Al-QasimiAl‑Balad · 90:1–20

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

البلد

Al-Balad

The City · Meccan · 20 ayahs

90:1–3Page 594

لَآ أُقۡسِمُ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ١

I swear by this city [i.e., Makkah] –

وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٢

And you, [O Muḥammad], are free of restriction in this city –

وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ ٣

And [by] the father1 and that which was born [of him],

(p-٦١٥٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ البَلَدِ

مَكِّيَّةٌ وهي عِشْرُونَ آيَةً.

(p-٦١٥٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١ - ٣ ] ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢] ﴿ووالِدٍ وما ولَدَ﴾ [البلد: ٣]

﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ تَقَدَّمَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ تَفْسِيرُ "لا أُقْسِمُ" و"البَلَدِ" هو مَكَّةُ. وقَيَّدَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢] عِنايَةً بِالنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ إقْسامٌ بِهِ لِأجْلِهِ، مَعَ تَعْرِيضٍ بِعَدَمِ شَرَفِ أهْلِ مَكَّةَ، وأنَّهم جَهِلُوا جَهْلًا عَظِيمًا، لِهَمِّهِمْ بِإخْراجِ مَن هو حَقِيقٌ بِهِ، وبِهِ يُتِمُّ شَرَفَهُ.

قالَ الشِّهابُ: و(الحِلُّ) صِفَةُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الحالِّ عَلى هَذا الوَجْهِ. ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَهُ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ في كُتُبِ اللُّغَةِ. وقِيلَ: مَعْناهُ وأنْتَ يَسْتَحِلُّ فِيهِ حُرْمَتَكَ، ويَتَعَرَّضُ لِأذِيَّتِكَ. فَفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ في عَداوَتِهِ، وتَعْرِيضٌ بِتَجْمِيعِهِمْ وتَفْرِيقِهِمْ بِأنَّهُ لا يَسْتَحِلُّ فِيهِ الحَمامُ، فَكَيْفَ يَسْتَحِلُّ فِيهِ دَمُ مُرْشِدِ الأنامِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟

وقِيلَ: مَعْناهُ وأنْتَ حِلٌّ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، تَصْنَعُ فِيهِ ما تُرِيدُ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، إشارَةٌ إلى ما سَيَقَعُ مِن فَتْحِ مَكَّةَ وإحْلالِها لَهُ ساعَةً مِن نَهارٍ، يَقْتُلُ ويَأْسِرُ، مَعَ أنَّها ما فُتِحَتْ عَلى أحَدٍ قَبْلَهُ، ولا أُحِلَّتْ لَهُ؛ فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ، ووَعْدٌ بِنَصْرِهِ، وإهْلاكُ عَدُوِّهِ. و(الحِلُّ) عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ ضِدُّ (الحُرْمَةِ)، وفِيهِما -كَما قالُوا- بُعْدٌ، لا سِيَّما إرادَةُ الِاسْتِقْبالِ في الوَجْهِ الأخِيرِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مُتَبادَرٍ مِنهُ. وإنَّما كانَ الأوَّلُ أوْلى لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِجَعْلِ حُلُولِهِ بِهِ مَناطًا لِإعْظامِهِ، مَعَ التَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجَوابِ، بِذِكْرِ بَعْضِ مَوادِّ المُكايَدَةِ، عَلى نَهْجِ (p-٦١٦٠)بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ، وإنَّهُ كابَدَ المَشاقَّ، ولاقى مِنَ الشَّدائِدِ، في سَبِيلِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، ما لَمْ يُكابِدْهُ داعٍ قَبْلَهُ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ.

﴿ووالِدٍ وما ولَدَ﴾ [البلد: ٣] عَطْفٌ عَلى هَذا البَلَدِ، داخِلٌ في المُقْسَمِ بِهِ. قِيلَ: عُنِيَ بِذَلِكَ آدَمُ ووَلَدُهُ، وقِيلَ: إبْراهِيمُ ووَلَدُهُ. والصَّوابُ -كَما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ - أنَّ المَعْنِيَّ بِهِ كُلُّ والِدٍ وما ولَدَ. قالَ: وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَخُصَّ ذَلِكَ إلّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَها مِن خَبَرٍ أوْ عَقْلٍ، ولا خَبَرَ بِخُصُوصِ ذَلِكَ ولا بُرْهانَ، يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ بِخُصُوصِهِ. فَهو عَلى عُمُومِهِ كَما عَمَّهُ.

وإيثارُ "ما" عَلى (مَن)؛ لِإرادَةِ الوَصْفِ. فَيُفِيدُ التَّعْظِيمَ في مَقامِ المَدْحِ، وأنَّهُ مِمّا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ لِشِدَّةِ إبْهامِها. ولِذا أفادَتِ التَّعَجُّبَ أوِ التَّعْجِيبَ، وإنْ لَمْ يَكُنِ اسْتِفْهامًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] أيْ: أيَّ مَوْلُودٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ وضَعَتْهُ. وهَذا عَلى كَوْنِ المُرادِ إبْراهِيمَ والنَّبِيَّ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ظاهِرٌ، أمّا عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ، فالتَّعَجُّبُ مِن كَثْرَتِهِمْ، أوْ مِمّا خُصَّ بِهِ الإنْسانُ مِن خَواصِّ البَشَرِ، كالنُّطْقِ والعَقْلِ وحُسْنِ الصُّورَةِ. حَكاهُ الشِّهابُ.

90:4–7Page 594

لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِي كَبَدٍ ٤

We have certainly created man into hardship.

أَيَحۡسَبُ أَن لَّن يَقۡدِرَ عَلَيۡهِ أَحَدٞ ٥

Does he think that never will anyone overcome him?

يَقُولُ أَهۡلَكۡتُ مَالٗا لُّبَدًا ٦

He says, "I have spent wealth in abundance."

أَيَحۡسَبُ أَن لَّمۡ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ ٧

Does he think that no one has seen him?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤ - ٧ ] ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥] ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ [البلد: ٧]

﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ أيْ: في شِدَّةٍ، يُكابِدُ الأُمُورَ يُعالِجُها في أطْوارِهِ كُلِّها، مِن حَمْلِهِ إلى أنْ يَسْتَقِرَّ بِهِ القَرارُ: إمّا في الجَنَّةِ وإمّا في النّارِ.

(p-٦١٦١)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (الكَبَدُ) أصْلُهُ مِن قَوْلِكَ: (كَبَدَ الرَّجُلُ كَبَدًا)، فَهو أكْبَدُ، إذا وجِعَتْ كَبِدُهُ وانْتَفَخَتْ، فاتَّسَعَ فِيهِ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَعَبٍ ومَشَقَّةٍ، ومِنهُ اشْتُقَّتِ المُكابَدَةُ. كَما قِيلَ: (كَبَتَهُ) بِمَعْنى أهْلَكَهُ. وأصْلُهُ كَبِدَهُ إذا أصابَ كَبِدَهُ. قالَ لَبِيدٌ:

؎يا عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدِ

أيْ: في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ. انْتَهى.

وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِمّا يُكابِدُهُ مِن قُرَيْشٍ، مِن جِهَةِ أنَّ الإنْسانَ لَمْ يُخْلَقْ لِلرّاحَةِ في الدُّنْيا، وأنَّ كُلَّ مَن كانَ أعْظَمَ فَهو أشَدُّ نَصَبًا. هَذا خُلاصَةُ ما قالُوهُ.

وقالَ القاشانِيُّ: "فِي كَبَدٍ" أيْ: مُكابَدَةٍ ومَشَقَّةٍ مِن نَفْسِهِ وهَواهُ، أوْ مَرَضٍ باطِنٍ وفَسادِ قَلْبٍ وغِلَظِ حِجابٍ؛ إذِ الكَبِدُ في اللُّغَةِ غِلَظُ الكَبِدِ الَّذِي هو مَبْدَأُ القُوَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ وفَسادُهُ وحِجابُ القَلْبِ وفَسادُهُ مِن هَذِهِ القُوَّةِ؛ فاسْتُعِيرَ غِلَظُ الكَبِدِ لِغِلَظِ حِجابِ القَلْبِ ومَرَضِ الجَهْلِ.

﴿أيَحْسَبُ﴾ [البلد: ٥] أيْ: لِغِلَظِ حِجابِهِ ومَرَضِ قَلْبِهِ لِاحْتِجابِهِ بِالطَّبِيعَةِ ﴿أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥] أيْ: أنْ لَنْ تَقُومَ قِيامَةٌ، ولَنْ يَقْدِرَ عَلى مُجازاتِهِ وقَهْرِهِ وغَلَبَتِهِ، مَعَ أنَّ ما هو فِيهِ مِنَ المُكابَدَةِ يَكْفِي لِإيقاظِهِ مِن غَفْلَتِهِ واعْتِرافِهِ بِعَجْزِهِ.

﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] أيْ: كَثِيرًا، مِن: (تَلَبَّدَ الشَّيْءُ)، إذا اجْتَمَعَ. والمُرادُ ما أنْفَقَهُ لِلِافْتِخارِ والمُباهاةِ والرِّياءِ. كَقَوْلِهِمْ: (خَسِرْتُ عَلَيْهِ كَذا وكَذا)، إذا أنْفَقَ عَلَيْهِ، يَتَفَضَّلُ عَلى النّاسِ بِالتَّبْذِيرِ والإسْرافِ، ويَحْسَبُهُ فَضِيلَةً لِاحْتِجابِهِ عَنِ الفَضِيلَةِ وجَهْلِهِ. ولِهَذا قالَ: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ [البلد: ٧] أيْ: أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَطَّلِعِ اللَّهُ تَعالى عَلى باطِنِهِ ونِيَّتِهِ، حِينَ يُنْفِقُ مالَهُ في السُّمْعَةِ والرِّياءِ والمُباهاةِ، لا عَلى ما يَنْبَغِي في مَراضِي اللَّهِ، وهي رَذِيلَةٌ عَلى رَذِيلَةٍ فَكَيْفَ تَكُونُ فَضِيلَةً؟

(p-٦١٦٢)

90:8–16Page 594

أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ ٨

Have We not made for him two eyes?

وَلِسَانٗا وَشَفَتَيۡنِ ٩

And a tongue and two lips?

وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ ١٠

And have shown him the two ways?1

فَلَا ٱقۡتَحَمَ ٱلۡعَقَبَةَ ١١

But he has not broken through the difficult pass.1

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡعَقَبَةُ ١٢

And what can make you know what is [breaking through] the difficult pass?

فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣

It is the freeing of a slave

أَوۡ إِطۡعَٰمٞ فِي يَوۡمٖ ذِي مَسۡغَبَةٖ ١٤

Or feeding on a day of severe hunger

يَتِيمٗا ذَا مَقۡرَبَةٍ ١٥

An orphan of near relationship

أَوۡ مِسۡكِينٗا ذَا مَتۡرَبَةٖ ١٦

Or a needy person in misery

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨ - ١٦ ] ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]

﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: ألَمْ نُنْعِمْ عَلَيْهِ بِالآلاتِ البَدَنِيَّةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِها مِنِ اكْتِسابِ الكَمالِ، لِيَبْصُرَ ما يَعْتَبِرُ بِهِ، ويَسْألُ عَمّا لا يَعْلَمُ، ويَتَكَلَّمُ فِيهِ؟

وقالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: هَذا تَذْكِيرٌ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وما أزاحَ بِهِ عِلَّتَهم في تَكالِيفِهِمْ، وما تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الآلاتِ الَّتِي يَتَوَصَّلُونَ بِها إلى مَنافِعِهِمْ، ويَدْفَعُونَ بِها المَضارَّ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلى أكْثَرِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ماسَّةٌ، فالحاجَةُ إلى العَيْنَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ، واللِّسانِ لِلنُّطْقِ، والشَّفَتَيْنِ لِحَبْسِ الطَّعامِ والشَّرابِ وإمْساكِهِما في الفَمِ، والنُّطْقِ أيْضًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] أيْ: طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَ الإمامُ: النَّجْدُ مَشْهُورٌ في الطَّرِيقِ المُرْتَفِعَةِ، والمُرادُ بِها طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ؛ وإنَّما سَمّاهُما نَجْدَيْنِ، لِيُشِيرَ إلى أنَّ في كُلٍّ مِنهُما وُعُورَةً وصُعُوبَةَ (p-٦١٦٣)مَسْلَكٍ فَلَيْسَ الشَّرُّ بِأهْوَنَ مِنَ الخَيْرِ كَما يُظَنُّ، وإلى أنَّهُما واضِحانِ جَلِيّانِ لا يَخْفى واحِدٌ مِنهُما عَلى سالِكٍ، أيْ: أوْدَعْنا في فِطْرَتِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وأقَمْنا لَهُ مِن وِجْدانِهِ وعَقْلِهِ أعْلامًا تَدُلُّهُ عَلَيْهِما، ثُمَّ وهَبْناهُ الِاخْتِيارَ، فَإلَيْهِ أنْ يَخْتارَ أيَّ الطَّرِيقَيْنِ شاءَ. فالَّذِي وهَبَ الإنْسانَ هَذِهِ الآلاتِ، وأوْدَعَ باطِنَهُ تِلْكَ القُوى، لا يُمْكِنُ لِلْإنْسانِ أنْ يَفْلِتَ مِن قُدْرَتِهِ، ولا يَجُوزَ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سَرِيرَتِهِ.

﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أيْ: فَلَمْ يَشْكُرْ تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ. و(الِاقْتِحامُ) الدُّخُولُ والمُجاوَزَةُ بِشِدَّةٍ ومَشَقَّةٍ. و(العَقَبَةُ) الطَّرِيقُ الوَعِرَةُ في الجَبَلِ يَصْعُبُ سُلُوكُها. اسْتَعارَها لِما يَأْتِي، لِما فِيهِ مِن مُعاناةِ المَشَقَّةِ ومُجاهَدَةِ النَّفْسِ.

﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ وفي الِاسْتِفْهامِ زِيادَةُ تَقْرِيرِها وكَوْنِها عِنْدَ اللَّهِ بِمَكانَةٍ رَفِيعَةٍ.

﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] أيْ: عِتْقُها، أوِ المُعاوَنَةُ عَلَيْهِ وتَخْلِيصُها مِنَ الرِّقِّ وأسَرَّ العُبُودِيَّةَ، رُجُوعًا بِهِ إلى ما فُطِرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحُرِّيَّةِ.

﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] أيْ: مَجاعَةٍ.

﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] أيْ: قَرابَةٍ. قالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى: وهَذا حَضٌّ عَلى تَقْدِيمِ ذَوِي النَّسَبِ والقُرْبى المُحْتاجِينَ، عَلى الأجانِبِ في الإفْضالِ.

قالَ: وقَدْ يُمْكِنُ في "مَقْرَبَةٍ" أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَأْخُوذٍ مِنَ القَرابَةِ والقُرْبى، بَلْ مِنَ القُرْبِ الَّذِي هو مِنَ الخاصِرَةِ، فَكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ يُطْعِمُ مِن خاصِرَتِهِ لَصِقَتْ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والضُّرِّ، وهَذا أشْبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في وصْفِهِ بِالضُّرِّ. ولَيْسَ مِنَ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالضُّرِّ أنْ يَكُونَ قَرِيبَ النَّسَبِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] أيْ: فَقْرٍ شَدِيدٍ لا يُوارِيهِ إلّا التُّرابُ. يُقالُ: (تَرِبَ)، كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. ويُقالُ: (فَقْرٌ مُدْقِعٌ)، و: (فَقِيرٌ مُدْقِعٌ)، بِمَعْنى لاصِقٍ بِالدَّقْعاءِ، وهي التُّرابُ.

لَطِيفَةٌ:

ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ (لا) مِن قَوْلِهِ "فَلا" نافِيَةٌ. وإنَّما لَمْ تُكَرَّرْ، مَعَ أنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تُفْرِدُها، كَما جاءَ في آيَةِ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم (p-٦١٦٤)يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] اسْتِغْناءٌ بِدَلالَةِ بَقِيَّةِ الكَلامِ عَلى تَكْرارِها. لِأنَّ (لا اقْتَحَمَ) لِما فَسَّرَ بِما بَعْدَهُ كانَ في قُوَّةِ: (لا فَّكَ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا)، وفي الآيَةِ أجْوِبَةٌ أُخْرى: مِنها أنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ، كانَ وهو مَنفِيٌّ أيْضًا، فَكَأنَّها كُرِّرَتْ. وقِيلَ: (لا) لِلدُّعاءِ. كَقَوْلِهِمْ: (لا نَجا ولا سَلِمَ)، وقِيلَ: مُخَفَّفَةٌ مِن (ألا) الَّتِي لِلتَّحْضِيضِ. وقِيلَ: إنَّها لِلنَّفْيِ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وقالَ الإمامُ: أمّا ما قِيلَ مِن أنَّ (لا) إذا دَخَلَتْ عَلى الماضِي وجَبَ تَكْرارُها، ولَمْ تُكَرَّرْ في الآيَةِ، فَذَلِكَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الكِتابَ نَفْسَهُ حُجَّةٌ في الفَصاحَةِ. وقَدْ ورَدَ في كَلامِهِمْ عَدَمُ تَكْرارِها. وقَوْلُهُ تَعالى:

90:17–18Page 594

ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ ١٧

And then being among those who believed and advised one another to patience and advised one another to compassion.

أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ ١٨

Those are the companions of the right.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧ - ١٨ ] ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [البلد: ١٨]

﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِالحَقِّ الَّذِي جاءَهم. عُطِفَ عَلى المَنفِيِّ بِـ: (لا) وهو "اقْتَحَمَ" أوْ عَلى "فَكُّ".

"وتَواصَوْا" أيْ: أوْصى بَعْضُهم بَعْضًا "بِالصَّبْرِ" أيْ: عَلى ما نابَهم في سَبِيلِ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ ﴿وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أيْ: بِالرَّحْمَةِ عَلى بَعْضِهِمْ. كَقَوْلِهِ: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] أوْ بِمُوجِباتِ رَحْمَتِهِ تَعالى مِنَ القِيامِ بِالحَقِّ والصَّدْعِ بِهِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [البلد: ١٨] أيِ: اليَمِينِ، أوْ جِهَةِ اليَمِينِ الَّتِي فِيها السُّعَداءُ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ القاشانِيُّ: يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] الآياتِ، إلى قَهْرِ النَّفْسِ بِتَكَلُّفِ الفَضائِلِ والتِزامِ سُلُوكِ طَرِيقِها واكْتِسابِها، حَتّى يَصِيرَ التَّطَبُّعُ طَبْعًا، ثُمَّ قالَ: فَإنَّ الإطْعامَ، خُصُوصًا وقْتَ شِدَّةِ الِاحْتِياجِ لِلْمُسْتَحِقِّ، الَّذِي هو وُضِعَ في مَوْضِعِهِ، مِن بابِ فَضِيلَةِ العِفَّةِ (p-٦١٦٥)بَلْ أفْضَلُ أنْواعِها، والإيمانُ مِن فَضِيلَةِ الحِكْمَةِ وأشْرَفِ أنْواعِها وأجَلِّها، وهو الإيمانُ العِلْمِيُّ اليَقِينِيُّ، والصَّبْرُ عَلى الشَّدائِدِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الشَّجاعَةِ؛ وأخَّرَهُ عَنِ الإيمانِ لِامْتِناعِ حُصُولِ فَضِيلَةِ الشَّجاعَةِ بِدُونِ اليَقِينِ. و(المَرْحَمَةُ) أيِ: التَّراحُمُ والتَّعاطُفُ مِن أفْضَلِ أنْواعِ العَدالَةِ، فانْظُرْ كَيْفَ عَدَّدَ أجْناسَ الفَضائِلِ الأرْبَعِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها كَمالُ النَّفْسِ. بَدَأ بِالعِفَّةِ الَّتِي هي أوْلى الفَضائِلِ، وعَبَّرَ عَنْها بِمُعْظَمِ أنْواعِها. وأخَصِّ خِصالِها الَّذِي هو السَّخاءُ، ثُمَّ أوْرَدَ الإيمانَ الَّذِي هو الأصْلُ والأساسُ. وجاءَ بِلَفْظَةِ "ثُمَّ" لِبُعْدِ مَرْتَبَتِهِ عَنِ الأُولى في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وعَبَّرَ عَنِ الحِكْمَةِ بِهِ لِكَوْنِهِ أُمَّ سائِرِ مَراتِبِها وأنْوَعَها.

ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ الصَّبْرَ لِامْتِناعِهِ بِدُونِ اليَقِينِ. وأخَّرَ العَدالَةَ الَّتِي هي نِهايَتُها. واسْتَغْنى بِذِكْرِ المَرْحَمَةِ، الَّتِي هي صِفَةُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سائِرِ أنْواعِها، كَما اسْتَغْنى بِذِكْرِ الصَّبْرِ عَنْ سائِرِ أنْواعِ الشَّجاعَةِ.

90:19–20Page 594

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ ١٩

But they who disbelieved in Our signs - those are the companions of the left.1

عَلَيۡهِمۡ نَارٞ مُّؤۡصَدَةُۢ ٢٠

Over them will be fire closed in.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩ - ٢٠ ] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ٢٠]

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: بِأدِلَّتِنا وأعْلامِنا مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِ الأنْفُسِ والآفاقِ، الَّتِي بِها يَرْتَقِي إلى مَعْرِفَةِ الصِّراطِ الَّتِي تَجِبُ الِاسْتِقامَةُ عَلَيْهِ في الِاعْتِقادِ والعَمَلِ ﴿هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ أيِ: الشُّؤْمِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أوْ جِهَةِ الشَّمالِ الَّتِي فِيها الأشْقِياءُ. وقالَ الإمامُ: أهْلُ اليَمِينِ، في لِسانِ الدِّينِ الإسْلامِيِّ، عُنْوانُ السُّعَداءِ. وأهْلُ الشَّمالِ عُنْوانُ الأشْقِياءِ.

﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ٢٠] أيْ: مُطْبَقَةٌ أبْوابُها، كِنايَةٌ عَنْ حَبْسِهِمُ المُخَلَّدِ فِيها، وسَدِّ سُبُلِ الخَلاصِ مِنها، أجارَنا اللَّهُ بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ مِنها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском