Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
طه
Taha
Ta-Ha · Meccan · 135 ayahs
20:1–3Page 312
طه ١
Ṭā, Hā.1
مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ ٢
We have not sent down to you the Qur’ān that you be distressed
إِلَّا تَذۡكِرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰ ٣
But only as a reminder for those who fear [Allāh] -
(p-٤١٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ طَهَ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وقِيلَ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [طه: ١٣٠] الآيَةَ. وقَوْلَهُ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] الآيَةَ، وآياتُها مِائَةٌ وخَمْسٌ وثَلاثُونَ.
(p-٤١٦٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿طه﴾ [٢] ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] [٣] ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [طه: ٣] .
﴿طه﴾ قَدَّمْنا أنَّ الحَقَّ في هَذِهِ الحُرُوفِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِها سُوَرُها، أنَّها أسْماءٌ لَها. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّها مُؤَلَّفَةٌ مِنها. ومَعَ ذَلِكَ فَفي عَجْزِهِمْ عَنْ مُحاكاتِها أبْلَغُ آيَةٍ عَلى صِدْقِها. ونَبَّهَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى نُكْتَةٍ أُخْرى في (الكافِيَةِ الشّافِيَةِ) بِقَوْلِهِ:
؎وانْظُرْ إلى السُّوَرِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِأحْـ ــرُفِها تُرى سِرًّا عَظِيمَ الشّانِ
؎لَمْ يَأْتِ قَطُّ بِسُورَةٍ إلّا أتى ∗∗∗ في إثْرِها خَبَرٌ عَنِ القُرْآنِ
؎إذْ كانَ إخْبارًا بِهِ عَنْها. وفي ∗∗∗ هَذا الشِّفاءُ لِطالِبِ الإيمانِ
؎ويَدُلُّ أنَّ كَلامَهُ هو نَفْسُها ∗∗∗ لا غَيْرُها، والحَقُّ ذُو تِبْيانِ
؎فانْظُرْ إلى مَبْدا الكِتابِ وبَعْدَها الـ ∗∗∗ أعْرافُ ثُمَّ كَذا إلى لُقْمانِ
؎مَعَ تِلْوِها أيْضًا ومَعَ حَمَ مَعَ ∗∗∗ يَسَ وافْهَمْ مُقْتَضى الفُرْقانِ
﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] أيْ: لِتَتْعَبَ بِفَرْطِ تَأسُّفِكَ عَلَيْهِمْ وعَلى كُفْرِهِمْ، وتَحَسُّرِكَ عَلى أنْ يُؤْمِنُوا و(الشَّقاءُ) في مَعْنى التَّعَبِ. ومِنهُ المَثَلُ: أشْقى مِن رائِضِ مُهْرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [طه: ٣] أيْ: تَذْكِيرًا لَهُ. أيْ: ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَتْعَبَ بِتَبْلِيغِهِ، ولَكِنْ تَذْكِرَةً لِمَن في قَلْبِهِ خَشْيَةٌ ورِقَّةٌ يَتَأثَّرُ بِالإنْذارِ. والقَصْدُ أنَّهُ ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبَلِّغَ وتُذَكِّرَ، ولَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكَ أنْ يُؤْمِنُوا لا مَحالَةَ. وقَدْ جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ (p-٤١٧٠)فِي خِطابِ الرَّسُولِ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ، أنْ يَنْهاهُ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ وضِيقِ الصَّدْرِ بِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ [الأعراف: ٢]، ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦]، ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا البابِ أيْضًا.
وفِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِن تَكْرِيمِ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وحُسْنِ العِنايَةِ بِهِ والرَّأْفَةِ، ما لا يَخْفى. ثُمَّ أشارَ إلى تَضْخِيمِ شَأْنِ هَذا المُنْزَلِ الكَرِيمِ، لِنِسْبَتِهِ إلى المُتَفَرِّدِ بِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، بِقَوْلِهِ:
20:4–5Page 312
تَنزِيلٗا مِّمَّنۡ خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلۡعُلَى ٤
A revelation from He who created the earth and highest heavens,
ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٥
The Most Merciful [who is] above the Throne established.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤] ﴿تَنْـزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ [٥] ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] .
﴿تَنْـزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٥] قُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ. أيْ: هو الرَّحْمَنُ. وبِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَوْصُولِ. وقَوْلُهُ: عَلى العَرْشِ اسْتَوى أيْ: عَلا وارْتَفَعَ. قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَدْ ذَهَبَ الخَلَفُ إلى جَعْلِ ذَلِكَ مَجازًا عَنِ المُلْكِ والسُّلْطانِ. كَقَوْلِهِمُ: اسْتَوى فُلانٌ عَلى سَرِيرِ المُلْكِ، وإنْ لَمْ يَقْعُدْ عَلى السَّرِيرِ أصْلًا.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ بِما أغْنى عَنْ إعادَتِهِ أيْضًا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والمَسْلَكُ الأسْلَمُ في ذَلِكَ طَرِيقَةُ السَّلَفِ، مِن إمْرارِ ما جاءَ في ذَلِكَ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، مِن غَيْرِ تَكْيِيفٍ ولا تَحْرِيفٍ ولا تَشْبِيهٍ ولا تَعْطِيلٍ ولا تَمْثِيلٍ.
وقَدْ أسْلَفْنا ما حَقَّقَتْهُ أئِمَّةُ الفَلَكِ الحَدِيثِ؛ مِن أنَّ العَرْشَ جُرْمٌ حَقِيقِيٌّ مَوْجُودٌ وأنَّهُ مَرْكَزُ العَوالَمِ كُلِّها. أيْ: مَرْكَزُ الجَذْبِ والتَّدْبِيرِ والتَّأْثِيرِ والنِّظامِ.
20:6Page 312
لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ ٦
To Him belongs what is in the heavens and what is on the earth and what is between them and what is under the soil.
(p-٤١٧١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ .
﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ بَيانٌ لِشُمُولِ قَهْرِهِ ومَلَكَتِهِ لِلْكُلِّ. أيْ: كُلُّها تَحْتَ مَلَكَتِهِ وقَهْرِهِ وسَلْطَنَتِهِ وتَأْثِيرِهِ. لا تُوجَدُ ولا تَتَحَرَّكُ ولا تَسْكُنُ ولا تَتَغَيَّرُ ولا تَثْبُتُ إلّا بِأمْرِهِ.
20:7Page 312
وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى ٧
And if you speak aloud - then indeed, He knows the secret and what is [even] more hidden.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ .
﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ بَيانٌ لِكَمالِ لُطْفِهِ. أيْ: عِلْمُهُ نافِذٌ في الكُلِّ. يَعْلَمُ ظَواهِرَها وبَواطِنَها والسِّرَّ وسِرَّ السِّرِّ. فَكَذَلِكَ إنْ تَجْهَرْ وإنْ تَخْفَتْ، فَيَعْلَمُهُ بِجَهْرٍ وخَفْتٍ.
20:8Page 312
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ ٨
Allāh - there is no deity except Him. To Him belong the best names.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ .
﴿اللَّهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ المُنْزِلُ المَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ هو اللَّهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ أيِ: الفُضْلى، لِدَلالَتِها عَلى مَعانِي التَّقْدِيسِ والتَّمْجِيدِ والتَّعْظِيمِ والرُّبُوبِيَّةِ والأفْعالِ الَّتِي هي النِّهايَةُ في الحُسْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
20:9–10Page 312
وَهَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ٩
And has the story of Moses reached you? -
إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى ١٠
When he saw a fire and said to his family, "Stay here; indeed, I have perceived a fire; perhaps I can bring you a torch or find at the fire some guidance."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٠] ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠] .
﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ مِن عَطْفِ القِصَّةِ أوِ اسْتِئْنافٌ. والقَصْدُ تَقْرِيرُ أمْرِ (p-٤١٧٢)التَّوْحِيدِ الَّذِي انْتَهى إلَيْهِ الآيَةُ قَبْلَهُ، بِبَيانِ أنَّهُ دَعْوى كُلِّ نَبِيٍّ لا سِيَّما أشْهَرُهم نَبَأً، وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. فَقَدْ خُوطِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا﴾ [طه: ١٤] وبِهِ خَتَمَ تَعالى نَبَأهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [طه: ٩٨] أوْ تَقْرِيرٌ لِسِعَةِ عِلْمِهِ المُبِينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ [طه: ٧] إلَخْ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] أوَّلُهُما مَعًا. أوْ لِحَمْلِهِ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَلى التَّأسِّي بِمُوسى في الصَّبْرِ والثَّباتِ. لِكَوْنِهِ ابْتُلِيَ بِأعْظَمِ مِن هَذا فَصَبَرَ، وكانَتِ العاقِبَةُ لَهُ. وقَدْ أُشِيرَ في طَلِيعَةِ نَبَأِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، إلى كَيْفِيَّةِ ابْتِداءِ الوَحْيِ إلَيْهِ، وتَكْلِيمِهِ تَعالى إيّاهُ. وذَلِكَ بَعْدَ أنْ قَضى مُوسى الأجَلَ الَّذِي كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ صِهْرِهِ في رِعايَةِ الغَنَمِ. وصارَ بِأهْلِهِ قاصِدًا بِلادَ مِصْرَ، بَعْدَ ما طالَتْ غَيْبَتُهُ عَنْها ومَعَهُ زَوْجَتُهُ. فَأضَلَّ الطَّرِيقَ. وكانَتْ لَيْلَةً شاتِيَةً، ونَزَلَ مَنزِلًا بَيْنَ شِعابٍ وجِبالٍ في بَرْدٍ وشِتاءٍ. وبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا، كَما قَصَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [طه: ١٠] أيْ: أبْصَرْتُها إبْصارًا بَيِّنًا لا شُبْهَةَ فِيهِ: ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾ [طه: ١٠] أيْ: بِشُعْلَةٍ مُقْتَبَسَةٍ تَصْطَلُونَ بِها: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠] أيْ: هادِيًا يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ.
20:11–12Page 312
فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ يَٰمُوسَىٰٓ ١١
And when he came to it, he was called, "O Moses,
إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى ١٢
Indeed, I am your Lord, so remove your sandals. Indeed, you are in the blessed valley of Ṭuwā.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١] ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ [١٢] ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] .
﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيِ: النّارَ: ﴿نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] أيْ فَيَجِبُ فِيهِ رِعايَةُ الأدَبِ، بِتَعْظِيمِهِ واحْتِرامِهِ لِتَجَلِّي الحَقِّ فِيهِ، كَما يُراعى أدَبُ القِيامِ عِنْدَ المُلُوكِ (وطُوًى): اسْمٌ لِلْوادِي.
20:13–15Page 313
وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ ١٣
And I have chosen you, so listen to what is revealed [to you].
إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ ١٤
Indeed, I am Allāh. There is no deity except Me, so worship Me and establish prayer for My remembrance.
إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ ١٥
Indeed, the Hour is coming - I almost conceal it1 - so that every soul may be recompensed according to that for which it strives.
(p-٤١٧٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣] ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ [١٤] ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] [١٥] ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] .
﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ لِلنُّبُوَّةِ: ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ أيْ: لِلَّذِي يُوحى. أوْ لِلْوَحْيِ. ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] أيْ: خُصَّنِي بِالعِبادَةِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] أيْ: لِتَذْكُرَنِي فِيها بِقَلْبِكَ ولِسانِكَ وسائِرِ جَوارِحِكَ، بِأنْ تَجْعَلَ حَرَكاتِها دالَّةً عَلى ما في القَلْبِ واللِّسانِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: خُصَّتِ الصَّلاةُ بِالذِّكْرِ وأُفْرِدَتْ بِالأمْرِ بِالعِبادَةِ، لِفَضْلِها وإنافَتِها عَلى سائِرِ العِباداتِ، بِما نِيطَتْ بِهِ مِن ذِكْرِ المَعْبُودِ وشَغْلِ القَلْبِ واللِّسانِ بِذِكْرِهِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] أيْ: لِتَذْكُرَنِي. فَإنَّ ذِكْرِي كَما يَنْبَغِي لا يَتَحَقَّقُ إلّا في ضِمْنِ العِبادَةِ والصَّلاةِ. أوْ لِتَذْكُرَنِي فِيها لِاشْتِمالِها عَلى الأذْكارِ. أوْ لِذِكْرِي خاصَّةً لا تَشُوبُهُ بِذِكْرِ غَيْرِي. أوْ لِإخْلاصِ ذِكْرِي وابْتِغاءِ وجْهِي. لا تُرائِي بِها، ولا تَقْصِدْ بِها غَرَضًا آخَرَ. أوْ لِتَكُونَ ذاكِرًا لِي غَيْرَ ناسٍ. انْتَهى.
ثُمَّ أشارَ إلى وُجُوبِ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ لِذِكْرِهِ. بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: ١٥] أيْ: واقِعَةٌ لا مَحالَةَ: ﴿أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] أيْ: بِسَعْيِها عَنِ اخْتِيارٍ مِنها. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(آتِيَةٌ). ولَمّا كانَ خَفاءُ السّاعَةِ مِنَ اليَقِينِيّاتِ وفي (كادَ) مَعْنى القُرْبِ مِن ذَلِكَ، لِعَدَمِ وضْعِها لِلْجَزْمِ بِالفِعْلِ، تَأوَّلُوا الآيَةَ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ (كادَ) مِنهُ تَعالى واجِبٌ. والمَعْنى أنا أُخْفِيها عَنِ الخَلْقِ. كَقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: هو قَرِيبٌ.
ثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: (أكادُ) بِمَعْنى أُرِيدُ كَقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦]
(p-٤١٧٤)ومِن أمْثالِهِمُ المُتَداوَلَةِ: (لا أفْعَلُ ذَلِكَ ولا أكادُ)، أيْ: ولا أُرِيدُ أنْ أفْعَلَهُ. قالَ الشِّهابُ: تَفْسِيرُ (أكادُ) بِـ(أُرِيدُ) هو أحَدُ مَعانِيها. كَما نَقَلَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ في (المُحْتَسِبِ) عَنِ الأخْفَشِ. واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
؎كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى
بِمَعْنى أرادَتْ. لِقَوْلِهِ: تِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ.
ثالِثُها: أنَّ (أكادُ) صِلَةٌ في الكَلامِ. قالَ زَيْدُ الخَيْلِ:
؎سَرِيعٌ إلى الهَيْجاءِ شاكٍ سِلاحَهُ ∗∗∗ فَما إنْ يَكادُ قِرْنُهُ يَتَنَفَّسُ
رابِعُها: أنَّ المَعْنى أكادُ أُخْفِيها فَلا أذْكُرُها إجْمالًا ولا أقُولُ هي آتِيَةٌ. وذَلِكَ لِفَرْطِ إرادَتِهِ تَعالى إخْفاءَها. إلّا أنَّ في إجْمالِ ذِكْرِها حِكْمَةً، وهي اللُّطْفُ بِالمُؤْمِنِينَ، لِحَثِّهِمْ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَطْعِ أعْذارِ غَيْرِهِمْ حَتّى لا يَعْتَذِرُوا بِعَدَمِ العِلْمِ. وثَمَّةَ وُجُوهٌ أُخَرُ لا تَخْلُو مِن تَكَلُّفٍ، وإنِ اتَّسَعَ اللَّفْظُ لَها. وقَوْلُهُ تَعالى:
20:16Page 313
فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا يُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ ١٦
So do not let one avert you from it1 who does not believe in it and follows his desire, for you [then] would perish.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦] ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ .
﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾ أيْ: عَنْ تَصْدِيقِ السّاعَةِ: ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ﴾ أيْ: ما تَهْواهُ نَفْسُهُ مِنَ الشَّهَواتِ وتَرْكِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ: ﴿فَتَرْدى﴾ أيْ: فَتَهْلَكَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ هُمُ الجَمُّ الغَفِيرُ. إذْ لا شَيْءَ أطَمَّ عَلى الكَفَرَةِ، ولا هم أشَدُّ لَهُ نَكِيرًا مِنَ البَعْثِ. فَلا يَهُولَنَّكَ وفُورُ دَهْمائِهِمْ، ولا عِظَمُ سَوادِهِمْ. ولا تَجْعَلِ الكَثْرَةَ مُزِلَّةً قَدَمَكَ. واعْلَمْ أنَّهُمْ، وإنْ كَثُرُوا تِلْكَ الكَثْرَةَ، فَقُدْوَتُهم فِيما هم فِيهِ هو الهَوى (p-٤١٧٥)واتِّباعُهُ. لا البُرْهانُ وتَدابُرُهُ. وفي هَذا حَثٌّ عَظِيمٌ عَلى العِلْمِ بِالدَّلِيلِ، وزَجْرٌ بَلِيغٌ عَنِ التَّقْلِيدِ، وإنْذارٌ بِأنَّ الهَلاكَ والرَّدى مَعَ التَّقْلِيدِ وأهْلِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
20:17–18Page 313
وَمَا تِلۡكَ بِيَمِينِكَ يَٰمُوسَىٰ ١٧
And what is that in your right hand, O Moses?"
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ ١٨
He said, "It is my staff; I lean upon it, and I bring down leaves for my sheep and I have therein other uses."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧] ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ [١٨] ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] .
﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ شُرُوعٌ فِيما سَيُؤْتِيهِ تَعالى مِنَ البُرْهانِ الباهِرِ. وفي الِاسْتِفْهامِ إيقاظٌ لَهُ وتَنْبِيهٌ عَلى ما سَيَبْدُو لَهُ مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ: ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ [طه: ١٨] أيْ: أعْتَمِدُ عَلَيْها إذا أُعْيِيتُ أوْ وقَفْتُ عَلى رَأْسِ القَطِيعِ وعِنْدَ الطَّفْرَةِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ [طه: ١٨] أيْ: أخْبِطُ بِها الوَرَقَ وأُسْقِطُهُ عَلَيْها لِتَأْكُلَهُ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] أيْ: حاجاتٌ أُخَرُ.
20:19–21Page 313
قَالَ أَلۡقِهَا يَٰمُوسَىٰ ١٩
[Allāh] said, "Throw it down, O Moses."
فَأَلۡقَىٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٞ تَسۡعَىٰ ٢٠
So he threw it down, and thereupon it was a snake, moving swiftly.
قَالَ خُذۡهَا وَلَا تَخَفۡۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلۡأُولَىٰ ٢١
[Allāh] said, "Seize it and fear not; We will return it to its former condition.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩] ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ [٢٠] ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠] [٢١] ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ [طه: ٢١] .
﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠] ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ [طه: ٢١] أيْ: هَيْئَتَها الأوْلى فَتَنْتَفِعُ بِها كَما كُنْتَ تَنْتَفِعُ مِن قَبْلُ. أيْ: لَيْسَ القَصْدُ تَخْوِيفَكَ، بَلْ إظْهارُ ما فِيها مِنِ اسْتِعْدادِ قَبُولِ الحَياةِ، ومُشاهَدَةِ مُعْجِزَةٍ وبُرْهانٍ لَكَ.
20:22–23Page 313
وَٱضۡمُمۡ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخۡرَىٰ ٢٢
And draw in your hand to your side; it will come out white without disease - another sign,
لِنُرِيَكَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا ٱلۡكُبۡرَى ٢٣
That We may show you [some] of Our greater signs.
(p-٤١٧٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢] ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ [٢٣] ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣] .
﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أيْ: إبِطِكَ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ أيْ: نَيِّرَةً: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: قَبِيحٍ وعَيْبٍ كَبَياضِ البَرَصِ مِمّا يَنْفِرُ عَنْهُ. واعْتَمَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ كِنايَةٌ عَنِ البَرَصِ. كَما كُنِّيَ عَنِ العَوْرَةِ بِالسَّوْأةِ، قالَ: والبَرَصُ أبْغَضُ شَيْءٍ إلى العَرَبِ، وبِهِمْ عَنْهُ نَفْرَةٌ عَظِيمَةٌ. وأسْماعُهم لِاسْمِهِ مَجّاجَةٌ. فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُكَنّى عَنْهُ. ولا تَرى أحْسَنَ ولا ألْطَفَ ولا أحَرَّ لِلْمَفاصِلِ مِن كِناياتِ القُرْآنِ وآدابِهِ. انْتَهى، ﴿آيَةً أُخْرى﴾ أيْ: مُعْجِزَةً أُخْرى غَيْرَ العَصا: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣] مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ. أيْ: أرَيْناكَ ما أرَيْناكَ الآنَ، مَعَ أنَّ حَقَّهُما أنْ يَظْهَرا بَعْدَ التَّحَدِّي والمُناظَرَةِ، لِنُرِيَكَ أوَّلًا بَعْضَ آياتِنا الكُبْرى، فَيَقْوى قَلْبُكَ عَلى مُناظَرَةِ الطُّغاةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
20:24Page 313
ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٢٤
Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed [i.e., tyrannized]."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤] ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ .
﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ تَخَلُّصٌ إلى ما هو المَقْصُودُ مِن تَمْهِيدِ المُقَدِّماتِ السّالِفَةِ. فُصِلَ عَمّا قَبْلَهُ مِنَ الأوامِرِ إيذانًا بِأصالَتِهِ. أيِ: اذْهَبْ إلَيْهِ بِما رَأيْتَهُ مِنَ الآياتِ الكُبْرى، وادْعُهُ إلى عِبادَتِي وحَذِّرْهُ نِقْمَتِي. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في التَّكَبُّرِ والعُتُوِّ، حَتّى تَجاسَرَ عَلى العَظِيمَةِ الَّتِي هي دَعْوى الرُّبُوبِيَّةِ. فَلا بُدَّ مِن تَنْبِيهِهِ عَلى طُغْيانِهِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، الَّتِي صَدَّقَتْها المُعْجِزاتُ.
20:25–28Page 313
قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي ٢٥
[Moses] said, "My Lord, expand [i.e., relax] for me my breast [with assurance]
وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي ٢٦
And ease for me my task
وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي ٢٧
And untie the knot from my tongue
يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي ٢٨
That they may understand my speech.
(p-٤١٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥] ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [٢٦] ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦] [٢٧] ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ [طه: ٢٧] [٢٨] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨] .
﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦] ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ [طه: ٢٧] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨] إنَّما سَألَ ذَلِكَ، لِما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ في القَتِيلِ. ولِما بُعِثَ بِهِ مِن صَدْعِ جَبّارٍ عَنِيدٍ، أطْغى المُلُوكِ وأبْلَغِهِمْ تَمَرُّدًا وكُفْرًا، مِمّا يَحُوجُ إلى عِنايَةٍ رَبّانِيَّةٍ. وسَألَ أنْ يُمَدَّ بِمَنطِقٍ فَصِيحٍ، لِما في لِسانِهِ مِن عُقْدَةٍ كانَتْ بِمَنعِهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ كَما قالَ: ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤] وقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ثُمَّ سَألَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ أنْ يُعِينَهُ بِأخِيهِ هارُونَ، لِيَكُونَ لَهُ رِدْءًا، ويَتَكَلَّمَ عَنْهُ بِكَثِيرٍ مِمّا لا يُفْصِحُ بِهِ لِسانُهُ، بِقَوْلِهِ:
20:29–31Page 313
وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي ٢٩
And appoint for me a minister [i.e., assistant] from my family -
هَٰرُونَ أَخِي ٣٠
Aaron, my brother.
ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي ٣١
Increase through him my strength
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٩] ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ [٣٠] ﴿هارُونَ أخِي﴾ [طه: ٣٠] [٣١] ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ [طه: ٣١] .
﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ [طه: ٣٠] ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ [طه: ٣١] أيْ: قَوِّ بِهِ ظَهْرِي.
20:32–35Page 313
وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي ٣٢
And let him share my task
كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا ٣٣
That we may exalt You much
وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا ٣٤
And remember You much.
إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرٗا ٣٥
Indeed, You are of us ever Seeing."
(p-٤١٧٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢] ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ [٣٣] ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣] [٣٤] ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٤] [٣٥] ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ [طه: ٣٥] .
﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣] ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٤] أيْ: كَيْ نَتَعاوَنَ عَلى تَسْبِيحِكَ وذِكْرِكَ. لِأنَّ التَّعاوُنَ -لِأنَّهُ مُهَيِّجُ الرَّغَباتِ- يَتَزايَدُ بِهِ الخَيْرُ ويَتَكاثَرُ: ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ [طه: ٣٥] أيْ: عالِمًا بِأحْوالِنا، وبِأنَّ المَدْعُوَّ بِهِ مِمّا يُفِيدُنا.
20:36–37Page 313
قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ ٣٦
[Allāh] said, "You have been granted your request, O Moses.
وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَيۡكَ مَرَّةً أُخۡرَىٰٓ ٣٧
And We had already conferred favor upon you another time,
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦] ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ [٣٧] ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ [طه: ٣٧] .
﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ أيْ: أُجِيبَ دُعاؤُكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ [طه: ٣٧] كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ، وزِيادَةُ تَوْطِينِ نَفْسِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالقَبُولِ، بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِتِلْكَ النِّعَمِ التّامَّةِ مِن غَيْرِ سابِقَةِ دُعاءٍ مِنهُ وطَلَبٍ، فَلَأنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ بِمِثْلِها وهو طالِبٌ لَهُ وداعٍ، أوْلى وأحْرى. وتَصْدِيرُهُ بِالقَسَمِ، لِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِذَلِكَ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ [طه: ٣٧] أيْ: في وقْتٍ آخَرَ.
20:38–39Page 314
إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ٣٨
When We inspired to your mother what We inspired,
أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ ٣٩
[Saying], 'Cast him into the chest and cast it into the river, and the river will throw it onto the bank; there will take him an enemy to Me and an enemy to him.' And I bestowed upon you love from Me1 that you would be brought up under My eye [i.e., observation and care].
(p-٤١٧٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨] ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ [٣٩] ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] .
﴿إذْ أوْحَيْنا﴾ أيْ: ألْقَيْنا بِطَرِيقِ الإلْهامِ: ﴿إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ [طه: ٣٩] أيِ: الصُّنْدُوقِ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ [طه: ٣٩] أيِ: البَحْرِ، مُتَوَكِّلَةً عَلى خالِقِهِ: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي﴾ [طه: ٣٩] لِدَعْواهُ الأُلُوهِيَّةَ: ﴿وعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: ٣٩] لِدَعْوَتِهِ إلى نَبْذِ ما يَدَّعِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى وإرادَتُهُ -أنْ لا تُخْطِئَ جَرْيَةُ اليَمِّ، الوُصُولَ بِهِ إلى السّاحِلِ، وإلْقاءَهُ إلَيْهِ- سَلَكَ في ذَلِكَ سَبِيلَ المَجازِ وجَعَلَ اليَمَّ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ أُمِرَ بِذَلِكَ، لِيُطِيعَ الأمْرَ ويَمْتَثِلَ رَسْمَهُ. فَقِيلَ: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ [طه: ٣٩] أيْ: عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ. بِتَشْبِيهِ اليَمِّ بِمَأْمُورٍ مُنْقادٍ. وإثْباتُ الأمْرِ تَخْيِيلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] أيْ: واقِعَةً مِنِّي، زَرَعْتُها في قَلْبِ مَن يَراكَ. ولِذَلِكَ أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] أيْ: ولِتُرَبّى بِيَدِ العَدُوِّ عَلى نَظَرِي بِالحِفْظِ والعِنايَةِ. فَعَلى عَيْنِي اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِلْحِفْظِ والصَّوْنِ، لِأنَّ المَصُونَ يُجْعَلُ بِمَرْأًى. قِيلَ: و(عَلى) بِمَعْنى الباءِ لِأنَّهُ بِمَعْنى بِمَرْأًى مِنِّي، في الأصْلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences