Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
سبإ
Saba
Sheba · Meccan · 54 ayahs
34:1Page 428
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١
[All] praise is [due] to Allāh, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth, and to Him belongs [all] praise in the Hereafter. And He is the Wise, the Aware.
(p-٤٩٣٦)٣٤- سُورَةُ سَبَأٍ
سُمِّيَتْ بِها لِتَضَمُّنِ قِصَّتِها آيَةً تَدُلُّ عَلى نَعِيمِ اَلْجَنَّةِ في اَلسَّعَةِ وعَدَمِ اَلْكُلْفَةِ والخُلُوِّ عَنِ اَلْآفَةِ، وتَبَدُّلِها بِالنِّقَمِ، لِمَن كَفَرَ بِالمُنْعِمِ.. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ اَلْقُرْآنِ.
قالَهُ اَلْمُهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. واسْتُثْنِيَ مِنها ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سبإ: ٦] اَلْآيَةَ.
ورَوى اَلتِّرْمِذِيُّ «عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مَسِيكٍ اَلْمَرادِيِّ قالَ: أتَيْتُ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اَللَّهِ! ألا أُقاتِلُ مَن أدْبَرَ مِن قَوْمِي؟ اَلْحَدِيثَ. وفِيهِ: وأُنْزِلَ في سَبَأٍ ما أُنْزِلَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اَللَّهِ! وما سَبَأٌ ؟» اَلْحَدِيثَ.
قالَ اِبْنُ اَلْحِصارِ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ اَلْقِصَّةَ مَدَنِيَّةٌ. لِأنَّ مُهاجَرَةَ فَرْوَةَ بَعْدَ إسْلامِ ثَقِيفٍ سَنَةَ تِسْعٍ.
قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (وأُنْزِلَ) حِكايَةً عَمّا تَقَدَّمَ نُزُولُهُ قَبْلَ هِجْرَتِهِ.
أفادَهُ في (الإتْقانِ) وآيُها أرْبَعٌ وخَمْسُونَ.
(p-٤٩٣٧)بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ ] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ .
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا، وتَصَرُّفًا بِما شاءَ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ أيْ: في اَلنَّشْأةِ اَلْآخِرَةِ. قالَ اَلشِّهابُ: اَلسَّماواتُ والأرْضُ عِبارَةٌ عَنْ هَذا اَلْعالَمِ بِأسْرِهِ.
وهُوَ يَشْتَمِلُ عَلى اَلنِّعَمِ اَلدُّنْيَوِيَّةِ. فَعُلِمَ مِنَ اَلتَّوْصِيفِ بِقَوْلِهِ: { اَلَّذِي } إلَخْ، أنَّهُ مَحْمُودٌ عَلى نِعَمِ اَلدُّنْيا، ولَمّا قَيَّدَ اَلثّانِيَ بِكَوْنِهِ في اَلْآخِرَةِ، عُلِمَ أنَّ اَلْأوَّلَ مَحَلُّهُ اَلدُّنْيا فَصارَ اَلْمَعْنى: أنَّهُ اَلْمَحْمُودُ عَلى نِعَمِ اَلدُّنْيا فِيها، وعَلى نِعَمِ اَلْآخِرَةِ فِيها. أوْ هو مِن بابِ اَلِاحْتِباكِ، وأصْلُهُ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ إلَخْ. في اَلدُّنْيا، ولَهُ ما في اَلْآخِرَةِ والحَمْدُ فِيها، فَأُثْبِتَ في كُلٍّ مِنها ما حُذِفَ مِنَ اَلْآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اَلصِّلَةِ، أوِ اِعْتِراضٌ، إنْ كانَتْ جُمْلَةُ: { يَعْلَمُ } حالِيَّةً: ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ أيِ: اَلَّذِي أحْكَمَ أُمُورَ اَلدّارَيْنِ ودَبَّرَها بِحِكْمَتِهِ: ﴿الخَبِيرُ﴾ أيْ: بِخَلْقِهِ وأعْمالِهِمْ وسَرائِرِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ مِمّا يُحِيطُ بِهِ عِلْمًا قَوْلَهُ:
34:2Page 428
يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۚ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلۡغَفُورُ ٢
He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein. And He is the Merciful, the Forgiving.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢ ] ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْـزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ .
﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ أيْ: مِنَ اَلْأمْطارِ، والمِياهِ، والكُنُوزِ، والدَّفائِنِ، والأمْواتِ: ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ أيْ: مِنَ اَلشَّجَرِ، والنَّباتِ، وماءِ اَلْعُيُونِ، والغَلَّةِ، والدَّوابِّ: (p-٤٩٣٨)﴿وما يَنْـزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: مِنَ اَلْأمْطارِ، والثُّلُوجِ، والبَرَدِ، والصَّواعِقِ، والأرْزاقِ، والمَلائِكَةِ، والمَقادِيرِ: ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ أيْ: مِنَ اَلْمَلائِكَةِ، وأعْمالِ اَلْعِبادِ: ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ أيْ: لِمَن تابَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وقامَ بِواجِبِ شُكْرِهِ.
34:3Page 428
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأۡتِينَا ٱلسَّاعَةُۖ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأۡتِيَنَّكُمۡ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِۖ لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٣
But those who disbelieve say, "The Hour will not come to us." Say, "Yes, by my Lord, it will surely come to you. [Allāh is] the Knower of the unseen." Not absent from Him is an atom's weight1 within the heavens or within the earth or [what is] smaller than that or greater, except that it is in a clear register -
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣ ] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ .
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ: ﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ أيْ: ساعَةُ اَلْجَزاءِ، إنْكارًا لَها: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أيِ: اَلسّاعَةُ. رَدٌّ لِكَلامِهِمْ وتَأْكِيدٌ لِما نَفَوْهُ، بِاليَمِينِ باللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ بِالجَرِّ صِفَةً، والرَّفْعِ خَبَرَ مَحْذُوفٍ، وقُرِئَ ) عَلّامِ (، بِالجَرِّ. وفي هَذا اَلتَّوْصِيفِ تَقْوِيَةٌ لِلتَّأْكِيدِ؛ لِأنَّ تَعْقِيبَ اَلْقَسَمِ بِجَلائِلِ نُعُوتِ اَلْمُقْسَمِ بِهِ، يُؤْذِنُ بِفَخامَةِ شَأْنِ اَلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وقُوَّةِ إثْباتِهِ وصِحَّتِهِ، لِما أنَّهُ في حُكْمِ اَلِاسْتِشْهادِ عَلى اَلْأمْرِ، لاسِيَّما إذا خُصَّ مِنَ اَلْأوْصافِ ما لَهُ اِخْتِصاصٌ بِهَذا اَلْمَعْنى؛ فَإنَّ قِيامَ اَلسّاعَةِ مِن مَشاهِيرِ اَلْغُيُوبِ وأدْخَلِها في اَلْخُفْيَةِ، وأوَّلِها مُسارَعَةً إلى اَلْقَلْبِ، إذا قِيلَ عالِمُ اَلْغَيْبِ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ أيْ: لا يَغِيبُ بِضَمِّ اَلزّايِ وكَسْرِها: ﴿عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: فالجَمِيعُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ عِلْمِهِ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإنْ تَناهى في اَلصِّغَرِ، فالعِظامُ وأجْزاءُ اَلْبَدَنِ، وإنْ تَلاشَتْ وتَفَرَّقَتْ وتَمَزَّقَتْ، فَهو عالِمٌ أيْنَ ذَهَبَتْ وأيْنَ تَفَرَّقَتْ، ثُمَّ يُعِيدُها كَما بَدَأها أوَّلَ مَرَّةٍ؛ لِسِعَةِ عِلْمِهِ وعِظَمِ قُدْرَتِهِ، جَلَّ شَأْنُهُ.
لَطائِفُ:
الأُولى - عامَّةُ اَلْقُرّاءِ عَلى رَفْعِ: { أصْغَرُ } و: { أكْبَرُ } وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: اَلِابْتِداءُ (p-٤٩٣٩)والخَبَرُ: { إلّا في كِتابٍ } والثّانِي اَلنَّسَقُ عَلى: { مِثْقالُ } . وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إلا في كِتابٍ﴾ تَأْكِيدًا لِلنَّفْيِ فِي: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّهُ في كِتابٍ مُبِينٍ، ويَكُونُ في مَحَلِّ اَلْحالِ.
وقَرَأ بَعْضُ اَلسَّلَفِ بِفَتْحِ اَلرّاءَيْنِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما – أنَّ { لا } هي لا اَلتَّبْرِئَةُ، بُنِيَ اِسْمُها مَعَها. والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿إلا في كِتابٍ﴾ والثّانِي - اَلنَّسَقُ عَلى: { ذَرَّةٍ } لِامْتِناعِهِ مِنَ اَلصَّرْفِ.
الثّانِيَةُ - يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ إلى أنَّ: { مِثْقالَ } لَمْ يُذْكَرْ لِلتَّحْدِيدِ بَلِ اَلْأصْغَرُ مِنهُ لا يَعْزُبُ أيْضًا.
الثّالِثَةُ - قالَ اَلْكَرْخِيُّ: فَإنْ قِيلَ فَأيُّ حاجَةٍ إلى ذِكْرِ ( اَلْأكْبَرِ)؛ فَإنَّ مَن عَلِمَ اَلْأصْغَرَ مِنَ اَلذَّرَّةِ لا بُدَّ وأنْ يَعْلَمَ اَلْأكْبَرَ؟ فالجَوابُ: لَمّا كانَ اَللَّهُ تَعالى أرادَ بَيانَ إثْباتِ اَلْأُمُورِ في اَلْكِتابِ، فَلَوِ اِقْتَصَرَ عَلى اَلْأصْغَرِ لَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُ يُثْبِتُ فِيهِ اَلصَّغائِرَ لِكَوْنِها مَحَلَّ اَلنِّسْيانِ، وأمّا اَلْأكْبَرُ فَلا يُنْسى فَلا حاجَةَ إلى إثْباتِهِ، فَأعْلَمَ أنَّ اَلْإثْباتَ في اَلْكِتابِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإنَّ اَلْأكْبَرَ مَكْتُوبٌ فِيهِ أيْضًا. وقَوْلُهُ تَعالى:
34:4Page 428
لِّيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤
That He may reward those who believe and do righteous deeds. Those will have forgiveness and noble provision.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤ ] ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ .
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبإ: ٣] وبَيانٌ لِما يَقْتَضِي إتْيانُها مِن جَزاءِ اَلْمُحْسِنِ والمُسِيءِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ: عَيْشٌ هَنِيءٌ في اَلْآخِرَةِ.
34:5Page 428
وَٱلَّذِينَ سَعَوۡ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٞ ٥
But those who strive against Our verses [seeking] to cause failure1 - for them will be a painful punishment of foul nature.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ ] ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ .
﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا﴾ أيْ: بِالطَّعْنِ فِيها ونِسْبَتِها إلى اَلسِّحْرِ والشِّعْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿مُعاجِزِينَ﴾ أيْ: مُقَدِّرِينَ اَلْغَلَبَةَ والعَجْزَ في زَعْمِهِمُ اَلْفاسِدِ وظَنِّهِمُ اَلْباطِلِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ وهو أسْوَأُ اَلْعَذابِ و: { مِن } لِلْبَيانِ: ﴿ألِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةُ عَذابٍ، (p-٤٩٤٠)وبِالجَرِّ صِفَةٌ لِـ: رِجْزٍ، قِراءَتانِ. وقَدْ جُوِّزَ في قَوْلِهِ: { والَّذِينَ سَعَوْا } أنْ يَكُونَ مُبْتَدَءًا، وجُمْلَةُ: { أُولَئِكَ } إلَخْ خَبَرَهُ وأنْ يُعْطَفَ عَلى: { اَلَّذِينَ } قَبْلَهُ. أيْ: ويَجْزِي اَلَّذِينَ سَعَوْا. ويَكُونُ جُمْلَةُ: { أُولَئِكَ } اَلَّتِي بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفَةً، والَّتِي قَبْلَهُ مُعْتَرِضَةً. وفي اَلتَّعْبِيرِ عَنْ طَعْنِهِمْ وصَدِّهِمْ بِالسَّعْيِ، تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ. فَإنَّ اَلْمُكَذِّبَ آتٍ بِإخْفاءِ آياتٍ بَيِّناتٍ، فَيَحْتاجُ إلى اَلسَّعْيِ اَلْعَظِيمِ، والجِدِّ اَلْبَلِيغِ، لِيُرَوِّجَ كَذِبَهُ لَعَلَّهُ يُعْجِزُ اَلْمُتَمَسِّكَ بِهِ.
34:6–8Page 428
وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلۡحَقَّ وَيَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٦
And those who have been given knowledge see that what is revealed to you from your Lord is the truth, and it guides to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy.
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلۡ نَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ يُنَبِّئُكُمۡ إِذَا مُزِّقۡتُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمۡ لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍ ٧
But those who disbelieve say, "Shall we direct you to a man who will inform you [that] when you have disintegrated in complete disintegration, you will [then] be [recreated] in a new creation?
أَفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةُۢۗ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ فِي ٱلۡعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلۡبَعِيدِ ٨
Has he invented about Allāh a lie or is there in him madness?" Rather, they who do not believe in the Hereafter will be in the punishment and [are in] extreme error.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ٨ ] ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ [سبإ: ٨] .
﴿ويَرى﴾ أيْ: يَعْلَمُ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ أيْ: دِينِهِ وشَرْعِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبإ: ٧] أيْ: مِن قُرَيْشٍ: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ [سبإ: ٧] يَعْنُونَ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبإ: ٧] أيْ: فُرِّقْتُمْ كُلَّ تَفْرِيقٍ، بِحَيْثُ صِرْتُمْ تُرابًا ورُفاتًا: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [سبإ: ٨] أيْ: فِيما قالَهُ: ﴿أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨] أيْ: جُنُونٌ تَخَيَّلَ بِهِ ذَلِكَ. فَرَدَّ تَعالى عَلَيْهِمْ ما نَعى بِهِ سُوءَ حالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ [سبإ: ٨] أيِ: اَلْمُتَناهِي أمْرُهُ؛ فَإنَّ مَن يُدْعى إلى اَلصَّلاحِ والرَّشادِ، ونَبْذِ اَلْهَوى والفَسادِ، فَيَرْمِي اَلدّاعِيَ بِالفِرْيَةِ والجُنُونِ، لَمُغْرِقٌ في اَلْجَهالَةِ، ومُبْعِدٌ أيَّ بُعْدٍ في اَلضَّلالَةِ، ثُمَّ أشارَ إلى تَهْوِيلِ تِلْكَ اَلْعَظِيمَةِ اَلَّتِي تَفَوَّهُوا بِها، وإنَّها مُوجِبَةٌ لِنُزُولِ أشَدِّ اَلْعَذابِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
34:9Page 429
أَفَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِن نَّشَأۡ نَخۡسِفۡ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ نُسۡقِطۡ عَلَيۡهِمۡ كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٩
Then, do they not look at what is before them and what is behind them of the heaven and earth? If We should will, We could cause the earth to swallow them or [could] let fall upon them fragments from the sky. Indeed in that is a sign for every servant turning back [to Allāh].
(p-٤٩٤١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩ ] ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ .
﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: أُعْمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى اَلسَّماءِ والأرْضِ، وإنَّهُما حَيْثُما كانُوا وأيْنَما سارُوا أمامَهم وخَلْفَهُمْ، مُحِيطَتانِ بِهِمْ، لا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْفُذُوا مِن أقْطارِهِما وأنْ يَخْرُجُوا عَمّا هم فِيهِ مِن مَلَكُوتِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَمْ يَخافُوا أنْ يَخْسِفَ اَللَّهُ بِهِمْ أوْ يُسْقِطَ عَلَيْهِمْ كِسَفًا لِتَكْذِيبِهِمُ اَلْآياتِ، وكُفْرِهِمْ بِالرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبِما جاءَ بِهِ، كَما فَعَلَ بِقارُونَ وأصْحابِ اَلْأيْكَةِ. أفادَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.
(والكِسْفُ ): بِسُكُونِ اَلسِّينِ، بِمَعْنى اَلْقِطْعِ، إمّا جَمْعُ كَسْفَةٍ، أوْ فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أوْ مُخَفَّفٌ مِنَ اَلْمَصْدَرِ، وقَرَأ حَفْصٌ: ﴿كِسَفًا﴾ بِالفَتْحِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ: اَلنَّظَرِ إلى اَلسَّماءِ والأرْضِ والفِكْرِ فِيهِما وما يَدُلّانِ عَلَيْهِ مِن قُدْرَةِ اَللَّهِ: ﴿لآيَةً﴾ أيْ: دَلالَةً واضِحَةً: ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى رَبِّهِ مُطِيعٍ لَهُ، فَإنَّ شَأْنَهُ لا يَخْلُو مِنَ اَلِاعْتِبارِ في آياتِهِ تَعالى، عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ اَلْبَعْثِ ونَشْرِ اَلرَّمِيمِ، كَما قالَ تَعالى:
﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى﴾ [يس: ٨١] وقالَ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمّا آتى داوُدَ وسُلَيْمانَ مِنَ اَلْفَضْلِ، والمُلْكِ، وسَعَةِ اَلسُّلْطانِ، ووَفْرَةِ اَلْجُنْدِ، وكَثْرَةِ اَلْعَدَدِ، والعُدَدِ، بِبَرَكَةِ إنابَتِهِما، وقِيامِهِما بِشُكْرِ اَلرَّبِّ تَعالى، عِدَةً لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأتْباعِهِ اَلْمُنِيبِينَ اَلشّاكِرِينَ بِنَيْلِ مِثْلِ ذَلِكَ، وتَذْكِيرًا بِقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَقالَ تَعالى:
34:10–11Page 429
۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ ١٠
And We certainly gave David from Us bounty. [We said], "O mountains, repeat [Our] praises with him, and the birds [as well]." And We made pliable for him iron,
أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١
[Commanding him], "Make full coats of mail and calculate [precisely] the links, and work [all of you] righteousness. Indeed I, of what you do, am Seeing."
(p-٤٩٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ - ١١ ] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْدِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبإ: ١١] .
﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ أيْ: رَجِّعِي مَعَهُ اَلتَّسْبِيحَ و: ﴿يا جِبالُ﴾ بَدَلٌ مِن: { فَضْلًا } أوْ مِن: { آتَيْنا } بِتَقْدِيرِ (قَوْلَنا)، أوْ (قُلْنا) يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ: ﴿والطَّيْرَ﴾ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى لَفْظِ اَلْجِبالِ ومَحَلِّها، وجُوِّزَ اِنْتِصابُهُ مَفْعُولًا مَعَهُ، وأنْ يُعْطَفَ عَلى: { فَضْلًا } بِمَعْنى وسَخَّرَنا لَهُ اَلطَّيْرَ. قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ هَذا اَلنَّظْمِ، وبَيْنَ أنْ يُقالَ: وآتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا، تَأْوِيبَ اَلْجِبالِ مَعَهُ والطَّيْرِ؟ قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُما ! ألا تَرى ما فِيهِ مِنَ اَلْفَخامَةِ اَلَّتِي لا تَخْفى، مِنَ اَلدَّلالَةِ عَلى عِزَّةِ اَلرُّبُوبِيَّةِ وكِبْرِياءِ اَلْإلَهِيَّةِ، حَيْثُ جُعِلَتِ اَلْجِبالُ مُنَزَّلَةً مَنزِلَةَ اَلْعُقَلاءِ اَلَّذِينَ إذا أمَرَهُمُ اَطاعُوا وأذْعَنُوا، وإذا دَعاهم سَمِعُوا وأجابُوا، إشْعارًا بِأنَّهُ ما مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ وناطِقٍ وصامِتٍ، إلّا وهو مُنْقادٌ لِمَشِيئَتِهِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلى إرادَتِهِ. اِنْتَهى.
﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ [سبإ: ١١] أيْ: دُرُوعًا واسِعاتٍ: ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ [سبإ: ١١] أيِ: اِقْتَصِدْ في نَسْجِ اَلدُّرُوعِ لِتَتَناسَبَ حِلَقُها: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ [سبإ: ١١] أيْ: وقُلْنا لَهُ ولِأهْلِهِ ذَلِكَ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبإ: ١١] أيْ: فَأُجازِيكم بِهِ.
34:12Page 429
وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ وَأَسَلۡنَا لَهُۥ عَيۡنَ ٱلۡقِطۡرِۖ وَمِنَ ٱلۡجِنِّ مَن يَعۡمَلُ بَيۡنَ يَدَيۡهِ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَمَن يَزِغۡ مِنۡهُمۡ عَنۡ أَمۡرِنَا نُذِقۡهُ مِنۡ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ١٢
And to Solomon [We subjected] the wind - its morning [journey was that of] a month - and its afternoon [journey was that of] a month, and We made flow for him a spring of [liquid] copper. And among the jinn were those who worked for him by the permission of his Lord. And whoever deviated among them from Our command - We will make him taste of the punishment of the Blaze.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢ ] ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ .
﴿ولِسُلَيْمانَ﴾ أيْ: وسَخَّرَنا لَهُ: ﴿الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ أيْ: جَرْيُها بِالغَداةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجَرْيُها بِالعَشِيِّ كَذَلِكَ، والرِّيحُ اَلْهَواءُ اَلْمُسَخَّرُ بَيْنَ اَلسَّماءِ والأرْضِ. ويُطْلَقُ بِمَعْنى (p-٤٩٤٣)اَلنُّصْرَةِ والدَّلالَةِ والغَلَبَةِ والقُوَّةِ، كَما في اَلْقامُوسِ: ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ أيِ: اَلنُّحاسَ اَلْمُذابَ؛ أيْ: أجْرَيْنا لَهُ يَنْبُوعَهُ لِكَثْرَةِ ما تَوَفَّرَ لَدَيْهِ مِنهُ مِن سَعَةِ مُلْكِهِ: ﴿ومِنَ الجِنِّ﴾ أيِ: اَلشَّياطِينِ اَلْأقْوِياءِ: ﴿مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: مِن رَفِيعِ اَلْمَبانِي، وإشادَةِ اَلْقُصُورِ وغَيْرِها: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَزِغْ﴾ أيْ: يَعْدِلْ: ﴿مِنهم عَنْ أمْرِنا نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أيِ: اَلنّارِ، ثُمَّ فَصَّلَ ما ذُكِرَ مِن عَمَلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى:
34:13Page 429
يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ ١٣
They made for him what he willed of elevated chambers,1 statues,2 bowls like reservoirs, and stationary kettles. [We said], "Work, O family of David, in gratitude." And few of My servants are grateful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣ ] ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ .
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ﴾ أيْ: مَساكِنَ ومَجالِسَ شَرِيفَةٍ، أوْ مَساجِدَ: ﴿وتَماثِيلَ﴾ أيْ: صُوَرٍ ونُقُوشٍ مُنَوَّعَةٍ عَلى اَلْجُدُرِ، والسُّقُوفِ، والأعْمِدَةِ. جَمْعِ ( تِمْثالٍ)، وهو كُلُّ ما صُوِّرَ عَلى مِثْلِ صُورَةِ غَيْرِهِ مِن حَيَوانٍ، وغَيْرِ حَيَوانٍ، ولَمْ يَكُنِ اِتِّخاذُ اَلصُّوَرِ إذْ ذاكَ مُحَرَّمًا.
قالَ السُّيُوطِيُّ في ("اَلْإكْلِيلِ"): قالَ اِبْنُ اَلْفَرَسِ: اِحْتَجَّتْ بِهِ فِرْقَةٌ في جَوازِ اَلتَّصْوِيرِ، وهو مَمْنُوعٌ فَإنَّهُ مَنسُوخٌ في شَرْعِنا: ﴿وجِفانٍ كالجَوابِ﴾ أيْ: وصِحافٍ كالجَوابِي، وهي اَلْحِياضُ اَلْكِبارُ، و(الجِفانُ): جَمْعُ جَفْنَةٍ وهي كالصَّحْفَةِ والقَصْعَةِ، ما يُوضَعُ فِيهِ اَلطَّعامُ مُطْلَقًا. وقِيلَ اَلْجَفْنَةُ أعْظَمُ اَلْقِصاعِ، ثُمَّ يَلِيها اَلْقَصْعَةُ وهي ما تُشْبِعُ عَشَرَةً، ثُمَّ اَلصَّحْفَةُ وهي ما تُشْبِعُ خَمْسَةً، ثُمَّ اَلْمِيكَلَةُ وهي ما تُشْبِعُ ثَلاثَةً أوِ اِثْنَيْنِ، ثُمَّ اَلصَّحِيفَةُ: ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ أيْ: ثابِتاتٍ عَلى اَلْأثافِيِّ، لا تَنْزِلُ عَنْها لِعِظَمِها: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ أيْ: قِيلَ لَهُمُ: اِعْمَلُوا لِلَّهِ واعْبُدُوهُ عَلى وجْهِ اَلشُّكْرِ لِنَعْمائِهِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اَلْعَمَلَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ لِلشُّكْرِ لا لِلرَّجاءِ والخَوْفِ، كَما أنَّ فِيهِ وُجُوبَ اَلشُّكْرِ، وأنَّهُ يَكُونُ بِالعَمَلِ ولا يَخْتَصُّ بِاللِّسانِ؛ لِأنَّ حَقِيقَتَهُ صَرْفُ اَلْعَبْدِ جَمِيعَ ما أنْعَمَ اَللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ، وداوُدُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ قَدْ يَدْخُلُ هُنا في (آلِهِ)؛ فَإنَّ آلَ اَلرَّجُلِ قَدْ يَعُمُّهُ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ أيِ: اَلْمُتَوَفِّرُ عَلى أداءِ اَلشُّكْرِ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ وجَوارِحِهِ، أكْثَرَ أوْقاتِهِ.
34:14Page 429
فَلَمَّا قَضَيۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ١٤
And when We decreed for him [i.e., Solomon] death, nothing indicated to them [i.e., the jinn] his death except a creature of the earth eating his staff.1 But when he fell, it became clear to the jinn that if they had known the unseen, they would not have remained in humiliating punishment.2
(p-٤٩٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ ] ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلا دابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ .
﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى سُلَيْمانَ: ﴿المَوْتَ ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلا دابَّةُ الأرْضِ﴾ وهي اَلْأرَضَةُ: ﴿تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ﴾ أيْ: عَصاهُ اَلَّتِي يَنْسَأُ بِها، أيْ: يَطَّرِدُ ويُؤَخِّرُ: ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ أيِ: اَلشَّدِيدِ مِنَ اَلْجَرْيِ عَلى رَسْمِهِ لَهُمْ، والدَّأْبِ عَلَيْهِ، لِظَنِّهِمْ إيّاهُ حَيًّا.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مِن أخْبارِ بَعْضِ اَلْكافِرِينَ بِنِعَمِهِ، إثْرَ بَيانِ أحْوالِ اَلشّاكِرِينَ لَها، ما فِيهِ عِظَةٌ واعْتِبارٌ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
34:15Page 430
لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ ١٥
There was for [the tribe of] Saba’ in their dwelling place a sign: two [fields of] gardens on the right and on the left. [They were told], "Eat from the provisions of your Lord and be grateful to Him. A good land [have you], and a forgiving Lord."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ ] ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ .
﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ اِسْمٌ لِأبِي قَبِيلَةٍ. وقَدْ قُرِئَ بِمَنعِ اَلصَّرْفِ عَلى أنَّهُ اِسْمٌ لَها: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ أيْ: في مَواضِعِ سُكْناهُمْ، وهي بِاليَمَنِ يُقالُ لَها: (مَأْرِبُ)، كَمَنزِلٍ مِن بِلادِ اَلْأزْدِ، في آخِرِ جِبالِ حَضْرَمَوْتَ، وكانَتْ في اَلزَّمَنِ اَلْأوَّلِ قاعِدَةَ اَلتَّبابِعَةِ، فَإنَّها مَدِينَةُ بِلْقِيسَ، بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ نَحْوُ أرْبَعِ مَراحِلَ. وقُرِئَ: { مَساكِنِهِمْ }: ﴿آيَةٌ﴾ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى ومُجازاتِهِ اَلْمُسِيءَ: ﴿جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ أيْ: جَماعَتانِ مِنَ اَلْبَساتِينِ عَنْ يَمِينِ بَلَدِهِمْ وشِمالِها، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينِ مَسْكَنِهِ وشِمالِهِ. قِيلَ لَهُمْ: ﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ﴾ أيْ: بِصَرْفِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم إلى ما خَلَقَ لِأجْلِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ ما يُوجِبُ اَلشُّكْرَ اَلْمَأْمُورَ بِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ أيْ: لَطِيفَةٌ جَمِيلَةٌ مُبارَكَةٌ لا عاهَةَ فِيها: ﴿ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ أيْ: لِمَن شَكَرَهُ.
34:16Page 430
فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ ١٦
But they turned away [refusing], so We sent upon them the flood of the dam,1 and We replaced their two [fields of] gardens with gardens of bitter fruit, tamarisks and something of sparse lote trees.
(p-٤٩٤٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦ ] ﴿فَأعْرَضُوا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ .
﴿فَأعْرَضُوا﴾ أيْ: عَنِ اَلشُّكْرِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾ أيْ: سَيْلَ اَلْأمْرِ اَلْعَرِمِ، أيِ: اَلصَّعْبِ والمَطَرِ اَلشَّدِيدِ - أوِ اَلْوادِي - أوِ اَلسُّكْرِ اَلَّذِي يَحْبِسُ اَلْماءَ - أوْ هو اَلْبِناءُ اَلرَّصِينُ اَلْمَبْنِيُّ بَيْنَ اَلْجَبَلَيْنِ لِحِفْظِ ماءِ اَلْأمْطارِ وخَزْنِها، وقَدْ تُرِكَ فِيهِ أثْقابٌ عَلى مِقْدارِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في سَقْيِهِمْ، فَلَمّا طَغَوْا أهْلَكَهُمُ اَللَّهُ بِخَرابِ هَذا اَلْبِناءِ، فانْهالَ عَلَيْهِمْ تَيّارُ مائِهِ، فَأغْرَقَ بِلادَهم وأفْسَدَ عُمْرانَهم وأرْضَهُمْ، واضْطُرَّ مَن نَجا مِنهم لِلنُّزُوحِ عَنْها. كَما قالَ تَعالى: ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ أيْ: ثَمَرٍ مُرٍّ، أوْ بَشِعٍ لا يُؤْكَلُ: ﴿وأثْلٍ﴾ شَجَرٍ يُشْبِهُ اَلطَّرْفاءَ مِن شَجَرِ اَلْبادِيَةِ لا ثَمَرَ لَهُ: ﴿وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ وهو شَجَرُ اَلنَّبْقِ؛ أيْ: قِلَّةٌ لا تَسِمْنَ ولا تُغْنِي مِن جُوعٍ، فَهَذا تَبْدِيلُ اَلنِّعَمِ بِالنِّقَمِ، لِمَن لَمْ يَشْكُرِ اَلنِّعَمَ، كَما قالَ تَعالى:
34:17Page 430
ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ ١٧
[By] that We repaid them because they disbelieved. And do We [thus] repay except the ungrateful?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧ ] ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾ .
﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾ أيْ: بِشُكْرِ اَلنِّعَمِ، أوْ بِاتِّباعِ اَلرُّسُلِ، وتَكْذِيبِ اَلْحَقِّ، والعُدُولِ إلى أهْلِ اَلْباطِلِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما كانُوا فِيهِ مِنَ اَلنِّعْمَةِ، والغِبْطَةِ، والعَيْشِ اَلْهَنِيِّ، والبِلادِ اَلْآمِنَةِ، والقُرى اَلْمُتَواصِلَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
34:18Page 430
وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ ٱلۡقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا قُرٗى ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرۡنَا فِيهَا ٱلسَّيۡرَۖ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ١٨
And We placed between them and the cities which We had blessed1 [many] visible cities. And We determined between them the [distances of] journey,2 [saying], "Travel between them by night or by day in safety."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨ ] ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ .
﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ أيْ: بِالزُّرُوعِ والثِّمارِ، وحُسْنِ اَلْعُمْرانِ، وهي (p-٤٩٤٦)قُرًى بِصَنْعاءَ، كَما قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومالِكٌ، وغَيْرُهُمْ: ﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ أيْ: مُتَواصِلَةً، يُرى بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِتَقارُبِها؛ فَهي ظاهِرَةٌ لِأعْيُنِ اَلنّاظِرِينَ، أوْ ظاهِرَةٌ لِلْمُسافِرِينَ لا تَبْعُدُ عَنْ مَسالِكِهِمْ: ﴿وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ أيْ: جَعَلَنا بَيْنَ قُراها مَقادِيرَ مُتَساوِيَةً، فَمَن سارَ مِن قَرْيَةٍ صَباحًا وصَلَ إلى أُخْرى وقْتَ اَلظَّهِيرَةِ والقَيْلُولَةِ، ومَن سارَ بَعْدَ اَلظُّهْرِ وصَلَ إلى أُخْرى عِنْدَ اَلْغُرُوبِ، فَلا يَحْتاجُ لِحَمْلِ زادٍ ولا مَبِيتٍ في أرْضٍ خالِيَةٍ، ولا يَخافُ مِن عَدْوٍ ونَحْوِهِ: ﴿سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ أيْ: لا تَخافُونَ في اَللَّيْلِ أوِ اَلنَّهارِ، أوْ وإنِ تَطاوَلَ أمَدُ سَفَرِكم فِيها وامْتَدَّ، فَلا تَرَوْنَ إلّا اَلْأمْنَ، والأمْرُ عَلى تَقْدِيرِ اَلْقَوْلِ بِلِسانِ اَلْمَقالِ بِواسِطَةِ نَبِيٍّ ونَحْوِهِ، أوْ بِلِسانِ اَلْحالِ، كَأنَّهم لَمّا تَمَكَّنُوا مِنهُ جُعِلُوا مَأْمُورِينَ بِهِ، فالأمْرُ لِلْإباحَةِ. وفِي: (فِي)، إشْعارٌ بِشِدَّةِ اَلْقُرْبِ، حَتّى كَأنَّهم لَمْ يَخْرُجُوا مِن نَفْسِ اَلْقُرى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences