Al-QasimiAt‑Tawbah · 9:5–15

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:5–15

9:5Page 187

فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥

And when the inviolable months1 have passed, then kill the polytheists wherever you find them and capture them and besiege them and sit in wait for them at every place of ambush. But if they should repent, establish prayer, and give zakāh, let them [go] on their way. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

(p-٣٠٧٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥ ] ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿فَإذا انْسَلَخَ﴾ أيِ: انْقَضى ﴿الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ أيِ: الَّتِي أُبِيحَ لِلَّذِينِ عُوهِدُوا فِيها أنْ يَسِيحُوا في الأرْضِ، وحَرُمَ فِيها قِتالُهم ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: مِن حِلٍّ أوْ حَرَمٍ - كَذا قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ - .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا عامٌّ، والمَشْهُورُ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ الحَرَمِ، لِتَحْرِيمِ القِتالِ فِيهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]

﴿وخُذُوهُمْ﴾ أيِ: ائْسِرُوهم ﴿واحْصُرُوهُمْ﴾ أيِ: احْبِسُوهم في المَكانِ الَّذِي هم فِيهِ، لِئَلّا يَتَبَسَّطُوا في سائِرِ البِلادِ ﴿واقْعُدُوا لَهُمْ﴾ أيْ: لِقِتالِهِمْ، ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ ومَمَرٍّ ﴿فَإنْ تابُوا﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ أيْ: فاتْرُكُوا التَّعَرُّضَ لَهم ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: يَغْفِرُ لَهم ما سَلَفَ مِنَ الكُفْرِ والغَدْرِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُرادَ (بِالأشْهُرِ الحُرُمِ) أشْهَرُ العَهْدِ، هو الَّذِي اخْتارَهُ الأكْثَرُونَ.

سَمّاها (حُرُمًا) لِتَحْرِيمِ قِتالِ المُشْرِكِينَ فِيها ودِمائِهِمْ، فالألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى وصْفِها بِالحُرْمَةِ، تَأْكِيدًا لِما يُنْبِئُ عَنْهُ إباحَةُ السِّياحَةِ مِن حُرْمَةِ التَّعَرُّضِ لَهم، مَعَ ما فِيهِ مِن مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِها.

وقِيلَ: المُرادُ (بِالأشْهُرِ الحُرُمِ): رَجَبٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-٣٠٧٣)والضَّحّاكِ والباقِرِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، لِأنَّهُ يَأْباهُ تَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ (بِالفاءِ)، فَهو مُخالِفٌ لِلسِّياقِ الَّذِي يَقْتَضِي تَوالِيَ هَذِهِ الأشْهُرِ.

قالَ ابْنُ القَيِّمِ: ﴿الحُرُمُ﴾ هاهُنا هي أشْهَرُ التَّسْيِيرِ أوَّلُها يَوْمُ الأذانِ، وهو اليَوْمُ العاشِرُ مِن ذِي الحِجَّةِ، وهو يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ، الَّذِي وقَعَ فِيهِ التَّأْذِينُ بِذَلِكَ، وآخِرُها العاشِرُ مِن رَبِيعٍ الآخَرِ. ولَيْسَتْ هي الأرْبَعَةَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] فَإنَّ تِلْكَ واحِدٌ فَرْدٌ هو رَجَبٌ، وثَلاثَةٌ سَرْدٌ وهي ذُو القِعْدَةِ وتالِياهُ.

ولَمْ يُسَيِّرِ المُشْرِكِينَ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ، فَإنَّ هَذا لا يُمْكِنُ، لِأنَّها غَيْرُ مُتَوالِيَةٍ، وهو إنَّما أجَّلَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، ثُمَّ أمَرَهُ بَعْدَ انْسِلاخِها أنْ يُقاتِلَهُمُ. انْتَهى.

وقالُوا: يَلْزَمُ عَلى هَذا بَقاءُ حُرْمَةِ تِلْكَ الأشْهُرِ، وتَكَلُّفُ الجَوابِ بِنَسْخِها، إمّا بِانْعِقادِ الإجْماعِ عَلَيْهِ، أوْ بِما صَحَّ مِن أنَّهُ ﷺ حاصَرَ الطّائِفَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنَ المُحَرَّمِ، مَعَ أنَّ هَذا الإجْماعَ كَلامًا، وقَدْ خالَفَ بَعْضُهم في بَقاءِ حُرْمَتِها، إلّا أنَّهم لَمْ يَعْتَدُّوا بِهِ كَما قالَهُ في (" العِنايَةِ ") .

وفِيها: إنَّ لَكَ أنْ تَقُولَ: مَنعُ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ في تِلْكَ السَّنَةِ، لا يَقْتَضِي مَنعَهُ في كُلِّ ما شابَهَها، بَلْ هو مَسْكُوتٌ عَنْهُ، فَلا يُخالِفُ الإجْماعَ، ويَكُونُ حِلُّهُ مَعْلُومًا مِن دَلِيلٍ آخَرَ.

وأقُولُ: يَظْهَرُ لِي هَذا الثّانِي وأنَّ المُرادَ بِالأرْبَعَةِ الأشْهَرِ هي المَعْرُوفَةُ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ هي هَذِهِ الأرْبَعَةُ، لِأنَّها حَيْثُما أُطْلِقَتْ في التَّنْزِيلِ لا تَنْصَرِفُ إلّا إلَيْها، فَصَرْفُها إلى غَيْرِها يَحْتاجُ إلى بُرْهانٍ قاطِعٍ.

قالَ في (" فَتْحِ البَيانِ "): ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا وُجُوبُ الإمْساكِ عَنْ قِتالِ مَن لا عَهْدَ لَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ في هَذِهِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وقَدْ وقَعَ النِّداءُ والنَّبْذُ إلى المُشْرِكِينَ بِعَهْدِهِمْ يَوْمَ (p-٣٠٧٤)النَّحْرِ، فَكانَ الباقِي مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ الَّتِي هي الثَّلاثَةُ المَسْرُودَةُ، خَمْسِينَ يَوْمًا، تَنْقَضِي بِانْقِضاءِ شَهْرِ المُحَرَّمِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ يُوجَدُونَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. انْتَهى.

ولا يُقالُ: إنَّ الباقِيَ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ ثَمانُونَ يَوْمًا، إذِ الحَجُّ في تِلْكَ السَّنَةِ كانَ في العاشِرِ مِن ذِي القِعْدَةِ، بِسَبَبِ النَّسِيءِ، ثُمَّ صارَ في السَّنَةِ المُقْبِلَةِ في العاشِرِ مِن ذِي الحِجَّةِ، وفِيها حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ««إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ»» الحَدِيثَ، لِأنّا نَقُولُ: كانَ ذُو القِعْدَةِ عامَئِذٍ هو ذا الحِجَّةِ بِحِسابِهِمْ، لا في الواقِعِ، وكَذَلِكَ ذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، فَعُومِلُوا بِحِسابِهِمْ.

الثّانِي: قالَ السُّيُوطِيُّ في (" الإكْلِيلِ ") في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ هَذِهِ آيَةُ السَّيْفِ النّاسِخَةُ لِآياتِ العَفْوِ والصَّفْحِ والإعْراضِ والمُسالَمَةِ. انْتَهى.

ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ مُحَمَّدٍ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [محمد: ٤]

ورَدَّهُ الحاكِمُ بِأنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّ بَراءَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ مُحَمَّدٍ، ومُقْتَضى كَلامِ الحاكِمِ، أنَّها لا ناسِخَةٌ ولا مَنسُوخَةٌ، قالَ: لِأنَّ الجَمْعَ مِن غَيْرِ مُنافاةٍ مُمْكِنٌ، فَحَيْثُ ورَدَ في القُرْآنِ ذِكْرُ الإعْراضِ، فالمُرادُ بِهِ إعْراضُ إنْكارٍ، لا تَقْرِيرٍ، وأمّا الأسْرُ والفِداءُ، فالمُرادُ بِهِ أنَّهُ خَيْرٌ بَيْنَ ذَلِكَ، لا أنَّ القَتْلَ حَتْمٌ، إذْ لَوْ كانَ حَتْمًا، لَمْ يَكُنْ لِلْأخْذِ مَعْنًى بَعْدَ القَتْلِ. انْتَهى.

ويَشْمَلُ عُمُومُها مُشْرِكِي العَرَبِ وغَيْرَهم، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ عَلى جَوازِ حِصارِهِمْ والإغارَةِ عَلَيْهِمْ وبَياتِهِمْ.

(p-٣٠٧٥)الثّالِثُ: فَهو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ تابُوا﴾ الآيَةَ، أنَّ الأمْرَ بِتَخْلِيَةِ السَّبِيلِ مُعَلَّقٌ عَلى شُرُوطٍ ثَلاثَةٍ: التَّوْبَةِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، فَحَيْثُ لَمْ تَحْصُلْ جازَ ما تَقَدَّمَ مِنَ القَتْلِ والأخْذِ والحَصْرِ.

ولِهَذا اعْتَمَدَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، في قِتالِ مانِعِي الزَّكاةِ، عَلى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وأمْثالِها.

قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أبا بَكْرٍ، ما كانَ أفْقَهَهُ.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ»» .

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإذا شَهِدُوا، واسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنا، وأكَلُوا ذَبِيحَتَنا، وصَلَّوْا صَلاتَنا، فَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْنا دِماؤُهم وأمْوالُهم إلّا بِحَقِّها، لَهم ما لِلْمُسْلِمِينَ، وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْهِمْ»» . رَواهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ.

الرّابِعُ: ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ خُلاصَةً بَدِيعَةً في سِياقِ تَرْتِيبِ هَدْيِهِ ﷺ مَعَ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ، مِن حِينِ بُعِثَ إلى حِينِ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، مِمّا يُؤَيِّدُ فَهْمَ ما تُشِيرُ إلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ:

أوَّلُ ما أوْحى إلَيْهِ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يَقْرَأ بِاسْمِ رَبِّهِ الَّذِي خَلَقَ، وذَلِكَ أوَّلُ نُبُوَّتِهِ، فَأمَرَهُ أنْ يَقْرَأ في نَفْسِهِ، ولَمْ يَأْمُرْهُ إذْ يَأْمُرُهُ إذْ ذاكَ بِتَبْلِيغٍ، ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] فَنَبَّأهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١] وأرْسَلَهُ بِـ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُنْذِرَ عَشِيرَتَهُ (p-٣٠٧٦)الأقْرَبِينَ، ثُمَّ أنْذَرَ قَوْمَهُ، ثُمَّ أنْذَرَ مَن حَوْلَهم مِنَ العَرَبِ، ثُمَّ أنْذَرَ العَرَبَ قاطِبَةً، ثُمَّ أنْذَرَ العالَمِينَ، فَأقامَ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً بَعْدَ نُبُوَّتِهِ يُنْذِرُ بِالدَّعْوَةِ بِغَيْرِ قِتالٍ ولا جِزْيَةٍ، ويُؤْمَرُ بِالكَفِّ والصَّبْرِ والصَّفْحِ، ثُمَّ أذِنَ لَهُ في الهِجْرَةِ، وأذِنَ لَهُ في القِتالِ ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُقاتِلَ مَن قاتَلَهُ، ويَكُفَّ عَمَّنْ لَمْ يُقاتِلْهُ، ثُمَّ أمَرَهُ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ حَتّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، ثُمَّ كانَ الكَفّارُ مَعَهُ بَعْدَ الأمْرِ بِالجِهادِ ثَلاثَةَ أقْسامٍ: أهْلَ صُلْحٍ وهُدْنَةٍ، وأهْلَ حَرْبٍ، وأهْلَ ذِمَّةٍ.

فَأُمِرَ بِأنْ يُتِمَّ لِأهْلِ العَهْدِ والصُّلْحِ عَهْدَهم، وأنْ يُوفِيَ لَهم بِهِ ما اسْتَقامُوا عَلى العَهْدِ، فَإنْ خافَ مِنهم خِيانَةً نَبَذَ إلَيْهِمْ عَهْدَهم، ولَمْ يُقاتِلْهم حَتّى يُعْلِمَهم بِنَقْضِ العَهْدِ، وأُمِرَ أنْ يُقاتِلَ مَن نَقَضَ عَهْدَهُ لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ (بَراءَةَ)، نَزَلَتْ بِبَيانِ حُكْمِ هَذِهِ الأقْسامِ كُلِّها، فَأمَرَهُ فِيها أنْ يُقاتِلَ عَدُوَّهُ مِن أهْلِ الكِتابِ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ، أوْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ.

وأمَرَهُ فِيها بِجِهادِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، فَجاهَدَ الكُفّارَ بِالسَّيْفِ والسِّنانِ، والمُنافِقِينَ بِالحُجَّةِ واللِّسانِ، وأمَرَهُ فِيها بِالبَراءَةِ مِن عُهُودِ الكُفّارِ، ونَبْذِ عُهُودِهِمْ إلَيْهِمْ، وجَعَلَ أهْلَ العَهْدِ في ذَلِكَ ثَلاثَةَ أقْسامٍ: قِسْمًا أمَرَهُ بِقِتالِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَهُ، ولَمْ يَسْتَقِيمُوا لَهُ، فَحارَبَهم وظَهَرَ عَلَيْهِمْ.

وقِسْمًا لَهم عَهْدٌ مُوَقَّتٌ لَمْ يَنْقُضُوهُ، ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْهِ، فَأمَرَهُ أنْ يُتِمَّ لَهُ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ.

وقِسْمًا لَمْ يَكُنْ لَهم عَهْدٌ، ولَمْ يُحارِبُوهُ، أوْ كانَ لَهم عَهْدٌ مُطْلَقٌ، فَأمَرَهُ أنْ يُؤَجِّلَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، ثُمَّ أمَرَهُ بَعْدَ انْسِلاخِها أنْ يُقاتِلَهم.

فَقَتَلَ النّاقِضَ لِعَهْدِهِ، وأجَّلَ مَن لا عَهْدَ لَهُ أوْ لَهُ عَهْدٌ مُطْلَقٌ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وأمَرَهُ أنْ يُتِمَّ لِلْمُوفِي بِعَهْدِهِ إلى مُدَّتِهِ، فَأسْلَمَ هَؤُلاءِ كُلُّهم، ولَمْ يُقِيمُوا عَلى كُفْرِهِمْ إلى مُدَّتِهِمْ. وضَرَبَ عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ الجِزْيَةَ فاسْتَقَرَّ أمْرُ الكُفّارِ مَعَهُ بَعْدَ نُزُولِ (بَراءَةَ) عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُحارِبِينَ لَهُ، وأهْلِ عَهْدٍ، وأهْلِ ذِمَّةٍ.

ثُمَّ آلَتْ حالُ أهْلِ العَهْدِ والصُّلْحِ إلى الإسْلامِ، فَصارُوا مَعَهُ قِسْمَيْنِ: مُحارِبِينَ، وأهْلِ ذِمَّةٍ، والمُحارِبُونَ لَهُ (p-٣٠٧٧)خائِفُونَ مِنهُ، فَصارَ أهْلُ الأرْضِ مَعَهُ ثَلاثَةَ أقْسامٍ: مُسْلِمٌ مُؤْمِنٌ بِهِ، ومُسالِمٌ لَهُ آمِنٌ. وخائِفٌ مُحارِبٌ.

وأمّا سِيرَتُهُ في المُنافِقِينَ فَإنَّهُ أمَرَ أنْ يَقْبَلَ مِنهم عَلانِيَتَهم، ويَكِلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ، وأنْ يُجاهِدَهم بِالعِلْمِ والحُجَّةِ، وأُمِرَ أنْ يُعْرِضَ عَنْهم، ويُغْلِظَ عَلَيْهِمْ، وأنْ يَبْلُغَ بِالقَوْلِ البَلِيغِ إلى نُفُوسِهِمْ، ونُهِيَ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ وأنْ يَقُومَ عَلى قُبُورِهِمْ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ إنِ اسْتَغْفَرَ لَهم أوْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهم، فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم، فَهَذِهِ سِيرَتُهُ في أعْدائِهِ مِنَ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى:

9:6Page 187

وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ ٦

And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allāh [i.e., the Qur’ān]. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦ ] ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ .

﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: وإنِ اسْتَجارَكَ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُمِرْتَ بِقِتالِهِمْ، أيِ: اسْتَأْمَنَكَ بَعْدَ انْقِضاءِ أشْهُرِ العَهْدِ، فَأجِبْهُ إلى طَلِبَتِهِ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، أيِ: القُرْآنَ الَّذِي تَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ، ويَتَدَبَّرَهُ، ويَطَّلِعَ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ، وتَقُومَ عَلَيْهِ حُجَّةُ اللَّهِ بِهِ، فَإنْ أسْلَمَ ثَبَتَ لَهُ ما لِلْمُسْلِمِينَ، وإنْ أبى فَإنَّهُ يُرَدُّ إلى مَأْمَنِهِ ودارِهِ الَّتِي يَأْمَنُ فِيها، ثُمَّ قاتِلْهُ إنْ شِئْتَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ يَعْنِي الأمْرَ بِالإجارَةِ وإبْلاغَ المَأْمَنِ، بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ، أيْ: جَهَلَةٌ، فَلا بُدَّ مِن إعْطائِهِمُ الأمانَ حَتّى يَسْمَعُوا ويَفْهَمُوا الحَقَّ، ولا يَبْقى لَهم مَعْذِرَةٌ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُسْتَأْمَنَ لا يُؤْذى، وأنَّهُ يُمَكَّنُ مِنَ العَوْدِ مِن غَيْرِ غَدْرٍ بِهِ ولا خِيانَةٍ، ولِذا ورَدَ في التَّرْهِيبِ مِن عَدَمِ الوَفاءِ بِالعَهْدِ والغَدْرِ ما يَزْجُرُ أشَدَّ الزَّجْرِ.

(p-٣٠٧٨)فَرَوى البُخارِيُّ في (" تارِيخِهِ ") والنَّسائِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مَن أمَّنَ رَجُلًا عَلى دَمِهِ فَقَتَلَهُ، فَأنا بَرِيءٌ مِنَ القاتِلِ وإنْ كانَ المَقْتُولُ كافِرًا»» .

ورَوى أحْمَدُ والشَّيْخانِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ»» .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مَن قَدِمَ مِن دارِ الحَرْبِ إلى دارِ الإسْلامِ، في أداءِ رِسالَةٍ أوْ تِجارَةٍ، أوْ طَلَبِ صُلْحٍ أوْ مُهادَنَةٍ، أوْ حَمْلِ جِزْيَةٍ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ، وطَلَبَ مِنَ الإمامِ أوْ نائِبِهِ أمانًا أُعْطِيَ، ما دامَ مُتَرَدِّدًا في دارِ الإسْلامِ، إلى أنْ يَرْجِعَ إلى مَأْمَنِهِ ووَطَنِهِ.

قالَ الحاكِمُ: وإنَّما يُجارُ ويُؤَمَّنُ إذا لَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ يَطْلُبُ الخِداعَ والمَكْرَ، لِأنَّهُ تَعالى عَلَّلَ لُزُومَ الإجارَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾

الثّانِي: قالَ الحاكِمُ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْكافِرِ دُخُولُ المَسْجِدِ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ.

الثّالِثُ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى كَلامِ اللَّهِ بِحَرْفٍ وصَوْتٍ قَدِيمَيْنِ، وهُمُ الحَنابِلَةُ، ومَن وافَقَهم كالعَضُدِ.

قالُوا: لِأنَّ مَنطُوقَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ يَسْمَعُهُ الكافِرُ والمُؤْمِنُ والزِّنْدِيقُ والصِّدِّيقُ، والَّذِي يَسْمَعُهُ جُمْهُورُ الخَلْقِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ.

فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ لَيْسَ هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ، والقَوْلُ بِأنَّ كَلامَ اللَّهِ شَيْءٌ مُغايِرٌ لَها باطِلٌ، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما كانَ يُشِيرُ بِقَوْلِهِ كَلامُ اللَّهِ إلّا لَها، وقَدِ اعْتَرَفَ الرّازِيُّ بِقُوَّةِ هَذا، لِإلْزامِ مَن خالَفَ فِيهِ، وقَدْ مَضى لَنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ، فارْجِعْ إلَيْهِ.

(p-٣٠٧٩)الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ غَيْرُ كافٍ في الدِّينِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّقْلِيدُ كافِيًا، لَوَجَبَ أنْ لا يُمْهَلَ هَذا الكافِرُ، بَلْ يُقالُ لَهُ: إمّا أنْ تُؤْمِنَ، وإمّا أنْ نَقْتُلَكَ، فَلَمّا لَمْ يَقُلْ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ أُمْهِلَ وأُزِيلَ الخَوْفُ عَنْهُ، ووَجَبَ تَبْلِيغُهُ مَأْمَنَهُ، عُلِمَ أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ عَدَمِ كِفايَةِ التَّقْلِيدِ في الدِّينِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ، فَلِذا أُمْهِلَ لِيَحْصُلَ لَها النَّظَرُ والِاسْتِدْلالُ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حِكْمَتَهُ في البَراءَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، ونَظْرَتَهُ إيّاهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، ثُمَّ بَعْدَها السَّيْفُ المُرْهَفُ بِقَوْلِهِ:

9:7Page 188

كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧

How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allāh and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Ḥarām? So as long as they are upright toward you,1 be upright toward them. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧ ] ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .

﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ أيْ: أمانٌ ﴿عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ أيْ: وهم كافِرُونَ بِهِما، فالاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ لِأنْ يَكُونَ لَهم عَهْدٌ ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ الَّذِينَ عاهَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى تَرْكِ الحَرْبِ مَعَهم عَشْرَ سِنِينَ ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ أيْ: فَما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ عَلى عَهْدِهِمْ، مُراعِينَ لِحُقُوقِكم، فاسْتَقِيمُوا لَهم عَلى عَهْدِهِمْ.

﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: فاتَّقُوهُ في نَقْضِ عَهْدِ المُسْتَقِيمِينَ عَلى عَهْدِهِمْ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ والمُسْلِمُونَ، اسْتَمَرَّ العَقْدُ والهُدْنَةُ مَعَ أهْلِ مَكَّةَ مِن ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ إلى أنْ نَقَضَتْ قُرَيْشٌ العَهْدَ، ومالَؤُوا حُلَفاءَهم، وهم بَنُو بَكْرٍ، عَلى خُزاعَةَ أحْلافِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَتَلُوهم مَعَهم في الحَرَمِ أيْضًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ غَزاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في رَمَضانَ سَنَةَ ثَمانٍ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ البَلَدَ الحَرامَ، ومَكَّنَهُ مِن نَواصِيهِمْ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، فَأُطْلِقَ مَن أسْلَمَ مِنهم، بَعْدَ القَهْرِ والغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ، فَسُمُّوا الطُّلَقاءَ، وكانُوا (p-٣٠٨٠)قَرِيبًا مِن ألْفَيْنِ، ومَنِ اسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ، وفَرَّ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَعَثَ إلَيْهِ بِالأمانِ والتَّسْيِيرِ في أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، يَذْهَبُ حَيْثُ شاءَ، ومِنهم صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ وغَيْرُهُما، ثُمَّ هَداهُمُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

9:8Page 188

كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨

How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨ ] ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ .

﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَظْفَرُوا بِكم بَعْدَ ما سَبَقَ لَهم مِن تَأْكِيدِ الإيمانِ والمَواثِيقِ ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكم إلا﴾ أيْ: قَرابَةً ويَمِينًا ﴿ولا ذِمَّةً﴾ أيْ: عَهْدًا.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَرْدُودَةٌ عَلى الآيَةِ الأُولى، أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ، وحالُهم ما ذُكِرَ ؟ وفِيهِ تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى التَّبَرُّءِ مِنهم، لِأنَّ مَن كانَ أسِيرَ الفُرْصَةِ، مُتَرَقِّبًا لَها، لا يُرْجى مِنهُ دَوامُ العَهْدِ.

قالَ النّاصِرُ: ولَمّا طالَ الكَلامُ بِاسْتِثْناءِ الباقِينَ عَلى العَهْدِ، أُعِيدَتْ (كَيْفَ) تَطْرِيَةً لِلذِّكْرِ، ولِيَأْخُذَ بَعْضُ الكَلامِ بِحُجْزَةِ بَعْضٍ. انْتَهى.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَعالى بَيانَ حالِهِمُ المُنافِيَةِ لِثَباتِهِمْ عَلى العَهْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: ما تَتَفَوَّهُ بِهِ أفْواهُهم ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدُونَ، لا عَقِيدَةَ تَزْعَمُهم، ولا مُرُوءَةَ تَرْدَعُهم.

وتَخْصِيصُ الأكْثَرِ، لِما في بَعْضِ الكَفَرَةِ مِنَ التَّفادِي عَنِ العُذْرِ، والتَّعَفُّفِ عَمّا يَجُرُّ إلى أُحْدُوثَةِ السُّوءِ.

9:9Page 188

ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلٗا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩

They have exchanged the signs of Allāh for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩ ] ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيِ: اسْتَبْدَلُوا بِها ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: مِن مَتاعِ الدُّنْيا، يَعْنِي (p-٣٠٨١)أهَوِيَتَهُمُ الفاسِدَةَ ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: فَعَدَلُوا عَنْهُ أوْ صَرَفُوا غَيْرَهم ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

9:10Page 188

لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ ١٠

They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠ ] ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ .

﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ أيِ: المُجاوِزُونَ الغايَةَ في الظُّلْمِ والمَساوِئِ.

9:11Page 188

فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١١

But if they repent, establish prayer, and give zakāh, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١ ] ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .

﴿فَإنْ تابُوا﴾ أيْ: مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ: فَهم إخْوانُكم، لَهم ما لَكم، وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْكم، فَعامَلُوهم مُعامَلَةَ الإخْوانِ، وفِيهِ مِنِ اسْتِمالَتِهِمْ واسْتِجْلابِ قُلُوبِهِمْ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِلْحَثِّ عَلى تَأمُّلِ ما فَصَلَ مِن أحْكامِ المُشْرِكِينَ المُعاهِدِينَ وعَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها.

9:12Page 188

وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ ١٢

And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then combat the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢ ] ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ .

﴿وإنْ نَكَثُوا﴾ أيْ: نَقَضُوا ﴿أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أيْ: فَقاتِلُوهم.

وإنَّما أُوثِرُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، لِلْإيذانِ بِأنَّهم صارُوا بِذَلِكَ (p-٣٠٨٢)ذَوِي رِياسَةٍ وتَقَدُّمٍ في الكُفْرِ، أحِقّاءُ بِالقَتْلِ والقِتالِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالأئِمَّةِ رُؤَساؤُهم وصَنادِيدُهم، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ إمّا لِأهَمِّيَّةِ قَتْلِهِمْ، أوْ لِلْمَنعِ مِن مُراقَبَتِهِمْ، ولِكَوْنِهِمْ مَظِنَّةً لَها أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِئْصالِهِمْ، فَإنَّ قَتْلَهم غالِبًا يَكُونُ بَعْدَ قَتْلِ مَن دُونَهم. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ جَمْعُ يَمِينٍ أيْ: لا عُهُودَ لَهم عَلى الحَقِيقَةِ، حَيْثُ لا يُراعُونَها ولا يَعُدُّونَ نَقْضَها مَحْذُورًا، فَهم وإنْ تَفَوَّهُوا بِها، لا عِبْرَةَ بِها.

وقُرِئَ (لا إيمانَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، أيْ: لا إسْلامَ، ولا تَصْدِيقَ لَهم، حَتّى يَرْتَدِعُوا عَنِ النَّقْضِ والطَّعْنِ ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ والطَّعْنِ ويَرْجِعُونَ إلى الإيمانِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في (" الإكْلِيلِ "): اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ إنَّ الذِّمِّيَّ يُقْتَلُ إذا طَعَنَ في الإسْلامِ أوِ القُرْآنِ أوْ ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِسُوءٍ، سَواءٌ شَرَطَ انْتِفاضَ العَهْدِ بِهِ أمْ لا، واسْتَدَلَّ مَن قالَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ انْتَهى.

ثُمَّ حَضَّ عَلى قِتالِهِمْ بِتَهْيِيجِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وإغْرائِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

9:13Page 188

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣

Would you not fight against a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allāh has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣ ] ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ أيِ: الَّتِي حَلَفُوها في المُعاهَدَةِ ﴿وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي مِن مَكَّةَ حِينَ اجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ، حَسْبَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] فَيَكُونُ نَعْيًا عَلَيْهِمْ جِنايَتُهُمُ القَدِيمَةُ، ﴿وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ: بِالقِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، حِينَ خَرَجُوا لِنَصْرِ غَيْرِهِمْ فَما نَجَتْ وعَلِمُوا بِذَلِكَ، اسْتَمَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ طَلَبًا لِلْقِتالِ، بَغْيًا وتَكَبُّرًا.

وقِيلَ: بِنَقْضِهِمُ العَهْدَ، وقِتالِهِمْ مَعَ حُلَفائِهِمْ (p-٣٠٨٣)بَنِي بَكْرٍ لِخُزاعَةَ، أحْلافِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتّى سارَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عامَ الفَتْحِ وكانَ ما كانَ. قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وهُمُ الَّذِينَ كانَتْ مِنهُمُ البَداءَةُ بِالمُقاتَلَةِ، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَهم أوَّلًا بِالكِتابِ المُنِيرِ، وتَحَدّاهم بِهِ، فَعَدَلُوا عَنِ المُعارَضَةِ، لِعَجْزِهِمْ عَنْها، إلى القِتالِ، فَهُمُ البادِئُونَ بِالقِتالِ، والبادِئُ أظْلَمُ، فَما يَمْنَعُكم مِن أنْ تُقاتِلُوهم بِمِثْلِهِ، وأنْ تَصْدِمُوهم بِالشَّرِّ كَما صَدَمُوكم.

﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أيْ: أتَخافُونَ أنْ يَنالَكم مِنهم مَكْرُوهٌ حَتّى تَتْرُكُوا قِتالَهم ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ وتَرْكِ قِتالِهِمْ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ الصَّحِيحِ أنْ لا يَخْشى المُؤْمِنُ إلّا رَبَّهُ، ولا يُبالِي بِمَن سِواهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] قالَهُ _الزَّمَخْشَرِيُّ _ . وفِيهِ مِنَ التَّشْدِيدِ ما لا يَخْفى.

ثُمَّ عَزَمَ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ الأمْرَ بِالقِتالِ لِحِكْمَتِهِ بِقَوْلِهِ:

9:14Page 189

قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ ١٤

Fight them; Allāh will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts [i.e., desires] of a believing people

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤ ] ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: بِآلامِ الجِراحاتِ والمَوْتِ ﴿بِأيْدِيكُمْ﴾ أيْ: تَغْلِيبًا لَكم عَلَيْهِمْ ﴿ويُخْزِهِمْ﴾ أيْ: بِالأسْرِ والِاسْتِرْقاقِ، فَيَجْتَمِعُ في حَقِّهِمُ العَذابُ الحِسِّيُّ والمَعْنَوِيُّ، ﴿ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدِ القِتالَ.

9:15Page 189

وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٥

And remove the fury in their [i.e., the believers'] hearts. And Allāh turns in forgiveness to whom He wills; and Allāh is Knowing and Wise.

(p-٣٠٨٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥ ] ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: بِما كابَدُوا مِنَ المَكارِهِ والمَكايِدِ ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ أيْ: فَيَحْصُلُ لَكَ أجَرَهم ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: في أفْعالِهِ وأوامِرِهِ.

وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم هَذِهِ المَواعِيدَ كُلَّها، فَكانَ إخْبارُهُ ﷺ بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ مُعْجِزَةً عَظِيمَةً، دالَّةً عَلى صِدْقِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском