Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
المدثر
Al-Muddaththir
The Cloaked One · Meccan · 56 ayahs
74:1–7Page 575
يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ ١
O you who covers himself [with a garment],1
قُمۡ فَأَنذِرۡ ٢
Arise and warn
وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ ٣
And your Lord glorify
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ ٤
And your clothing purify
وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ ٥
And uncleanliness1 avoid
وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ ٦
And do not confer favor to acquire more1
وَلِرَبِّكَ فَٱصۡبِرۡ ٧
But for your Lord be patient.
(p-٥٩٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُدَّثِّرِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وخَمْسُونَ آيَةً.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ (يا أيُّها المُدَّثِّرُ) وخالَفَهُ الجُمْهُورُ، فَذَهَبُوا إلى أنَّ أوَّلَ القُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ هُنالِكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
رَوى البُخارِيُّ «عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ قالَ: سَألْتُ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتَ لِي، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: جاوَرْتُ بِحِراءٍ، فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي، فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شَمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ أمامِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأيْتُ شَيْئًا. فَأتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وصُبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا. قالَ: فَدَثَّرُونِي وصَبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا. فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]» .
ورَوى الشَّيْخانِ أيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «عَنْ جابِرِ (p-٥٩٦٩)ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ، فَقالَ في حَدِيثِهِ: فَبَيْنا أنا أمْشِي إذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالِسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجُئِثْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَدَثَّرُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: (يا أيُّها المُدَّثِّرُ...)» الآياتِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا السِّياقُ هو المَحْفُوظُ، وهو يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ نَزَلَ الوَحْيُ قَبْلَ هَذا لِقَوْلِهِ: (فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ وهو جِبْرِيلُ حِينَ أتاهُ بِقَوْلِهِ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ثُمَّ إنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ المَلَكُ بَعْدُ. هَذا وجْهُ الجَمْعِ: أنَّ أوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ.
ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الوَلِيدَ بْنِ المُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعامًا، فَلَمّا أكَلُوا مِنهُ قالَ: ما تَقُولُونَ في هَذا الرَّجُلِ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: ساحِرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِساحِرٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كاهِنٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكاهِنٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: شاعِرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِشاعِرٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى أنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَزِنَ وقَنِعَ رَأْسَهُ وتَدَثَّرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى:( يا أيُّها المُدَّثِّرُ...) الآياتِ.
(p-٥٩٧٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٧] ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧]
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ أيِ: المُتَلَفِّفُ بِثِيابِهِ لِنَوْمٍ أوِ اسْتِدْفاءٍ، مِنَ الدِّثارِ، وهو كُلُّ ما كانَ مِنَ الثِّيابِ فَوْقَ الشِّعارِ. والشِّعارُ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي الجَسَدَ. وأصْلُهُ: المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَ، خُوطِبَ بِذَلِكَ لِحالَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها وقْتَ نُزُولِ الوَحْيِ. أوْ لِقَوْلِهِ: ««دَثِّرُونِي»» كَما تَقَدَّمَ- وقِيلَ: مَعْناهُ: المُدَّثِّرُ بِدِثارِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: ألْبَسَهُ اللَّهُ لِباسَ التَّقْوى، وزَيَّنَهُ بِرِداءِ العِلْمِ. ويُقالُ: تَلَبَّسَ فُلانٌ بِأمْرِ كَذا. فَجَعَلَ النُّبُوَّةَ كالدِّثارِ واللِّباسِ مَجازًا.
قالَ الشِّهابُ: إمّا أنْ يُرادَ المُتَحَلِّي بِها والمُتَزَيِّنُ، كَما أنَّ اللِّباسَ الَّذِي فَوْقَ الشِّعارِ يَكُونُ حِلْيَةً لِصاحِبِهِ وزِينَةً. وكَذا يُسَمّى حُلَّةً. والتَّشْبِيهُ بِالدِّثارِ في ظُهُورِها، أوْ في الإحاطَةِ. والأوَّلُ أتَمُّ.
﴿قُمْ﴾ [المدثر: ٢] أيْ: مِن مَضْجَعِكَ ودِثارِكَ. أوْ قِيامَ عَزْمٍ وجِدٍّ ﴿فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] أيْ: فَحَذِّرْ قَوْمَكَ مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
(p-٥٩٧١)قالَ الشِّهابُ: لَمْ يَقُلْ (وبَشِّرْ) لِأنَّهُ كانَ في ابْتِداءِ النُّبُوَّةِ، والإنْذارُ هو الغالِبُ؛ لِأنَّ البِشارَةَ لِمَن آمَنَ، ولَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ. أوْ هو اكْتِفاءٌ لِأنَّ الإنْذارَ يَلْزَمُهُ التَّبْشِيرُ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَعَظِّمْ بِعِبادَتِهِ، والرَّغْبَةِ إلَيْهِ في حاجاتِكَ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الآلِهَةِ والأنْدادِ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: إنْ كُنْتَ تُكْبِرُ شَيْئًا وتُعَظِّمُ قَدْرَهُ، فَخَصِّصْ رَبَّكَ بِالتَّعْظِيمِ والتَّكْبِيرِ، لا يَعْظُمُ في عَيْنِكَ غَيْرُهُ، ويَصْغُرُ في قَلْبِكَ كُلُّ ما سِواهُ، بِمُشاهَدَةِ كِبْرِيائِهِ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أيْ: بِالماءِ مِنَ الأنْجاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ، كانَ المُشْرِكُونَ لا يَتَطَهَّرُونَ، فَأمَرَهُ أنْ يَتَطَهَّرَ ويُطَهِّرَ ثِيابَهُ. وقِيلَ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ القَلْبِ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ الآثامِ. قالَ قَتادَةُ: العَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إذا نَكَثَ ولَمْ يَفِ بِعَهْدٍ أنَّهُ دَنِسُ الثِّيابِ. وإذا وفى وأصْلَحَ، قالُوا: مُطَهَّرُ الثِّيابِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أيْ: لا تَلْبَسْهُما عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى غَدْرَةٍ. ثُمَّ أنْشَدَ لِغِيلانَ ابْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وفِي الوَجْهِ الأوَّلِ بَقاءُ لَفْظَيِ الثِّيابِ والتَّطْهِيرِ عَلى حَقِيقَتِهِما، وفي الثّانِي تَجَوُّزٌ بِهِما. وبَقِيَ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو حَمْلُ الثِّيابِ عَلى حَقِيقَتِها، والتَّطْهِيرُ عَلى مَجازِهِ، وهو التَّبْصِيرُ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يُطِيلُونَ ثِيابَهُمْ، ويَجُرُّونَ أذْيالَهم خُيَلاءَ وكِبْرًا، فَأُمِرَ بِمُخالَفَتِهِمْ. ورابِعٌ وهو عَكْسُ (p-٥٩٧٢)هَذا، وذَلِكَ بِحَمْلِ الثِّيابِ عَلى الجَسَدِ أوِ النَّفْسِ كِنايَةٌ، كَما قالَ عَنْتَرَةُ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِيابَهُ
أيْ: نَفْسَهُ. ولِذا قالَ:
؎لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
واسْتَصْوَبَ ابْنُ الأثِيرِ في "المَثَلِ السّاتِرِ" الوَجْهَ الأوَّلَ. قالَ في الفَصْلِ الثّالِثِ مِن فُصُولِ مُقَدِّمَتِهِ: اعْلَمْ أنَّ الأصْلَ في المَعْنى أنْ يُحْمَلَ عَلى ظاهِرِ لَفْظِهِ، ومَن يَذْهَبُ إلى التَّأْوِيلِ يَفْتَقِرُ إلى دَلِيلٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] فالظّاهِرُ مِن لَفْظِ الثِّيابِ هو ما يُلْبَسُ. ومَن تَأوَّلَ، ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ هو القَلْبُ، لا المَلْبُوسُ، وهَذا لا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ.
ثُمَّ قالَ: المَعْنى المَحْمُولُ عَلى ظاهِرِهِ لا يَقَعُ في تَفْسِيرِهِ خِلافٌ. والمَعْنى المَعْدُولُ عَنْ ظاهِرِهِ إلى التَّأْوِيلِ يَقَعُ فِيهِ الخِلافُ؛ إذْ بابُ التَّأْوِيلِ غَيْرُ مَحْصُورٍ، والعُلَماءُ مُتَفاوِتُونَ في هَذا، فَإنَّهُ قَدْ يَأْخُذُ بَعْضُهم وجْهًا ضَعِيفًا مِنَ التَّأْوِيلِ، فَيَكْسُوهُ بِعِبارَتِهِ قُوَّةً تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ القَوِيَّةِ، فَإنَّ السَّيْفَ بِضارِبِهِ:
؎إنَّ السُّيُوفَ مَعَ الَّذِينَ قُلُوبُهم ∗∗∗ كَقُلُوبِهِنَّ، إذا التَقى الجَمْعانِ
؎تَلْقى الحُسامَ عَلى جَراءَةِ حَدِّهِ ∗∗∗ مِثْلَ الجَبانِ بِكَفِّ كُلِّ جَبانِ
انْتَهى.
ويَكْفِي دَلِيلًا ما لِلْعَرَبِ مِنَ الشَّواهِدِ والأمْثالِ. والِاسْتِعْمالُ لا يَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ. نَعَمْ، المُتَبادِرُ أوْلى وأجْدَرُ، وهو عُنْوانُ الحَقِيقَةِ.
(p-٥٩٧٣)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] أيِ: اتْرُكْهُ. و(الرِّجْزُ) بِكَسْرِ الرّاءِ كالرِّجْسِ، والسِّينُ والزّايُ يَتَبادَلانِ، لِأنَّهُما مِن حُرُوفِ الصَّفِيرِ.
و(الرِّجْسُ) اسْمٌ لِلْقَبِيحِ المُسْتَقْذَرِ، كُنِّيَ بِهِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ خاصَّةً، لِقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] أوْ عَنْ كُلِّ ما يُسْتَكْرَهُ مِنَ الأفْعالِ والأخْلاقِ، والجُمْلَةُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ في مَكارِمِ الأخْلاقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اهْجُرِ الجَفا والسَّفَهَ وكُلَّ قَبِيحٍ، ولا تَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ المُسْتَعْمِلِينَ لِلرِّجْزِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالرِّجْزِ العَذابُ، وهَجْرُهُ كِنايَةٌ عَنْ هَجْرِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي.
فالرِّجْزُ مَجازٌ، وقَدْ أُقِيمَ مَقامَ سَبَبِهِ. أوْ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: أسْبابَ الرِّجْزِ. أوِ التَّجَوُّزَ بِالتَّشْبِيهِ.
وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ، وهو لُغَةٌ في المَكْسُورِ، وهُما بِمَعْنًى، وهو العَذابُ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ بِالضَّمِّ بِمَعْنى الصَّنَمِ، وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وأمَرَهُ ﷺ بِذَلِكَ، وهو بَرِيءٌ مِنهُ، إمّا أمْرٌ لِغَيْرِهِ تَعْرِيضًا، أوِ المُرادُ الدَّوامُ عَلى هَجْرِهِ.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أيْ: لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها، بِمَعْنى: لا تُعْطِ شَيْئًا لِتُعْطى أكْثَرَ مِنهُ. يُقالُ: مَنَنْتُ فُلانًا كَذا، أيْ: أعْطَيْتُهُ. كَما قالَ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] أيْ: فَأعْطِ أوْ أمْسِكْ. وأصْلُهُ أنَّ مَن أعْطى فَقَدْ مَنَّ، فَسُمِّيَتِ العَطِيَّةُ بِالمَنِّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. وجَوَّزَ القَفّالُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِكْثارُ عِبارَةً عَنْ طَلَبِ العِوَضِ كَيْفَ كانَ زائِدًا عَلى العَطاءِ. فَسُمِّي طَلَبُ الثَّوابِ اسْتِكْثارًا حَمْلًا لِلشَّيْءِ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ. وهَذا كَما أنَّ الأغْلَبَ أنَّ المَرْأةَ إنَّما تَتَزَوَّجُ، ولَها ولَدٌ، لِلْحاجَةِ إلى مَن يُرَبِّي ولَدَها، فَسُمِّيَ الوَلَدُ رَبِيبًا. ثُمَّ اتَّسَعَ الأمْرُ فَسُمِّيَ رَبِيبًا، وإنْ كانَ، حِينَ تَتَزَوَّجُ أُمُّهُ، كَبِيرًا.
(p-٥٩٧٤)وسِرُّ النَّهْيِ أنْ يَكُونَ العَطاءُ خالِيًا عَنِ انْتِظارِ العِوَضِ، والتِفاتِ النَّفْسِ إلَيْهِ تَعَفُّفًا وكَمالًا وعُلُوَّ هِمَّةٍ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: لا تُعْطِ عَطاءً مُسْتَكْثِرًا لَهُ، فَإنَّ مَكارِمَ الأخْلاقِ اسْتِقْلالُ العَطاءِ، وإنْ كانَ كَثِيرًا، فالسِّينُ لِلْعَدِّ والوِجْدانِ. وسَبَقَ في سُورَةِ الرُّومِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا فارْجِعْ إلَيْهِ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] أيْ: عَلى أذى المُشْرِكِينَ.
74:8–10Page 575
فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ ٨
And when the trumpet is blown,
فَذَٰلِكَ يَوۡمَئِذٖ يَوۡمٌ عَسِيرٌ ٩
That Day will be a difficult day
عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ غَيۡرُ يَسِيرٖ ١٠
For the disbelievers - not easy.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ١٠] ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ أيْ: نُفِخَ في الصُّورِ. و(النّاقُورُ) مِنَ النَّقْرِ، بِمَعْنى التَّصْوِيتِ. وأصْلُهُ القَرْعُ الَّذِي هو سَبَبُ الصَّوْتِ. ومِنهُ مِنقارُ الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ يَقْرَعُ بِهِ، أيْ: لَمّا كانَ الصَّوْتُ يَحْدُثُ بِالقَرْعِ تَجَوَّزَ بِهِ عَنْهُ، وأُرِيدَ بِهِ النَّفْخُ؛ لِأنَّهُ مِنَ الصَّوْتِ.
﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] أيْ: شَدِيدٌ.
﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠] أيْ: هَيِّنٍ، لِما يَحِيقُ بِهِمْ مِن صُنُوفِ الرَّدى. وفي قَوْلِهِ:
﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠] تَأْكِيدٌ يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ عَسِيرًا عَلَيْهِمْ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ، ويُشْعِرُ بِيُسْرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ. فَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ وعِيدِ الكافِرِينَ وبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ.
(p-٥٩٧٥)
74:11–17Page 575
ذَرۡنِي وَمَنۡ خَلَقۡتُ وَحِيدٗا ١١
Leave Me with the one I created alone1
وَجَعَلۡتُ لَهُۥ مَالٗا مَّمۡدُودٗا ١٢
And to whom I granted extensive wealth
وَبَنِينَ شُهُودٗا ١٣
And children present [with him]
وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمۡهِيدٗا ١٤
And spread [everything] before him, easing [his life].
ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ ١٥
Then he desires that I should add more.
كـَلَّآۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِأٓيَٰتِنَا عَنِيدٗا ١٦
No! Indeed, he has been toward Our verses obstinate.
سَأُرۡهِقُهُۥ صَعُودًا ١٧
I will cover him with arduous torment.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ - ١٧] ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] ﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] ﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧]
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ: لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] أيْ: مَبْسُوطًا كَثِيرًا، أوْ مَمْدُودًا بِالنَّماءِ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] أيْ: رِجالًا يَشْهَدُونَ مَعَهُ المَحافِلَ والمَجامِعَ، أوْ حُضُورًا مَعَهُ يَأْنَسُ بِهِمْ، لا يُحْوِجُهُ سَفَرُهم ورُكُوبُهُمُ الأخْطارَ، لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنِ التَّكَسُّبِ والمَدْحِ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] أيْ: بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ والجاهِ والرِّياسَةِ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] أيْ: مِنَ المالِ والوَلَدِ والجاهِ. أوْ مِنَ النَّعِيمِ الأُخْرَوِيِّ. وهَذا أظْهَرُ لِقَوْلِهِ:
﴿كَلا﴾ [المدثر: ١٦] أيْ: لا يَكُونُ ما يَأْمُلُ ويَرْجُو؛ لِأنَّ الجَدِيرَ بِالزِّيادَةِ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ هُمُ المُتَّقُونَ، لا هُوَ، ﴿إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] أيْ: مُعانِدًا لِلْحُجَجِ المُنَزَّلَةِ والمُرْسَلَةِ.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] أيْ: سَأُغْشِيهِ عَقَبَةً شاقَّةَ المَصْعَدِ. وهو مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ الشِّهابُ: ومَعْنى كَوْنِهِ مَثَلًا، أنَّهُ شَبَّهَ ما يَسُوقُهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ المَصائِبِ، بِتَكْلِيفِ الصُّعُودِ (p-٥٩٧٦)فِي الجِبالِ الوَعِرَةِ الشّاهِقَةِ، وأطْلَقَ لَفْظَهُ عَلَيْهِ. فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
ثُمَّ عَلَّلَ إرْهاقَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
74:18–20Page 576
إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ١٨
Indeed, he thought and deliberated.1
فَقُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ ١٩
So may he be destroyed [for] how he deliberated.
ثُمَّ قُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ ٢٠
Then may he be destroyed [for] how he deliberated.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ٢٠] ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٩] ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠]
﴿إنَّهُ فَكَّرَ﴾ أيْ: ماذا يَقُولُ في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ ﴿وقَدَّرَ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ ما يَقُولُهُ وهَيَّأهُ.
﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٩] أيْ: لُعِنَ، كَيْفَ قَدَّرَ ذَلِكَ الِافْتِراءَ الباطِلَ، واخْتَلَقَ ما يُكَذِّبُهُ وِجْدانُهُ فِيهِ.
﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠] تَكْرِيرٌ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعَجُّبِ مِنهُ، وقَدِ اعْتِيدَ فِيمَن عَجِبَ غايَةَ التَّعَجُّبِ أنَّهُ يُكْثِرُ مِنَ التَّعَجُّبِ ويُكَرِّرُهُ.
و" ثُمَّ " لِلدَّلالَةِ عَلى الثّانِيَةِ أبْلَغُ في التَّعَجُّبِ مِنَ الأُولى لِلْعَطْفِ بِ: " ثُمَّ " الدّالَّةِ عَلى تَفاوُتِ الرُّتْبَةِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُتِلَ بِنَوْعٍ ما مِنَ القَتْلِ، لا بَلْ قُتِلَ بِأشَدِّهِ وأشَدِّهِ؛ لِذا ساغَ العَطْفُ فِيهِ، مَعَ أنَّهُ تَأْكِيدٌ.
وقَدْ جَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أنْ تَكُونَ تَعْجِيبًا مِن تَقْدِيرِهِ وإصابَتِهِ فِيهِ المَحَزَّ ورَمْيِهِ الغَرَضَ الَّذِي كانَ تَنْتَحِيهِ قُرَيْشٌ، أوْ ثَناءٌ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ، أوْ حِكايَةٌ لِما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِمْ:
﴿قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠] تَهَكُّمًا بِهِمْ وبِإعْجابِهِمْ بِتَقْدِيرِهِ، واسْتِعْظامِهِمْ لِقَوْلِهِ.
ثُمَّ قالَ: ومَعْنى قَوْلِ القائِلِ: قَتَلَهُ اللَّهُ، ما أشْجَعَهُ، وأخْزاهُ اللَّهُ، ما أشْعَرَهُ، الإشْعارُ بِأنَّهُ قَدْ بَلَغَ المَبْلَغَ الَّذِي هو حَقِيقٌ بِأنْ يُحْسَدَ ويَدْعُوَ عَلَيْهِ حاسِدُهُ بِذَلِكَ.
(p-٥٩٧٧)
74:21–25Page 576
ثُمَّ نَظَرَ ٢١
Then he considered [again];
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ٢٢
Then he frowned and scowled;
ثُمَّ أَدۡبَرَ وَٱسۡتَكۡبَرَ ٢٣
Then he turned back and was arrogant
فَقَالَ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ ٢٤
And said, "This is not but magic imitated [from others].
إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا قَوۡلُ ٱلۡبَشَرِ ٢٥
This is not but the word of a human being."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٥] ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥]
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المُقَدَّرِ، أيْ: تَرَوّى فِيهِ. قالَ الرّازِيُّ: وهَذِهِ المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ مِن أحْوالِ قَلْبِهِ. فالنَّظَرُ الأوَّلُ لِلِاسْتِخْراجِ، واللّاحِقُ لِلتَّقْدِيرِ، وهَذا هو الِاحْتِياطُ.
وقالَ غَيْرُهُ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ: في وُجُوهِ القَوْمِ.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ [المدثر: ٢٢] أيْ: قَطَّبَ وجْهَهُ كِبْرًا وتَهَيُّؤًا لِقَذْفِ تِلْكَ الكَبِيرَةِ ﴿وبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] أيْ: كَلَحَ وجْهُهُ. شَأْنَ اللَّئِيمِ في مُراوَغَتِهِ ومُخاتَلَتِهِ، والحَسُودِ في آثارِ حِقْدِهِ عَلى صَفَحاتِ وجْهِهِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] أيْ: عَنِ الحَقِّ ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] أيْ: عَنِ الإيمانِ بِهِ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] أيْ: ما هَذا القُرْآنُ إلّا سِحْرٌ يُرْوى ويُتَعَلَّمُ. أيْ: يَأْثُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ.
﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] أيْ: لَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، كَما يَقُولُهُ.
تَنْبِيهٌ:
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ، أحَدِ رُؤَساءِ قُرَيْشٍ، لَعَنَهُ اللَّهُ. وكانَ مِن خَبَرِهِ ما رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ اجْتَمَعَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ وكانَ ذا سِنٍّ فِيهِمْ، وقَدْ حَضَرَ المَوْسِمَ، فَقالَ لَهُمْ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذا المَوْسِمُ، وإنَّ وُفُودَ العَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكم فِيهِ، وقَدْ سَمِعُوا بِأمْرِ صاحِبِكم هَذا، فَأجْمِعُوا رَأْيًا واحِدًا ولا تَخْتَلِفُوا، فَيُكَذِّبُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويَرُدُّ قَوْلُكم بَعْضُهُ بَعْضًا. قالُوا: فَأنْتَ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ! (p-٥٩٧٨)فَقُلْ، وأقِمْ لَنا رَأْيًا نَقُلْ بِهِ. قالَ: بَلْ أنْتُمْ فَقُولُوا أسْمَعْ. قالُوا: نَقُولُ: كاهِنٌ. قالَ: لا، واللَّهِ ما هو بِكاهِنٍ! لَقَدْ رَأيْنا الكُهّانَ، فَما هو بِزَمْزَمَةِ الكاهِنِ ولا سَجْعِهِ. قالُوا: فَنَقُولُ: مَجْنُونٌ! قالَ: ما هو بِمَجْنُونٍ. لَقَدْ رَأيْنا الجُنُونَ وعَرَفْناهُ، فَما هو بِخَنْقِهِ ولا تَخالُجِهِ ولا وسْوَسَتِهِ. قالُوا: فَنَقُولُ: شاعِرٌ! قالَ: ما هو بِشاعِرٍ. لَقَدْ عَرَفْنا الشِّعْرَ كُلَّهُ: رَجَزَهُ وهَزَجَهُ وقَرِيضَهُ ومَقْبُوضَهُ ومَبْسُوطَهُ، فَما هو بِالشِّعْرِ. قالُوا: فَنَقُولُ: ساحِرٌ! قالَ: ما هو بِساحِرٍ. لَقَدْ رَأيْنا السُّحّارَ وسِحْرَهُمْ، فَما هو بِنَفْثِهِمْ ولا عَقْدِهِمْ. قالُوا: فَما نَقُولُ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ؟ قالَ: واللَّهِ! إنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلاوَةً، وإنَّ أصْلَهُ لَعِذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناةٌ، وما أنْتُمْ بِقائِلِينَ مِن هَذا شَيْئًا إلّا عَرَفَ أنَّهُ باطِلٌ، وإنَّ أقْرَبَ القَوْلِ فِيهِ؛ لَأنْ تَقُولُوا: هو ساحِرٌ جاءَ بِقَوْلٍ هو سِحْرٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وأبِيهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وأخِيهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وزَوْجَتِهِ، وبَيْنَ المَرْءِ وعَشِيرَتِهِ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ. فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ بِسُبُلِ النّاسِ حِينَ قَدِمُوا المَوْسِمَ. لا يَمُرُّ بِهِمْ أحَدٌ إلّا حَذَّرُوهُ إيّاهُ، وذَكَرُوا لَهم أمْرَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وفي ذَلِكَ، مِن قَوْلِهِ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] الآياتِ.
وعَنْ قَتادَةَ: قالَ الوَلِيدُ: لَقَدْ نَظَرْتُ فِيما قالَ هَذا الرَّجُلُ، فَإذا هو لَيْسَ بِشِعْرٍ، وإنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّهُ لِيَعْلُوا وما يُعْلى، وما أشُكُّ أنَّهُ سِحْرٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ الآياتِ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وثَمَّ رِواياتٌ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ.
وقَدْ رَوى مُجاهِدٌ أنَّ الوَلِيدَ كانَ بَنُوهُ عَشَرَةً. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ: خالِدٌ وعَمّارٌ وهِشامٌ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ في "الإصابَةِ": والصَّوابُ خالِدٌ وهِشامٌ والوَلِيدُ. فَأمّا عِمارَةٌ، فَإنَّهُ ماتَ كافِرًا؛ لِأنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوهُ لِلنَّجاشِيِّ، فَجَرَتْ لَهُ مَعَهُ قِصَّةٌ، فَأُصِيبَ بِعَقْلِهِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ مِمَّنْ ««دَعا النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ مِن قُرَيْشٍ»» لَمّا وضَعَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ سَلى الجَزُورِ عَلى ظَهْرِهِ، وهو يُصَلِّي.
(p-٥٩٧٩)
74:26–30Page 576
سَأُصۡلِيهِ سَقَرَ ٢٦
I will drive him into Saqar.1
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سَقَرُ ٢٧
And what can make you know what is Saqar?
لَا تُبۡقِي وَلَا تَذَرُ ٢٨
It lets nothing remain and leaves nothing [unburned],
لَوَّاحَةٞ لِّلۡبَشَرِ ٢٩
Altering [i.e., blackening] the skins.
عَلَيۡهَا تِسۡعَةَ عَشَرَ ٣٠
Over it are nineteen [angels].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٣٠] ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨] ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠]
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ: جَهَنَّمَ. وهو بَدَلٌ مِن ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] بَدَلُ اشْتِمالٍ، لِاشْتِمالِ ﴿سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] عَلى الشَّدائِدِ.
﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تُبْقِي شَيْئًا يُلْقى فِيها إلّا أهْلَكَتْهُ، وإذا هَلَكَ لَمْ تَذَرْهُ هالِكًا حَتّى يُعادَ. أوْ لا تُبْقِي عَلى شَيْءٍ ولا تَدَعُهُ مِنَ الهَلاكِ، بَلْ كُلُّ ما يُطْرَحُ فِيها هالِكٌ لا مَحالَةَ.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] أيْ: مُحْرِقَةٌ لِلْجُلُودِ، مِن لَوَحَتْهُ الشَّمْسُ، إذا سَوَّدَتْ ظاهِرَهُ وأطْرافَهُ. و(البَشَرُ): جَمَعَ بَشَرَةٍ، وهي ظاهِرُ الجِلْدِ. أوِ اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى النّاسِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لائِحَةٌ لِلنّاسِ، مِن لاحَ بِمَعْنى ظَهَرَ، والبَشَرُ بِمَعْنى النّاسِ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] أيْ: مِنَ الخَزَنَةِ المُتَوَلِّينَ أمْرَها، والتَّسَلُّطَ عَلى أهْلِها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ زَبانِيَةَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ، تَفُوقُ زَبانِيَةَ الجَبابِرَةِ في الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً، تَنْبِيهًا عَلى هَوْلِ العَذابِ، وكِبَرِ مَكانِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences