Al-QasimiAl-'Ankabut · 29:1–24

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

العنكبوت

Al-'Ankabut

The Spider · Meccan · 69 ayahs

29:1–3Page 396

الٓمٓ ١

Alif, Lām, Meem.1

أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ ٢

Do the people think that they will be left to say, "We believe" and they will not be tried?

وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣

But We have certainly tried those before them, and Allāh will surely make evident those who are truthful, and He will surely make evident the liars.

(p-٤٧٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ العَنْكَبُوتِ

سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى آيَةِ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١] الآيَةَ، المُشِيرُ إنَّ مَنِ اعْتَمَدَ عَلى قُوَّةِ الأصْنامِ وحِفْظِها عَنِ العَذابِ كالعَنْكَبُوتِ، اعْتَمَدَتْ عَلى قُوَّةِ بَيْتِها الَّتِي لا تَحْتَمِلُ مَسَّ أدْنى الحَشَراتِ والرِّياحِ، وحِفْظَها عَنِ الحَرِّ والبَرْدِ. وهَذا أتَمُّ في الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أعْظَمُ مَقاصِدِ القُرْآنِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ. واسْتُثْنِيَ مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ﴾ [العنكبوت: ٦٠] الآيَةَ، ويُقالُ إنَّها آخِرُ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ. وآيُها تِسْعٌ وسِتُّونَ. قالَ الدّانِيُّ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(p-٤٧٣٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١ - ٣] ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]

﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] أيْ: أحَسِبَ الَّذِينَ أجْرَوْا كَلِمَةَ الشَّهادَةِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، وأظْهَرُوا القَوْلَ بِالإيمانِ، أنَّهم يُتْرَكُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ مُمْتَحَنِينَ، بَلْ يَمْحِنُهُمُ اللَّهُ بِضُرُوبِ المِحَنِ، حَتّى يَبْلُوَ صَبْرَهم وثَباتَ أقْدامِهِمْ وصِحَّةَ عَقائِدِهِمْ. لِتَمْيِيزِ المُخْلِصِ مِن غَيْرِ المُخْلِصِ. كَما قالَ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] وكُلُّ هَذِهِ الآياتِ وأمْثالُها مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ في تَثْبِيتِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وتَصْبِيرِهِمْ عَلى ما كانَ يَنالُهم (p-٤٧٣٧)مِن أذى المُشْرِكِينَ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: مِن أتْباعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِضُرُوبٍ مِنَ الفِتَنِ مِن أعْدائِهِمْ، كَما دَوَّنَ التّارِيخُ اضْطِهادَهم. أيْ: فَصَبَرُوا وما وهَنُوا لِما أصابَهم حَتّى عَلَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: في قَوْلِهِمْ: "آمَنّا": ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: فِيهِ: وذَلِكَ بِالِامْتِحانِ.

فَإنْ قِيلَ: يُتَوَهَّمُ مِن صِيغَةِ الفِعْلِ أنَّ عِلْمَهُ حَدَثَ، مَعَ أنَّهُ قَدِيمٌ. إذْ عِلْمُهُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُجُودِهِ وبَعْدَهُ، لا يَتَغَيَّرُ. يُجابُ بِأنَّ الحادِثَ هو تَعَلُّقُ عِلْمِهِ بِالمَعْلُومِ بَعْدَ حُدُوثِهِ.

وقالَ النّاصِرُ: فائِدَةُ ذِكْرِ العِلْمِ هاهُنا، وإنْ كانَ سابِقًا عَلى وُجُودِ المَعْلُومِ هو التَّنْبِيهُ بِالسَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ. وهو الجَزاءُ كَأنَّهُ قالَ تَعالى: لَيَعْلَمَنَّهم فَلْيُجازِيَنَّهم بِحَسَبِ عِلْمِهِ فِيهِمْ.

وقالَ المَهايِمِيُّ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: يَظْهَرُ عِلْمُهُ عِنْدَ خَلْقِهِ بِصِدْقِ إيمانِ: ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت: ٣] فِيهِ، بِدَلالَةِ ثَباتِهِمْ عَلَيْهِ عِنْدَ المَصائِبِ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: ولَيَظْهَرُ عِلْمُهُ بِكَذِبِ دَعْوى: ﴿الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] لِئَلّا يَشْهَدُوا عِنْدَهُ بِإيمانِ الكاذِبِينَ، فَيُنْسَبُ في تَعْذِيبِهِمْ إلى الظُّلْمِ. ولِيَثِقَ المُؤْمِنُونَ بِمَحَبَّةِ الصّادِقِينَ، ويَسْتَظْهِرُوا بِها، ويُحَذِّرُوا عَنْ مَكْرِ الكاذِبِينَ. انْتَهى.

29:4–7Page 396

أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسۡبِقُونَاۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٤

Or do those who do evil deeds think they can outrun [i.e., escape] Us? Evil is what they judge.

مَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَأٓتٖۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٥

Whoever should hope for the meeting with Allāh - indeed, the term [decreed by] Allāh is coming. And He is the Hearing, the Knowing.

وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦

And whoever strives only strives for [the benefit of] himself. Indeed, Allāh is Free from need of the worlds.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٧

And those who believe and do righteous deeds - We will surely remove from them their misdeeds and will surely reward them according to the best of what they used to do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤ - ٧] ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٧]

﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا، فَلا نَقْدِرُ عَلى مُجازاتِهِمْ بِمَساوِئِ أعْمالِهِمْ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهُمْ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو (p-٤٧٣٨)لِقاءَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥] أيْ: في الجَنَّةِ مِن رُؤْيَتِهِ، والفَوْزِ بِكَرامَتِهِ: ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥] وهو المَوْتُ: ﴿لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥] أيْ: فَلْيُبادِرْ ما يُصَدِّقُ رَجاءَهُ ويُحَقِّقُ أمَلَهُ مِنَ الثَّوابِ والتَّواصِي بِالحَقِّ والصَّبْرِ والرَّغْبَةِ فِيما عِنْدَهُ تَعالى. أوِ المَعْنى: مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ، مِن كُلِّ مَن صَدَقَ في إيمانِهِ، وأخْلَصَ في يَقِينِهِ، فاعْلَمْ أنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ. وهو الوَقْتُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أجَلًا وغايَةً لِظُهُورِ النَّصْرِ والفَتْحِ وعُلُوِّ الحَقِّ وزُهُوقِ الباطِلِ. أيْ: فَلا يَسْتَبْطِئَنَّهُ. فَإنَّهُ آتٍ بِوَعْدِ اللَّهِ الحَقِّ وقَوْلِ الصِّدْقِ. ولَمْ أرَ مَن ذَكَرَهُ ولَعَلَّهُ أنْسَبُ بِقَرِينَةِ السِّياقِ والسِّباقِ. واللَّهُ أعْلَمُ:﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] أيِ: السَّمِيعُ لِأقْوالِهِمُ العَلِيمُ بِضَمائِرِهِمْ وأحْوالِهِمْ: ﴿ومَن جاهَدَ﴾ [العنكبوت: ٦] أيْ: في الصَّبْرِ عَلى البَلاءِ والثَّباتِ عَلى الحَقِّ مَعَ ضُرُوبِ الإيذاءِ: ﴿فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦] أيْ: لِأنَّهُ يُمَهِّدُ لِنَفْسِهِ، ما يَجْنِي بِهِ ثَمَرَ غَرْسِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٧] أيْ: أحْسَنَ جَزاءِ أعْمالِهِمْ.

29:8–9Page 397

وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨

And We have enjoined upon man goodness to parents. But if they endeavor to make you associate with Me that of which you have no knowledge,1 do not obey them. To Me is your return, and I will inform you about what you used to do.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُدۡخِلَنَّهُمۡ فِي ٱلصَّٰلِحِينَ ٩

And those who believe and do righteous deeds - We will surely admit them among the righteous [into Paradise].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨ - ٩] ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٩]

﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ أيْ: أمَرْناهُ أمْرًا مُؤَكَّدًا بِإيلاءِ والِدَيْهِ فِعْلًا ذا حُسْنٍ عَظِيمٍ: ﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ أيْ: في الشِّرْكِ، إذا حَمَلاكَ عَلَيْهِ. ومَعْنى: ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا عِلْمَ لَكَ بِإلَهِيَّتِهِ. قالَ القاضِي: عَبَّرَ عَنْ نَفْيِها بِنَفْيِ العِلْمِ بِها، لِلْإيذانِ بِأنَّ ما لَمْ يُعْلَمْ صِحَّتُهُ، لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ بُطْلانُهُ. فَكَيْفَ بِما عُلِمَ بُطْلانُهُ؟ ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلَيَّ مَرْجِعُ مَن آمَنَ مِنكم ومَن أشْرَكَ. فَأُجازِيكم حَقَّ جَزائِكم. فِيهِ التَّحْذِيرُ مِن مُتابَعَتِهِما عَلى الشِّرْكِ (p-٤٧٣٩)والحَثِّ عَلى الثَّباتِ والِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ، بِذِكْرِ المَرْجِعِ والوَعِيدِ. وقَدْ رُوِيَ «أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ الزُّهْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ أسْلَمَ، قالَتْ أُمُّهُ: يا سَعْدُ ! بَلَغَنِي أنَّكَ قَدْ صَبَأْتَ. فَواللَّهِ! لا يُظِلُّنِي سَقْفُ بَيْتٍ مِنَ الضِّحِّ والرِّيحِ. وإنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ عَلَيَّ حَرامٌ، حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ وكانَ أحَبَّ ولَدِها إلَيْها. فَأبى سَعْدٌ. وبَقِيَتْ ثَلاثَةَ أيّامٍ كَذَلِكَ. فَجاءَ سَعْدٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وشَكا إلَيْهِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والَّتِي في لُقْمانَ، والَّتِي في الأحْقافِ. فَأمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُدارِيَها ويَتَرَضّاها بِالإحْسانِ». ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَعْدٍ قالَ: قالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ. فَذَكَرَ قِصَّتَهُ وقالَ: قالَتْ أُمُّ سَعْدٍ: ألَيْسَ اللَّهُ قَدْ أمَرَكَ بِالبِرِّ؟ واللَّهِ لا أطْعَمُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى أمُوتَ، أوْ تَكْفُرَ. فَكانُوا إذا أرادُوا أنْ يُطْعِمُوها شَجَّرُوا فاها. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الحَدِيثُ رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ أيْضًا.

وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٩] أيْ: في زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ والكَمالِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والصَّلاحُ مِن أبْلَغِ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُتَمَنّى أنْبِياءِ اللَّهِ.

قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وقالَ في إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢] أوِ المَعْنى: في مَدْخَلِ الصّالِحِينَ وهي الجَنَّةُ. وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩] الآيَةَ.

29:10Page 397

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠

And of the people are some who say, "We believe in Allāh," but when one [of them] is harmed for [the cause of] Allāh, he considers the trial [i.e., harm] of the people as [if it were] the punishment of Allāh. But if victory comes from your Lord, they say, "Indeed, We were with you." Is not Allāh most knowing of what is within the breasts of the worlds [i.e., all creatures]?

(p-٤٧٤٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ: جَعَلَ ما يُصِيبُهُ في الصَّرْفِ عَنِ الإيمانِ مِن ضُرُوبِ الإيذاءِ، بِسَبَبِهِ، مِثْلَ عَذابِ اللَّهِ في الشِّدَّةِ والهَوْلِ، فَيَرْتَدُّ عَنِ الدِّينِ. مَعَ أنَّ مُقْتَضى إيمانِهِ أنْ يَصْبِرَ ويَتَشَجَّعَ ويَتَلَقّى ما يَنالُهُ في اللَّهِ بِالرِّضا، يَرى العَذابَ فِيهِ عُذُوبَةً والمِحْنَةَ مِنحَةً. فَإنَّ العاقِبَةَ لِلتَّقْوى وسَعادَةَ الدّارَيْنِ لِأهْلِها: ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ أيْ: مِنَ التَّلْبِيسِ والإخْلاصِ. وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ [الحج: ١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ [الحج: ١٢] وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١] وقالَ تَعالى: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢]

29:11–13Page 397

وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ ١١

And Allāh will surely make evident those who believe, and He will surely make evident the hypocrites.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَٰيَٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنۡ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَيۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٢

And those who disbelieve say to those who believe, "Follow our way, and we will carry your sins."1 But they will not carry anything of their sins. Indeed, they are liars.

وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَيُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣

But they will surely carry their [own] burdens and [other] burdens along with their burdens,1 and they will surely be questioned on the Day of Resurrection about what they used to invent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١ - ١٣] ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ (p-٤٧٤١)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢] ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣]

﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِإخْلاصِهِمْ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حَمْلَ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِمَن آمَنَ عَلى الكُفْرِ بِالِاسْتِمالَةِ، بَعْدَ بَيانِ حَمْلِهِمْ لَهم عَلَيْهِمْ بِالأذِيَّةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] أيْ: إنْ كانَ ذَلِكَ خَطِيئَةً يُؤاخَذُ عَلَيْها بِالبَعْثِ، فَتَبِعَتُها عَلَيْنا وفي رِقابِنا.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كَما يَقُولُ القائِلُ: افْعَلْ كَذا وخَطِيئَتُكَ في رَقَبَتِي. قالَ اللَّهُ تَعالى تَكْذِيبًا لَهُمْ: ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢] ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وهي أوْزارُ أنْفُسِهِمْ: ﴿وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] أيْ: وأوْزارًا أُخَرَ مَعَ أوْزارِ أنْفُسِهِمْ. يَعْنِي أوْزارَ الإضْلالِ والحَمْلِ عَلى الكُفْرِ والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] وفي الصَّحِيحِ: ««مَن دَعا إلى هُدًى كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مِن غَيْرِ أنْ يُنْقِصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا. ومَن دَعا إلى ضَلالَةٍ كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَنِ اتَّبَعَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، مِن غَيْرِ أنْ يُنْقِصَ مِن آثامِهِمْ شَيْئًا»»: ﴿ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣] أيْ: مِنَ الأكاذِيبِ والأباطِيلِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى افْتِتانَ الأنْبِياءِ بِأذِيَّةِ أُمَمِهِمْ، إثْرَ بَيانِ افْتِتانِ المُؤْمِنِينَ بِأذِيَّةِ الكُفّارِ، تَأْكِيدَ الإنْكارِ عَلى الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنْ يُتْرَكُوا بِمُجَرَّدِ الإيمانِ بِلا ابْتِلاءٍ، وحَثًّا لَهم عَلى الصَّبْرِ تَأسِّيًا بِالأنْبِياءِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

29:14–19Page 397

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٤

And We certainly sent Noah to his people, and he remained among them a thousand years minus fifty years, and the flood seized them while they were wrongdoers.

فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٥

But We saved him and the companions of the ship, and We made it1 a sign for the worlds.

وَإِبۡرَٰهِيمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٦

And [We sent] Abraham, when he said to his people, "Worship Allāh and fear Him. That is best for you, if you should know.

إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١٧

You only worship, besides Allāh, idols, and you produce a falsehood. Indeed, those you worship besides Allāh do not possess for you [the power of] provision. So seek from Allāh provision and worship Him and be grateful to Him. To Him you will be returned."

وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٨

And if you [people] deny [the message] - already nations before you have denied. And there is not upon the Messenger except [the duty of] clear notification.1

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ كَيۡفَ يُبۡدِئُ ٱللَّهُ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١٩

Have they not considered how Allāh begins creation and then repeats it? Indeed that, for Allāh, is easy.

(p-٤٧٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤ - ١٩] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦] ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩]

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً﴾ [العنكبوت: ١٥] أيْ: هَذِهِ الحادِثَةُ الهائِلَةُ مَوْعِظَةٌ: ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦] ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] أيْ: كَذِبًا، في تَسْمِيَتِها آلِهَةً وشُرَكاءَ لِلَّهِ، وشُفَعاءَ إلَيْهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ﴿وإنْ (p-٤٧٤٣)تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] أيِ: التَّبْلِيغُ الَّذِي يُزِيلُ كُلَّ لَبْسٍ وما عَلَيْهِ أنْ يُصَدِّقَهُ قَوْمُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩] إرْشادٌ إلى إثْباتِ المَعادِ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ مَعَ وُضُوحِ دَلِيلِهِ، وذَلِكَ بِما يُشاهِدُونَهُ في أنْفُسِهِمْ مِن خَلْقِ اللَّهِ إيّاهم بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، ثُمَّ وُجِدُوا وصارُوا أُناسًا سامِعِينَ مُبْصِرِينَ. فالَّذِي بَدَأ هَذا، قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ. فَإنَّهُ سَهْلٌ عَلَيْهِ، يَسِيرٌ لَدَيْهِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يُعِيدُهُ" عَطْفٌ عَلى "أوْلَمْ يَرَوْا" لا عَلى "يُبْدِئُ" لِعَدَمِ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ عَلَيْهِ. فَهو إخْبارٌ بِأنَّهُ تَعالى يُعِيدُ الخَلْقَ قِياسًا عَلى الِابْتِداءِ. وقَدْ جُوِّزَ العَطْفُ عَلى "يُبْدِئُ" بِتَأْوِيلِ (الإبْداءِ) بِإبْداءِ ما يُشاهِدُهُ، كالنَّباتِ وأوْراقِ الأشْجارِ وغَيْرِهِما. والإعادَةُ بِإنْشائِهِ تَعالى كُلَّ سَنَةٍ، مِثْلَ ما أنْشَأهُ في السَّنَةِ السّابِقَةِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ وغَيْرِهِما. فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ وُقُوعُهُ مِن غَيْرِ رَيْبٍ. فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ العَطْفُ.

قالَ الشِّهابُ: لَكِنَّهُ غَيْرُ مُلاقٍ لِما وقَعَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.

قالَ: وبِهَذا التَّقْرِيرِ سَقَطَ ما قِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِالرُّؤْيَةِ العِلْمُ فَكِلاهُما مَعْلُومٌ. وإنَّ أُرِيدُ الإبْصارَ فَهَمّا غَيْرُ مَرْئِيَّيْنِ. مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ما أخْبَرَ بِهِ اللَّهُ تَعالى لِتَحَقُّقِهِ، كَأنَّهُ مُشاهَدٌ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ [العنكبوت: ١٩] أيْ: ما ذَكَرَهُ، وهو الإعادَةُ: ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩]

29:20–24Page 398

قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠

Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how He began creation. Then Allāh will produce the final creation [i.e., development]. Indeed Allāh, over all things, is competent."

يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ ٢١

He punishes whom He wills and has mercy upon whom He wills, and to Him you will be returned.

وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٢٢

And you will not cause failure [to Allāh] upon the earth or in the heaven. And you have not other than Allāh any protector or any helper.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحۡمَتِي وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٣

And the ones who disbelieve in the signs of Allāh and the meeting with Him - those have despaired of My mercy, and they will have a painful punishment.

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱقۡتُلُوهُ أَوۡ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٤

And the answer of his [i.e., Abraham's] people was not but that they said, "Kill him or burn him," but Allāh saved him from the fire. Indeed in that are signs for a people who believe.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠ - ٢٤] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢١] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢] (p-٤٧٤٤)﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤]

﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ أيْ: كَيْفَ خَلَقَهُمُ ابْتِداءً عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وطَبائِعَ مُتَغايِرَةٍ وأخْلاقٍ شَتّى. فَإنَّ تَرْتِيبَ النَّظَرِ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ، مُؤْذِي يَتْبَعُ أحْوالَ أصْنافِ الخَلْقِ القاطِنِينَ في أقْطارِها: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ أيِ: الخَلْقَ الآخَرَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١] أيْ: بَعْدَ النَّشْأةِ الثّانِيَةِ، وهُمُ المُنْكِرُونَ لَها: ﴿ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١] وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِها: ﴿وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢١] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] أيْ: بِالتَّوارِي في الأرْضِ، ولا بِالتَّحَصُّنِ في السَّماءِ الَّتِي هي أفْسَحُ مِنها، لَوِ اسْتَطَعْتُمُ الرُّقِيَّ فِيها. أوِ القِلاعَ الذّاهِبَةَ فِيها. فَيَكُونُ المُرادُ بِالسَّماءِ ما ارْتَفَعَ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا مَن في السَّماءِ، فَحُذِفَ اسْمُ المَوْصُولِ وهو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. والتَّقْدِيرُ: ولا مَن في السَّماءِ بِمُعْجِزِهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ "أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ" وفِيهِ تَكَلُّفٌ وضَعْفٌ صِناعِيٌّ: ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢] أيْ: يُدافِعُ عَنْكم ما يُرادُ بِكُمْ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما أجابَ بِهِ قَوْمُ إبْراهِيمَ، بَعْدَ دَعْوَتِهِ إيّاهم وعِظاتِهِ البالِغَةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском