Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
الغاشية
Al-Ghashiyah
The Overwhelming · Meccan · 26 ayahs
88:1–9Page 592
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡغَٰشِيَةِ ١
Has there reached you the report of the Overwhelming [event]?
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ ٢
[Some] faces, that Day, will be humbled,
عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ ٣
Working [hard] and exhausted.1
تَصۡلَىٰ نَارًا حَامِيَةٗ ٤
They will [enter to] burn in an intensely hot Fire.
تُسۡقَىٰ مِنۡ عَيۡنٍ ءَانِيَةٖ ٥
They will be given drink from a boiling spring.
لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ ٦
For them there will be no food except from a poisonous, thorny plant
لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ ٧
Which neither nourishes nor avails against hunger.
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاعِمَةٞ ٨
[Other] faces, that Day, will show pleasure.
لِّسَعۡيِهَا رَاضِيَةٞ ٩
With their effort [they are] satisfied
(p-٦١٣٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الغاشِيَةِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وعِشْرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى والغاشِيَةَ) في صَلاةِ العِيدِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ».
ورَوى الإمامُ مالِكٌ «أنَّ الضَّحّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَألَ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الجُمُعَةِ؟ قالَ: هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ» (رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما).
(p-٦١٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٩ ] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩]
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ أيْ: خَبَرُها وقِصَّتُها، وهي القِيامَةُ.
وأصْلُ الغاشِيَةِ الدّاهِيَةُ الَّتِي تَغْشى النّاسَ بِشَدائِدِها. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعَجُّبِ مِمّا في حَيِّزِهِ، مَعَ تَقْرِيرِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] أيْ: ذَلِيلَةٌ. وهي وُجُوهُ أهْلِ الكُفْرِ بِالحَقِّ والجُحُودِ لَهُ. والمُرادُ بِالوُجُوهِ الذَّواتُ.
﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: تَعْمَلُ دائِبًا أعْمالًا صَعْبَةً تَتْعَبُ فِيها، كالهُوِيِّ في دَرَكاتِ النّارِ، والِارْتِقاءِ في عَقَباتِها، وحَمْلِ مَشاقِّ الصُّوَرِ والهَيْئاتِ المُتْعَبَةِ المُثْقَلَةِ مِن آثارِ أعْمالِها. أوْ عامِلَةٌ مِنِ اسْتِعْمالِ الزَّبانِيَةِ إيّاها في أعْمالٍ شاقَّةٍ فادِحَةٍ مِن جِنْسِ أعْمالِها الَّتِي ضَرِيَتْ بِها في الدُّنْيا، وأتْعابُها فِيها مِن غَيْرِ مَنفَعَةٍ لَهم مِنها إلّا التَّعَبَ والعَذابَ. (p-٦١٣٨)وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] إشارَةٌ إلى عَمَلِهِمْ في الدُّنْيا، أيْ: عَمِلَتْ ونَصَبَتْ في أعْمالٍ لا تُجْدِي عَلَيْها في الآخِرَةِ. فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ حابِطَةِ أعْمالِها. أوْ جُعِلَتْ أعْمالُها هَباءً مَنثُورًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، ويُؤَيِّدُهُ مُقابَلَةُ هَذِهِ الآيَةِ، لِقَوْلِهِ في أهْلِ الجَنَّةِ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] وذَلِكَ السَّعْيُ هو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] أيْ: تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرارَةِ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: مُؤْذِيَةٌ مُؤْلِمَةٌ بِحَسَبِ ما تُزاوِلُها في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] أيْ: بَلَغَتْ غايَتَها في شِدَّةِ الحَرِّ.
﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] وهو مِن جِنْسِ الشَّوْكِ، تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ، وهو سُمٌّ قاتِلٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الضَّرِيعُ عِنْدَ العَرَبِ نَبْتٌ يُقالُ لَهُ: الشَّبْرَقُ، وتُسَمِّيهِ أهْلُ الحِجازِ الضَّرِيعَ، إذا يَبِسَ. ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ: ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] لِأنَّ العَذابَ ألْوانٌ، والمُعَذَّبُونَ طَبَقاتٌ فَمِنهم أكَلَةُ الزَّقُّومِ، ومِنهم أكَلَةُ الغِسْلِينَ، ومِنهم أكَلَةُ الضَّرِيعِ، وقِيلَ: الضَّرِيعُ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ، أُرِيدَ بِهِ طَعامٌ مَكْرُوهٌ حَتّى لِلْإبِلِ الَّتِي تَلْتَذُّ بِرَعْيِ الشَّوْكِ، فَلا يُنافِي كَوْنَهُ زَقُّومًا أوْ غِسْلِينًا.
﴿لا يُسْمِنُ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يُخَصِّبُ البَدَنَ ﴿ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يَسْكُنُ داعِيَةُ النَّفْسِ ولا نَهَمُها مِن أجْلِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] أيْ: ذاتُ حُسْنٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النُّعُومَةِ، كِنايَةٌ عَنْ حُسْنِ المَنظَرِ. أوْ ناعِمَةٌ بِمَعْنى مُتَنَعِّمَةٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النَّعِيمِ.
﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] أيْ: لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا وجِدِّها في طَرِيقِ البِرِّ واكْتِسابِ الفَضائِلِ، شاكِرَةٌ لا تَنْدَمُ ولا تَتَحَسَّرُ.
(p-٦١٣٩)
88:10–16Page 592
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ١٠
In an elevated garden,
لَّا تَسۡمَعُ فِيهَا لَٰغِيَةٗ ١١
Wherein they will hear no unsuitable speech.1
فِيهَا عَيۡنٞ جَارِيَةٞ ١٢
Within it is a flowing spring.
فِيهَا سُرُرٞ مَّرۡفُوعَةٞ ١٣
Within it are couches raised high
وَأَكۡوَابٞ مَّوۡضُوعَةٞ ١٤
And cups put in place
وَنَمَارِقُ مَصۡفُوفَةٞ ١٥
And cushions lined up
وَزَرَابِيُّ مَبۡثُوثَةٌ ١٦
And carpets spread around.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ - ١٦ ] ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] ﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] ﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] ﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦]
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ: مُرْتَفِعَةِ المَحَلِّ. أوْ رَفِيعَةِ القَدْرِ، مِن عُلُوِّ المَكانَةِ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] أيْ: لَغْوًا، أوْ كَلِمَةً ذاتَ لَغْوٍ، أوْ نَفْسًا تَلْغُو؛ لِأنَّ كَلامَهُمُ الحِكْمَةُ والعُلُومُ والتَّسْبِيحُ والتَّحْمِيدُ.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] أيْ: لا انْقِطاعَ لَها.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] أيْ: مُرْتَفِعَةٌ لِيَرَوْا إذا جَلَسُوا عَلَيْها جَمِيعَ ما خُوِّلُوهُ مِنَ النَّعِيمِ والمُلْكِ.
﴿وأكْوابٌ﴾ [الغاشية: ١٤] جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءٌ لا أُذُنَ لَهُ ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] أيْ: بَيْنَ أيْدِيهِمْ لا يَعُوزُهم تَفَقُّدُها.
﴿ونَمارِقُ﴾ [الغاشية: ١٥] أيْ: وسائِدُ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] أيْ: فَوْقَ الأسِرَّةِ أوْ في جَوانِبِ المَساكِنِ لِلِاسْتِنادِ إلَيْها.
﴿وزَرابِيُّ﴾ [الغاشية: ١٦] أيْ: بُسُطٌ ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦] أيْ: مَفْرُوشَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى:
88:17–20Page 592
أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ ١٧
Then do they not look at the camels - how they are created?
وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ ١٨
And at the sky - how it is raised?
وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ ١٩
And at the mountains - how they are erected?
وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ ٢٠
And at the earth - how it is spread out?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧ - ٢٠ ] ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] ﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] ﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠]
(p-٦١٤٠)﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْدِيرِ ما فُصِّلَ مِن حَدِيثِ الغاشِيَةِ وما هو مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ مِنَ البَعْثِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، بِالِاسْتِشْهادِ عَلَيْهِ بِما لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَهُ. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وكَلِمَةُ "كَيْفَ" مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها، مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ. والجُمْلَةُ في حَيِّزِ الجَرِّ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ "الإبِلِ" أيْ: أيُنْكِرُونَ ما ذُكِرَ مِنَ البَعْثِ وأحْكامِهِ، ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي نُصْبَ أعْيُنِهِمْ يَسْتَعْمِلُونَها كُلَّ حِينٍ، إلى أنَّها كَيْفَ خُلِقَتْ خَلْقًا بَدِيعًا مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَنِ خِلْقَةِ سائِرِ أنْواعِ الحَيَواناتِ، في عِظَمِ جُثَّتِها وشِدَّةِ قُوَّتِها وعَجِيبِ هَيْئَتِها اللّائِقَةِ بِتَأتِّي ما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ الأفاعِيلِ الشّاقَّةِ، كالنَّوْءِ بِالأوْقارِ الثَّقِيلَةِ وجَرِّ الأثْقالِ الفادِحَةِ إلى الأقْطارِ النّازِحَةِ، وفي صَبْرِها عَلى الجُوعِ والعَطَشِ، حَتّى إنَّ إظْماءَها لَتَبْلُغُ العَشْرَ فَصاعِدًا واكْتِفائِها بِاليَسِيرِ، ورَعْيِها لِكُلِّ ما يَتَيَسَّرُ مِن شَوْكٍ وشَجَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا لا يَكادُ يَرْعاهُ سائِرُ البَهائِمِ، وفي انْقِيادِها مَعَ ذَلِكَ الإنْسانِ في الحَرَكَةِ والسُّكُونِ والبُرُوكِ والنُّهُوضِ، حَيْثُ يَسْتَعْمِلُها في ذَلِكَ كَيْفَما يَشاءُ، ويَقْتادُها كُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ.
﴿وإلى السَّماءِ﴾ [الغاشية: ١٨] الَّتِي يُشاهِدُونَها كُلَّ لَحْظَةٍ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] أيْ: رُفِعَتْ كَواكِبُها رَفْعًا سَحِيقَ المَدى، وأمْسَكَ كُلٌّ مِنها في مَدارِهِ إمْساكًا لا يَخْتَلُّ سَيْرُهُ ولا يَفْسُدُ نِظامُهُ.
﴿وإلى الجِبالِ﴾ [الغاشية: ١٩] أيِ: الَّتِي يَنْزِلُونَ في أقْطارِها ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] أيْ: أُقِيمَتْ مُنْتَصِبَةً لا تَبْرَحُ مَكانَها، حِفْظًا لِلْأرْضِ مِنَ المَيْدانِ.
﴿وإلى الأرْضِ﴾ [الغاشية: ٢٠] أيِ: الَّتِي يَضْرِبُونَ فِيها ويَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠] أيْ: بُسِطَتْ ومُهِّدَتْ، حَسْبَما يَقْتَضِيهِ صَلاحُ أُمُورِ ما عَلَيْها مِنَ الخَلائِقِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أفَلا يَنْظُرُونَ إلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ الشّاهِدَةِ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، حَتّى لا يُنْكِرُوا اقْتِدارَهُ عَلى البَعْثِ، فَيَسْمَعُوا إنْذارَ الرَّسُولِ ﷺ ويُؤْمِنُوا بِهِ ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ.
لَطِيفَةٌ:
ذَكَرَ السَّكاكِيُّ في (المِفْتاحِ) في بَحْثِ الجامِعِ الخَيالِيِّ، أنَّ جَمْعَهُ عَلى مَجْرى الإلْفِ والعادَةِ (p-٦١٤١)بِحَسَبِ ما تَنْعَقِدُ الأسْبابُ في اسْتِيداعِ الصُّوَرِ خِزانَةَ الخَيالِ، وأنَّهُ إذا لَمْ يُوَفِّهِ حَقَّهُ مِنَ التَّيَقُّظِ وأنَّهُ مِن أهْلِ المَدَرِ، أنّى يُسْتَحْلى كَلامُ رَبِّ العِزَّةِ مَعَ أهْلِ الوَبَرِ، حَيْثُ يُبَصِّرُهُمُ الدَّلائِلَ ناسِقًا ذَلِكَ النَّسَقِ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الآياتِ؛ لِبُعْدِ البَعِيرِ عَنْ خَيالِهِ في مَقامِ النَّظَرِ، ثُمَّ لِبُعْدِهِ في خَيالِهِ عَنِ السَّماءِ، وبَعْدَ خَلْقِهِ عَنْ رَفْعِها، وكَذا البَواقِي. لَكِنْ إذا وفّاهُ حَقَّهُ بِتَيَقُّظِهِ لِما عَلَيْهِ تَقَلُّبُهم في حاجاتِهِمْ، جاءَ الِاسْتِحْلاءُ؛ وذَلِكَ إذا نَظَرَ أنَّ أهْلَ الوَبَرِ، إذا كانَ مَطْعَمُهم ومَشْرَبُهم ومَلْبَسُهم مِنَ المَواشِي، كانَتْ عِنايَتُهم مَصْرُوفَةً لا مَحالَةَ إلى أكْثَرِها نَفْعًا وهي الإبِلُ، ثُمَّ إذا كانَ انْتِفاعُهم بِها لا يَتَحَصَّلُ إلّا بِأنْ تَرْعى وتَشْرَبَ، كانَ جُلُّ مَرْمى غَرَضِهِمْ نُزُولَ المَطَرِ، وأهَمُّ مَسارِحِ النَّظَرِ عِنْدَهُمُ السَّماءُ، ثُمَّ إذا كانُوا مُضْطَرِّينَ إلى مَأْوًى يُؤْوِيهِمْ وإلى حِصْنٍ يَتَحَصَّنُونَ فِيهِ، ولا مَأْوى ولا حِصْنَ إلّا الجِبالُ.
؎لَنا جَبَلٌ يَحْتَلُّهُ مَن نُجِيرُهُ مَنِيعٌ يَرُدُّ الطَّرْفَ وهو كَلِيلُ
فَما ظَنُّكَ بِالتِفاتِ خاطِرِهِمْ إلَيْها؟ ثُمَّ إذا تَعَذَّرَ طُولُ مُكْثِهِمْ في مَنزِلٍ -ومَن لِأصْحابِ مَواشٍ بِذاكَ- كانَ عَقْدُ الهِمَّةِ عِنْدَهم بِالتَّنَقُّلِ مِن أرْضٍ إلى سِواها مِن عَزْمِ الأُمُورِ، فَعِنْدَ نَظَرِهِ هَذا، أيُرى البَدَوِيُّ إذا أخَذَ يُفَتِّشُ عَمّا في خِزانَةِ الصُّوَرِ لَهُ، لا يَجِدُ صُورَةَ الإبِلِ حاضِرَةً هُناكَ أوْ لا يَجِدُ صُورَةَ السَّماءِ لَها مُقارَنَةً، أوْ تَعُوزُهُ صُورَةُ الجِبالِ بَعْدَهُما، أوْ لا تَنُصُّ إلَيْهِ صُورَةُ الأرْضِ تَلِيها بَعْدَهُنَّ؟ لا، وإنَّما الحَضَرِيُّ، حَيْثُ لَمْ تَتَآخَذْ عِنْدَهُ تِلْكَ الأُمُورُ، وما جَمَعَ خَيالُهُ تِلْكَ الصُّوَرَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ وإذا تَلا الآيَةَ قَبْلَ أنْ يَقِفَ عَلى ما ذَكَرْتُ، ظَنَّ النَّسَقَ بِجَهْلِهِ مَعِيبًا لِلْعَيْبِ فِيهِ. انْتَهى.
(p-٦١٤٢)
88:21–26Page 592
فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ ٢١
So remind, [O Muḥammad]; you are only a reminder.
لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ ٢٢
You are not over them a controller.
إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ ٢٣
However, he who turns away and disbelieves –
فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَكۡبَرَ ٢٤
Then Allāh will punish him with the greatest punishment.
إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ ٢٥
Indeed, to Us is their return.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم ٢٦
Then indeed, upon Us is their account.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ - ٢٦ ] ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦]
﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: مَن أُرْسِلْتَ إلَيْهِ بِآياتِهِ تَعالى الَّتِي تَسُوقُ إلى الإيمانِ بِخالِقِها الفِطْرَةُ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: مُبَلِّغٌ ما نُسِيَ مِن أمْرِهِ تَعالى:
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] أيْ: بِمُتَسَلِّطٍ تَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ. وقُرِئَ بِالصّادِ عَلى إبْدالِها مِنَ السِّينِ.
﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] وهو عَذابُ جَهَنَّمَ. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ مَن تَوَلّى وكَفَرَ، فَإنَّ لِلَّهِ الوِلايَةَ والقَهْرَ، فَهو يُعَذِّبُهُ العَذابَ الأكْبَرَ عَلى جَحْدِهِ الحَقَّ.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] أيْ: رُجُوعَهم ومَعادَهم بِالمَوْتِ والبَعْثِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِتَعْذِيبِهِ تَعالى بِالعَذابِ الأكْبَرِ. وجَمَعَ الضَّمِيرَ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ، بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن" كَما أنَّ إفْرادَهُ قَبْلُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦] أيْ: فَنُجازِيهِمْ بِالعَذابِ الأكْبَرِ؛ فَإنَّ القَهْرَ والغَلَبَةَ لَهُ تَعالى وحْدَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences