتَهَكَهُ مِنَ الحَقِّ. فالزِّنى بِالمَرْأةِ الَّتِي لَها زَوْجٌ، أعْظَمُ إثْمًا وعُقُوبَةً مِنَ الزِّنى بِالَّتِي لا زَوْجَ لَها إذْ فِيهِ انْتِهاكُ حُرْمَةِ الزَّوْجِ وإفْسادُ فِراشِهِ، وتَعْلِيقُ نَسَبٍ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ مِنهُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ أذاهُ. فَهو أعْظَمُ إثْمًا وجُرْمًا مِنَ الزِّنى بِغَيْرِ ذاتِ الزَّوْجِ فَإذا كانَ زَوْجُها جارًا لَهُ، انْضافَ إلى ذَلِكَ سُوءُ الجِوارِ، وأذى جارِهِ بِأعْلى أنْواعِ الأذى. وذَلِكَ مِن أعْظَمِ البَوائِقِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ»» . ولا بائِقَةَ أعْظَمَ مِنَ الزِّنى بِامْرَأتِهِ. فالزِّنى بِمِائَةِ امْرَأةٍ لَها زَوْجٌ أيْسَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الزِّنى بِامْرَأةِ الجارِ. فَإنْ كانَ أخًا لَهُ، أوْ قَرِيبًا مِن أقارِبِهِ، انْضَمَّ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، فَيَتَضاعَفُ الإثْمُ. فَإنْ كانَ الجارُ غائِبًا في طاعَةِ اللَّهِ، كالصَّلاةِ وطَلَبِ العِلْمِ والجِهادِ، تَضاعَفَ الإثْمُ، فَإنِ اتَّفَقَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ رَحِمًا مِنهُ، انْضافَ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمِها.
فَإنِ اتَّفَقَ أنْ يَكُونَ الزّانِي مُحْصَنًا، كانَ الإثْمُ أعْظَمَ. فَإنْ كانَ شَيْخًا كانَ أعْظَمَ إثْمًا وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ في شَهْرٍ حَرامٍ أوْ بَلَدٍ حَرامٍ أوْ وقْتٍ مُعَظَّمٍ عِنْدَ اللَّهِ، كَأوْقاتِ الصَّلاةِ وأوْقاتِ الإجابَةِ، تَضاعَفَ الإثْمُ.
وعَلى هَذا، فاعْتَبِرْ مَفاسِدَ الذُّنُوبِ وتَضاعُفَ دَرَجاتِها في الإثْمِ والعُقُوبَةِ واللَّهُ المُسْتَعانُ.
الثّالِثُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّلَوُّطِ مَعَ المَمْلُوكِ كَحُكْمِهِ مَعَ غَيْرِهِ، ومَن ظَنَّ أنَّ تَلَوُّطَ الإنْسانِ مَعَ مَمْلُوكِهِ جائِزٌ، واحْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] وقاسَ ذَلِكَ عَلى أمَتِهِ المَمْلُوكَةِ، فَهو كافِرٌ يُسْتَتابُ كَما يُسْتَتابُ المُرْتَدُّ. فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ وضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وتَلَوُّطُ الإنْسانِ بِمَمْلُوكِهِ كَتَلَوُّطِهِ بِمَمْلُوكِ غَيْرِهِ. في الإثْمِ والحُكْمِ. أفادَ هَذا وما قَبْلَهُ بِتَمامِهِ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (الجَوابِ الكافِي ") . وقَوْلُهُ تَعالى:
23:8–11Page 342
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٨
And they who are to their trusts and their promises attentive
وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩
And they who carefully maintain their prayers -
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ١٠
Those are the inheritors
ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١
Who will inherit al-Firdaus.1 They will abide therein eternally.
(p-٤٣٩٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ١١] ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] .
﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ أيْ: قائِمُونَ عَلَيْها بِحِفْظِها وإصْلاحِها. والآيَةُ تَحْتَمِلُ العُمُومَ في كُلِّ ما اؤْتُمِنُوا عَلَيْهِ وعُوهِدُوا، مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى ومِن جِهَةِ الخَلْقِ والخُصُوصَ فِيما حَمَلُوهُ مِن أماناتِ النّاسِ وعُهُودِهِمْ. ولِذا عُدَّتِ الخِيانَةُ في الأمانَةِ مِن آياتِ النِّفاقِ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ.
﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] أيْ: يُحافِظُونَ عَلَيْها. وذَلِكَ أنْ لا يَسْهَوْا عَنْها ويُؤَدُّوها في أوْقاتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها، ويُوكِلُوا نُفُوسَهم بِالِاهْتِمامِ بِها وبِما يَنْبَغِي أنْ تَتِمَّ بِهِ أوْصافُها. ولَيْسَ هَذا تَكْرِيرًا لِما وصَفَهم بِهِ أوَّلًا. فَإنَّ الخُشُوعَ في الصَّلاةِ، غَيْرُ المُحافَظَةِ عَلَيْها. وتَقْدِيمُ الخُشُوعِ اهْتِمامًا بِهِ. حَتّى كَأنَّ الصَّلاةَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ بِدُونِهِ، أوْ لِعُمُومِ هَذا لَهُ. وفي تَصْدِيرِ الأوْصافِ وخَتْمِها بِأمْرِ الصَّلاةِ، تَعْظِيمٌ لِشَأْنِها.
﴿أُولَئِكَ﴾ [المؤمنون: ١٠] أيِ: الجامِعُونَ لِهَذِهِ الأوْصافِ: ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١١] أيِ: الجَنَّةَ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] أيْ: لا يَخْرُجُونَ مِنها أبَدًا.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى مَبْدَأِ خَلْقِهِ الإنْسانَ وتَقْلِيبِهِ في أطْوارٍ شَتّى، حَتّى نَما كامِلًا، وإلى ما خَلَقَهُ مِن عالَمِ السَّماءِ والأرْضِ، وسَخَّرَهُ لِمَنافِعِهِ، لِيَشْكُرَ مَوْلاهُ ويَعْبُدَهُ، كَما أمَرَهُ وهَداهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
23:12–13Page 342
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢
And certainly did We create man from an extract of clay.
ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ١٣
Then We placed him as a sperm-drop1 in a firm lodging [i.e., the womb].
(p-٤٣٩١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢ - ١٣] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] .
﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ أيِ: ابْتَدَأْنا خَلْقَهُ: ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ أيْ: خُلاصَةٍ: ﴿مِن طِينٍ﴾ أيْ: تُرابٍ خُلِطَ بِماءٍ فَصارَ نَباتًا فَأكَلَهُ إنْسانٌ فَصارَ دَمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون: ١٣] أيْ: بِأنْ خَلَقْناهُ مِنها، أوْ ثُمَّ جَعَلْنا السُّلالَةَ نُطْفَةً بِالتَّصْفِيَةِ: ﴿فِي قَرارٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] أيْ: مُسْتَقَرٍّ، وهو رَحِمُ المَرْأةِ الَّذِي نُقِلَ إلَيْهِ: ﴿مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] أيْ: مُتَمَكِّنٍ لا يَمُجُّ ما فِيهِ.
23:14Page 342
ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤
Then We made the sperm-drop into a clinging clot, and We made the clot into a lump [of flesh], and We made [from] the lump, bones, and We covered the bones with flesh; then We developed him into another creation. So blessed is Allāh, the best of creators.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ .
﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أيْ: بِالِاسْتِحالَةِ مِن بَياضٍ إلى حُمْرَةٍ كالدَّمِ الجامِدِ: ﴿فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أيْ: قِطْعَةَ لَحْمٍ بِقَدْرِ ما يُمْضَغُ: ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا﴾ أيْ: بِأنْ صَلَبْناها وجَعَلْناها عَمُودًا لِلْبَدَنِ، عَلى هَيْئاتٍ وأوْضاعٍ مَخْصُوصَةٍ، تَقْتَضِيها الحِكْمَةُ: ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ أيْ: جَعَلْناهُ مُحِيطًا بِها ساتِرًا لَها كاللِّباسِ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ: بِتَمْيِيزِ أعْضائِهِ وتَصْوِيرِهِ، وجَعْلِهِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: تَعاظَمَ قُدْرَةً وحِكْمَةً وتَصَرُّفًا: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أيِ: المُقَدِّرِينَ. فَـ(الخَلْقُ ) بِمَعْنى التَّقْدِيرِ كَقَوْلِهِ:
؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
(p-٤٣٩٢)لا بِمَعْنى الإيجادِ. إذْ لا خالِقَ غَيْرُهُ، إلّا أنْ يَكُونَ عَلى الفَرْضِ.
23:15–17Page 342
ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥
Then indeed, after that you are to die.
ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ ١٦
Then indeed you, on the Day of Resurrection, will be resurrected.
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ ١٧
And We have created above you seven layered heavens, and never have We been of [Our] creation unaware.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥ - ١٧] ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] .
﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَعْدَ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ وتَحْصِيلِ هَذِهِ الكَمالاتِ: ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ أيْ: لَصائِرُونَ إلى المَوْتِ.
قالَ المَهايِمِيُّ: والحَكِيمُ لا يُتْلِفُ ما اسْتَكْمَلَهُ بِأنْواعِ التَّكْمِيلِ، ولِذَلِكَ سَيَبْعَثُهُ كَما قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] أيْ: مِن قُبُورِكم لِلْحِسابِ والمُجازاةِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] أيْ: سَبْعَ سَماواتٍ هي طُرُقٌ لِلْمَلائِكَةِ والكَواكِبُ فِيها مَسِيرُها.
قالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ (فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ): أيْ: سَبْعَةُ أفْلاكٍ، لِلسَّبْعِ سَماواتٍ، لِكُلِّ سَماءٍ طَرِيقٌ تَجْرِي بِما مَعَها مِنَ الأقْمارِ. قالَ: فَلِذَلِكَ دَلَّنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ العالَمَ الشَّمْسِيَّ يَنْقَسِمُ إلى سَبْعِ طَرائِقَ، خِلافَ طَرِيقِ الأرْضِ الَّذِي يُعَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوْقَكُمْ﴾ [المؤمنون: ١٧] فالمَسافَةُ ابْتِداءً مِن مُنْتَصَفِ البُعْدِ بَيْنَ الشَّمْسِ وعُطارِدَ تَقْرِيبًا، إلى مُنْتَهى فَلَكِ نِبْتُونَ، تَنْقَسِمُ إلى سَبْعَةِ أقْسامٍ بِحَسَبِ بُعْدِ كُلِّ سَيّارٍ. كُلُّ قِسْمٍ تَجْرِي فِيهِ سَماءٌ بِما مَعَها. ويُسَمّى هَذا الطَّرِيقُ فَلَكًا ﴿وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] أيْ: عَنْ ذَلِكَ المَخْلُوقِ، الَّذِي هو السَّماواتُ، أوْ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ. فالتَّعْرِيفُ عَلى الأوَّلِ، عَهْدِيٌّ، وعَلى الثّانِي اسْتِغْراقِيٌّ. أيْ: ما كُنّا مُهْمَلِينَ أمْرَ الخَلْقِ، بَلْ نَحْفَظُهُ ونُدَبِّرُ أمْرَهُ حَتّى يَبْلُغَ مُنْتَهى ما قُدِّرَ لَهُ مِنَ الكَمالِ، حَسْبَما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، وتَعَلَّقَتْ بِهِ المَشِيئَةُ.
23:18Page 343
وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ ١٨
And We have sent down rain from the sky in a measured amount and settled it in the earth. And indeed, We are Able to take it away.
(p-٤٣٩٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨] ﴿وأنْـزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ .
﴿وأنْـزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِتَقْدِيرٍ يَصِلُونَ مَعَهُ إلى مَنفَعَتِهِمْ. أوْ بِمِقْدارِ ما عَلِمْناهُ مِن حاجاتِهِمْ: ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: جَعَلْناهُ قارًّا فِيها، يَتَفَجَّرُ مِنَ الأماكِنِ الَّتِي أرادَ سُبْحانَهُ إحْياءَها كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ أيْ: إزالَتُهُ بِالتَّغْوِيرِ وبِغَيْرِهِ، كَما قَدَرْنا عَلى إنْزالِهِ. فَفي تَنْكِيرِ (ذَهابٍ ) إيماءٌ إلى كَثْرَةِ طُرُقِهِ، ومُبالَغَةٌ في الإبْعادِ بِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلى العِبادِ أنْ يَسْتَعْظِمُوا النِّعْمَةَ في الماءِ، ويُقَيِّدُوها بِالشُّكْرِ الدّائِمِ، ويَخافُوا نِفارَها، إذا لَمْ تُشْكَرْ.
23:19–20Page 343
فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ١٩
And We brought forth for you thereby gardens of palm trees and grapevines in which for you are abundant fruits and from which you eat.
وَشَجَرَةٗ تَخۡرُجُ مِن طُورِ سَيۡنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ وَصِبۡغٖ لِّلۡأٓكِلِينَ ٢٠
And [We brought forth] a tree issuing from Mount Sinai which produces oil and food [i.e., olives] for those who eat.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩ - ٢٠] ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] .
﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها﴾ أيْ: في الجَنّاتِ: ﴿فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً﴾ [المؤمنون: ٢٠] بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى (جَنّاتٍ ) وقُرِئَتْ مَرْفُوعَةً عَلى الِابْتِداءِ. أيْ: ومِمّا أُنْشِئَ لَكم شَجَرَةٌ: ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] وهو جَبَلٌ بِفِلَسْطِينَ، أوْ بَيْنَ مِصْرَ وأيَلَةَ (بِفَتْحِ الهَمْزَةِ ) مَحَلٌّ مَعْرُوفٌ يُسَمّى اليَوْمَ (العَقَبَةَ ) وهو عَلى مَراحِلَ مِن مِصْرَ. قالَهُ الشِّهابُ (والشَّجَرَةُ ): شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ، نُسِبَتْ إلى الطُّورِ لِأنَّهُ مَبْدَؤُها. أوْ لِكَثْرَتِها فِيهِ: (p-٤٣٩٤)﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالدُّهْنِ المُسْتَصْبَحِ بِهِ: ﴿وصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: وبِإدامٍ يُغْمَسُ فِيهِ الخُبْزُ فالصِّبْغُ كالصِّباغِ ما يُصْطَبَغُ بِهِ مِنَ الإدامِ. ويَخْتَصُّ بِكُلِّ إدامٍ مائِعٍ. يُقالُ صَبَغَ اللُّقْمَةَ: دَهَنَها وغَمَسَها وكُلُّ ما غُمِسَ فَقَدْ صُبِغَ. كَذا في (المِصْباحِ ") و(التّاجِ ") .
23:21–22Page 343
وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٢١
And indeed, for you in livestock is a lesson. We give you drink from that which is in their bellies, and for you in them are numerous benefits, and from them you eat.
وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ٢٢
And upon them and on ships you are carried.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٢] ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] .
﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ أيْ: تَعْتَبِرُونَ بِحالِها وتَسْتَدِلُّونَ بِها: ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ أيْ: مِنَ الألْبانِ: ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ أيْ: في ظُهُورِها وأصْوافِها وشُعُورِها ونِتاجِها: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] أيْ: بِخَلْقِهِ وتَسْخِيرِهِ وإلْهامِهِ. فَلَهُ الحَمْدُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقَصْدُ بِالأنْعامِ أيِ: الإبِلُ، لِأنَّها هي المَحْمُولُ عَلَيْها في العادَةِ. وقَرَنَها بِالفُلْكِ الَّتِي هي السَّفائِنُ، لِأنَّها سَفائِنُ البَرِّ.
قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎سَفِينَةُ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمامُها
قالَ الشِّهابُ: وجَعْلُ الإبِلِ سَفائِنَ البَرِّ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ. وهي اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ وقَدْ تَصَرَّفُوا فِيها تَصَرُّفاتٍ بَدِيعَةً. كَقَوْلِ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ:
؎لِمَن شَحْرٌ أثْقَلَتْها ثِمارُها ∗∗∗ سَفائِنُ بَرٍّ والسَّرابُ بِحارُها
23:23–25Page 343
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣
And We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"
فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤
But the eminent among those who disbelieved from his people said, "This is not but a man like yourselves who wishes to take precedence over you; and if Allāh had willed [to send a messenger], He would have sent down angels. We have not heard of this among our forefathers.
إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٖ ٢٥
He is not but a man possessed with madness, so wait concerning him for a time."
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، تَأثَّرَهُ بِقِصَصِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ لِعُلُوِّ كَلِمَتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
(p-٤٣٩٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣ - ٢٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأنْـزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] .
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيِ: الدّاعِي إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ. بِدَعْوى الرِّسالَةِ مِنهُ: ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيْ: أنْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨] ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيْ: إرْسالَ رَسُولٍ: ﴿لأنْـزَلَ مَلائِكَةً﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيْ: مِنَ السَّماءِ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيْ: بِمِثْلِ ما يَدْعُو إلَيْهِ: ﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] أيْ: لَعَلَّهُ يَرْجِعُ أوْ يُفِيقُ مِن جَنَّتِهِ أوْ يَتَمادى فَنَكِيدُ لَهُ. قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ما ذَكَرَ الجَوابَ عَنْ شُبَهِهِمْ هَذِهِ الخَمْسَةِ، لِرَكاكَتِها ووُضُوحِ فَسادِها. وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ الرَّسُولَ لا يَصِيرُ رَسُولًا إلّا لِأنَّهُ مِن جِنْسِ المَلَكِ. وإنَّما يَصِيرُ كَذَلِكَ بِأنْ يَتَمَيَّزَ مِن غَيْرِهِ بِالمُعْجِزاتِ. فَسَواءٌ كانَ مِن جِنْسِ المَلَكِ أوْ جِنْسِ البَشَرِ، فَعِنْدَ ظُهُورِ المُعْجَزِ عَلَيْهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَسُولًا. بَلْ جَعْلُ الرَّسُولِ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ أوْلى. لِما مَرَّ بَيانُهُ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ. وهو أنَّ الجِنْسِيَّةَ مَظِنَّةُ الأُلْفَةِ والمُؤانَسَةِ. وأمّا قَوْلُهم: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ (p-٤٣٩٦)عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] فَإنْ أرادُوا بِهِ إرادَتَهُ لِإظْهارِ فَضْلِهِ، حَتّى يَلْزِمَهُمُ الِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ، فَهَذا واجِبٌ عَلى الرَّسُولِ. وإنْ أرادُوا بِهِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ والِانْقِيادِ، فالأنْبِياءُ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ [المؤمنون: ٢٤] فَهو اسْتِدْلالٌ بِعَدَمِ التَّقْلِيدِ، عَلى عَدَمِ وُجُودِ الشَّيْءِ. وهو في غايَةِ السُّقُوطِ. لِأنَّ وُجُودَ التَّقْلِيدِ لا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الشَّيْءِ. فَعَدَمُهُ مِن أنْ يَدُلَّ عَلى عَدَمِهِ ؟ وأمّا قَوْلُهم: ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٥] فَقَدْ كَذَّبُوا. لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ كَمالَ عَقْلِهِ. وأمّا قَوْلُهم: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٥] فَضَعِيفٌ. لِأنَّهُ إنْ ظَهَرَتِ الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ وهي المُعْجِزَةُ، وجَبَ عَلَيْهِمْ قَبُولُ قَوْلِهِ في الحالِ، ولا يَجُوزُ تَوْقِيفُ ذَلِكَ إلى ظُهُورِ دَوْلَتِهِ. لِأنَّ الدَّوْلَةَ لا تَدُلُّ عَلى الحَقِيقَةِ. وإنْ لَمْ يَظْهَرْ المُعْجِزُ لَمْ يَجُزْ قَبُولُ قَوْلِهِ، سَواءٌ ظَهَرَتِ الدَّوْلَةُ أوْ لَمْ تَظْهَرْ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأجْوِبَةُ في نِهايَةِ الظُّهُورِ، لا جَرَمَ تَرَكَها اللَّهُ سُبْحانَهُ، انْتَهى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences