Al-QasimiAt‑Talaq · 65:1–5

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

الطلاق

At-Talaq

The Divorce · Medinan · 12 ayahs

65:1Page 558

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا ١

O Prophet, when you [Muslims] divorce women, divorce them for [the commencement of] their waiting period and keep count of the waiting period,1 and fear Allāh, your Lord. Do not turn them out of their [husbands'] houses, nor should they [themselves] leave [during that period] unless they are committing a clear immorality. And those are the limits [set by] Allāh. And whoever transgresses the limits of Allāh has certainly wronged himself. You know not; perhaps Allāh will bring about after that a [different] matter.2

(p-٥٨٢٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الطَّلاقِ

قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِبَيانِها كَيْفِيَّةَ الطَّلاقِ السُّنِّيِّ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى الطَّلاقِ مِنَ العِدَّةِ والنَّفَقَةِ والسُّكْنى.

وتُسَمّى سُورَةَ النِّساءِ القُصْرى. مَدَنِيَّةٌ. وآيُها اثْنَتا عَشْرَةَ:

(p-٥٨٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أيْ: في وقْتِها، وهو الطُّهْرُ. فاللّامُ لِلتَّأْقِيتِ.

قالَ النّاصِرُ: جُعِلَتِ العِدَّةُ، وإنْ كانَ في الأصْلِ مَصْدَرًا ظَرْفًا لِلطَّلاقِ المَأْمُورِ بِهِ. وكَثِيرًا ما تَسْتَعْمِلُ العَرَبُ المَصادِرَ ظَرْفًا مِثْلَ خُفُوقِ النَّجْمِ، ومَقْدِمِ الحاجِّ. وإذا كانَتِ العِدَّةُ ظَرْفًا لِلطَّلاقِ المَأْمُورِ بِهِ، وزَمانُهُ هو الطُّهْرُ، فَلِلطُّهْرِ عِدَّةٌ إذًا.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: إذا طَلَّقْتُمْ نِساءَكم فَطَلِّقُوهُنَّ لِطُهْرِهِنَّ الَّذِي يُحْصِينَهُ مِن عِدَّتِهِنَّ طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ. ولا تُطَلِّقُوهُنَّ بِحَيْضِهِنَّ الَّذِي لا يَعْتَدْدَنَّ بِهِ مِن قُرْئِهِنَّ.

ثُمَّ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: العِدَّةُ أنْ يُطْلِقَها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ، تَطْلِيقَةً واحِدَةً.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ومِن هُنا أخَذَ الفُقَهاءُ أحْكامَ الطَّلاقِ وقَسَّمُوهُ إلى: طَلاقِ سُنَّةٍ، وطَلاقِ بِدْعَةٍ، فَطَلاقُ السُّنَّةِ أنْ يُطَلِّقَها طاهِرَةً مِن غَيْرِ جِماعٍ، أوْ حامِلًا قَدِ اسْتَبانَ حَمْلُها. والبِدْعِيُّ هو أنْ يُطَلِّقَها في حالِ الحَيْضِ، أوْ في طُهْرٍ قَدْ جامَعَها فِيهِ، ولا يَدْرِي أحَمَلَتْ أمْ لا. وطَلاقٌ ثالِثٌ لا سُنَّةٌ فِيهِ ولا بِدْعَةٌ، وهو طَلاقُ الصَّغِيرَةِ والآيِسَةِ، وغَيْرِ المَدْخُولِ بِها، وسَيَأْتِي في التَّنْبِيهاتِ زِيادَةٌ عَلى هَذا.

(p-٥٨٣٠)﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ أيِ: اضْبُطُوها وأكْمِلُوها ثَلاثَةَ أقْراءٍ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ أيِ: اتَّقُوهُ في تَعَدِّي حُدُودِهِ في المُطَلَّقاتِ، فَلا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ الَّتِي كُنْتُمْ أسْكَنْتُمُوهُنَّ فِيها قَبْلَ الطَّلاقِ، غَضَبًا عَلَيْهِنَّ، وكَراهَةً لِمُساكَنَتِهِنَّ؛ لِأنَّ لَهُنَّ حَقَّ السُّكْنى، حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ.

﴿ولا يَخْرُجْنَ﴾ أيْ: بِاسْتِبْدادِهِنَّ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِنَّ.

قالَ النّاصِرُ: قَوْلُهُ تَعالى:

﴿واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ حَتّى كَأنَّهُ نُهِيَ عَنِ الإخْراجِ مَرَّتَيْنِ: مُنْدَرِجًا في العُمُومِ، ومُفْرَدًا بِالخُصُوصِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ أمْثالُهُ.

﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أيْ: فَإنَّهُنَّ يَخْرُجْنَ. و(الفاحِشَةُ) الزِّنا، أوْ أنْ تَبْذُوَ المُطَلَّقَةُ عَلى أهْلِها، أوْ هي كُلُّ أمْرٍ قَبِيحٍ تُعُدِّيَ فِيهِ حَدُّهُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الزِّنا والسَّرِقَةُ والبِذاءُ عَلى الأحْماءِ ونَحْوِها، والأخِيرُ مُخْتارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وُقُوفًا مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ الكَرِيمِ.

﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أيْ: بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ بِما أكْسَبَها مِنَ الوِزْرِ. أوْ أضَرَّ بِها بِما اكْتَسَبَتْ مِن قُوَّةِ النِّفارِ، وشِدَّةِ البُغْضَةِ الَّتِي قَدْ تَتَفاقَمُ فَتَعْسُرُ الرَّجْعَةُ، مَعَ أنَّ الأُولى تَخْفِيفُ الشَّنَآنِ، وتَلافِي الهِجْرانِ، وهو الأظْهَرُ؛ ولِذا قالَ سُبْحانَهُ:

﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وقَدْ قالُوا: إنَّ الأمْرَ الَّذِي يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعالى، أنْ يَقْلِبَ قَلْبَهُ عَمّا فَعَلَهُ بِالتَّعَدِّي إلى خِلافِهِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الظُّلْمُ عِبارَةً عَنْ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ يَلْحَقُهُ بِسَبَبِ تَعَدِّيهِ، ولا يُمْكِنُ تَدارُكُهُ، أوْ عَنْ مُطْلَقِ الضَّرَرِ الشّامِلِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ. ويُخَصُّ التَّعْلِيلُ بِالدُّنْيَوِيِّ لِكَوْنِ احْتِرازِ النّاسِ مِنهُ أشَدَّ، واهْتِمامُهم بِدَفْعِهِ أقْوى.

وقَوْلُهُ تَعالى:

﴿لا تَدْرِي﴾ خِطابٌ لِلْمُتَعَدِّي بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالزَّجْرِ عَنِ التَّعَدِّي، لا لِلنَّبِيِّ ﷺ، كَما تُوُهِّمَ؛ فالمَعْنى: ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ أضَرَّ بِنَفْسِهِ؛ فَإنَّكَ (p-٥٨٣١)لا تَدْرِي أيُّها المُتَعَدِّي عاقِبَةَ الأمْرِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ في قَلْبِكَ بَعْدَ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلْتَ مِنَ التَّعَدِّي، أمْرًا يَقْتَضِي خِلافَ ما فَعَلْتَهُ، فَيُبَدِّلَ بِبُغْضِها مَحَبَّةً، وبِالإعْراضِ عَنْها إقْبالًا إلَيْها، ويَتَسَنّى تَلافِيهِ رَجْعَةً، أوِ اسْتِئْنافَ نِكاحٍ. انْتَهى.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ في "الإكْلِيلِ": «فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ تَعالى:

﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ «بِأنْ تُطَلَّقَ في طُهْرٍ لَمْ يُجامِعْ فِيهِ»» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وفي لَفْظِ مُسْلِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ««فَطَلَّقُوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ»» فاسْتَدَلَّ الفُقَهاءُ بِذَلِكَ عَلى أنَّ طَلاقَ السُّنَّةِ ما ذُكِرَ، وأنَّ الطَّلاقَ في الحَيْضِ أوْ طُهْرٍ جُومِعَتْ فِيهِ بِدْعِيٌّ حَرامٌ. واسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِالآيَةِ عَلى عَدَمِ وُقُوعِهِ في الحَيْضِ.

الثّانِي: في "الإكْلِيلِ": في قَوْلِهِ تَعالى:

﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ وُجُوبُ السُّكْنى لَها ما دامَتْ في العِدَّةِ، وتَحْرِيمُ إخْراجِها أوْ خُرُوجِها ﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ كَسُوءِ الخُلُقِ، والبَذاءَةِ عَلى أحْمائِها. فَتَنْتَقِلُ.

الثّالِثُ: في "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى:

﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ مِن لَمْ يُوجِبِ السُّكْنى بِغَيْرِ الرَّجْعَةِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ قالَ: المُطَلَّقَةُ ثَلاثًا، والمُتَوَفّى عَنْها لا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ، لِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ فَما يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلاثِ.

الرّابِعُ: كَما قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: إذا اسْتَحالَ الوِفاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، ولَمْ يَبْقَ في الإمْكانِ (p-٥٨٣٢)إصْلاحٌ، وصَمَمَ الزَّوْجُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ وُجُودَ شَخْصَيْنِ مُتَنافِرَيِ الطِّباعِ مُتَباغِضَيْنِ، لا يَنْظُرُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ إلّا ويُحِسُّ في نَفْسِهِ بِالنُّفُورِ، وفي قَلْبِهِ بِالعَداوَةِ، يَسْعى كُلٌّ مِنهُما في أذى صاحِبِهِ -شَرٌّ وفَسادٌ يَجِبُ مَحْوُهُ وقَطْعُهُ. انْتَهى.

وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في "إغاثَةِ اللَّهْفانِ": إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا كانَ يُبْغِضُ الطَّلاقَ، لِما فِيهِ مِن كَسْرِ الزَّوْجَةِ، ومُوافَقَةِ رِضا عَدُوِّهِ إبْلِيسَ، حَيْثُ يَفْرَحُ بِمُفارَقَةِ طاعَةِ اللَّهِ بِالنِّكاحِ الَّذِي هو واجِبٌ أوْ مُسْتَحَبٌّ، وتَعْرِيضُ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِلْفُجُورِ والمَعْصِيَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَفاسِدِ الطَّلاقِ، وكانَ مَعَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلَيْهِ الزَّوْجُ أوِ الزَّوْجَةُ، وتَكُونُ المَصْلَحَةُ فِيهِ شَرْعُهُ عَلى وجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ المَصْلَحَةُ وتَنْدَفِعُ بِهِ المَفْسَدَةُ، وحَرَّمَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ الوَجْهِ، فَشَرَعَهُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ وأقْرَبِها لِمَصْلَحَةِ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، فَشَرَعَ لَهُ أنْ يُطَلِّقَها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ طَلْقَةً واحِدَةً، ثُمَّ يَدَعَها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، فَإنْ زالَ الشَّرُّ بَيْنَهُما، وحَصَلَتِ المُوافَقَةُ، كانَ لَهُ سَبِيلٌ إلى لَمِّ الشَّعَثِ، وإعادَةِ الفِراشِ كَما كانَ، وإلّا تَرَكَها حَتّى انْقَضَتْ عِدَّتُها، فَإنْ تَبِعَتْها نَفْسُهُ كانَ لَهُ سَبِيلٌ إلى خِطْبَتِها، وتَجْدِيدِ العَقْدِ عَلَيْها بِرِضاها، وإنْ لَمْ تَتْبَعْها نَفْسُهُ، تَرَكَها فَنَكَحَتْ مَن شاءَتْ.

وجَعَلَ العِدَّةَ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ لِيَطُولَ زَمَنُ المُهْلَةِ والِاخْتِيارِ، فَهَذا هو الَّذِي شَرَعَهُ وأذِنَ فِيهِ، ولَمْ يَأْذَنْ في إبانَتِها بَعْدَ الدُّخُولِ إلّا بِالتَّراضِي بِالفَسْخِ والِافْتِداءِ، فَإذا طَلَّقَها مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بَقِيَ لَهُ طَلْقَةٌ واحِدَةٌ. فَإذا طَلَّقَها الثّالِثَةَ حَرَّمَها عَلَيْهِ، عُقُوبَةً لَهُ، ولَمْ يَحِلَّ لَهُ أنْ يَنْكِحَها حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، ويَدْخُلَ بِها ثُمَّ يُفارِقَها بِمَوْتٍ أوْ طَلاقٍ. فَإذا عَلِمَ أنَّ حَبِيبَهُ يَصِيرُ إلى غَيْرِهِ، فَيَحْظى بِهِ دُونَهُ، أمْسَكَ عَنِ الطَّلاقِ. انْتَهى.

ومَباحِثُ الطَّلاقِ وفُرُوعُهُ تَجْدُرُ مُراجَعَتُها مِن "إغاثَةِ اللَّهْفانِ" و"زادِ المَعادِ" لِابْنِ القَيِّمِ، و"فَتاوِي ابْنِ تَيْمِيَةَ" شَيْخِهِ. ومَن لَمْ يَقِفْ عَلى ما حَرَّراهُ وجاهَدا في الصَّدْعِ بِهِ، فاتَهُ عِلْمٌ غَزِيرٌ، وفُرْقانٌ مُنِيرٌ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

(p-٥٨٣٣)الخامِسُ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآياتِ مَن قالَ: إنَّ جَمْعَ الطَّلاقِ في دُفْعَةٍ واحِدَةٍ غَيْرُ مَشْرُوعٍ. قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "إغاثَةِ اللَّهْفانِ": ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى إنَّما شَرَعَ أنْ تُطَلَّقَ لِعِدَّتِها، أيْ: لِاسْتِقْبالِ عِدَّتِها، فَيُطَلِّقُ طَلاقًا يَتَعَقَّبُهُ شُرُوعُها في العِدَّةِ، ولِهَذا ««أمَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، لَمّا طَلَّقَ امْرَأتَهُ، أنَّ يُراجِعَها، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ تَفْسِيرًا لِلْمُرادِ بِها»»، وأنَّ المُرادَ بِها الطَّلاقُ في قُبُلِ العِدَّةِ. وكَذَلِكَ كانَ يَقْرَؤُها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ولِهَذا قالَ كُلُّ مَن قالَ بِتَحْرِيمِ جَمْعِ الثَّلاثِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يُرْدِفَ الطَّلْقَةَ بِأُخْرى في ذَلِكَ الطُّهْرِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُطَلِّقٍ لِلْعِدَّةِ، فَإنَّ العِدَّةَ قَدِ اسْتُقْبِلَتْ مِن حِينِ الطَّلْقَةِ الأُولى، فَلا تَكُونُ الثّانِيَةُ لِلْعِدَّةِ، فَلا يَكُونُ مَأْذُونًا فِيها، فَإنَّ العِدَّةَ إنَّما تُحْسَبُ مِنَ الطَّلْقَةِ الأُولى؛ لِأنَّها طَلاقٌ لِلْعِدَّةِ بِخِلافِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ. ومَن جَعَلَهُ مَشْرُوعًا قالَ: هو الطَّلاقُ لِتَمامِ العِدَّةِ، والطَّلاقُ لِتَمامِها كالطَّلاقِ لِاسْتِقْبالِها، وكِلاهُما طَلاقٌ لِلْعِدَّةِ. وأصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ يَقُولُونَ: المُرادُ بِالطَّلاقِ لِلْعِدَّةِ الطَّلاقُ لِاسْتِقْبالِها، كَما في القِراءَةِ الأُخْرى الَّتِي تُفَسِّرُ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ: "فَطَلِّقُوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ" قالُوا: فَإذا لَمْ يُشْرَعْ إرْدافُ الطَّلاقِ لِلطَّلاقِ، قَبْلَ الرَّجْعَةِ، أوِ العَقْدِ، فَأنْ لا يُشْرَعَ جَمْعُهُ مَعَهُ أوْلى وأحْرى. فَإرْدافُ الطَّلاقِ أسْهَلُ مِن جَمْعِهِ، ولِهَذا شَرَعَ الإرْدافَ في الأطْهارِ مَن لا يُجَوِّزُ الجَمْعَ في الطُّهْرِ الواحِدِ.

وقَدِ احْتَجَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ عَلى تَحْرِيمِ جَمْعِ الثَّلاثِ بِهَذِهِ الآيَةِ. قالَ مُجاهِدٌ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، فَسَكَتَ حَتّى ظَنَنْتُ أنَّهُ رادُّها. ثُمَّ قالَ: يَنْطَلِقُ أحَدُكم فَيَرْكَبُ الأُحْمُوقَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا ابْنَ عَبّاسٍ ! وإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] فَما أجِدُ لَكَ مَخْرَجًا، عَصَيْتَ رَبَّكَ، وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ، وإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ. وهَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ فَفَهِمَ ابْنُ عَبّاسٍ مِنَ الآيَةِ أنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ مُحَرَّمٌ، وهَذا فَهْمُ مَن دَعا لَهُ (p-٥٨٣٤)النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُفَقِّهَهُ في الدِّينِ، ويُعَلِّمَهُ التَّأْوِيلَ، وهو مِن أحْسَنِ الفُهُومِ كَما تَقَرَّرَ.

الوَجْهُ الثّانِي: مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى:

﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ﴾ وهَذا هو إنَّما في الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ، فَأمّا البائِنُ فَلا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ، لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لا يُطْعَنُ في صِحَّتِها، الصَّرِيحَةِ الَّتِي لا شُبْهَةَ في دَلالَتِها، فَدَلَّ عَلى أنَّ هَذا حُكْمُ كُلِّ طَلاقٍ شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى، ما لَمْ تَسْبِقْهُ طَلْقَتانِ قَبْلَهُ؛ ولِهَذا قالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ لا يُشْرَعُ لَهُ، ولا يَمْلِكُ إبانَتَها بِطَلْقَةٍ واحِدَةٍ بِدُونِ العِوَضِ. وأبُو حَنِيفَةَ قالَ: يَمْلِكُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الرَّجْعَةَ حَقُّهُ، وقَدْ أسْقَطَها. والجُمْهُورُ يَقُولُونَ: ثُبُوتُ الرَّجْعَةِ، وإنْ كانَ حَقًّا لَهُ، فَلَها عَلَيْهِ حُقُوقُ الزَّوْجِيَّةِ فَلا يَمْلِكُ إسْقاطَها إلّا بِمُخالَعَةٍ، أوْ بِاسْتِيفاءِ العَدَدِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ:

﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ فَإذا طَلَّقَها ثَلاثًا جُمْلَةً واحِدَةً، فَقَدْ تَعَدّى حُدُودَ اللَّهِ فَيَكُونُ ظالِمًا.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ:

﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ وقَدْ فَهِمَ أعْلَمُ الأُمَّةِ بِالقُرْآنِ، وهُمُ الصَّحابَةُ، أنَّ الأمْرَ هُنا هو الرَّجْعَةُ. قالُوا: وأيُّ أمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلاثِ؟

الوَجْهُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] فَهَذا حُكْمُ كُلِّ طَلاقٍ شَرَعَهُ، إلّا أنْ يُسْبَقَ بِطَلْقَتَيْنِ قَبْلَهُ. وقَدِ احْتَجَّ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى تَحْرِيمِ جَمْعِ الثَّلاثِ بِقَوْلِهِ تَعالى:

"يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ ". كَما تَقَدَّمَ، وهَذا حَقٌّ؛ فَإنَّ الآيَةَ إذا دَلَّتْ عَلى مَنعِ إرْدافِ الطَّلاقِ في طُهْرٍ أوْ أطْهارٍ، قَبْلَ رَجْعَةٍ أوْ عَقْدٍ -كَما تَقَدَّمَ- لِأنَّهُ يَكُونُ مُطَلِّقًا في غَيْرِ قُبُلِ العِدَّةِ -فَلَأنْ تَدُلَّ عَلى تَحْرِيمِ الجَمْعِ، أوْلى وأحْرى.

قالُوا: واللَّهُ سُبْحانَهُ شَرَعَ الطَّلاقَ عَلى أيْسَرِ الوُجُوهِ وأرْفَقِها بِالزَّوْجِ والزَّوْجَةِ؛ لِئَلّا يَتَسارَعُ العَبْدُ في وُقُوعِهِ ومُفارَقَةِ حَبِيبِهِ، وقَدْ وقَّتَ لِلْعِدَّةِ أجَلًا لِاسْتِدْراكِ ألْفاظِهِ بِالرَّجْعَةِ، (p-٥٨٣٥)فَلَمْ يُبِحْ لَهُ أنْ يُطَلِّقَ المَرْأةَ في حالِ حَيْضِها؛ لِأنَّهُ وقْتُ نُفْرَتِهِ عَنْها، وعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى اسْتِمْتاعِهِ بِها، ولا عَقِيبَ جِماعِها؛ لِأنَّهُ قَدْ قَضى غَرَضَهُ مِنها، ورُبَّما فَتَرَتْ رَغْبَتُهُ فِيها، ويَزْهَدُ في إمْساكِها لِقَضاءِ وطَرِهِ، فَإذا طَلَّقَها في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ رُبَّما يَنْدَمُ بَعْدَ هَذا، مَعَ ما في الطَّلاقِ مِن تَطْوِيلِ العِدَّةِ، وعَقِيبَ الجِماعِ مِن بَعْلِها؛ لِأنَّهُ رُبَّما قَدِ اشْتَمَلَ رَحِمُها عَلى ولَدٍ مِنهُ، فَلا يُرِيدُ فِراقَها. فَأمّا إذا حاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ، فَنَفْسُهُ تَتُوقُ إلَيْها، لِطُولِ عَهْدِهِ بِجِماعِهِ، فَلا يُقْدِمُ عَلى طَلاقِها في هَذِهِ الحالَةِ إلّا لِحاجَةٍ إلَيْهِ؛ فَلَمْ يُبِحْ لَهُ الشّارِعُ أنْ يُطَلِّقَها إلّا في هَذِهِ الحالِ، أوْ في حالِ اسْتِبانَةِ حَمْلِها؛ لِأنَّ إقْدامَهُ أيْضًا عَلى طَلاقِها في هَذِهِ الحالِ دَلِيلٌ عَلى حاجَتِهِ إلى الطَّلاقِ، وقَدْ أكَّدَ النَّبِيُّ ﷺ هَذا بِمَنعِهِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنْ يُطَلِّقَ في الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الحَيْضَةَ الَّتِي طَلَّقَ فِيها، بَلْ أمَرَهُ أنْ يُراجِعَها حَتّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، إنْ بَدا لَهُ أنْ يُطَلِّقَها فَيُطَلِّقَها. وفي ذَلِكَ عِدَّةُ حِكَمٍ:

مِنها: أنَّ الطُّهْرَ المُتَّصِلَ بِالحَيْضَةِ، هو وهي حُكْمُ القُرْءِ الواحِدِ، فَإذا طَلَّقَها في ذَلِكَ الطُّهْرِ، فَكَأنَّهُ طَلَّقَها في الحَيْضَةِ، لِاتِّصالِهِ بِها، وكَوْنِهِ مَعَها، كالشَّيْءِ الواحِدِ.

الثّانِيَةُ: أنَّهُ لَوْ أذِنَ لَهُ في طَلاقِها في ذَلِكَ الطُّهْرِ، فَيَصِيرُ كَأنَّهُ راجِعٌ لِأجْلِ الطَّلاقِ، وهَذا ضِدُّ مَقْصُودِ الرَّجْعَةِ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما شَرَعَها لِلْإمْساكِ ولِمَنفَعَةِ النِّكاحِ، وعَوْدِ الفِراشِ، فَلا يَكُونُ لِأجْلِ الطَّلاقِ، فَيَكُونُ كَأنَّهُ راجَعَ لِيُطَلِّقَ. وإنَّما شُرِعَتِ الرَّجْعَةُ لِيُمْسِكَ. وبِهَذا بِعَيْنِهِ أبْطَلْنا نِكاحَ المُحَلِّلِ؛ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى شَرَعَ النِّكاحَ لِلْإمْساكِ والمُعاشَرَةِ، والمُحَلِّلُ تَزَوَّجَ لِيُطَلِّقَ، فَهو مُضادٌّ لِلَّهِ تَعالى في شَرْعِهِ ودِينِهِ.

الثّالِثَةُ: إنَّهُ إذا صَبَرَ عَلَيْها حَتّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، زالَ ما في نَفْسِهِ مِنَ الغَضَبِ الحامِلِ لَهُ عَلى الطَّلاقِ، ورُبَّما صَلَحَتِ الحالُ بَيْنَهُما، وأقْلَعَتْ عَمّا يَدْعُوهُ إلى الطَّلاقِ، فَيَكُونُ تَطْوِيلُ هَذِهِ المُدَّةِ رَحْمَةً بِهِ وبِها. وإذا كانَ الشّارِعُ مُلْتَفِتًا إلى مِثْلِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ عَلى الزَّوْجِ، وشَرَعَ الطَّلاقَ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي هو أبْعَدُ شَيْءٍ عَنِ النَّدَمِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ (p-٥٨٣٦)بِشَرْعِهِ أنْ يَشْرَعَ إبانَتَها وتَحْرِيمَها عَلَيْهِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَجْمَعُ فِيها ما شَرَعَهُ مُتَفَرِّقًا، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهُ سَبِيلٌ إلَيْها. وكَيْفَ يَجْتَمِعُ في حِكْمَةِ الشّارِعِ، وحِكْمَةِ هَذا وهَذا؟ فَهَذِهِ الوُجُوهُ ونَحْوَها مِمّا بَيَّنَ بِها الجُمْهُورُ أنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، هي بِعَيْنِها تُعَيِّنُ عَدَمَ الوُقُوعِ، وأنَّهُ إنَّما يَقَعُ المَشْرُوعُ وحْدَهُ، وهي الواحِدَةُ.

65:2Page 558

فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢

And when they have [nearly] fulfilled their term, either retain them according to acceptable terms or part with them according to acceptable terms. And bring to witness two just men from among you and establish the testimony for [the acceptance of] Allāh. That is instructed to whoever should believe in Allāh and the Last Day. And whoever fears Allāh - He will make for him a way out1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢] ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾

﴿فَإذا بَلَغْنَ﴾ أيِ: المُطَلَّقاتُ اللَّواتِي في عِدَّةٍ ﴿أجَلَهُنَّ﴾ يَعْنِي آخِرَ العِدَّةِ. أيْ: إذا قَرُبَ انْقِضاؤُهُ وشارَفْنَهُ ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ: فَراجِعُوهُنَّ بِما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الحُقُوقِ الَّتِي أوْجَبَها اللَّهُ لَهُنَّ مِنَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ والمَسْكَنِ وحُسْنِ الصُّحْبَةِ ﴿أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أيِ: اتْرُكُوهُنَّ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَدُهُنَّ فَيَبِنَّ مِنكم بِمَعْرُوفٍ، وهو إيفاؤُهُنَّ ما لَهُنَّ مِن حَقٍّ، كالصَّداقِ والمُتْعَةِ، عَلى ما أوْجَبَ عَلَيْهِ لَهُنَّ.

﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ: أشْهِدُوا عِنْدَ الرَّجْعَةِ والفُرْقَةِ مَن يُرْضى دِينُهُما وأمانَتُهُما.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَإنْ راجَعَها فَهي عِنْدُهُ عَلى تَطْلِيقَتَيْنِ، وإنْ لَمْ يُراجِعْها، فَإذا انْقَضَتْ عِدَّتُها فَقَدْ بانَتْ مِنهُ بِواحِدَةٍ، وهي أمْلَكُ بِنَفْسِها، ثُمَّ تَتَزَوَّجُ مَن شاءَتْ هو أوْ غَيْرُهُ.

وهَذا الإشْهادُ عَلى المُراجَعَةِ والطَّلاقِ مَندُوبٌ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى وُجُوبِهِ عَلَيْهِما، ومِنهم مَن فَرَّقَ بَيْنَ المُراجَعَةِ فَأوْجَبَهُ فِيها وبَيَّنَ الطَّلاقَ فاسْتَحَبَّهُ. وظاهِرُ الأمْرِ في الآيَةِ الوُجُوبُ فِيهِما، والتَّرْجِيحُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِدَلِيلٍ مُرَجِّحٍ. ومِمّا يُؤَيِّدُ الوُجُوبَ أنَّ الأوامِرَ في الآيَةِ كُلِّها، قَبْلُ وبَعْدُ، لِلْوُجُوبِ إجْماعًا، ولا دَلِيلَ يَصْرِفُ الأمْرَ بِالإشْهادِ عَنْ ظاهِرِهِ، فَبَقِيَ (p-٥٨٣٧)كَسابِقِهِ ولاحِقِهِ، وإنْ كانَ القُرْآنُ لا يُفِيدُ المُشارَكَةَ في الحُكْمِ، إلّا أنَّهُ عاضِدٌ ومُؤَيِّدٌ، إذا لَمْ يُوجَدْ صارِفٌ. ثُمَّ الأمْرُ بِالإشْهادِ عِنْدَ الطَّلاقِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَلِفَ بِالطَّلاقِ، أوْ تَعْلِيقِ وُقُوعِهِ بِأمْرٍ كُلُّهُ مِمّا لا يُعَدُّ طَلاقًا في الشَّرْعِ؛ لِأنَّ ما طُلِبَ فِيهِ الإشْهادُ، لا بُدَّ أنْ يَنْوِيَ فِيهِ إيقاعَهُ ويَعْزِمَ عَلَيْهِ ويَتَهَيَّأ لَهُ، وجَدِيرٌ بِعِصْمَةٍ يَنْوِي حَلَّها، وكانَتْ مَعْقُودَةً أوْثَقَ عَقْدٍ، أنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ، بَعْدَ أنْ يَسْبِقَها مُراجَعَةٌ مِن حَكَمَيْنِ مِن قِبَلِ الزَّوْجَيْنِ، كَما أشارَتْ إلَيْهِ آيَةُ الحُكْمِ؛ فَلْيُتَدَبَّرِ الطَّلاقُ المَشْرُوعُ، والطَّلاقُ المُبْتَدَعُ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِيلَ: فائِدَةُ الإشْهادِ أنْ لا يَقَعَ بَيْنَهُما التَّجاحُدُ، وأنْ لا يُتَّهَمُ في إمْساكِها، ولِئَلّا يَمُوتَ أحَدُهُما فَيَدَّعِي الباقِي ثُبُوتَ الزَّوْجِيَّةِ لِيَرِثَ.

﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ أيْ: لِوَجْهِهِ خالِصًا؛ وذَلِكَ أنْ يُقِيمُوها لا لِلْمَشْهُودِ لَهُ، ولا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، ولا لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، سِوى إقامَةِ الحَقِّ، ودَفْعِ الظُّلْمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى:

﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] انْتَهى.

وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى حَظْرِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى أداءِ الشَّهادَةِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَإنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو الحَثُّ عَلى إقامَةِ الشَّهادَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ، ولِأجْلِ القِيامِ بِالقِسْطِ، ويُحْتَمِلُ عَوْدُهُ عَلى جَمِيعِ ما في الآيَةِ.

﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾

65:3Page 558

وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا ٣

And will provide for him from where he does not expect. And whoever relies upon Allāh - then He is sufficient for him. Indeed, Allāh will accomplish His purpose. Allāh has already set for everything a [decreed] extent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣] ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾

﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً مُؤَكِّدَةً لِما سَبَقَ مِن إجْراءِ أمْرِ الطَّلاقِ عَلى السُّنَّةِ، وطَرِيقِهِ الأحْسَنِ، والأبْعَدِ مِنَ النَّدَمِ.

(p-٥٨٣٨)ويَكُونُ المَعْنى: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ فَطَلَّقَ لِلسُّنَّةِ، ولَمْ يُضارِّ المُعْتَدَّةَ، ولَمْ يُخْرِجْها مِن مَسْكَنِها، واحْتاطَ فَأشْهَدَ، يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا مِمّا في شَأْنِ الأزْواجِ مِنَ الغُمُومِ، والوُقُوعِ في المَضايِقِ، ويُفَرِّجُ عَنْهُ ويُنَفِّسُ، ويُعْطِهِ الخَلاصَ، ويَرْزُقْهُ مِن وجْهٍ لا يُخْطِرُهُ بِبالِهِ ولا يَحْسَبُهُ، إنْ أوْفى المَهْرَ وأدّى الحُقُوقَ والنَّفَقاتِ، وقَلَّ مالُهُ، ويَجُوزُ أنْ يُجاءَ بِها عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ﴾ [الطلاق: ٢] يَعْنِي: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ومَخْلِصًا مِن غُمُومِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. انْتَهى.

تَنْبِيهٌ:

قالَ ابْنُ الفَرَسِ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى الآيَةِ في الطَّلاقِ أيْ: مَن لا يَتَعَدّى طَلاقَ السُّنَّةِ إلى طَلاقِ الثَّلاثِ يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا إنْ نَدِمَ في الرَّجْعَةِ. قالَ: وهَذا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى تَحْرِيمِ جَمْعِ الثَّلاثِ، وأنَّها إذا جُمِعَتْ وقَعَتْ، نَقَلَهُ في "الإكْلِيلِ".

وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في "الإغاثَةِ": اعْلَمْ أنَّهُ مَنِ اتَّقى اللَّهَ في طَلاقِهِ، فَطَلَّقَ كَما أمَرَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وشَرَعَهُ لَهُ، أغْناهُ مِنَ الحِيَلِ كُلِّها؛ ولِهَذا قالَ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حُكْمَ الطَّلاقِ المَشْرُوعِ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] فَلَوِ اتَّقى اللَّهَ عامَّةُ المُطَلِّقِينَ لاسْتَغْنَوْا بِتَقْواهُ عَنِ الآصارِ والأغْلالِ، والمَكْرِ والِاحْتِيالِ؛ فَإنَّ الطَّلاقَ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ: أنْ يُطَلِّقَها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ، ويُطَلِّقَها واحِدَةً، ثُمَّ يَدَعَها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، فَإنْ بَدا لَهُ أنْ يُمْسِكَها في العِدَّةِ أمْسَكَها. وإنْ لَمْ يُراجِعْها حَتّى انْقَضَتْ عِدَّتُها أمْكَنَهُ أنْ يَسْتَقْبِلَ العَقْدَ عَلَيْها مِن غَيْرِ زَوْجٍ آخَرَ. وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ لَمْ يَضُرَّهُ أنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ غَيْرِهِ، فَمَن فَعَلَ هَذا لَمْ يَنْدَمْ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى حِيلَةٍ ولا تَحْلِيلٍ؛ ولِهَذا سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ مِائَةً فَقالَ: عَصَيْتَ رَبَّكَ، وفارَقْتَ امْرَأتَكَ، لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَلْ لَكَ مَخْرَجًا.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: إنِّي طَلَّقْتُ امْرَأتِي ألْفًا. فَقالَ: أمّا ثَلاثٌ، فَتَحْرُمُ عَلَيْكَ امْرَأتُكَ، وبَقِيَّتُهُنَّ وِزْرٌ، اتَّخَذْتَ آياتِ اللَّهِ هُزُؤًا.

قالَ مُجاهِدٌ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، فَسَكَتَ (p-٥٨٣٩)حَتّى ظَنَنْتُ أنَّهُ رادُّها إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: يَنْطَلِقُ أحَدُكم فَيَرْكَبُ الأُحْمُوقَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا ابْنَ عَبّاسٍ ! وإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] وإنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَلا أجِدُ لَكَ مَخْرَجًا، عَصَيْتَ رَبَّكَ، وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ، ذَكَرَهُ أبُو داوُدَ. والبَحْثُ طَوِيلُ الذَّيْلِ لا يُسْتَغْنى عَنْ مُراجَعَتِهِ.

﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ أيْ: مَن يَتَوَكَّلْ عَلى ما شَرَعَهُ، ويُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى ما جَعَلَهُ المَخْرَجَ؛ لِأنَّهُ لا دَواءَ أنْجَعُ مِنهُ ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ قُرِئَ بِالإضافَةِ، أيْ: يَبْلُغُ ما أرادَ مِن أمْرِهِ، فَمَن تَيَقَّنَ فَوَّضَ أمْرَهُ إلَيْهِ، وعَوَّلَ عَلَيْهِ. وقُرِئَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ أيْ: تامُّ وكامِلُ أمْرِهِ وحُكْمِهِ وشَرْعِهِ، لِما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والرَّحْمَةِ ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أيْ: حَدًّا وتَقْدِيرًا، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ. ومِنهُ تَقْدِيرُهُ ما قُدِّرَ في أمْرِ الطَّلاقِ، مِمّا بَيَّنَهُ في شَأْنِهِ وتَوْقِيتِهِ، مَعْرِفَةُ المَخْرَجِ مِنهُ.

65:4Page 558

وَٱلَّٰٓـِٔي يَئِسۡنَ مِنَ ٱلۡمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمۡ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشۡهُرٖ وَٱلَّٰٓـِٔي لَمۡ يَحِضۡنَۚ وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا ٤

And those who no longer expect menstruation among your women - if you doubt, then their period is three months, and [also for] those who have not menstruated. And for those who are pregnant, their term is until they give birth.1 And whoever fears Allāh - He will make for him of his matter ease.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤] ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾

﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أيْ: أشْكَلَ عَلَيْكم حُكْمُهُنَّ، أوْ شَكَكْتُمْ في الدَّمِ الَّذِي يَظْهَرُ مِنهُنَّ لِكِبَرِهِنَّ، أمِنَ الحَيْضِ أوْ هو مِنَ الِاسْتِحاضَةِ؟ ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أيْ: مِنَ الجَوارِي لِصِغَرِهِنَّ إذا طَلَّقَهُنَّ أزْواجُهُنَّ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَعُدْتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ. فَحُذِفَ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ﴾ (p-٥٨٤٠)فِي انْقِضاءِ عِدَدِهِنَّ ﴿أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أيْ: ما في بَطْنِهِنَّ. والآيَةُ عامَّةٌ في المُطَلَّقاتِ والمُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ.

ويُرْوى عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الآيَةَ خاصَّةٌ في المُطَلَّقاتِ. وأمّا المُتَوَفّى عَنْها فَعِدَّتُها آخِرُ الأجَلَيْنِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّوابُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ أُولاتِ الأحْمالِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَمَّ القَوْلَ بِذَلِكَ، ولَمْ يُخَصَّصِ الخَبَرَ عَنْ مُطَلَّقَةٍ دُونَ مُتَوَفًّى عَنْها.

فَإنْ قِيلَ: إنَّ سِياقَ الخَبَرِ في أحْكامِ المُطَلَّقاتِ. يُجابُ: بِأنَّ نَظْمَها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ عَنْ أحْكامِ عَدَدِ جَمِيعِ أُولاتِ الأحْمالِ، المُطَلَّقاتِ وغَيْرِ المُطَلَّقاتِ.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنْ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةَ وضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِها بِأرْبَعِينَ لَيْلَةً فَخُطِبَتْ، «فَأنْكَحَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» وكانَ أبُو السَّنابِلِ فِيمَن خَطَبَها».

﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ أيْ: فَلَمْ يُخالِفْ إذْنَهُ في طَلاقِ امْرَأتِهِ ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ وهو تَسْهِيلُ الرَّجْعَةِ ما دامَتْ في عِدَّتِها، والقُدْرَةُ عَلى خِطْبَتِها، إنِ انْقَضَتْ ودَعَتْهُ إلَيْها بِسَبَبِ التَّقْوى.

65:5Page 558

ذَٰلِكَ أَمۡرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا ٥

That is the command of Allāh, which He has sent down to you; and whoever fears Allāh - He will remove for him his misdeeds and make great for him his reward.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥] ﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ أنْـزَلَهُ إلَيْكم ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن حُكْمِ الطَّلاقِ والرَّجْعَةِ والعِدَّةِ ﴿أمْرُ اللَّهِ أنْـزَلَهُ إلَيْكُمْ﴾ (p-٥٨٤١)أيْ: لِتَأْتَمِرُوا لَهُ وتَعْمَلُوا بِهِ ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ أيْ: بِالمُضاعَفَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском