Al-QasimiAsh‑Shams · 91:1–15

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

الشمس

Ash-Shams

The Sun · Meccan · 15 ayahs

91:1–8Page 595

وَٱلشَّمۡسِ وَضُحَىٰهَا ١

By the sun and its brightness

وَٱلۡقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا ٢

And [by] the moon when it follows it

وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا ٣

And [by] the day when it displays it1

وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰهَا ٤

And [by] the night when it covers [i.e., conceals] it

وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا ٥

And [by] the sky and He who constructed it

وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا طَحَىٰهَا ٦

And [by] the earth and He who spread it

وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا ٧

And [by] the soul and He who proportioned it1

فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا ٨

And inspired it [with discernment of] its wickedness and its righteousness,

(p-٦١٦٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الشَّمْسِ

مَكِّيَّةٌ، وآيُها خَمْسَ عَشْرَةَ.

وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ الَّذِي في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى».

(p-٦١٦٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١ - ٨ ] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨]

﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ أيْ: ضَوْئِها إذا أشْرَقَتْ. قالَ الرّاغِبُ: الضُّحى انْبِساطُ الشَّمْسِ وامْتِدادُ النَّهارِ، وبِهِ سُمِّيَ الوَقْتُ. وحَقِيقَتُهُ -كَما قالَ الشِّهابُ- تَباعُدُ الشَّمْسِ عَنِ الأُفُقِ المَرْئِيِّ وبُرُوزُها لِلنّاظِرِينَ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في وقْتِهِ. وقالَ الإمامُ: يُقْسِمُ بِالشَّمْسِ نَفْسِها ظَهَرَتْ أوْ غابَتْ لِأنَّها خَلْقٌ عَظِيمٌ؛ ويُقْسِمُ بِضَوْئِها لِأنَّهُ مَبْعَثُ الحَياةِ ومَجْلى الهِدايَةِ في عالَمِها الفَخِيمِ. وهَلْ كُنْتَ تَرى حَيًّا أوْ تُبْصِرُ نامِيًا، أوْ هَلْ كُنْتَ تَجِدُ نَفْسَكَ، لَوْلا ضِياءُ الشَّمْسِ، جَلَّ مُبْدِعُهُ؟

﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] أيْ: تَبِعَ الشَّمْسَ، قالَ الإمامُ: وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ، مِنَ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ إلى السّادِسَةَ عَشْرَةَ. وهو قَسَمٌ بِالقَمَرِ عِنْدَ امْتِلائِهِ أوْ قُرْبِهِ مَعَ الِامْتِلاءِ؛ إذْ يُضِيءُ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى الفَجْرِ. وهو قَسَمٌ في الحَقِيقَةِ بِالضِّياءِ في طَوْرٍ آخَرَ مِن أطْوارِهِ، وهو ظُهُورُهُ وانْتِشارُهُ اللَّيْلَ كُلَّهُ.

(p-٦١٦٨)﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] أظْهَرَ الشَّمْسَ. وذَلِكَ عِنْدَ انْتِفاخِ النَّهارِ وانْبِساطِهِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْجَلِي في ذَلِكَ الوَقْتِ تَمامَ الِانْجِلاءِ.

وفِي هَذِهِ الأقْسامِ كُلِّها -كَما قالَهُ الإمامُ- إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ الضِّياءِ وإعْظامِ قَدْرِ النِّعْمَةِ فِيهِ ولَفَتَ أذْهانَنا إلى أنَّهُ مِن آياتِ اللَّهِ الكُبْرى ونِعَمِهِ العُظْمى، وفي قَوْلِهِ: ﴿إذا جَلاها﴾ [الشمس: ٣] بَيانٌ لِلْحالَةِ الَّتِي يَنْطِقُ فِيها النَّهارُ بِتِلْكَ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ والآيَةِ الظّاهِرَةِ، وهي حالَةُ الصَّحْوِ، أمّا يَوْمُ الغَيْمِ الَّذِي لا تَظْهَرُ فِيهِ الشَّمْسُ، فَحالُهُ أشْبَهُ بِحالِ اللَّيْلِ الَّذِي يُقْسِمُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ ويَعْرِضُ دُونَ ضَوْئِها فَيَحْجُبُهُ عَنِ الأبْصارِ. وذَلِكَ في لَيالِي الظُّلْمَةِ الحالِكَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] عَلى القَوْلِ الأخِيرِ.

قالَ الإمامُ: ولِقِلَّةِ أوْقاتِ الظُّلْمَةِ عَبَّرَ في جانِبِها بِالمُضارِعِ لا مُفِيدَ لِلَحاقِ الشَّيْءِ وعُرُوضِهِ مُتَأخِّرًا عَمّا هو أصْلٌ في نَفْسِهِ. أمّا النَّهارُ فَإنَّهُ يُجَلِّي الشَّمْسَ دائِمًا مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ؛ وذَلِكَ شَأْنٌ لَهُ في ذاتِهِ، ولا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا لِعارِضٍ كالغَيْمِ أوِ الكُسُوفِ قَلِيلِ العُرُوضِ.. ولِهَذا عَبَّرَ في جانِبِهِ بِالماضِي المُفِيدِ لِوُقُوعِ المَعْنى مِن فاعِلِهِ، بِدُونِ إفادَةِ أنَّهُ مِمّا يَنْفَكُّ عَنْهُ.

﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] أيْ: ومَن رَفَعَها، وصَيَّرَها بِما فِيها مِنَ الكَواكِبِ، كالسَّقْفِ أوِ القُبَّةِ المُحْكَمَةِ الزِّينَةِ المُحِيطَةِ بِنا. فَـ "ما" مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (مَن) أُوثِرَتْ لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ، أيْ: والقادِرُ الَّذِي أبْدَعَ خَلْقَها.

قالُوا: وذَكَرَ ﴿وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] مَعَ أنَّ في ذِكْرِ "السَّماءِ" غَنِيَّةً عَنْهُ، لِلدَّلالَةِ عَلى إيجادِها ومُوجِدِها صَراحَةً.

﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] أيْ: بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، لِافْتِراشِها وازْدِراعِها والضَّرْبِ في أكْنافِها.

قالَ الإمامُ: ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأرْضَ غَيْرُ كُرَوِيَّةٍ، كَما يَزْعُمُ بَعْضُ الجاهِلِينَ، أيْ: بِتَحْرِيفِهِ الكَلِمَ عَنْ مَعْناهُ المُرادِ مِنهُ.

﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] أيْ: خَلَقَها فَعَدَلَ خَلْقَها (p-٦١٦٩)ومِزاجَها، وأعَدَّها لِقَبُولِ الكَمالِ:

﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] أيْ: أفْهَمَها إيّاهُما، وأشْعَرَها بِهِما، بِالإلْقاءِ المَلَكِيِّ والتَّمْكِينِ مِن مَعْرِفَتِهِما، وحُسْنِ التَّقْوى وقُبْحِ الفُجُورِ بِالعَقْلِ الهَيُولانِيِّ.

لَطِيفَةٌ:

جُوِّزَ في "ما" كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً في الكُلِّ، ولا يَضُرُّهُ خُلُوُّ الأفْعالِ مِن فاعِلٍ ظاهِرٍ ومُضْمَرٍ إذْ لا مَرْجِعَ لَهُ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لِأنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ الإضْمارِ دَلالَةُ السِّياقِ وهي مَوْجُودَةٌ هُنا، وأنَّ العَطْفَ عَلى صِلَةِ "ما" لا عَلَيْها مَعَ صِلَتِها. فَكَأنَّهُ قِيلَ: ونَفْسِ تَسْوِيَتِها، فَإلْهامُها إلَخْ. وعُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ لَيْسَ بِفاسِدٍ. نَعَمْ في الوَجْهِ الأوَّلِ تَوافُقُ القَرائِنِ وهو أسَدُّ. وأمّا الثّانِي فَوَجْهٌ يَتَّسِعُ النَّظْمُ الكَرِيمُ لَهُ. وأمّا تَنْكِيرُ "نَفْسٍ" فَلِلتَّكْثِيرِ أوِ التَّعْظِيمِ.

91:9–12Page 595

قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ٩

He has succeeded who purifies it,

وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا ١٠

And he has failed who instills it [with corruption].

كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِطَغۡوَىٰهَآ ١١

Thamūd denied [their prophet] by reason of their transgression,

إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشۡقَىٰهَا ١٢

When the most wretched of them was sent forth.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩ - ١٢ ] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ [الشمس: ١٢]

﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ أيْ: زَكّى نَفْسَهُ وطَهَّرَها مِن رِجْسِ النَّقائِصِ والآثامِ، أوْ نَمّاها بِالعِلْمِ والعَمَلِ والوُصُولِ إلى الكَمالِ وبُلُوغِ الفِطْرَةِ الأُولى: ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] أيْ: أخْمَلَها ووَضَعَ مِنها، بِخِذْلانِهِ إيّاها عَنِ الهُدى حَتّى رَكِبَ المَعاصِي وتَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى. هَذا ما قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ: وقالَ غَيْرُهُ: أيْ: نَقَصَ تَزْكِيَتَها وأخْفى اسْتِعْدادَها وفِطْرَتَها الَّتِي خُلِقَتْ عَلَيْها بِالجَهالَةِ والفُسُوقِ. وهو مَأْخُوذٌ مِن: (دَسَّ الشَّيْءَ في التُّرابِ)، أيْ: أدْخَلَهُ فِيهِ وأخْفاهُ. وأصْلُ (دَسّى) دَسَّسَ. كَتَقَضّى البازِي. وجُمْلَةُ "قَدْ أفْلَحَ" إلَخْ جَوابُ القَسَمِ وحَذْفُ اللّامِ لِلطُّولِ.

(p-٦١٧٠)قالَ القاضِي: وكَأنَّهُ لَمّا أرادَ بِهِ الحَثَّ عَلى تَكْمِيلِ النَّفْسِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، أقْسَمَ عَلَيْهِ بِما يَدُلُّهم عَلى العِلْمِ بِوُجُودِ الصّانِعِ ووُجُوبِ ذاتِهِ وكَمالِ صِفاتِهِ الَّذِي هو أقْصى دَرَجاتِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ ويُذَكِّرُهم عَظائِمَ الإلَهِ لِيَحْمِلَهم عَلى الِاسْتِغْراقِ في شُكْرِ نَعْمائِهِ الَّذِي هو مُنْتَهى كَمالاتِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ.

وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ كَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ. وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ، لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] أيْ: بِسَبَبِ طُغْيانِها ومُجاوَزَتِها الحَدَّ في الفُجُورِ. فالطَّغْوى مَصْدَرٌ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ العَذابُ نَفْسُهُ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ بِدُونِهِ مُبالَغَةً كَما يُوصَفُ بِغَيْرِهِ مِنَ المَصادِرِ، أيْ: كَذَّبَتْ بِما أُوعِدَتْ بِهِ مِن عَذابِها ذِي الطَّغْوى، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] فالطَّغْوى عَلى هَذا مِنَ التَّجاوُزِ عَنِ الحَدِّ والزِّيادَةُ في العَذابِ. والباءُ صِلَةُ "كَذَّبَتْ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ [الشمس: ١٢] ظَرْفٌ لِـ "كَذَّبَتْ" أوْ (طَغْوى)، أيْ: حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ لِعَقْرِ ناقَةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وكانُوا نُهُوا عَنْ مَسِّها بِسُوءٍ، وأُنْذِرُوا عاقِبَةَ المُخالَفَةِ، كَما قالَ تَعالى:

91:13–15Page 595

فَقَالَ لَهُمۡ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقۡيَٰهَا ١٣

And the messenger of Allāh [i.e., Ṣāliḥ] said to them, "[Do not harm] the she-camel of Allāh or [prevent her from] her drink."

فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمۡدَمَ عَلَيۡهِمۡ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمۡ فَسَوَّىٰهَا ١٤

But they denied him and hamstrung1 her. So their Lord brought down upon them destruction for their sin and made it equal [upon all of them].

وَلَا يَخَافُ عُقۡبَٰهَا ١٥

And He does not fear the consequence thereof.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣ - ١٥ ] ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ [الشمس: ١٤] ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٥]

﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ. ﴿ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ أيِ: احْذَرُوا واتَّقُوا ناقَةَ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَها آيَةً بَيِّنَةً وشِرْبَها، الَّذِي اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ في يَوْمِها. وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ عَنْ أمْرِ اللَّهِ أنَّ لِلنّاقَةِ شِرْبَ يَوْمٍ ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ آخَرَ، غَيْرِ يَوْمِ النّاقَةِ، (p-٦١٧١)كَما بَيَّنَتْهُ آيَةُ الشُّعَراءِ قالَ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] أيْ: لا تُؤْذُوا النّاقَةَ ولا تَتَعَدَّوْا عَلَيْها في شِرْبِها ويَوْمِ شِرْبِها ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ [الشمس: ١٤] أيْ: فِيما حَذَّرَهم مِنهُ مِن حُلُولِ العَذابِ إنْ فَعَلُوا ﴿فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤] أيْ: قَتَلُوها.

قالَ في (النِّهايَةِ): أصْلُ العَقْرِ ضَرْبُ قَوائِمِ البَعِيرِ أوِ الشّاةِ بِالسَّيْفِ وهو قائِمٌ. ثُمَّ اتَّسَعَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في القَتْلِ والهَلاكِ، وذَلِكَ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى مَنعِها الشُّرْبَ ورَضُوا بِقَتْلِها. وعَنْ رِضا جَمِيعِهِمْ قَتْلَها قاتَلَها وعَقَرَها مَن عَقَرَها؛ ولِذَلِكَ نُسِبَ التَّكْذِيبُ والعُقْرُ عَلى جَمِيعِهِمْ ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ [الشمس: ١٤] أيْ: أهْلَكَهم وأزْعَجَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِهِ وتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ وعَقْرِهِمْ ناقَتَهُ، اسْتِهانَةً بِهِ واسْتِخْفافًا بِما بُعِثَ بِهِ. وقِيلَ: دَمْدَمَ أطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ. وقِيلَ: الدَّمْدَمَةُ حِكايَةُ صَوْتِ الهَدَّةِ ﴿فَسَوّاها﴾ [الشمس: ١٤] أيْ: فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَلَمْ يَفْلِتْ مِنهم أحَدٌ.

بِمَعْنى جَعَلَها سَواءً بَيْنَهُمْ، أوِ الضَّمِيرُ لِثَمُودَ، أيْ: جَعَلَها عَلَيْهِمْ سَواءً ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٥] أيْ: لا يَخْشى تَبِعَةَ إهْلاكِهِمْ لِأنَّهُ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ.

قالَ الشِّهابُ: أيْ: لا يَخافُ عاقِبَتَها كَما يَخافُ المُلُوكُ عاقِبَةَ ما تَفْعَلُهُ؛ فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِإهانَتِهِمْ وأنَّهم أذِلّاءُ عِنْدَ اللَّهِ. فالضَّمِيرُ في "يَخافُ" لِلَّهِ وهو الأظْهَرُ. ويَجُوزُ عَوْدُهُ لِلرَّسُولِ ﷺ أيْ: أنَّهُ لا يَخافُ عاقِبَةَ إنْذارِهِ لَهم وهو عَلى الحَقِيقَةِ، كَما إذا قِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأشْقى، أيْ: أنَّهُ لا يَخافُ عاقِبَةَ فِعْلِهِ الشَّنِيعِ. والواوُ الحالُ أوْ الِاسْتِئْنافُ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (مِفْتاحِ دارِ السَّعادَةِ): المَقْصُودُ أنَّ الآيَةَ أوْجَبَتْ لَهُمُ البَصِيرَةَ فَآثَرُوا الضَّلالَةَ والكُفْرَ عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ؛ ولِهَذا -واللَّهُ أعْلَمُ- ذَكَرَ قِصَّتَهم مِن بَيْنِ قِصَصِ سائِرِ الأُمَمِ في سُورَةِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] لِأنَّهُ ذَكَرَ فِيها انْقِسامَ النُّفُوسِ إلى الزَّكِيَّةِ الرّاشِدَةِ المُهْتَدِيَةِ (p-٦١٧٢)وإلى الفاجِرَةِ الضّالَّةِ الغاوِيَةِ. وذَكَرَ فِيها الأصْلَيْنِ: القَدَرَ والشَّرْعَ. فَقالَ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] فَهَذا قَدَرُهُ وقَضاؤُهُ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] فَهَذا أمْرُهُ ودِينُهُ. وثَمُودُ هَداهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى. فَذَكَرَ قِصَّتَهم لِيُبَيِّنَ سُوءَ عاقِبَةِ مَن آثَرَ الفُجُورَ عَلى التَّقْوى، والتَّدْسِيَةَ عَلى التَّزْكِيَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском