Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
البينة
Al-Bayyinah
The Clear Proof · Medinan · 8 ayahs
98:1–3Page 598
لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ ١
Those who disbelieved among the People of the Scripture and the polytheists were not to be parted [from misbelief]1 until there came to them clear evidence –
رَسُولٞ مِّنَ ٱللَّهِ يَتۡلُواْ صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ ٢
A Messenger from Allāh, reciting purified1 scriptures
فِيهَا كُتُبٞ قَيِّمَةٞ ٣
Within which are correct writings [i.e., rulings and laws].
(p-٦٢٢٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ البَيِّنَةِ
ويُقالُ سُورَةُ القَيِّمَةِ. وسُورَةُ المُنْفَكِّينَ. وسُورَةُ البَرِيَّةِ. وعَدَدُ آياتِها ثَمانٍ وهي مَدَنِيَّةٌ عَلى الأصَحِّ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ عنُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: وسَمّانِي لَكَ، قالَ: نَعَمْ. فَبَكى». ورَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.
وفِي رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ أبِي حَبَّةَ البَدْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا قالَ جِبْرِيلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تُقْرِئَها أُبَيًّا. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: إنَّ جِبْرِيلَ أمَرَنِي أنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ. قالَ أُبَيٌّ: وقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَبَكى أُبَيٌّ».
(p-٦٢٢٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٣ ] ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣]
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: جَحَدُوا نُبُوَّةَ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِعِنادِهِمْ بَعْدَ ما تَبَيَّنُوا الحَقَّ مِنها ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيِ: اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ عَرَفُوهُ وسَمِعُوا أدِلَّتَهُ وشاهَدُوا آياتِهِ، لَمْ يَكُونُوا هم ﴿والمُشْرِكِينَ﴾ أيْ: وثَنِيِّ العَرَبِ ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أيْ: عَنْ غَفْلَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِالحَقِّ، ووُقُوفِهِمْ عِنْدَما قَلَّدُوا فِيهِ آباءَهُمْ، ولا يَعْرِفُونَ مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ أيِ: الحُجَّةُ القاطِعَةُ المُثْبَتَةُ لِلْمُدَّعِي، وهي هُنا النَّبِيُّ ﷺ، فَمَجِيئُهُ هو الَّذِي أحْدَثَ هَذِهِ الرَّجَّةَ فِيما رَسَخَ مِن عَقائِدِهِمْ وتَمَكَّنَ مِن عَوائِدِهِمْ، حَتّى أخَذُوا يَحْتَجُّونَ لِعِنادِهِمْ ومُناكَرَتِهِمْ، بِأنَّهُ كانَ شَيْئًا مَعْرُوفًا لَهُمْ، يَصِلُونَ إلَيْهِ بِما كانَ لَدَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ أنْ يُتَّبَعَ؛ فَإنَّ ما هم فِيهِ أجْمَلُ وأبْدَعُ، ومُتابَعَةُ الآباءِ فِيهِ أشْهى إلى النُّفُوسِ وأمْتَعَ. تِلْكَ البَيِّنَةُ الَّتِي تُعَرِّفُهم وجْهَ الحَقِّ هِيَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [البينة: ٢] أيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] وهي صُحُفُ القُرْآنِ المُطَهَّرَةُ مِنَ الخَلْطِ وحَشْوِ المُدِلِّينَ، فَلِهَذا تَنْبَعِثُ مِنها أشِعَّةُ الحَقِّ حَتّى يَعْرِفَهُ طالِبُوهُ ومُنْكِرُوهُ مَعًا.
﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] أيْ: مُسْتَقِيمَةٌ لا عِوَجَ فِيها. واسْتِقامَةُ الكُتُبِ اشْتِمالُها عَلى الحَقِّ الَّذِي لا يَمِيلُ إلى باطِلٍ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن (p-٦٢٢٦)حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] والكُتُبُ الَّتِي في صُحُفِ القُرْآنِ ومَصاحِفِهِ، إمّا أنْ تَكُونَ هي ما صَحَّ مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ كَمُوسى وعِيسى وغَيْرِهِما، مِمّا حَكاهُ اللَّهُ في كِتابِهِ عَنْهُمْ، فَإنَّهُ لَمْ يَأْتِ مِنها إلّا بِما هو قَوِيٌّ سَلِيمٌ. وقَدْ تَرَكَ حِكايَةَ ما لَبَّسَ في المُلَبِّسُونَ إلّا أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ لِبَيانِ بُطْلانِهِ؛ ولِهَذا لَمْ يَجِدِ الجاحِدُونَ لِرِسالَتِهِ -عَلَيْهِ السَّلامُ- مِن أهْلِ الكِتابِ سَبِيلًا إلى إنْكارِ الحَقِّ، وإنَّما فَضَّلُوا عَلَيْهِ سِواهُ أنَّ هي سُوَرُ القُرْآنِ، فَإنَّ كُلَّ سُورَةٍ مِن سُوَرِهِ كِتابٌ قَوِيمٌ؛ فَصَحَّفَ القُرْآنَ أوْ صَحائِفَهُ وأوْراقَ مُصْحَفِهِ تَحْتَوِي عَلى سُوَرٍ مِنَ القُرْآنِ هي كُتُبٌ قَيِّمَةٌ. ولَمّا كانَ لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ: إذا كانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، وقَدِ انْفَكُّوا عَنْ ذَلِكَ الظَّلامِ المُطْبِقِ، وبَدا لَهم مِنَ الحَقِّ ما عَرَفُوهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ، فَما بالُهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَقِّ الَّذِي جاءَهُمْ؟ أجابَ الحَقُّ تَعالى بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ والحُجَّةُ القاطِعَةُ عَلى الحَقِّ الَّذِي لا يَخْتَلِفُ وجْهُهُ، بِما أوْحى اللَّهُ بِهِ إلى أنْبِيائِهِمْ، وكانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَسْتَرْشِدُوا بِكُتُبِهِمْ في مَعْرِفَةِ سَبِيلِهِ حَتّى لا يَنْحَرِفُوا عَنْهُ، فَإذا عَرَضَ لِأحَدِهِمْ شُبْهَةٌ رَجَعَ في كَشْفِها إلى العارِفِ بِمَعانِي الكُتُبِ، ثُمَّ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَحْرِصُوا عَلى تَعَلُّمِ مَعانِيها وفَهْمِ أسالِيبِها ويُحافِظُوا عَلَيْها حَتّى لا يُضَلِّلَهم فِيها مُضَلِّلٌ، لَكِنَّ هَذِهِ البَيِّنَةَ لَمْ تُفِدْهم شَيْئًا، فَإنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في التَّأْوِيلِ وتَفَرَّقُوا في المَذاهِبِ، حَتّى صارَ أهْلُ كُلِّ مَذْهَبٍ يُبْطِلُ ما عِنْدَ أهْلِ المَذْهَبِ الآخَرِ. وكانَ ذَلِكَ بَغْيًا مِنهُمْ، واسْتِمْرَرًا في المُرادِ وإصْرارًا عَلى ما قادَ إلَيْهِ الهَوى. وهَذا هو قَوْلُهُ تَعالى:
98:4–5Page 598
وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ ٤
Nor did those who were given the Scripture become divided1 until after there had come to them clear evidence.
وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ ٥
And they were not commanded except to worship Allāh, [being] sincere to Him in religion, inclining to truth, and to establish prayer and to give zakāh. And that is the correct religion.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤ - ٥ ] ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]
﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ أيْ: عَلى ألْسِنَةِ (p-٦٢٢٧)أنْبِيائِهِمْ. فَهَكَذا كانَ شَأْنُهم في النَّبِيِّ ﷺ جَحَدُوا بَيِّنَتَهُ كَما جَحَدُوا بَيِّنَةَ أنْبِيائِهِمْ بِتَفَرُّقِهِمْ فِيها وبُعْدِهِمْ بِالتَّفَرُّقِ عَنْ حَقِيقَتِها، فَإنْ كانَ هَذا شَأْنَ أهْلِ الكِتابِ في بَيِّنَتِهِمْ وبَيِّنَتِنا، فَما ظَنُّكَ بِالمُشْرِكِينَ، وهم أعْرَقُ في الجَهالَةِ وأسْلَسُ قِيادًا لِلْهَوى مِنهُمْ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا﴾ [البينة: ٥] أيْ: والحالُ أنَّ أهْلَ الكِتابِ ما أُمِرُوا بِلِسانِ أنْبِيائِهِمْ وكُتُبِهِمْ ﴿إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] أيِ: الإذْعانُ والخُضُوعُ، وذَلِكَ بِتَنْقِيَتِهِ مِن أنْ يُشْرِكَهُ فِيهِ شَيْءٌ، لا واسِطَةَ ولا مالَ، ولا كَرامَةَ ولا جاهَ "حُنَفاءَ" أيْ: مُتَّبِعِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ عَلى مِثالِهِ. وأصْلُهُ جَمْعُ (حَنِيفٍ) بِمَعْنى المائِلِ المُنْحَرِفِ؛ سُمِّيَ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِانْحِرافِهِ عَنْ وثَنِيَّةِ النّاسِ كافَّةً ﴿ويُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البينة: ٥] أيِ: الإتْيانُ بِها، لِإحْضارِ القَلْبِ هَيْبَةَ المَعْبُودِ وتَرْوِيضِهِ بِالخُشُوعِ، لا أنْ تَكُونَ مُجَرَّدَ حَرَكاتٍ ظاهِرَةٍ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الصَّلاةِ في شَيْءٍ البَتَّةَ ﴿ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ [البينة: ٥] أيْ: بِصَرْفِها في مَصارِفِها الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ تَعالى.
﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] أيِ: الكُتُبِ القَيِّمَةِ، أوْ دِينِ الأُمَّةِ القَيِّمَةِ المُسْتَقِيمَةِ. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدِ افْتَرَقُوا، ولَعَنَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ أُخْتَها، وكانَ افْتِراقُهم في العَقائِدِ والأحْكامِ وفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، مَعَ أنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا ولَمْ تُوضَعْ لَهم تِلْكَ الأحْكامُ إلّا لِأجْلِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ويُخْلِصُوا لَهُ عَقائِدَهم وأعْمالَهُمْ، فَلا يَأْخُذُونَها إلّا عَنْهُ مُباشَرَةً، ولا يُقَلِّدُونَ أهْلَ الضَّلالِ مِنَ الأُمَمِ الأُخْرى، وأنْ يَخْشَعُوا لِلَّهِ في صَلاتِهِمْ، وأنْ يَصِلُوا عِبادَ اللَّهِ بِزَكاتِهِمْ. فَإذا كانَ هَذا هو الأصْلَ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ في الأوامِرِ، فَما كانَ عَلَيْهِمْ إلّا أنْ يَجْعَلُوهُ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ، فَيَرُدُّوا إلَيْهِ كُلَّ ما يَعْرِضُ لَهم مِنَ المَسائِلِ ويَحُلُّوا بِهِ كُلَّ ما يَعْتَرِضُ أمامَهم مِنَ المَشاكِلِ. ومَتى تَحَكَّمَ الإخْلاصُ في الأنْفُسِ، تَسَلَّطَ الإنْصافُ عَلَيْها، فَسادَتْ فِيها الوَحْدَةُ، ولَمْ تَطْرُقْ طُرُقَها الفُرْقَةُ، هَذا ما نَعاهُ اللَّهُ مِن حالِ أهْلِ الكِتابِ، فَما نَقُولُ في حالِنا؟ أفَما يَنْعاهُ كِتابُنا الشّاهِدُ عَلَيْنا بِسُوءِ أعْمالِنا، في افْتِراقِنا في الدِّينِ وأنْ صِرْنا فِيهِ شِيَعًا، ومَلَأْناهُ مُحْدَثاتٍ وبِدَعًا؟ بِهَذا الَّذِي تَقَدَّمَ عَرَفْتُ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الَّذِينَ أنْكَرُوا رِسالَةَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ دَعْوَتِهِمْ إلى قَبُولِ ما جاءَ بِهِ. وإنَّ "مِن" في قَوْلِهِ "مِن أهْلِ الكِتابِ" لِلتَّبْعِيضِ. وأنَّ مَعْنى "لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ":
(p-٦٢٢٨)أيْ لَمْ يَكُنْ وجْهُ الحَقِّ لِيَنْكَشِفَ لَهُمْ، فَيَقَعُ الزِّلْزالُ في عَقائِدِهِمْ، فَيَنْفَكُّوا عَنِ الغَفْلَةِ المَحْضَةِ الَّتِي كانُوا فِيها، حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ "الَّذِينَ كَفَرُوا" -واللَّهُ أعْلَمُ- أُولَئِكَ الَّذِينَ جَحَدُوا شَيْئًا مِن دِينِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَما جاءَهم ولَمْ يَنْظُرُوا في دَلِيلِهِ، أوْ أعْرَضُوا عَنْهُ بَعْدَما عَرَفُوا دَلِيلَهُ، سَواءً كانُوا مِن مُشْرِكِي العَرَبِ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ، وإنْ آمَنُوا بَعْدَ ذَلِكَ وصَدَّقُوا. فَأرادَ اللَّهُ أنْ يَذْكُرَ مِنَّتَهُ عَلى مَن آمَنَ مِن هَؤُلاءِ، فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا -أيْ: جَحَدُوا ما أوْجَبَ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ أنْ يَعْتَقِدُوهُ عَنْهُ مِن صِفاتِهِ وشَرائِعِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومُشْرِكِي العَرَبِ- لَمْ يَكُونُوا بِراجِعِينَ عَنْ كُفْرِهِمْ وجُحُودِهِمْ هَذا، حَتّى يَأْتِيَهُمُ الرَّسُولُ فَيُبَيِّنُ لَهم بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، فَيُؤْمِنُوا. فَما أعْظَمَ فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في إرْسالِهِ رَسُولَهُ إلَيْهِمْ! وهَذا وجْهٌ آخَرُ غَيْرُ الَّذِي قَدَّمْناهُ في مَعْنى الَّذِينَ كَفَرُوا وانْفِكاكِهِمْ. وبِذَلِكَ أوْ هَذا ظَهَرَ مَعْنى "حَتّى" وبَطَلَ جَمِيعُ ما يَهْذِي بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ أضَلَّهُمُ التَّقْلِيدُ عَنِ الرَّأْيِ السَّدِيدِ، فَصَعَّبُوا مِنَ القُرْآنِ سَهْلَهُ، وحَرَّمُوا مِن فَهْمِهِ أهْلَهُ. انْتَهى كَلامُ الإمامِ نَقَلْناهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا بِالحَرْفِ لِنَفاسَتِهِ، ولِكَوْنِهِ أحْسَنَ ما فُسِّرَتْ بِهِ، وقاعِدَتُنا الَّتِي انْتَهَجْناها في هَذا التَّفْسِيرِ أنْ نُؤْثِرَ في مَعانِي آياتِهِ أحْسَنَ ما قِيلَ فِيها؛ فَلِذَلِكَ سَمَّيْناهُ (مَحاسِنَ التَّأْوِيلِ)، هَدانا اللَّهُ إلى أقْوَمِ السَّبِيلِ.
98:6Page 598
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ شَرُّ ٱلۡبَرِيَّةِ ٦
Indeed, they who disbelieved among the People of the Scripture and the polytheists will be in the fire of Hell, abiding eternally therein. Those are the worst of creatures.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِاللَّهِ ورَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ أيْ: شَرُّ مَن بَرَأهُ اللَّهُ وخَلَقَهُ. قالَ الإمامُ: لِأنَّ مُنْكِرَ الحَقِّ -بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ وقِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ- مُنْكِرٌ في الحَقِيقَةِ لِعَقْلِ نَفْسِهِ، مُهْلِكٌ لِرُوحِهِ، جالِبٌ الهَلاكَ لِغَيْرِهِ.
(p-٦٢٢٩)لَطائِفُ:
الأُولى: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي قَبْلَها عَلى أنَّ عُنْوانَ (المُشْرِكِينَ)، لا يَتَناوَلُ أهْلَ الكِتابِ في عُرْفِ القُرْآنِ، بَلْ هو خاصٌّ بِالوَثَنِيِّينَ، أعْنِي مَن يَدِينُونَ بِالإشْراكِ وتَعَدُّدِ الأرْبابِ، فَأهْلُ الكِتابِ -وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى- لا يَتَناوَلُهم ذَلِكَ العُنْوانُ وإنْ دَخَلَ في عَقائِدِهِمُ الشِّرْكُ؛ لِأنَّهُ دَخِيلٌ لا أصِيلٌ، ولِذَلِكَ يَنْفِرُونَ مِن وصْمَةِ الشِّرْكِ، وبِسَبَبِهِ حَلَّ النِّكاحُ مِنهم دُونَ الوَثَنِيِّنَ.
الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: العَرَبُ لا تَهْمِزُ البَرِيَّةَ. وبِتَرْكِ الهَمْزَةِ فِيها قَرَأتْها قُرّاءُ الأمْصارِ، غَيْرَ شَيْءٍ يُذْكَرُ عَنْ نافِعِ بْنِ أبِي نَعِيمٍ، فَإنَّهُ حَكى بَعْضُهم عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَهْمِزُها، وذَهَبَ بِها إلى قَوْلِ اللَّهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢] وأنَّها فَعِيلَةٌ مِن ذَلِكَ، وأمّا الَّذِينَ لَمْ يَهْمِزُوها، فَإنَّ لِتَرْكِهِمُ الهَمْزَ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونُوا تَرَكُوا الهَمْزَ فِيها كَما تَرَكُوهُ مِنَ المَلَكِ، وهو مَفْعَلٌ، مِن (ألَكَ)، أوْ (لَأكَ)، ومِن (يَرى)، و(تَرى) و(نَرى)، وهو (تَفْعَلُ) مِن رَأيْتُ. والآخَرُ: أنْ يَكُونُوا وجَّهُوها إلى أنَّها فَعَلِيةٌ، مِنَ البَراءِ وهو التُّرابُ. حُكِيَ عَنِ العَرَبِ سَماعًا فَقِيلَ: (بِفِيكَ البَرّادُ)، يَعْنِي بِهِ التُّرابُ. انْتَهى.
98:7–8Page 598
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ خَيۡرُ ٱلۡبَرِيَّةِ ٧
Indeed, they who have believed and done righteous deeds - those are the best of creatures.
جَزَآؤُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ رَبَّهُۥ ٨
Their reward with their Lord will be gardens of perpetual residence beneath which rivers flow, wherein they will abide forever, Allāh being pleased with them and they with Him. That is for whoever has feared his Lord.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ - ٨ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِاللَّهِ ورَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: مِن بَذْلِ النَّفْسِ في سَبِيلِ الجِهادِ لِلْحَقِّ، وبَذْلِ المالِ في أعْمالِ البِرِّ، مَعَ القِيامِ بِفَرائِضِ العِباداتِ، والإخْلاصِ في سائِرِ ضُرُوبِ المُعامَلاتِ؛ لِأنَّ إذْعانَهُمُ الصَّحِيحَ، ووِجْدانَهم لَذَّةَ مَعْرِفَةِ الحَقِّ، مَلَّكَتِ الحَقَّ قِيادَهم فَعَمِلُوا الأعْمالَ الصّالِحَةَ، قالَهُ الإمامُ ﴿أُولَئِكَ هم خَيْرُ (p-٦٢٣٠)البَرِيَّةِ﴾ أيْ: أفْضَلُ الخَلِيقَةِ، لِأنَّهم بِمُتابَعَةِ الحَقِّ عِنْدَ مَعْرِفَتِهِ بِالدَّلِيلِ القائِمِ عَلَيْهِ، قَدْ حَقَّقُوا لِأنْفُسِهِمْ مَعْنى الإنْسانِيَّةِ الَّتِي شَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِها. وبِالعَمَلِ الصّالِحِ، قَدْ حَفِظُوا نِظامَ الفَضِيلَةِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ قِوامَ الوُجُودِ الإنْسانِيِّ، وهَدَوْا غَيْرَهم بِحُسْنِ الأُسْوَةِ إلى مِثْلِ ما هُدُوا إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ والسَّعادَةِ، فَمَن يَكُونُ أفْضَلَ مِنهُمْ؟ قالَهُ الإمامُ.
﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البينة: ٨] أيْ: بَساتِينُ إقامَةٍ، لا ظَعْنَ فِيها، تَجْرِي مِن تَحْتِ أشْجارِها وغُرَفِها الأنْهارُ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [البينة: ٨] أيْ: ماكِثِينَ عَلى الدَّوامِ، لا يَخْرُجُونَ عَنْها ولا يَمُوتُونَ فِيها ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [البينة: ٨] أيْ: بِما أطاعُوهُ في الدُّنْيا، وعَمِلُوا لِخُلُوصِهِمْ مِن عِقابِهِ ذَلِكَ ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨] لِأنَّهم بِحُسْنِ يَقِينِهِمْ يَرْتاحُونَ إلى امْتِثالِ ما يَأْمُرُ بِهِ في الدُّنْيا، فَهم راضُونَ عَنْهُ. ثُمَّ إذا ذَهَبُوا إلى نِعَمِ الآخِرَةِ، وجَدُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ما لا مَحَلَّ لِلسُّخْطِ مَعَهُ، فَهم راضُونَ عَنِ اللَّهِ في كُلِّ حالٍ. أفادَهُ الإمامُ.
﴿ذَلِكَ﴾ [البينة: ٨] أيْ: هَذا الجَزاءُ الحَسَنُ وهَذا الرِّضاءُ ﴿لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨] أيْ: خافَ اللَّهَ في الدُّنْيا في سِرِّهِ وعَلانِيَتِهِ، فاتَّقاهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ؛ فَإنَّ الخَشْيَةَ مَلاكُ السَّعادَةِ الحَقِيقِيَّةِ.
قالَ الإمامُ: أرادَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الرَّفِيعَةِ الِاحْتِياطَ لِدَفْعِ سُوءِ الفَهْمِ، الَّذِي وقَعَ ولا يَزالُ يَقَعُ فِيهِ العامَّةُ مِنَ النّاسِ، بَلِ الخاصَّةُ كَذَلِكَ، وهو أنَّ مُجَرَّدَ الِاعْتِقادِ بِالوِراثَةِ وتَقْلِيدِ الأبَوَيْنِ، ومَعْرِفَةِ ظَواهِرِ بَعْضِ الأحْكامِ، وأداءِ بَعْضِ العِباداتِ، كَحَرَكاتِ الصَّلاةِ وإمْساكِ الصَّوْمِ، مُجَرَّدَ هَذا لا يَكْفِي في نَيْلِ ما أعَدَّ اللَّهُ مِنَ الجَزاءِ لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وإنْ كانَتْ قُلُوبُهم حَشْوُها الحَسَدُ والحِقْدُ والكِبْرِياءُ والرِّياءُ، وأفْواهُهم مِلْؤُها الكَذِبُ والنَّمِيمَةُ والِافْتِراءُ، وتَهُزُّ أعْطافَهم رِياحُ العَجَبِ والخُيَلاءِ، وسَرائِرُهم مَسْكَنُ العُبُودِيَّةِ والرِّقِّ لِلْأُمَراءِ، بَلْ ولِمَن دُونَ الأُمَراءِ، خالِيَةٌ مِن أقَلِّ مَراتِبِ الخُشُوعِ والإخْلاصِ لِرَبِّ الأرْضِ والسَّماءِ -كَلّا لا يَنالُونَ حُسْنَ الجَزاءِ؛ فَإنَّ خَشْيَةَ رَبِّهِمْ لَمْ تَحِلَّ قُلُوبَهُمْ، ولِهَذا لَمْ تُهَذِّبْ مِن نُفُوسِهِمْ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ الجَزاءُ إلّا لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ، وأشْعَرَ خَوْفَهُ قَلْبَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences