Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
فاطر
Fatir
Originator · Meccan · 45 ayahs
35:1–2Page 434
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١
[All] praise is [due] to Allāh, Creator of the heavens and the earth, [who] made the angels messengers having wings, two or three or four. He increases in creation what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.
مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢
Whatever Allāh grants to people of mercy - none can withhold it; and whatever He withholds - none can release it thereafter. And He is the Exalted in Might, the Wise.
(p-٤٩٧١)سُورَةُ فاطِرٍ
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما جاءَ فِيها مِن خَلْقِ اَلْمَلائِكَةِ، وجَعْلِهِمْ ذَوِي أجْنِحَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ في اَلْعَدَدِ، اَلدّالِّ عَلى عَجِيبِ صُنْعِهِ تَعالى وباهِرِ قُدْرَتِهِ.
وقالَ المُهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى بَيانِ تَفْصِيلِ رِسالَتِهِمْ، مِن جِهَةِ أخْذِهِمُ اَلْفَيْضَ عَنِ اَللَّهِ، وإيصالِهِ إلى خَلْقِهِ، مِن جِهَةٍ أوْ جِهَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ أوْ أكْثَرَ.
لِيُشْعِرَ أنَّ اَلرِّسالَةَ اَلْعامَّةَ لَهُمْ، إذا كانَتْ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ اَلرِّسالَةُ اَلْخاصَّةُ؟ مِثْلُ إنْزالِ اَلْقُرْآنِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ جِهاتٌ كَثِيرَةٌ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِجِبْرِيلَ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ. اِنْتَهى.
وتُسَمّى هَذِهِ اَلسُّورَةُ سُورَةَ (فاطِرٍ) لِذِكْرِ هَذا اَلِاسْمِ اَلْجَلِيلِ والنَّعْتِ اَلْجَمِيلِ في طَلِيعَتِها. وهَذِهِ اَلسُّورَةُ خِتامُ اَلسُّوَرِ اَلْمُفْتَتَحَةِ بِالحَمْدِ، اَلَّتِي فُصِّلَتْ فِيها اَلنِّعَمُ اَلْأرْبَعُ، اَلَّتِي هي مَجامِعُ اَلنِّعَمِ. لِأنَّ نِعَمَ اَللَّهِ تَعالى قِسْمانِ: عاجِلَةٌ وآجِلَةٌ. والعاجِلَةُ وُجُودٌ وبَقاءٌ، والآجِلَةُ كَذَلِكَ إيجادٌ مَرَّةً وإبْقاءٌ أُخْرى. كَما بَيَّنَهُ اَلرّازِيُّ.
(p-٤٩٧٢)بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٢ ] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢] .
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مُبْتَدِئُها ومُبْدِعُها مِن غَيْرِ سَبْقِ مَثَلٍ ومادَّةٍ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ أيْ: ذَوِي أجْنِحَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَفاوِتَةٍ في اَلْعَدَدِ، حَسْبَ تَفاوُتِ ما لَهم مِنَ اَلْمَراتِبِ، يَنْزِلُونَ بِها، ويَعْرُجُونَ، أوْ يُسْرِعُونَ بِها.
وفِي اَلصَّحِيحِ: ««أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، ولَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ»» . ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يَزِيدُ في خَلْقِ اَلْأجْنِحَةِ وغَيْرِهِ ما يَشاءُ، مِمّا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] أيْ: نِعْمَةٍ سَماوِيَّةٍ كانَتْ أوْ أرْضِيَّةٍ: ﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ [فاطر: ٢] أيْ: لا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى إمْساكِها: ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] أيْ: مِن بَعْدِ إمْساكِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [فاطر: ٢] اَلْغالِبُ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ: ﴿الحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢] أيْ: في أمْرِهِ وصُنْعِهِ.
35:3Page 434
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٣
O mankind, remember the favor of Allāh upon you. Is there any creator other than Allāh who provides for you from the heaven and earth? There is no deity except Him, so how are you deluded?
(p-٤٩٧٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣ ] ﴿يا أيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ .
﴿يا أيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: لِتَسْتَدِلُّوا بِها عَلى وحْدَتِهِ في أُلُوهِيَّتِهِ؛ لِأنَّهُ اَلْمُنْفَرِدُ بِإرْسالِها وحْدَهُ، ولا يَصِحُّ لِمَنِ اِنْفَرَدَ بِالإنْعامِ أنْ يُشْرَكَ مَعَهُ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ كُفْرانٌ لَهُ مُوجِبٌ لِغَضَبِهِ. وهَذا ما أشارَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيِ: اَلْمَطَرَ والنَّباتَ: ﴿لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: تُصْرَفُونَ عَنِ اَلتَّوْحِيدِ اَلْواجِبِ - لِأنَّهُ مُقْتَضى شُكْرِ اَلنِّعَمِ - إلى اَلشِّرْكِ والكُفْرِ.
35:4Page 435
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤
And if they deny you, [O Muḥammad] - already were messengers denied before you. And to Allāh are returned [all] matters.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤ ] ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ .
﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ فَيُجازِي اَلْمُكَذِّبَ وشِيعَتَهُ بِالخِزْيِ وظُهُورِ اَلْحَقِّ عَلَيْهِ.
35:5Page 435
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٥
O mankind, indeed the promise of Allāh is truth, so let not the worldly life delude you and be not deceived about Allāh by the Deceiver [i.e., Satan].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ ] ﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ .
﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: ما وعَدَ بِهِ مِن جَزائِهِ بِالثَّوابِ إنْ صَدَقْتُمْ في اَلِاتِّباعِ، وبِالعِقابِ، إنْ عَصَيْتُمْ: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِأنْ يُذْهِلَكُمُ اَلتَّمَتُّعُ بِها والتَّلَذُّذُ بِمَنافِعِها، عَنِ اَلْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ وطَلَبِ ما عِنْدَ اَللَّهِ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ أيِ: اَلشَّيْطانُ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ.
35:6Page 435
إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ٦
Indeed, Satan is an enemy to you; so take him as an enemy. He only invites his party to be among the companions of the Blaze.
(p-٤٩٧٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ ] ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ .
﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ: بِاتِّباعِ اَلْهَوى والرُّكُونِ إلى اَلدُّنْيا.
35:7–8Page 435
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٌ ٧
Those who disbelieve will have a severe punishment, and those who believe and do righteous deeds will have forgiveness and great reward.
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٨
Then is one to whom the evil of his deed has been made attractive so he considers it good [like one rightly guided]? For indeed, Allāh sends astray whom He wills and guides whom He wills. So do not let yourself perish over them in regret. Indeed, Allāh is Knowing of what they do.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ - ٨ ] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨] .
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] أيْ فَمَن حُسِّنَ لَهُ عَمَلُهُ اَلسَّيِّئُ، بِأنْ غَلَبَ هَواهُ عَلى عَقْلِهِ، حَتّى اِنْتَكَسَ رَأْيُهُ فَرَأى اَلْباطِلَ حَقًّا والقَبِيحَ حَسَنًا، كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ،بَلْ فَعَرَفَ اَلْحَقَّ ومَيَّزَ اَلْحَسَنَ مِنَ اَلسَّيِّئِ ؟ فَحَذَفَ اَلْجَوابَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [فاطر: ٨] أيِ اَلْإيمانُ واتِّباعُ اَلْحَقِّ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] أيْ فَلا تُهْلِكْ نَفْسَكَ حُزْنًا عَلى ضَلالِهِمْ وعَدَمِ اِتِّباعِهِمْ لَكَ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨] أيْ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
35:9Page 435
وَٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَسُقۡنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ٩
And it is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds, and We drive them to a dead land and give life thereby to the earth after its lifelessness. Thus is the resurrection.
(p-٤٩٧٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩ ] ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ .
﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أيْ: مِثْلُ إحْياءِ اَلْمَواتِ، إحْياءُ اَلْأمْواتِ، وكَثِيرًا ما يَسْتَدِلُّ تَعالى عَلى اَلْمَعادِ بِإحْيائِهِ اَلْأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، لِيَعْتَبِرَ اَلْمُرْتابُ في هَذا، فَإنَّهُ مِن أظْهَرِ اَلْآياتِ وأوْضَحِها.
35:10Page 435
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ وَٱلَّذِينَ يَمۡكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَمَكۡرُ أُوْلَٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ ١٠
Whoever desires honor [through power] - then to Allāh belongs all honor.1 To Him ascends good speech, and righteous work raises it.2 But they who plot evil deeds will have a severe punishment, and the plotting of those - it will perish.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ ] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ﴾ .
﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ﴾ أيِ: اَلشَّرَفَ والرِّفْعَةَ: ﴿فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أيْ: فَلْيَطْلُبْها مِن عِنْدِهِ، بِاتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، ومُوالاةِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، والتَّأسِّي بِهِمْ في اَلصَّلاحِ والإصْلاحِ، والصَّبْرِ والثَّباتِ، واطِّراحِ كُلِّ مَلامَةٍ رَغْبَةً في اَلْحَقِّ وعَمَلًا بِالصِّدْقِ. وهَذا كَآيَةِ: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩] وكَآيَةِ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وهو اَلدّاعِي إلى اَلْحَقِّ والإصْلاحِ، والمُنَبِّهُ عَلى سُبُلِ اَلضَّلالِ والفَسادِ: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ أيْ: يَرْفَعُ اَلْكَلِمُ اَلْعَمَلَ اَلصّالِحَ، عَلى أنْ يَكُونَ اَلْمُسْتَكِنُ لِلْكَلِمِ، إشارَةً إلى أنَّ اَلْعَمَلَ لا يُقْبَلُ إلّا بِالكَلِمِ اَلْمُؤَثِّرَ في إبْلاغِ دَعْوَةِ اَلْخَيْرِ. والضَّمِيرُ اَلْمُسْتَتِرُ لِلْعَمَلِ، والبارِزُ لِلْكَلِمِ؛ أيْ: يَكُونُ اَلْعَمَلُ (p-٤٩٧٦)اَلصّالِحُ مُوجِبًا لِرَفْعِها وقَبُولِها لِأنَّهُ يُحَقِّقُها ويُصَدِّقُها، كَما قالَ تَعالى عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] ﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: اَلْأعْمالَ اَلسَّيِّئَةَ اَلْمُفْسِدَةَ لِصَلاحِ اَلْأُمَّةِ وقِيامِ عُمْرانِها: ﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ﴾ أيْ: يَضْمَحِلُّ؛ لِأنَّ اَلْحَقَّ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ.
35:11Page 435
وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ جَعَلَكُمۡ أَزۡوَٰجٗاۚ وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٖ وَلَا يُنقَصُ مِنۡ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١١
And Allāh created you from dust, then from a sperm-drop; then He made you mates. And no female conceives nor does she give birth except with His knowledge. And no aged person is granted [additional] life nor is his lifespan lessened but that it is in a register. Indeed, that for Allāh is easy.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ ] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلا في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا﴾ أيْ: ذُكْرانًا وإناثًا، لُطْفًا مِنهُ ورَحْمَةً: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ﴾ أيْ: مِن أحَدٍ، وإنَّما سُمِّيَ مُعَمَّرًا لِما يَؤُولُ إلَيْهِ؛ أيْ: وما يُمَدُّ في عُمْرِ أحَدٍ: ﴿ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلا في كِتابٍ﴾ وهو عِلْمُهُ تَعالى اَلَّذِي سَبَقَ، بِبُلُوغِ أصْلِهِ إلَيْهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيِ: اَلْحِفْظُ والزِّيادَةُ أوِ اَلنَّقْصُ سَهْلٌ؛ لِشُمُولِ عِلْمِهِ وعُمُومِ قُدْرَتِهِ.
لَطِيفَةٌ:
الضَّمِيرُ فِي:( عُمُرِهِ)، لِلْمُعَمَّرِ قَبْلَهُ. بِاعْتِبارِ اَلْأصْلِ اَلْمُحَوَّلِ عَنْهُ؛ لِأنَّ اَلْأصْلَ: (وما يُعَمَّرُ مِن أحَدٍ) كَما ذَكَرْنا، أوْ هو عَلى اَلتَّسامُحِ اَلْمَعْرُوفِ فِيهِ، ثِقَةً في تَأْوِيلِهِ بِأفْهامِ اَلسّامِعِينَ، كَقَوْلِهِمْ: (لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ)؛ أيْ: نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ. أوْ لِلْمَنقُوصِ مِن عُمُرِهِ لا لِلْمُعَمَّرِ، كَما في اَلْوَجْهِ اَلسّابِقِ، وهو وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ في حُكْمِ اَلْمَذْكُورِ، كَما قِيلَ: (وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ اَلْأشْياءُ). فَيَعُودُ (p-٤٩٧٧)اَلضَّمِيرُ عَلى ما عُلِمَ مِنَ اَلسِّياقِ. وقَدْ أطالَ بَعْضُهُمُ اَلْكَلامَ في ذَلِكَ، ومُحَصِّلُهُ، كَما ذَكَرَهُ اَلشِّهابُ، أنَّهُ اُخْتُلِفَ في مَعْنى: ﴿مُعَمَّرٍ﴾ فَقِيلَ: اَلْمُزادُ عُمُرُهُ؛ بِدَلِيلِ ما يُقابِلُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُنْقَصُ﴾ إلَخْ. وقِيلَ: مَن يُجْعَلُ لَهُ عُمُرٌ. وهَلْ هو واحِدٌ أوْ شَخْصانِ؟ فَعَلى اَلثّانِي هو شَخْصٌ واحِدٌ. قالُوا مَثَلًا: يُكْتَبُ عُمُرُهُ مِائَةً ثُمَّ يُكْتَبُ تَحْتَهُ مَضى يَوْمٌ، مَضى يَوْمانِ، وهَكَذا. فَكِتابَةُ اَلْأصْلِ هي اَلتَّعْمِيرُ، والكِتابَةُ بَعْدَ ذَلِكَ هو اَلنَّقْصُ. كَما قِيلَ:
؎حَياتُكَ أنْفاسٌ تُعَدُّ فَكُلَّما مَضى نَفَسٌ مِنها اِنْتَقَصْتَ بِهِ جُزْءا
والضَّمِيرُ فِي: (عُمُرِهِ)، حِينَئِذٍ راجِعٌ إلى اَلْمَذْكُورِ، والمُعَمَّرُ هو اَلَّذِي جَعَلَ اَللَّهُ لَهُ عُمُرًا طالَ أوْ قَصُرَ، وعَلى اَلْقَوْلِ اَلْأوَّلِ هو شَخْصانِ. والمُعَمَّرُ اَلَّذِي يَزِيدُ في عُمُرِهِ. والضَّمِيرُ حِينَئِذٍ راجِعٌ إلى (مُعَمَّرٍ آخَرَ)؛ إذْ لا يَكُونُ اَلْمَزِيدُ مِن عُمُرِهِ مَنقُوصًا مِن عُمُرِهِ. وهَذا قَوْلُ اَلْفَرّاءِ، وبَعْضُ اَلنَّحْوِيِّينَ، وهو اِسْتِخْدامٌ، أوْ شَبِيهٌ بِهِ. اِنْتَهى.
ثُمَّ أشارَ تَعالى لِآياتٍ أُخْرى مِن آياتِ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، بِقَوْلِهِ:
35:12Page 436
وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢
And not alike are the two seas [i.e., bodies of water]. One is fresh and sweet, palatable for drinking, and one is salty and bitter. And from each you eat tender meat and extract ornaments which you wear, and you see the ships plowing through [them] that you might seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢ ] ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .
﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ اَلْعُذُوبَةِ: ﴿سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: قَوِيُّ اَلْمُلُوحَةِ: ﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يَعْنِي اَلسَّمَكَ: ﴿وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ أيْ: زِينَةً تَتَحَلَّوْنَ بِها. كَما قالَ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ﴿وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ أيْ: تَمْخُرُ اَلْماءَ وتَشُقُّهُ بِجَرْيِها: ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: بِالتَّنَقُّلِ فِيها: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾
35:13Page 436
يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ ١٣
He causes the night to enter the day, and He causes the day to enter the night and has subjected the sun and the moon - each running [its course] for a specified term. That is Allāh, your Lord; to Him belongs sovereignty. And those whom you invoke other than Him do not possess [as much as] the membrane of a date seed.
(p-٤٩٧٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣ ] ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ .
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ يَعْنِي مُدَّةَ دَوْرِهِ، أوْ مُنْتَهاهُ، أوْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ أيْ: فَأنّى يَسْتَأْهِلُونَ اَلْعِبادَةَ. (والقِطْمِيرُ): لُفافَةُ اَلنَّواةِ، وهو مَثَلٌ في اَلْقِلَّةِ والحَقارَةِ.
35:14Page 436
إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ ١٤
If you invoke them, they do not hear your supplication; and if they heard, they would not respond to you. And on the Day of Resurrection they will deny your association.1 And none can inform you like [one] Aware [of all matters].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ ] ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكم ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ .
﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ لِأنَّهم جَمادٌ: ﴿ولَوْ سَمِعُوا﴾ أيْ: عَلى اَلْفَرْضِ: ﴿ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ أيْ: لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى اَلنَّفْعِ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أيْ: يُقِرُّونَ بِبُطْلانِهِ، وأنْ لا أمْرَ لَهم فِيهِ: ﴿ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أيْ: لا يُخْبِرُكَ بِالأمْرِ مُخْبِرٌ، مِثْلُ خَبِيرٍ عَظِيمٍ أخْبَرَكَ بِهِ، وهو اَلْحَقُّ سُبْحانَهُ؛ فَإنَّهُ اَلْخَبِيرُ بِكُنْهِ اَلْأُمُورِ دُونَ سائِرِ اَلْمُخْبِرِينَ. والمُرادُ تَحْقِيقُ ما أخْبَرَ بِهِ مِن حالِ آلِهَتِهِمْ، ونَفْيِ ما يَدَّعُونَ لَهم مِنَ اَلْإلَهِيَّةِ.
35:15Page 436
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ١٥
O mankind, you are those in need of Allāh, while Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ ] ﴿يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ .
﴿يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: رَحْمَتِهِ، وعِنايَتِهِ، ولُطْفِهِ، وإمْدادِهِ في كُلِّ (p-٤٩٧٩)لَمْحَةٍ ونَفَسٍ، وسِرُّ وصْلِ اَلْآيَةِ بِما قَبْلَها مِنَ اَلتَّهَكُّمِ بِالأنْدادِ، لِتَذْكِيرِهِمُ اَلِالتِجاءَ إلَيْهِ تَعالى، والتَّضَرُّعَ والِابْتِهالَ إذا مَسَّهُمُ اَلضُّرُّ، وأخَذَتِ اَلْبَأْساءُ بِمُخانِقِهِمْ، فَإنَّهم يَشْعُرُونَ مِن أنْفُسِهِمْ دافِعًا إلى سُؤالِهِ لا مَرَدَّ لَهُ. وحاثًّا إلى اللَّجَأِ إلَيْهِ لا صادَّ عَنْهُ، كَما بَيَّنَ في غَيْرِ آيَةٍ، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو اَلْحَقِيقُ بِالعِبادَةِ، لِغِناهُ اَلْمُطْلَقِ، كَما قالَ: ﴿واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ أيِ: اَلْمَحْمُودُ لِنِعَمِهِ اَلَّتِي لا تُحْصى.
35:16–17Page 436
إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٦
If He wills, He can do away with you and bring forth a new creation.
وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٖ ١٧
And that is for Allāh not difficult.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦ - ١٧ ] ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٧] .
أيْ: بِمُمْتَنِعٍ. قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا غَضَبٌ عَلَيْهِمْ، لِاِتِّخاذِهِمْ لَهُ أنْدادًا، وكُفْرِهِمْ بِآيِهِ، ومَعاصِيهِمْ، كَما قالَ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]
35:18Page 436
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا يُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَيۡءٞ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰٓۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفۡسِهِۦۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٨
And no bearer of burdens will bear the burden of another. And if a heavily laden soul calls [another] to [carry some of] its load, nothing of it will be carried, even if he should be a close relative. You can only warn those who fear their Lord unseen and have established prayer. And whoever purifies himself only purifies himself for [the benefit of] his soul. And to Allāh is the [final] destination.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨ ] ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ ومَن تَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ .
﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ آثِمَةٌ: ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: إثْمَ نَفْسٍ أُخْرى، بَلْ إنَّما تَحْمِلُ وزْرَها اَلَّذِي اِقْتَرَفَتْهُ، لا تُؤْخَذُ نَفْسٌ بِذَنْبِ نَفْسٍ؛ كَما تَأْخُذُ جَبابِرَةُ اَلدُّنْيا اَلْوَلِيَّ بِالوَلِيِّ، والجارَ بِالجارِ، ولا يَرِدُ آيَةُ: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] لِأنَّها في اَلضّالِّينَ اَلْمُضِلِّينَ، وأنَّهم يَحْمِلُونَ أثْقالَ إضْلالِ اَلنّاسِ مَعَ أثْقالِ ضَلالِهِمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ أوْزارُهُمْ، ما فِيها شَيْءٌ مِن وِزْرِ غَيْرِهِمْ.
(p-٤٩٨٠)﴿وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ أيْ: نَفْسٌ أثْقَلَتْها اَلْأوْزارُ: ﴿إلى حِمْلِها﴾ أيْ: إلى حَمْلِ بَعْضِ أوْزارِها لِيُخَفَّفَ عَنْها: ﴿لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ﴾ أيْ: لَمْ تُجَبْ ولَمْ تُغَثْ بِحَمْلِ شَيْءٍ: ﴿ولَوْ كانَ﴾ أيِ: اَلْمَدْعُوُّ اَلْمَفْهُومُ مِنَ اَلدَّعْوَةِ: ﴿ذا قُرْبى﴾ أيْ: ذا قَرابَةٍ مِنَ اَلدّاعِي، مِن أبٍ أوْ ولَدٍ أوْ أخٍ، وهَذا قَطْعٌ لِأطْماعِ اِنْتِفاعِهِمْ بِقَرابَتِهِمْ، وغَنائِهِمْ عَنْهُمْ، وأنَّهُ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا، وأنَّ كُلَّ اِمْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ، ثُمَّ بَيَّنَ مَن يَتَّعِظُ ويَتَذَكَّرُ؛ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ ومَن تَزَكّى﴾ أيْ: تَطَهَّرَ مِن أوَضارِ اَلْأوْزارِ: ﴿فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩ ] ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ .
﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ مَثَلٌ لِلْكافِرِ والمُؤْمِنِ.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠ ] ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ .
﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ مَثَلٌ لِلْحَقِّ والباطِلِ.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ ] ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ .
﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ مَثَلٌ لِلثَّوابِ والعِقابِ و: ﴿الحَرُورُ﴾ اَلرِّيحُ اَلْحارَّةُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ تَكُونُ بِالنَّهارِ.
35:22Page 437
وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ ٢٢
And not equal are the living and the dead. Indeed, Allāh causes to hear whom He wills, but you cannot make hear those in the graves.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٢ ] ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ .
(p-٤٩٨١)﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ تَمْثِيلٌ آخَرُ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ أيْ: ما يَسْتَوِي أحْياءُ اَلْقُلُوبِ بِالإيمانِ باللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَعْرِفَةِ تَنْزِيلِهِ، وأمْواتُ اَلْقُلُوبِ؛ لِغَلَبَةِ اَلْكُفْرِ عَلَيْها حَتّى صارَتْ لا تَعْقِلُ عَنِ اَللَّهِ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ولا تَعْرِفُ اَلْهُدى مِنَ اَلضَّلالِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَفِّقُهُ لِفَهْمِ آياتِهِ والِاتِّعاظِ بِعِظاتِهِ: ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ أيْ: كَما لا يَقْدِرُ أنْ يَسْمَعَ مَن في اَلْقُبُورِ كِتابَ اَللَّهِ، فَيَهْدِيَهِمْ بِهِ إلى سَبِيلِ اَلرَّشادِ، فَكَذَلِكَ لا يَقْدِرُ أنْ يَنْتَفِعَ بِمَواعِظِ اَللَّهِ وبَيانِ حُجَجِهِ، مَن كانَ مَيِّتَ اَلْقَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ اَللَّهِ وفَهْمِ كِتابِهِ وواضِحِ حُجَجِهِ. وهَذا تَرْشِيحٌ لِتَمْثِيلِ اَلْمُصِرِّينَ عَلى اَلْكُفْرِ بِالأمْواتِ، وإشْباعٌ في إقْناطِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، مِن إيمانِهِمْ.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣ ] ﴿إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ﴾ .
﴿إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبَلِّغَ وتُنْذِرَ، فَإنْ كانَ اَلْمُنْذَرَ مِمَّنْ يَسْمَعُ اَلْإنْذارَ نُفِعَ، وإنْ كانَ مِنَ اَلْمُصِرِّينَ فَلا عَلَيْكَ.
35:24Page 437
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۚ وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ ٢٤
Indeed, We have sent you with the truth as a bringer of good tidings and a warner. And there was no nation but that there had passed within it a warner.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤ ] ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ .
﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ أيْ: وما مِن أُمَّةٍ مِنَ اَلْأُمَمِ اَلدّائِنَةِ بِمِلَّةٍ، إلّا مَضى فِيها نَذِيرٌ مِن قَبْلِكَ يُنْذِرُهم عَلى كُفْرِهِمْ باللَّهِ، ويُزِيحُ عَنْهُمُ اَلْعِلَلَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: ٣٦]
35:25Page 437
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ٢٥
And if they deny you - then already have those before them denied. Their messengers came to them with clear proofs and written ordinances and with the enlightening Scripture.
(p-٤٩٨٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٥ ] ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ .
﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ أيْ: وإنْ يُكَذِّبُوكَ ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، فَلا تُبالِ بِهِمْ وتَأسَّ بِمَن كُذِّبَ مِنَ اَلرُّسُلِ اَلسّالِفَةِ، فَقَدْ جاءُوهم بِالآياتِ، والخَوارِقِ اَلْمَحْسُوسَةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِمْ، وبِالصُّحُفِ اَلْمُرْشِدَةِ لَهم إلى مَسالِكِ اَلْفَلاحِ والنَّجاحِ، وبِالكِتابِ اَلْمُنِيرِ لِمَن تَدَبَّرَهُ وتَأمَّلَهُ، أنَّهُ اَلْحَقُّ اَلنّاطِقُ بِالصَّوابِ والصِّدْقِ، ولَيْسَ اَلْمُرادُ أنَّ كُلَّ رَسُولٍ جاءَ بِجَمِيعِ ما ذُكِّرَ، حَتّى يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَسُولٍ كِتابٌ، بَلِ اَلْمُرادُ أنَّ بَعْضَ اَلرُّسُلِ جاءَ بِهَذا، وبَعْضُهم جاءَ بِهَذا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالجَمِيعِ واحِدٌ، والعَطْفُ لِتَغايُرِ اَلْأوْصافِ.
35:26Page 437
ثُمَّ أَخَذۡتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٢٦
Then I seized the ones who disbelieved, and how [terrible] was My reproach.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦ ] ﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ .
﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ: إنْكارِي بِالعُقُوبَةِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَشْدِيدٍ وتَهْوِيلٍ لَها.
35:27Page 437
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ ٢٧
Do you not see that Allāh sends down rain from the sky, and We produce thereby fruits of varying colors? And in the mountains are tracts, white and red of varying shades and [some] extremely black.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٧ ] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ قَرَأ اَلْجُمْهُورُ: ﴿جُدَدٌ﴾ بِضَمِّ اَلْجِيمِ وفَتْحِ اَلدّالِ، جَمْعُ (جُدَّةٍ) بِالضَّمِّ، وهي اَلطَّرِيقَةُ مِن (جَدَّهُ) إذا قَطَعَهُ، أيْ: ومِنَ اَلْجِبالِ (p-٤٩٨٣)ذَوُو جُدَدٍ، أيْ: طَرائِقَ بِيضٍ وحُمْرٍ، وإنَّما قُدِّرَ اَلْمُضافُ؛ لِأنَّ اَلْجِبالَ لَيْسَتْ نَفْسَ اَلطَّرائِقِ. وغَرابِيبُ: جَمْعُ (غِرْبِيبٍ) وهو اَلْأسْوَدُ اَلْمُتَناهِي في اَلسَّوادِ، يُقالُ: أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، كَما يُقالُ: أحْمَرُ قانٍ، وأصْفَرُ فاقِعٌ، تَأْكِيدًا. وإنَّما قَدَّمَ هُنا، ومِن حَقِّ اَلتَّوْكِيدِ أنْ يَتْبَعَ اَلْمُؤَكَّدَ لِلْمُبالَغَةِ، ورَأى بَعْضُهم أنَّهُ مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ، ذِهابًا إلى جَوازِ تَقْدِيمِ اَلصِّفَةِ عَلى مَوْصُوفِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences