Al-QasimiAl‑Kahf · 18:1–17

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

الكهف

Al-Kahf

The Cave · Meccan · 110 ayahs

18:1Page 293

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ ١

[All] praise is [due] to Allāh, who has sent down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] the Book and has not made therein any deviance.1

(p-٤٠٢٠)سُورَةُ الكَهْفِ

ويُقالُ لَها سُورَةُ أصْحابِ الكَهْفِ. قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى قِصَّةِ أصْحابِهِ الجامِعَةِ فَوائِدَ الإيمانِ بِاللَّهِ، مِنَ الأمْنِ الكُلِّيِّ عَنِ الأعْداءِ، والإغْناءِ الكُلِّيِّ عَنِ الأشْياءِ، والكَراماتِ العَجِيبَةِ، وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. وهي مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ إلّا أوَّلَها إلى قَوْلِهِ: ﴿جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٢٨] الآيَةَ، و﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الكهف: ١٠٧] إلى آخِرِ السُّورَةِ.

واخْتارَ الدّانِيُّ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلَّها. وآيُها مِائَةٌ وعَشْرَةٌ، وقَدْ رُوِيَ في فَضْلِها أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، ساقَها الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ.

(p-٤٠٢١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْـزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْـزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ قَدَّمْنا أنَّ كَثِيرًا ما تُفْتَحُ السُّوَرُ وتُخْتَمُ بِالحَمْدِ، إشارَةً إلى أنَّهُ المَحْمُودُ عَلى كُلِّ حالٍ: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠] وتَعْلِيمًا لِلْعِبادِ أدَبَ افْتِتاحِ كُلِّ أمْرٍ ذِي بالٍ واخْتِتامِهِ. وذَلِكَ بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى بِنِعَمِهِ العُظْمى ومِنَنِهِ الكُبْرى. وفي إيثارِ إنْزالِ التَّنْزِيلِ مِن بَيْنِ سائِرِ نُعُوتِهِ العَلِيَّةِ، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ نَعْمائِهِ. فَإنَّهُ الهادِي إلى ما فِيهِ كَمالُ العِبادِ، والدّاعِي إلى ما بِهِ يَنْتَظِمُ صَلاحُ المَعاشِ والمَعادِ. ولا شَيْءَ في مَعْناهُ يُماثِلُهُ. وفي ذِكْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ، تَنْبِيهٌ عَلى عَظَمَةِ المُنْزَلِ والمُنْزَلِ عَلَيْهِ. كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الإضافَةُ الِاخْتِصاصِيَّةُ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ. وإشْعارٌ بِأنَّ شَأْنَ الرَّسُولِ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلْمُرْسِلِ لا كَما زَعَمَتِ النَّصارى في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وتَعْرِيفُ الكِتابِ لِلْعَهْدِ. أيِ: الكِتابُ الكامِلُ الغَنِيُّ عَنِ الوَصْفِ بِالكَمالِ، المَعْرُوفُ بِذَلِكَ مِن بَيْنِ الكُتُبِ، الحَقِيقُ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الكِتابِ بِهِ. وهو عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ القُرْآنِ. أوْ عَنْ جَمِيعِ المُنْزَلِ حِينَئِذٍ. وتَأْخِيرُهُ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ، مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهِ، لِيَتَّصِلَ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ العِوَجِ، بِاخْتِلالٍ في نَظْمِهِ وتَنافٍ في مَعانِيهِ. أوْ زَيْغٍ وانْحِرافٍ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ. بَلْ جَعَلَهُ مُزِيلًا لِلْعِوَجِ؛ إذْ جَعَلَهُ:

18:2–3Page 293

قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا ٢

[He has made it] straight, to warn of severe punishment from Him and to give good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a good reward [i.e., Paradise]

مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا ٣

In which they will remain forever

(p-٤٠٢٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢] ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ [٣] ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٣]

﴿قَيِّمًا﴾ أيْ: قَيِّمًا بِمَصالِحِ العِبادِ وما لا بُدَّ لَهم مِنهُ مِنَ الشَّرائِعِ. فَهو وصْفٌ لَهُ بِأنَّهُ مُكَمِّلٌ لَهُمْ، بَعْدَ وصْفِهِ بِأنَّهُ كامِلٌ في نَفْسِهِ. أوْ قَيِّمًا عَلى الكُتُبِ السّالِفَةِ، مُهَيْمِنًا عَلَيْها. أوْ مُتَناهِيًا في الِاسْتِقامَةِ والِاعْتِدالِ. فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ نَفْيُ العِوَجِ. مَعَ إفادَةِ كَوْنِ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ الذّاتِيَّةِ اللّازِمَةِ لَهُ، حَسْبَما تُنْبِئُ عَنْهُ الصِّيغَةُ. وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ جَعَلَهُ كَما ذَكَرْنا. عَلى أنَّهُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ. وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ.

تَنْبِيهٌ:

ذَهَبَ القاشانِيُّ أنَّ الضَّمِيرَ في " لَهُ " وما بَعْدَهُ لِقَوْلِهِ: " عَبْدِهِ " قالَ: أيْ: لَمْ يَجْعَلْ لِعَبْدِهِ زَيْغًا ومَيْلًا. وجَعَلَهُ قَيِّمًا، يَعْنِي مُسْتَقِيمًا، كَما أُمِرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] أوْ قَيِّمًا بِأمْرِ العِبادِ وهِدايَتِهِمْ، إذِ التَّكْمِيلُ يَتَرَتَّبُ عَلى الكَمالِ. لِأنَّهُ: عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَمّا فَرَغَ مِن تَقْوِيمِ نَفْسِهِ وتَزْكِيَتِها، أُقِيمَتْ نُفُوسُ أُمَّتِهِ مَقامَ نَفْسِهِ. فَأُمِرَ بِتَقْوِيمِها وتَزْكِيَتِها. ولِهَذا المَعْنى سُمِّي إبْراهِيمُ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أُمَّةً. وهَذِهِ القَيِّمِيَّةُ أيِ: القِيامُ بِهِدايَةِ النّاسِ، داخِلَةٌ في الِاسْتِقامَةِ المَأْمُورِ هو بِها في الحَقِيقَةِ، انْتَهى.

والأظْهَرُ الوَجْهُ الأوَّلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ أيْ: لِيُنْذِرَ مَن خالَفَهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، عَذابًا شَدِيدًا عاجِلًا أوْ آجِلًا. و(البَأْسُ): القَهْرُ والعَذابُ، وخَصَّصَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ إشارَةً إلى زِيادَةِ هَوْلِهِ. ولِذَلِكَ عَظَّمَهُ بِالتَّنْكِيرِ. مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلَ أوْ بِعامِلِ قَيِّمًا: ﴿ويُبَشِّرَ (p-٤٠٢٣)المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِهِ. وقالَ القاشانِيُّ: أيِ: المُوَحِّدِينَ، لِكَوْنِهِمْ في مُقابَلَةِ المُشْرِكِينَ، الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ أيْ: مِنَ الخَيْراتِ والفَضائِلِ: ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ: بِأنَّ لَهُمْ، بِمُقابَلَةِ إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ: ﴿أجْرًا حَسَنًا﴾ وهو الجَنَّةُ: ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٣]

18:4Page 293

وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا ٤

And to warn those who say, "Allāh has taken a son."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤] ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾

﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ وهم مُشْرِكُو العَرَبِ في قَوْلِهِمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والنَّصارى في دَعْواهُمُ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ وخَصَّهم بِالذِّكْرِ، وكَرَّرَ الإنْذارَ مُتَعَلِّقًا بِهِمُ، اسْتِعْظامًا لِكُفْرِهِمْ. وتَرْكُ إجْراءِ المَوْصُولِ عَلى المَوْصُوفِ كَما فَعَلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الكهف: ٢] لِلْإيذانِ بِكِفايَةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، في الكُفْرِ عَلى أقْبَحِ الوُجُوهِ.

18:5Page 294

مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا ٥

They have no knowledge of it,1 nor had their fathers. Grave is the word that comes out of their mouths; they speak not except a lie.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥] ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾

﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لآبائِهِمْ﴾ أيْ: ما لَهم بِالوَلَدِ، أوْ بِاتِّخاذِهِ، أوْ بِالقَوْلِ، مِن عِلْمٍ. بَلْ إنَّما يَصْدُرُ عَنْ جَهْلٍ مُفْرِطٍ، وتَوَهُّمٍ كاذِبٍ، وتَقْلِيدٍ لِلْآباءِ. لا عَنْ عِلْمِ يَقِينٍ، ويَقِينٍ. ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ أيْ: ما أكْبَرَها كَلِمَةً: ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الوَلَدَ مُسْتَحِيلٌ لا مَعْنى لَهُ. إذِ العِلْمُ اليَقِينِيُّ يَشْهَدُ أنَّ الوُجُودَ الواجِبِيَّ أحَدِيُّ الذّاتِ، لا يُماثِلُهُ الوُجُودُ المُمْكِنُ. والوَلَدُ هو المُماثِلُ لِوالِدِهِ في النَّوْعِ، المُكافِئُ لَهُ في القُوَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ صِفَةٌ لِــ(كَلِمَةً) تُفِيدُ اسْتِعْظامَ اجْتِرائِهِمْ عَلى إخْراجِها مِن أفْواهِهِمْ. قالَ الشِّهابُ: لِأنَّ المَعْنى: كَبُرَ خُرُوجُها. أيْ: عَظُمَتْ بَشاعَتُهُ وقَباحَتُهُ، بِمُجَرَّدِ التَّفَوُّهِ. فَما بالُكَ بِاعْتِقادِهِ: ﴿إنْ (p-٤٠٢٤)يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾ أيْ: قُولًا كَذِبًا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ إمْكانِ الصِّدْقِ أصْلًا. وذَلِكَ لِتَطابُقِ الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ، والوِجْدانِ الذَّوْقِيِّ عَلى إحالَتِهِ.

18:6Page 294

فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا ٦

Then perhaps you would kill yourself through grief over them, [O Muḥammad], if they do not believe in this message, [and] out of sorrow.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦] ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾

﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ﴾ أيْ: مُهْلِكٌ: ﴿نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ: ﴿أسَفًا﴾ أيْ: لِتَأْسَفَ عَلى تَوَلِّيهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنْهُ. أوْ مُتَأسِّفًا عَلَيْهِمْ. والأسَفُ فَرْطُ الحُزْنِ والغَضَبِ. وفي (العِنايَةِ): لَعَلَّ لِلتَّرَجِّي. وهو الطَّمَعُ في الوُقُوعِ أوِ الإشْفاقُ مِنهُ. وهي هُنا اسْتِعارَةٌ. أيْ: وصَلْتَ إلى حالَةٍ يَتَوَقَّعُ مِنكَ النّاسُ ذَلِكَ. لِما يُشاهَدُ مِن تَأسُّفِكَ عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ. وفي النَّظْمِ الكَرِيمِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ حالِهِ مَعَهُمْ، وقَدْ تَوَلَّوْا، وهو آسِفٌ مِن عَدَمِ هِدايَتِهِمْ، بِحالِ مَن فارَقَتْهُ أحِبَّتُهُ. فَهَمَّ بِقَتْلِ نَفْسِهِ. أوْ كادَ يَهْلَكُ وجْدًا عَلَيْهِمْ وتَحَسُّرًا عَلى آثارِهِمْ. وسِرُّ ذَلِكَ -كَما قالَ القاشانِيُّ - أنَّ الشَّفَقَةَ عَلى خَلْقِ اللَّهِ والرَّحْمَةَ عَلَيْهِمْ مِن لَوازِمِ مَحَبَّةِ اللَّهِ ونَتائِجِهِ. ولَمّا كانَ ﷺ حَبِيبَ اللَّهِ، ومِن لَوازِمِ مَحْبُوبِيَّتِهِ مَحَبَّتُهُ لِلَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وكُلَّما كانَتْ مَحَبَّتُهُ لِلْحَقِّ أقْوى، كانَتْ شَفَقَتُهُ ورَحْمَتُهُ عَلى خَلْقِهِ أكْثَرَ. لِكَوْنِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ ظِلَّ مَحَبَّتِهِ لِلَّهِ، وأشَدَّ تَعَطُّفِهِ عَلَيْهِمْ. فَإنَّهم كَأوْلادِهِ وأقارِبِهِ. بَلْ كَأعْضائِهِ وجَوارِحِهِ في الشُّهُودِ الحَقِيقِيِّ. فَلِذَلِكَ بالَغَ في التَّأسُّفِ عَلَيْهِمْ، حَتّى كادَ يُهْلِكُ نَفْسَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:

18:7Page 294

إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧

Indeed, We have made that which is on the earth adornment for it that We may test them [as to] which of them is best in deed.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧] ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾

﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ﴾ أيْ: مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ والمَعادِنِ: ﴿زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ أيْ: لِيَظْهَرَ أيُّهم أقْهَرُ لِشَهَواتِها ودَواعِيها، وأعْصى لِهَواها أيْ: رِضايَ، وأقْدَرُ عَلى مُخالَفَتِها لِمُوافَقَتِي.

18:8Page 294

وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا ٨

And indeed, We will make that which is upon it [into] a barren ground.

(p-٤٠٢٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨] ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ .

﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ أيْ: تُرابًا مُسْتَوِيًا لا نَباتَ فِيهِ. بَعْدَ ما كانَ يُبْهِجُ النُّظّارَ، لا شَيْءَ فِيهِ يَخْتَلِفُ، رُبًى ووِهادًا. أيْ: نُفْنِيها وما عَلَيْها ولا نُبالِي. وفي الآيَةِ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. كَأنَّهُ قِيلَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فَإنَّهُ لا عَلَيْكَ أنْ يَهْلَكُوا جَمِيعًا. لِأنّا نُخْرِجُ جَمِيعَ الأسْبابِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ لِلِابْتِلاءِ. ثُمَّ نُفْنِيها، ولا حَيْفَ ولا نَقْصَ. أوْ لا تَحْزَنْ فَإنّا مُفْنُونَ ذَلِكَ ومُجازُونَ لَهم بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى:

18:9Page 294

أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا ٩

Or have you thought that the companions of the cave and the inscription were, among Our signs, a wonder?1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩] ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾

﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ أيْ: آيَةً ذاتَ عَجَبٍ. عَلى حَذْفِ مُضافٍ. أوْ وصْفًا بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً و﴿مِن آياتِنا﴾ حالٌ مِنهُ و﴿أمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ بِمَعْنى الهَمْزَةِ. أيْ: أنَّهم مِن بَيْنِ آياتِنا آيَةٌ عَجِيبَةٌ. وجَعَلَها مُنْقَطِعَةً مُقَدَّرَةً بِبَلْ والهَمْزَةِ والِاسْتِفْهامِ لِلْإنْكارِ -أيْ: إنْكارُ حُسْبانِهِمْ آيَةً عَجِيبَةً بِالنِّسْبَةِ إلى آياتِهِ الكُبْرى- فِيهِ بُعْدٌ. لِأنَّ سِياقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ، أعْنِي سَوْقَها مُفَصَّلَةً مُنَوَّهًا بِها، ما هو إلّا لِتَقْرِيرِ التَّعَجُّبِ مِنها. و(الكَهْفُ) الغارُ الواسِعُ في الجَبَلِ. و(الرَّقِيمُ) اسْمُ كَلْبِهِمْ. وقِيلَ لَوْحُ رَقِيمٍ فِيهِ حَدِيثُهُمْ، وجُعِلَ عَلى بابِ الكَهْفِ. وقِيلَ الجَبَلُ أوِ الوادِي، أقْوالٌ.

18:10Page 294

إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا ١٠

[Mention] when the youths retreated to the cave and said, "Our Lord, grant us from Yourself mercy and prepare for us from our affair right guidance."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠] ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ .

﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ أيْ: خَوْفًا مِن إيذاءِ المَلِكِ عَلى تَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ (p-٤٠٢٦)والذَّبْحِ لَها. وإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ لِتَحْقِيقِ حالِهِمْ بِتَغْلِيبِهِمْ جانِبَ اللَّهِ عَلى جانِبِ أهْوِيَتِهِمْ في حالِ شَبابِهِمْ: ﴿فَقالُوا رَبَّنا﴾ أيْ: مَن رَبّانا بِنِعْمَةِ إيثارِ جانِبِهِ عَلى جانِبِ أنْفُسِنا: ﴿آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أيْ: مِن خَزائِنِكَ وهي المَغْفِرَةُ والرِّزْقُ والأمْنُ مِنَ الأعْدادِ: ﴿وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا﴾ وهو اخْتِيارُ الكَهْفِ لِمُفارَقَةِ الكُفّارِ: ﴿رَشَدًا﴾ وهو تَوْحِيدُكَ وعِبادَتُكَ.

18:11Page 294

فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا ١١

So We cast [a cover of sleep] over their ears within the cave for a number of years.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١] ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ .

﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ أيْ: أنَمْناهم نَوْمَةً ثَقِيلَةً لا يُنَبِّهُهم صَفِيرُ الخَبِيرِ، ولا دَعْوَةُ الدّاعِي الخَبِيرِ، في الكَهْفِ سِنِينَ ذَواتِ عَدَدٍ. أيْ: كَثِيرَةً أوْ مَعْدُودَةً. قالَ الشِّهابُ: ضَرَبْنا مُسْتَعارٌ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً لِمَعْنى أنَمْناهم إنامَةً لا يُنْتَبَهُ مِنها بِالصِّياحِ. لِأنَّ النّائِمَ يَنْتَبِهُ مِن جِهَةِ سَمْعِهِ. وهو إمّا مِن (ضَرَبْتُ القُفْلَ عَلى البابِ) أوْ (ضَرَبْتُ الخِباءَ عَلى ساكِنِهِ) شُبِّهَ؛ لِاسْتِغْراقِهِ في نَوْمِهِ حَتّى لا يَنْتَبِهَ بِمُنَبِّهٍ، بِمَن كانَ خَلْفَ حُجُبٍ مانِعَةٍ مِن وُصُولِ الأصْواتِ إلَيْهِ، وقِيلَ إنَّهُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.

18:12Page 294

ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا ١٢

Then We awakened them that We might show which of the two factions was most precise in calculating what [extent] they had remained in time.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢] ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾

﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ أيْ: أيْقَظْناهم إيقاظًا يُشْبِهُ بَعْثَ المَوْتى: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ أيْ: لِنَعْلَمَ واقِعًا ما عَلِمْنا أنَّهُ سَيَقَعُ. وهو أيُّ الحِزْبَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ في مُدَّةِ لَبْثِهِمْ، أشَدُّ إحْصاءً، أيْ: إحاطَةً وضَبْطًا لِغايَةِ مُدَّةِ لَبْثِهِمْ فَيَعْلَمُوا قَدْرَ ما حَفِظَهُمُ اللَّهُ بِلا طَعامٍ ولا شَرابٍ، وأمَّنَهم مِنَ العَدُوِّ، فَيَتِمُّ لَهم رُشْدُهم في شُكْرِهِ، وتَكُونُ لَهم آيَةٌ تَبْعَثُهم عَلى عِبادَتِهِ.

18:13Page 294

نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣

It is We who relate to you, [O Muḥammad], their story in truth. Indeed, they were youths who believed in their Lord, and We increased them in guidance.

وقَوْلُهُ تَعالى:

(p-٤٠٢٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣] ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ .

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ شُرُوعٌ في تَمامِ بَسْطِ قِصَّتِهِمْ وتَفْصِيلِها. والحَقُّ الأمْرُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ: ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: بِوَحْدانِيَّتِهِ إيمانًا يَقِينِيًّا عِلْمِيًّا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ، مَعَ اتِّفاقِ قَوْمِهِمْ عَلى الشِّرْكِ: ﴿وزِدْناهم هُدًى﴾ أيْ: بِتَرْجِيحِ جانِبِ اللَّهِ عَلى جانِبِ أنْفُسِهِمْ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الفِتْيَةُ -وهُمُ الشَّبابُ- أقْبَلُ لِلْحَقِّ وأهْدى لِلسَّبِيلِ، مِنَ الشُّيُوخِ الَّذِينَ قَدْ عَتَوْا وانْغَمَسُوا في دِينِ الباطِلِ. ولِهَذا كانَ أكْثَرُ المُسْتَجِيبِينَ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ ﷺ شَبابًا. وأمّا عامَّةُ شُيُوخِ قُرَيْشٍ فاسْتَمَرُّوا عَلى ضَلالِهِمْ ولَمْ يُسْلِمْ مِنهم إلّا القَلِيلُ. وهَكَذا أخْبَرَ تَعالى عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ أنَّهم كانُوا فِتْيَةً شَبابًا. وقَدْ يُرْوى عَنْ هَؤُلاءِ الفِتْيَةِ رِواياتٌ مُضْطَرِبَةٌ. أوْثَقُها أنَّ هَؤُلاءِ، كانَ قَدِمَ إلى مَدِينَتِهِمْ مَن يَدْعُو إلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى، وبِما جاءَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. مِمَّنْ كانَ عَلى قِدَمِ الحَوارِيِّينَ. فاسْتَجابَ لِذَلِكَ الفِتْيَةُ المُنَوَّهُ بِهِمْ. وخَلَعُوا الوَثَنِيَّةَ الَّتِي عَلَيْها قَوْمُهم وفَرُّوا بِدِينِهِمْ خَشْيَةَ أنْ يَفْتِنَهم مَلِكُهم عَنْ دِينِهِمْ أوْ يَقْتُلَهم. فاسْتَخْفَوْا عَنْهُ في الكَهْفِ. واعْتَزَلُوا فِيهِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ. ثُمَّ رُوِيَ أنَّ المَلِكَ طَلَبَهم. فَقِيلَ: دَخَلُوا هَذا الكَهْفَ. فَقالَ قَوْمُهُمْ: لا نُرِيدُ لَهم عُقُوبَةً ولا عَذابًا أشَدَّ مِن أنْ نَرْدِمَ عَلَيْهِمْ هَذا الكَهْفَ. فَبَنَوْهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَدَمُوهُ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ بَعَثَ عَلَيْهِمْ مَلِكًا عَلى دِينِ عِيسى. فَرَفَعَ ذَلِكَ البِناءَ الَّذِي كانَ رُدِمَ عَلَيْهِمْ. فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] حَتّى بَلَغَ: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩] وكانَ ورِقُ ذَلِكَ الزَّمانِ لِدَوْلَةِ أهْلِهِ. فَأرْسَلُوا أحَدَهم يَأْتِيهِمْ بِطَعامٍ. فَلَمّا ذَهَبَ لِيَخْرُجَ رَأى عَلى بابِ الكَهْفِ شَيْئًا أنْكَرَهُ فَأرادَ أنْ يَرْجِعَ. ثُمَّ مَضى حَتّى دَخَلَ المَدِينَةَ. فَأنْكَرَ ما رَأى. ثُمَّ أخْرَجَ دِرْهَمًا فَنَظَرُوا إلَيْهِ فَأنْكَرُوهُ وأنْكَرُوا الدِّرْهَمَ. وقالُوا: مِن أيْنَ لَكَ هَذا؟ هَذا مِن ورِقٍ غَيْرِ هَذا الزَّمانِ.

(p-٤٠٢٨)واجْتَمَعُوا عَلَيْهِ يَسْألُونَهُ. فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى انْطَلَقُوا بِهِ إلى مَلِكِهِمْ. فَأخْبَرَهُ بِأمْرِهِ. فاسْتَبْشَرُوا بِهِ وبِأصْحابِهِ. وقِيلَ لَهُ: انْطَلِقْ فَأرِنا أصْحابَكَ. فانْطَلَقَ وانْطَلَقُوا مَعَهُ لِيُرِيَهم. فَدَخَلَ قَبْلَ القَوْمِ فَضَرَبَ عَلى آذانِهِمْ فَـ: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] هَذا ما أوْرَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أوَّلًا، وفِيهِ كِفايَةٌ عَنْ غَيْرِهِ.

وسَنَذْكُرُ في آخِرِ نَبَئِهِمْ ما عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ النَّصارى مِن شَأْنِهِمْ.

وقَدْ قِيلَ إنَّهم كانُوا في مَدِينَةٍ يُقالُ لَها (طَرْسُوسُ) مِن أعْمالِ طَرابُلُسَ الشّامِ. وفِيها مِنَ الآثارِ القَدِيمَةِ العَهْدِ، في جَبَلٍ بِها، ما يَزْعُمُ أهْلُها زَعْمًا مُتَوارَثًا، أنَّهُ لِأصْحابِ الكَهْفِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

18:14Page 294

وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤

And We bound [i.e., made firm] their hearts when they stood up and said, "Our Lord is the Lord of the heavens and the earth. Never will we invoke besides Him any deity. We would have certainly spoken, then, an excessive transgression.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى صَبْرَهم عَلى مُخالَفَةِ قَوْمِهِمْ، ومَدِينَتِهِمْ ومُفارَقَةِ ما كانُوا فِيهِ مِنَ العَيْشِ الرَّغِيدِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤] ﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ .

﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: قَوَّيْناها بِالصَّبْرِ عَلى المُجاهَدَةِ. وشَجَّعْناهم عَلى مُحارَبَةِ الشَّيْطانِ والفِرارِ بِالدِّينِ إلى بَعْضِ الغِيرانِ. ومُخالَفَةِ النَّفْسِ وهَجْرِ المَأْلُوفاتِ الجُسْمانِيَّةِ واللَّذّاتِ والقِيامِ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ. وقِيلَ جَسَّرْناهم عَلى القِيامِ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وإظْهارِ الدِّينِ القَوِيمِ، والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ عِنْدَ مَلِكِهِمُ الجَبّارِ. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قامُوا﴾ أيْ: بَيْنَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُبالِينَ بِهِ. و" إذْ " ظَرْفٌ لِـــ رَبَطْنا. قالَ الشِّهابُ: (الرَّبْطُ) عَلى القَلْبِ مَجازٌ عَنِ الرَّبْطِ بِمَعْنى الشَّدِّ المَعْرُوفِ. أيِ: اسْتِعارَةٌ مِنهُ. كَما يُقالُ، رابِطُ الجَأْشِ. لِأنَّ القَلَقَ والخَوْفَ يَنْزَعِجُ بِهِ القَلْبُ مِن مَحَلِّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] فَشَبَّهَ القَلْبَ المُطْمَئِنَّ لِأمْرٍ، (p-٤٠٢٩)بِالحَيَوانِ المَرْبُوطِ في مَحَلٍّ. وعُدِّيَ (رَبَطَ) بِــ(عَلى) وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ: ﴿فَقالُوا رَبُّنا﴾ الَّذِي نَعْبُدُهُ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بِحَيْثُ يَدْخُلُ تَحْتَ رُبُوبِيَّتِهِ كُلُّ مَعْبُودٍ سِواهُ: ﴿لَنْ نَدْعُوَ﴾ أيْ: نَعْبُدَ: ﴿مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ أيْ: ذا بُعْدٍ عَنِ الحَقِّ، مُفْرِطٌ في الظُّلْمِ.

18:15Page 294

هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥

These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥] ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ .

﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ عَمِلُوا أوْ نَحَتُوا لَهم آلِهَةً، فَيُفِيدُ أنَّهم عَبَدُوها. وفي الإشارَةِ تَحْقِيرٌ لَهُمْ: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى عِبادَتِهِمْ أوْ آلِهِيَّتِهِمْ أوْ تَأْثِيرِهِمْ: ﴿بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ أيْ: حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ وبُرْهانٍ ظاهِرٍ. فَإنَّ الدِّينَ لا يُؤْخَذُ إلّا بِهِ. قالَ القاشانِيُّ: دَلِيلٌ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، وتَبْكِيتٌ بِأنَّ إقامَةَ الحُجَّةِ عَلى إلَهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ، وتَأْثِيرِهِ ووُجُودِهِ، مُحالٌ. كَما قالَ:﴿إنْ هي إلا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْـزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣] أيْ: أسْماءٌ بِلا مُسَمَّياتٍ، لِكَوْنِها لَيْسَتْ بِشَيْءٍ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا مُساوِيَ لَهُ في الظُّلْمِ والكُفْرِ. إشارَةٌ إلى أنَّهم لا يَأْتُونَ بِبُرْهانٍ. فَهم ظالِمُونَ في حَقِّ اللَّهِ، لِافْتِرائِهِمْ عَلَيْهِ بِأنَّ في رُتْبَتِهِ العُلْيا شُرَكاءَ يُساوُونَهُ فِيها. ثُمَّ خاطَبَ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَوْلِهِمْ:

18:16Page 295

وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦

[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦] ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا﴾ .

﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ﴾ أيْ: وإذِ اعْتَزَلْتُمُ القَوْمَ، (p-٤٠٣٠)بِتَرْكِ مُتابَعَتِهِمْ، مِن إفْراطِ ظُلْمِهِمْ، وهو مُوجِبٌ بُغْضَهم. واعْتَزَلْتُمْ مَعْبُوداتِهِمْ غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم صَرِيحًا أوْ في ضِمْنِ عِبادَتِهِمْ لَهُ، فَأْوُوا إلى الكَهْفِ الَّذِي لا يَطَّلِعُونَ عَلَيْكم فِيهِ، فَلا يُؤْذُونَكُمْ، ولا تَخافُوا مِنَ الكَوْنِ فِيهِ، فَواتَ الطَّعامِ والشَّرابِ، فَإنَّكم إذا التَجَأْتُمْ إلى اللَّهِ بَعْدَ ما دَعَوْتُمُوهُ بِنَشْرِ الرَّحْمَةِ وتَهْيِئَةِ الرُّشْدِ، ﴿يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: ما يُغْنِي عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، بِالإمْداداتِ المَلَكُوتِيَّةِ والتَّأْيِيداتِ القُدْسِيَّةِ: ﴿ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكُمْ﴾ وهو اخْتِيارُ جانِبِهِ عَلى جانِبِكُمْ: ﴿مِرْفَقًا﴾ أيْ: ما تَنْتَفِعُونَ بِهِ. قالَ المَهايِمِيُّ: يَرْفُقُ بِنُفُوسِكم فَيُعْطِيها مِن لَذّاتِ عِبادَتِهِ ما يُنْسِيها سائِرَ اللَّذّاتِ. عَلى أنَّها لَذّاتُها لَمْ تَخْلُ مِن أذِيَّةٍ. وهَذِهِ خالِيَةٌ عَنِ الأذِيّاتِ كُلِّها. وجَزْمُهم بِذَلِكَ لِنُصُوعِ يَقِينِهِمْ وقُوَّةِ وُثُوقِهِمْ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى.

تَنْبِيهٌ:

زَعَمَ قَوْمٍ أنَّ الآيَةَ تُفِيدُ مَشْرُوعِيَّةَ العُزْلَةِ واسْتِحْبابَها مُطْلَقًا. وهو خَطَأٌ. فَإنَّها تُشِيرُ إلى التَّأسِّي بِأهْلِ الكَهْفِ في الِاعْتِزالِ، إذا اضْطُهِدَ المَرْءُ في دِينِهِ وأُرِيدَ عَلى الشِّرْكِ. ومِمَّنْ رَدَّ الِاحْتِجاجُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ العُزْلَةِ، الإمامُ الغَزالِيُّ حَيْثُ قالَ في (إحْيائِهِ): وأهْلُ الكَهْفِ لَمْ يَعْتَزِلْ بَعْضُهم بَعْضًا وهم مُؤْمِنُونَ. وإنَّما اعْتَزَلُوا الكُفّارَ. أيْ: ولا رَيْبَ في مَشْرُوعِيَّتِهِ فِرارًا مِنَ الفِتَنِ.

فَقَوْلُ السُّيُوطِيِّ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ العُزْلَةِ والفِرارِ مِنَ الظَّلَمَةِ وسُكُونِ الغِيرانِ والجِبالِ عِنْدَ فَسادِ الزَّمانِ، كَلامٌ مُجْمَلٌ لا بُدَّ مِنَ التَّفْصِيلِ فِيهِ. وأيُّ عَصْرٍ خَلا مِنَ الفَسادِ؟ وسِياقُ الآيَةِ في الِاضْطِهادِ فَحَسْبُ، فافْهَمْ ولا تَغْلُ. وقَوْلُهُ تَعالى:

18:17Page 295

۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا ١٧

And [had you been present], you would see the sun when it rose, inclining away from their cave on the right, and when it set, passing away from them on the left, while they were [lying] within an open space thereof. That was from the signs of Allāh. He whom Allāh guides is the [rightly] guided, but he whom He sends astray - never will you find for him a protecting guide.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧] ﴿وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ (p-٤٠٣١)مِن يَهْدِ اللَّهِ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ .

﴿وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ﴾ أيْ: صَعِدَتْ عِنْدَ طُلُوعِها: ﴿تَزاوَرُ﴾ أيْ: تَمِيلُ: عَنْ كَهْفِهِمْ أيْ: بابِهِ: ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ أيْ: يَمِينِ الكَهْفِ: ﴿وإذا غَرَبَتْ﴾ أيْ: هَبَطَتْ لِلْغُرُوبِ: ﴿تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ: تَقْطَعُهم وتَعْدِلُ عَنْ سَمْتِ رُؤُوسِهِمْ إلى جِهَةِ الشَّمالِ: ﴿وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ أيْ: سِعَةٍ مِنَ الكَهْفِ يَصِلُ إلَيْهِمُ الهَواءُ مِن كُلِّ جانِبٍ دُونَ أذى الشَّمْسِ. وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ بابَ ذَلِكَ الكَهْفِ كانَ مَفْتُوحًا إلى جانِبِ الشَّمالِ. فَإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ كانَتْ عَلى يَمِينِ الكَهْفِ. وإذا غَرَبَتْ كانَتْ عَلى شَمالِهِ. فَيَقَعُ شُعاعُها عَلى جانِبَيْهِ. يُحَلِّلُ عُفُونَتَهُ ويَعْدِلُ هَواءَهُ. ولا يَقَعُ عَلَيْهِمْ فَيُؤْذِيَهِمْ. قالَ الشِّهابُ: تَقْرِضُهم مِنَ القَرْضِ بِمَعْنى القَطْعِ. أيْ: قَطَعَ الِاتِّصالَ بِهِمْ لِئَلّا تَغْبَرَّ أبْدانُهم. قَوْلُ الفارِسِيِّ إنَّهُ مِن قَرْضِ الدَّراهِمِ، والمَعْنى أنَّها تُعْطِيهِمْ مِن تَسْخِينِها شَيْئًا ثُمَّ يَزُولُ بِسُرْعَةٍ كالقَرْضِ المُسْتَرَدِّ- مَرْدُودٌ، بِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ ثُلاثِيٌّ.

وفِي (الرَّوْضِ الآنِفِ) تَقْرِضُهم كِنايَةٌ عَنْ تَعْدِلُ بِهِمْ. وقِيلَ: تَتَجاوَزُهم شَيْئًا. مِنَ (القَرْضِ) وهو القَطْعُ أيْ: تَقْطَعُ ما هُنالِكَ مِنَ الأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: إرْشادُهم إلى هَذا الغارِ الَّذِي جَعَلَهم فِيهِ أحْياءً، وشُعاعُ الشَّمْسِ والرِّيحِ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، لِتَبْقى أبْدانُهُمْ، آيَةً مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى عِنايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ لِلْمُخْلِصِينَ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ أيْ: إلى الحَقِّ بِالتَّوْفِيقِ لَهُ: ﴿فَهُوَ المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ﴾ أيْ: يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلَيْهِ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا﴾ أيْ: ناصِرًا يَلِي أمْرَهُ فَيَحْفَظُهُ مِنَ الضَّلالِ: ﴿مُرْشِدًا﴾ أيْ: يَهْدِيهِ إلى ما ذَكَرَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском