As-SuyutiAl‑Hashr · 59:1–6

As-Suyuti · Tafsir · in Arabic

الحشر

Al-Hashr

The Exile · Medinan · 24 ayahs

59:1–6Page 545

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١

Whatever is in the heavens and whatever is on the earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن يَخۡرُجُواْۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَيۡثُ لَمۡ يَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٢

It is He who expelled the ones who disbelieved among the People of the Scripture1 from their homes at the first gathering.2 You did not think they would leave, and they thought that their fortresses would protect them from Allāh; but [the decree of] Allāh came upon them from where they had not expected, and He cast terror into their hearts [so] they destroyed their houses by their [own] hands and the hands of the believers. So take warning, O people of vision.

وَلَوۡلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ٣

And if not that Allāh had decreed for them evacuation, He would have punished them in [this] world, and for them in the Hereafter is the punishment of the Fire.

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤

That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh - then indeed, Allāh is severe in penalty.

مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّينَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيُخۡزِيَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٥

Whatever you have cut down of [their] palm trees or left standing on their trunks - it was by permission of Allāh and so He would disgrace the defiantly disobedient.

وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٦

And what Allāh restored [of property] to His Messenger from them - you did not spur for it [in an expedition] any horses or camels,1 but Allāh gives His messengers power over whom He wills, and Allāh is over all things competent.

(p-٣٣٢)سُورَةُ الحَشْرِ.

مَدَنِيَّةٌ

أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الحَشْرِ» بِالمَدِينَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرٍ، مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: سُورَةُ «الحَشْرِ» قالَ: قُلْ: سُورَةُ النَّضِيرِ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: سُورَةُ «الحَشْرِ» قالَ: نَزَلَتْ في بَنِي النَّضِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ الآياتِ.

أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ»، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَتْ غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ - وهم طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ - عَلى رَأْسِ سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن وقْعَةِ بَدْرٍ، وكانَ مَنزِلُهم ونَخْلُهم في ناحِيَةِ المَدِينَةِ (p-٣٣٣)فَحاصَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلُوا عَلى الجَلاءِ، وعَلى أنَّ لَهم ما أقَلَّتِ الإبِلُ مِنَ الأمْتِعَةِ والأمْوالِ إلّا الحَلْقَةَ - يَعْنِي السِّلاحَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لأوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا﴾ فَقاتَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى صالَحَهم عَلى الجَلاءِ، وأجْلاهم إلى الشّامِ، وكانُوا مِن سِبْطٍ لَمْ يُصِبْهم جَلاءٌ فِيما خَلا، وكانَ اللَّهُ قَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ولَوْلا ذَلِكَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لأوَّلِ الحَشْرِ﴾ فَكانَ جَلاؤُهم ذَلِكَ أوَّلَ حَشْرٍ في الدُّنْيا إلى الشّامِ» .

وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا، قالَ البَيْهَقِيُّ: وهو المَحْفُوظُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَمّا أجْلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ قالَ: «هَذا أوَّلُ الحَشْرِ، وأنا عَلى الأثَرِ»» .

وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «البَعْثِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «مَن شَكَّ أنَّ المَحْشَرَ بِالشّامِ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ: (p-٣٣٤)﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لأوَّلِ الحَشْرِ﴾ قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اخْرُجُوا» قالُوا: إلى أيْنَ؟ قالَ: «إلى أرْضِ المَحْشَرِ»» .

وأخْرَجَ أحْمَدُ في «الزُّهْدِ» عَنْ قَيْسٍ قالَ: قالَ جَرِيرٌ لِقَوْمِهِ فِيما يَعِظُهم: واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ بَنَيْتُ فِيها لَبِنَةً، ما أنْتُمْ إلّا كالنَّعامَةِ اسْتَتَرَتْ، وإنَّ أوَّلَ أرْضِكم هَذِهِ خَرابًا يُسْراها، ثُمَّ يَتْبَعُها يُمْناها، وإنَّ المَحْشَرَ ها هُنا، وأشارَ إلى الشّامِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿لأوَّلِ الحَشْرِ﴾ قالَ: فَتَحَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ في أوَّلِ حَشْرٍ، حَشَرَ نَبِيُّ اللَّهِ إلَيْهِمْ، لَمْ يُقاتِلْهُمُ المَرَّتَيْنِ ولا الثَّلاثَةَ، فَتَحَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ في أوَّلِ حَشْرٍ، حَشَرَ عَلَيْهِمْ في أوَّلِ ما قاتَلَهم. وفي قَوْلِهِ: ﴿ما ظَنَنْتُمْ﴾ النَّبِيُّ ﷺ – وأصْحابُهُ، ﴿أنْ يَخْرُجُوا﴾ مِن حُصُونِهِمْ أبَدًا.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ» عَنْ عُرْوَةٍ قالَ: «أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِإجْلاءِ بَنِي (p-٣٣٥)النَّضِيرِ»، وإخْراجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ، وقَدْ كانَ النِّفاقُ كَثِيرًا بِالمَدِينَةِ، فَقالُوا: أيْنَ تُخْرِجُنا؟ قالَ: «أُخْرُجُكم إلى المَحْشَرِ» فَلَمّا سَمِعَ المُنافِقُونَ ما يُرادُ بِإخْوانِهِمْ وأوْلِيائِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ أرْسَلُوا إلَيْهِمْ، فَقالُوا لَهم: إنّا مَعَكم مَحْيانا ومَماتَنا؛ إنْ قُوتِلْتُمْ فَلَكم عَلَيْنا النَّصْرُ، وإنْ أُخْرِجْتُمْ لَمْ نَتَخَلَّفْ عَنْكُمْ، ومَنّاهُمُ الشَّيْطانُ الظُّهُورَ، فَنادَوُا النَّبِيَّ ﷺ: إنّا واللَّهِ لا نَخْرُجُ، ولَئِنْ قاتَلْتَنا لَنُقاتِلَنَّكَ، فَمَضى النَّبِيُّ ﷺ فِيهِمْ لِأمْرِ اللَّهِ، وأمَرَ أصْحابَهُ، فَأخَذُوا السِّلاحَ، ثُمَّ مَضى إلَيْهِمْ، وتَحَصَّنَتِ اليَهُودُ في دُورِهِمْ وحُصُونِهِمْ، فَلَمّا انْتَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أزِقَّتِهِمْ أمَرَ بِالأدْنى فالأدْنى مِن دُورِهِمْ أنْ يُهْدَمَ، وبِالنَّخْلِ أنْ يُحْرَقَ ويُقْطَعَ، وكَفَّ اللَّهُ أيْدِيَهم وأيْدِيَ المُنافِقِينَ، فَلَمْ يَنْصُرُوهُمْ، وألْقى اللَّهُ في قُلُوبِ الفَرِيقَيْنِ الرُّعْبَ، ثُمَّ جَعَلَتِ اليَهُودُ كُلَّما خَلَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن هَدْمِ ما يَلِي مَدِينَتَهم ألْقى اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَهَدَمُوا الدُّورَ الَّتِي هم فِيها مِن أدْبارِها، ولَمْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يَخْرُجُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمّا كادُوا أنْ يَبْلُغُوا آخِرَ دُورِهِمْ، وهم يَنْتَظِرُونَ المُنافِقِينَ وما كانُوا مَنَّوْهُمْ، فَلَمّا يَئِسُوا مِمّا عِنْدَهم سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كانَ عَرَضَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقاضاهم عَلى أنْ يُجْلِيَهُمْ، ولَهم أنْ يَتَحَمَّلُوا بِما اسْتَقَلَّتْ بِهِ الإبِلُ مِنَ الَّذِي كانَ لَهُمْ، إلّا ما كانَ مِن حَلْقَةِ (p-٣٣٦)السِّلاحِ، فَذَهَبُوا كُلَّ مَذْهَبٍ، وكانُوا قَدْ عَيَّرُوا المُسْلِمِينَ حِينَ هَدَمُوا الدُّورَ وقَطَعُوا النَّخْلَ، فَقالُوا: ما ذَنْبُ شَجَرَةٍ وأنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّكم مُصْلِحُونَ؟! فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ ثُمَّ جَعَلَها نَفْلًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَجْعَلْ مِنها سَهْمًا لِأحَدٍ غَيْرِهِ، فَقالَ: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ فَقَسَمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَن أراهُ اللَّهُ مِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ» وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ حاصَرَهم حَتّى بَلَغَ مِنهم كُلَّ مَبْلَغٍ، فَأعْطَوْهُ ما أرادَ مِنهُمْ، فَصالَحَهم عَلى أنْ يَحْقِنَ لَهم دِماءَهُمْ، وأنْ يُخْرِجَهم مِن أرْضِهِمْ وأوْطانِهِمْ، وأنْ يُسَيِّرَهم إلى أذْرِعاتِ الشّامِ، وجَعَلَ لِكُلِّ ثَلاثَةٍ مِنهم بَعِيرًا وسِقاءً» .

وأخْرَجَ البَغَوِيُّ في «مُعْجَمِهِ» عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إلى بَنِي النَّضِيرِ، وأمَرَهُ أنْ يُؤَجِّلَهم في الجَلاءِ ثَلاثًا» .

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ»، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، والجَلاءُ إخْراجُهم مِن أرْضِهِمْ (p-٣٣٧)إلى أرْضٍ أُخْرى» .

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ»، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وقَطَعَ، وهي البُوَيْرَةُ، ولَها يَقُولُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ:

؎وهانَ عَلى سَراةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ

فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ [الحشر»: ٥] .

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في «الأوْسَطِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها﴾ قالَ: اللِّينَةُ النَّخْلَةُ، ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ قالَ: اسْتَنْزَلُوهم مِن حُصُونِهِمْ، وأُمِرُوا بِقَطْعِ النَّخْلِ، فَحَكَّ في صُدُورِهِمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: قَدْ قَطَعْنا بَعْضًا وتَرَكْنا بَعْضًا (p-٣٣٨)فَلْنَسْألَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَلْ لَنا فِيما قَطَعْنا مِن أجْرٍ؟ وهَلْ عَلَيْنا فِيما تَرَكْنا مِن وِزْرٍ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ الآيَةَ» .

وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «رَخَّصَ لَهم في قَطْعِ النَّخْلِ، ثُمَّ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيْنا إثْمٌ فِيما قَطَعْنا أوْ فِيما تَرَكْنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ الآيَةَ» .

وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ قالَ: «لَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَنِي النَّضِيرِ تَحَصَّنُوا مِنهُ في الحُصُونِ، فَأمَرَ بِقَطْعِ النَّخْلِ والتَّحْرِيقِ فِيها، فَنادَوْهُ: يا مُحَمَّدُ، قَدْ كُنْتَ تَنْهى عَنِ الفَسادِ وتَعِيبُهُ، فَما بالُ قَطْعِ النَّخْلِ وتَحْرِيقِها؟! فَنَزَلَتْ» .

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ» عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نَهى بَعْضُ المُهاجِرِينَ بَعْضًا عَنْ قَطْعِ النَّخْلِ وقالُوا: إنَّما هي مِن مَغانِمِ المُسْلِمِينَ، وقالَ الَّذِينَ قَطَعُوا: بَلْ هي غَيْظٌ لِلْعَدُوِّ، فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَصْدِيقِ مَن نَهى عَنْ قَطْعِهِ، وتَحْلِيلِ مَن قَطَعَهُ مِنَ الإثْمِ، فَقالَ: إنَّما قَطْعُهُ وتَرْكُهُ بِإذْنِ اللَّهِ.

(p-٣٣٩)وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سُورَةَ «الحَشْرِ» نَزَلَتْ في النَّضِيرِ، وذَكَرَ اللَّهُ فِيها الَّذِي أصابَهم مِنَ النِّقْمَةِ، وتَسْلِيطِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – عَلَيْهِمْ، حَتّى عَمِلَ بِهِمُ الَّذِي عَمِلَ بِإذْنِهِ، وذَكَرَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يُراسِلُونَهُمْ، ويَعِدُونَهُمُ النَّصْرَ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لأوَّلِ الحَشْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ بِهَدْمِهِمْ بُيُوتَهم مِن نُجُفِ الأبْوابِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَطْعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – النَّخْلَ، وقَوْلَ اليَهُودِ لَهُ: يا مُحَمَّدُ، قَدْ كُنْتَ تَنْهى عَنِ الفَسادِ، فَما بالُ قَطْعِ النَّخْلِ؟ فَقالَ: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ يُخْبِرُهم أنَّها نِقْمَةٌ مِنهُ، ثُمَّ ذَكَرَ مَغانِمَ بَنِي النَّضِيرِ فَقالَ: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ فَأعْلَمَهم أنَّها خاصَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ – يَضَعُها حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ ذَكَّرَ مَغانِمَ المُسْلِمِينَ مِمّا يُوجَفُ عَلَيْهِ الخَيْلُ والرِّكابُ، ويُفْتَحُ بِالحَرْبِ، فَقالَ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] هَذا مِمّا يُوجَفُ عَلَيْهِ الخَيْلُ والرِّكابُ، ثُمَّ ذَكَرَ المُنافِقِينَ؛ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، ومالِكًا، وداعِسًا، ومَن كانَ عَلى مِثْلِ رَأْيِهِمْ، فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ [الحشر: ١١] إلى ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾ [الحشر: ١٥] يَعْنِي بَنِي قَيْنُقاعَ، الَّذِينَ أجْلاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لأوَّلِ الحَشْرِ﴾ قالَ: الحَشْرُ قِبَلَ الشّامِ، وهم بَنُو النَّضِيرِ؛ حَيٌّ مِنَ اليَهُودِ، أجْلاهم نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إلى خَيْبَرَ مَرْجِعَهُ مِن أُحُدٍ» .

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ﴾ قالَ: النَّضِيرُ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ قالَ: ذَلِكَ ما بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: مَن شَكَّ أنَّ المَحْشَرَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لأوَّلِ الحَشْرِ﴾ فَقَدْ حُشِرَ النّاسُ مَرَّةً؛ وذَلِكَ حِينَ ظَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى المَدِينَةِ أجْلى اليَهُودَ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ» عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كَتَبُوا إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ ومَن كانَ يَعْبُدُ مَعَهُ الأوْثانَ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِالمَدِينَةِ قَبْلَ وقْعَةِ بَدْرٍ، يَقُولُونَ: إنَّكم قَدْ آوَيْتُمْ صاحِبَنا، وإنَّكم أكْثَرُ أهْلِ المَدِينَةِ عَدَدًا (p-٣٤١)وإنّا نُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُقاتِلُنَّهُ أوْ لَتُخْرِجُنَّهُ، أوْ لَنَسْتَعْدِيَنَّ عَلَيْكُمُ العَرَبَ، ثُمَّ لِنَسِيرَنَّ إلَيْكم بِأجْمَعِنا حَتّى نَقْتُلَ مُقاتِلَتَكُمْ، ونَسْتَبِيحَ نِساءَكم وأبْناءَكُمْ، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ومَن مَعَهُ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ تَراسَلُوا، واجْتَمَعُوا وأجْمَعُوا لِقِتالِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهم في جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ فَقالَ: «لَقَدْ بَلَغَ وعِيدُ قُرَيْشٍ مِنكُمُ المَبالِغَ ما كانَتْ لِتَكِيدَكم بِأكْثَرَ مِمّا تُرِيدُونَ أنْ تَكِيدُوا بِهِ أنْفُسَكُمْ، فَأنْتُمْ هَؤُلاءِ تُرِيدُونَ أنْ تُقاتِلُوا أبْناءَكم وإخْوانَكُمْ»، فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ – تَفَرَّقُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ كَفّارَ قُرَيْشٍ، وكانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَتَبَتْ كَفّارُ قُرَيْشٍ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ إلى اليَهُودِ: إنَّكم أهْلُ الحَلْقَةِ والحُصُونِ، وإنَّكم لَتُقاتِلُنَّ صاحِبَنا أوْ لَنَفْعَلَنَّ كَذا وكَذا، ولا يَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَ خَدَمِ نِسائِكم شَيْءٌ، وهي الخَلاخِيلُ، فَلَمّا بَلَغَ كِتابُهُمُ اليَهُودَ أجْمَعَتْ بَنُو النَّضِيرِ بِالغَدْرِ، فَأرْسَلُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ: اخْرُجْ إلَيْنا في ثَلاثِينَ رَجُلًا مِن أصْحابِكَ، ولْيَخْرُجْ إلَيْكَ مِنّا ثَلاثُونَ حَبْرًا، حَتّى نَلْتَقِيَ بِمَكانٍ نَصَفٍ بَيْنَنا وبَيْنَكَ، ويَسْمَعُوا مِنكَ، فَإنْ صَدَّقُوكَ وآمَنُوا بِكَ آمَنّا كُلُّنا، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ في ثَلاثِينَ مِن أصْحابِهِ، وخَرَجَ إلَيْهِ ثَلاثُونَ حَبْرًا مِنَ اليَهُودِ، حَتّى إذا بَرَزُوا في بَرازٍ مِنَ الأرْضِ قالَ بَعْضُ اليَهُودِ لِبَعْضٍ: كَيْفَ تَخْلُصُونَ إلَيْهِ (p-٣٤٢)ومَعَهُ ثَلاثُونَ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ، كُلُّهم يُحِبُّ أنْ يَمُوتَ قَبْلَهُ؟ فَأرْسَلُوا: كَيْفَ نَفْهَمُ ونَحْنُ سِتُّونَ رَجُلًا؟! اخْرُجْ في ثَلاثَةٍ مِن أصْحابِكَ، ويَخْرُجُ إلَيْكَ ثَلاثَةٌ مِن عُلَمائِنا، فَلْيَسْمَعُوا مِنكَ، فَإنْ آمَنُوا بِكَ آمَنّا كُلُّنا وصَدَّقْناكَ.

فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ في ثَلاثَةٍ مِن أصْحابِهِ، وخَرَجَ ثَلاثَةٌ مِنَ اليَهُودِ، واشْتَمَلُوا عَلى الخَناجِرِ، وأرادُوا الفَتْكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأرْسَلَتِ امْرَأةٌ ناصِحَةٌ مِن بَنِي النَّضِيرِ إلى أخِيها، وهو رَجُلٌ مُسْلِمٌ مِنَ الأنْصارِ، فَأخْبَرَتْهُ خَبَرَ ما أرادَ بَنُو النَّضِيرِ مِنَ الغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأقْبَلَ أخُوها سَرِيعًا حَتّى أدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ فَسارَّهُ بِخَبَرِهِمْ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ، فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمّا كانَ الغَدُ غَدا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالكَتائِبِ فَحَصَرَهُمْ، فَقالَ لَهم: «إنَّكم واللَّهِ لا تَأْمَنُونَ عِنْدِي إلّا بِعَهْدٍ تُعاهِدُونِي عَلَيْهِ» فَأبَوْا أنْ يُعْطُوهُ عَهْدًا، فَقاتَلَهم يَوْمَهُ ذَلِكَ هو والمُسْلِمُونَ، ثُمَّ غَدا الغَدَ عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ بِالكَتائِبِ، وتَرَكَ بَنِي النَّضِيرِ، ودَعاهم إلى أنْ يُعاهِدُوهُ فَعاهَدُوهُ، فانْصَرَفَ عَنْهُمْ، وغَدا عَلى بَنِي النَّضِيرِ بِالكَتائِبِ، فَقاتَلَهم حَتّى نَزَلُوا عَلى الجَلاءِ، وعَلى أنَّ لَهم ما أقَلَّتِ الإبِلُ إلّا الحَلْقَةَ - والحَلْقَةُ السِّلاحُ - فَجَلَتْ بَنُو النَّضِيرِ، واحْتَمَلُوا ما أقَلَّتِ الإبِلُ مِن أمْتِعَتِهِمْ، وأبْوابِ بُيُوتِهِمْ وخُشُبِها، فَكانُوا يُخْرِبُونَ (p-٣٤٣)بُيُوتَهُمْ، فَيَهْدِمُونَها فَيَحْتَمِلُونَ ما وافَقَهم مِن خُشُبِها، وكانَ جَلاؤُهم ذَلِكَ أوَّلَ حَشْرِ النّاسِ إلى الشّامِ، وكانَ بَنُو النَّضِيرِ مِن سِبْطٍ مِن أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يُصِبْهم جَلاءٌ مُنْذُ كَتَبَ اللَّهُ الجَلاءَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَلِذَلِكَ أجْلاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَوْلا ما كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَلاءِ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا كَما عُذِّبَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَكانَ نَخِيلُ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ – خاصَّةً، فَأعْطاهُ اللَّهُ إيّاها وخَصَّهُ بِها، فَقالَ: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ يَقُولُ: بِغَيْرِ قِتالٍ، فَأعْطى النَّبِيُّ ﷺ أكْثَرَها المُهاجِرِينَ، وقَسَمَها بَيْنَهُمْ، وقَسَمَ مِنها لِرَجُلَيْنِ مِنَ الأنْصارِ، كانا ذَوَيْ حاجَةٍ، لَمْ يَقْسِمْ لِأحَدٍ مِنَ الأنْصارِ غَيْرِهِما، وبَقِيَ مِنها صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي في أيْدِي بَنِي فاطِمَةَ» .

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ «أنَّ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ - قَبِيلَتَيْنِ مِنَ اليَهُودِ - كانُوا حُلَفاءَ لِقَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ؛ الأوْسِ والخَزْرَجِ، في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – المَدِينَةَ، وأسْلَمَتِ الأنْصارُ، وأبَتِ اليَهُودُ أنْ يُسْلِمُوا، سارَ المُسْلِمُونَ إلى النَّضِيرِ وهم في حُصُونِهِمْ، فَجَعَلَ المُسْلِمُونَ (p-٣٤٤)يَهْدِمُونَ ما يَلِيهِمْ مِن حِصْنِهِمْ، ويَهْدِمُ الآخَرُونَ ما يَلِيهِمْ؛ أنْ يُرْتَقى عَلَيْهِمْ، حَتّى أفْضَوْا إلَيْهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ فَلَمّا أفْضَوْا إلَيْهِمْ نَزَلُوا عَلى عَهْدٍ بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ يُجْلُوهم وأهْلِيهِمْ، ويَأْخُذُوا أمْوالَهم وأرْضَهُمْ، فَأُجْلُوا، ونَزَلُوا خَيْبَرَ وكانَ المُسْلِمُونَ يَقْطَعُونَ النَّخْلَ، فَحَدَّثَنِي رِجالٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ أنَّها نَخْلٌ صُفْرٌ كَهَيْئَةِ الدَّقَلِ تُدْعى اللِّينَةَ، فاسْتَنْكَرَ ذَلِكَ المُشْرِكُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَ المُسْلِمِينَ: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ .

فَأمّا قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ قالَ: لَمْ يَسِيرُوا إلَيْهِمْ عَلى خَيْلٍ ولا رِكابٍ، إنَّما كانُوا في ناحِيَةِ المَدِينَةِ، وبَقِيَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَهم عامًا أوْ عامَيْنِ عَلى عَهْدٍ بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا جاءَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ الأحْزابِ أرْسَلَ المُشْرِكُونَ إلَيْهِمْ أنِ اخْرُجُوا مَعَنا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأرْسَلَتْ إلَيْهِمُ اليَهُودُ أنْ أرْسِلُوا إلَيْنا بِخَمْسِينَ مِن رُهُنِكُمْ، فَجاءَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِي إلى (p-٣٤٥)المُسْلِمِينَ فَحَدَّثَهُمْ، وكانَ نُعَيْمٌ يَأْمَنُ في المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَّهم قَدْ أرْسَلُوا إلى المُشْكِرِينَ يَسْألُونَهم خَمْسِينَ مِن رُهُنِهِمْ لِيَخْرُجُوا مَعَهُمْ، فَأبَوْا أنْ يَبْعَثُوا إلَيْهِمْ بِالرُّهُنِ، فَصارُوا حَرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، فَبَعَثَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ وخَوّاتَ بْنَ جُبَيْرٍ، فَلَمّا أتَياهم قالَ عَظِيمُهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ: إنَّهُ قَدْ كانَ لِي جَناحانِ فَقَطَعْتُمْ أحَدَهُما، فَإمّا أنْ تَرُدُّوا عَلَيَّ جَناحِي، وإمّا أنْ أتَّخِذَ عَلَيْكم جَناحًا، فَقالَ خَوّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنِّي لَأهُمُّ أنْ أطْعَنَهُ بِحَرْبَتِي، فَقالَ لَهُ سَعْدٌ: إذَنْ تَسْبِقَ القَوْمَ ويَأْخُذُونِي، فَمَنَعَهُ، فَرَجَعا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثاهُ بِالَّذِي كانَ مِن أمْرِهِما، وأذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ، ورَجَعَ الأحْزابُ، ووَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ – سِلاحَهُ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: والَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ما نَزَلْتُ عَنْ ظَهْرِها مُنْذُ نَزَلَ بِكَ المُشْرِكُونَ حَتّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ، فَسِرْ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أذِنَ لَكَ في قُرَيْظَةَ، فَأتاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ هو وأصْحابُهُ فَقالَ لَهم: «يا إخْوَةَ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ»، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ: ما كُنْتَ فَحّاشًا، فَنَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، وكانَ مِنَ القَبِيلَةِ الَّذِينَ هم حُلَفاءُ، فَحَكَمَ فِيهِمْ أنْ تُقْتَلَ مُقاتِلَتَهُمْ، وتُقَسَمَ غَنائِمُهم وأمْوالُهُمْ، ويَذْكُرُونَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «بِحُكْمِ اللَّهِ حَكَمَ» فَضَرَبَ أعْناقَهُمْ، وقَسَمَ غَنائِمَهم وأمْوالَهم» .

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ قالَ: «أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي (p-٣٤٦)النَّضِيرِ» في حاجَةٍ، فَهَمُّوا بِهِ، فَأطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَنَدَبَ النّاسَ إلَيْهِمْ، فَصالَحَهم عَلى أنَّ لَهُمُ الصَّفْراءَ والبَيْضاءَ وما أقَلَّتِ الإبِلُ، ولِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ النَّخْلَ والأرْضَ والحَلْقَةَ، فَقَسَمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ، ولَمْ يُعْطِ أحَدًا مِنَ الأنْصارِ مِنها شَيْئًا إلّا سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، وأبا دُجانَةَ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَدا يَوْمًا إلى النَّضِيرِ؛ لِيَسْألَهم كَيْفَ الدِّيَةُ فِيهِمْ، فَلَمّا لَمْ يَرَوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ كَثِيرَ أحَدٍ، أبْرَمُوا بَيْنَهم عَلى أنْ يَقْتُلُوهُ، ويَأْخُذُوا أصْحابَهُ أُسارى؛ لِيَذْهَبُوا بِهِمْ إلى مَكَّةَ، لِيَبِيعُوهم مِن قُرَيْشٍ، فَبَيْنَما هم عَلى ذَلِكَ جاءَ جاءٍ مِنَ اليَهُودِ مِنَ المَدِينَةِ، فَلَمّا رَأى أصْحابَهُ يَأْتَمِرُونَ بِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ لَهم: ما تُرِيدُونَ؟ قالُوا: نُرِيدُ أنْ نَقْتُلَ مُحَمَّدًا ونَأْخُذَ أصْحابَهُ، فَقالَ لَهم: وأيْنَ مُحَمَّدٌ؟ قالُوا: هَذا مُحَمَّدٌ قَرِيبٌ مِنّا، فَقالَ لَهم صاحِبُهم: واللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُ مُحَمَّدًا داخِلَ المَدِينَةِ، فَأُسْقِطَ بِأيْدِيهِمْ، وقالُوا: قَدْ أُخْبِرَ أنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ ما بَيْنَنا وبَيْنَهُ مِنَ العَهْدِ، فانْطَلَقَ مِنهم سِتُّونَ حَبْرًا ومِنهم حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ حَتّى دَخَلُوا عَلى كَعْبٍ، وقالُوا: (p-٣٤٧)يا كَعْبُ، أنْتَ سَيِّدُ قَوْمِكَ ومَدْحُهُمُ، احْكم بَيْنَنا وبَيْنَ مُحَمَّدٍ، فَقالَ لَهم كَعْبٌ: أخْبِرُونِي ما عِنْدَكُمْ؟ قالُوا: نُعْتِقُ الرِّقابَ، ونَذْبَحُ الكَوْماءَ، وإنَّ مُحَمَّدًا انْبَتَرَ مِنَ الأهْلِ والمالِ.

فَشَرَّفَهم كَعْبٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – فانْقَلَبُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٢] [النِّساءِ: ٥١، ٥٢] .

وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيما أرادُوا أنْ يَقْتُلُوهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١] الآيَةَ [المائِدَةِ: ١١] فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن يَكْفِينِي كَعْبًا» ؟ فَقالَ ناسٌ مِن أصْحابِهِ فِيهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: نَحْنُ نَكْفِيكَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، ونَسْتَحِلُّ مِنكَ شَيْئًا، فَجاءُوهُ فَقالُوا: يا كَعْبُ، إنَّ مُحَمَّدًا كَلَّفَنا الصَّدَقَةَ، فَبِعْنا شَيْئًا - قالَ عِكْرِمَةُ: فَهَذا الَّذِينَ اسْتَحَلُّوهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - فَقالَ لَهم كَعْبٌ: ارْهَنُونِي أوْلادَكُمْ، فَقالُوا: ذاكَ عارٌ فِينا غَدًا، قَبِيحٌ أنْ يَقُولُوا: عَبْدُ وسْقِ شَعِيرٍ، قالَ كَعْبٌ: فاللَّأْمَةَ - قالَ عِكْرِمَةُ: وهي السِّلاحُ - فَأصْلَحُوا أمْرَهم عَلى ذَلِكَ، فَقالُوا: مَوْعِدُ ما بَيْنَنا وبَيْنَكَ القابِلَةُ، حَتّى إذا كانَتِ القابِلَةُ راحُوا إلَيْهِ، ورَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (p-٣٤٨)فِي المُصَلّى يَدْعُو لَهم بِالظَّفَرِ، فَلَمّا جاءُوا، نادَوْهُ: يا كَعْبُ، وكانَ عَرُوسًا، فَأجابَهُمْ، فَقالَتِ امْرَأتُهُ، وهي بِنْتُ عُمَيْرٍ: أيْنَ تَنْزِلُ، قَدْ أيْقَنْتُ السّاعَةَ رِيحَ الدَّمِ، فَهَبَطَ، وعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُوَرَّسَةٌ، ولَهُ ناصِيَةٌ، فَلَمّا نَزَلَ إلَيْهِمْ قالَ القَوْمُ: ما أطْيَبَ رِيحَكَ! فَفَرِحَ بِذَلِكَ، فَقامَ إلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقالَ قائِلُ المُسْلِمِينَ: أشِمُّونا مِن رِيحِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى ثَوْبِ كَعْبٍ، وقالَ: شُمُّوا فَشَمُّوا، وهو يَظُنُّ أنَّهم يُعْجَبُونَ بِرِيحِهِ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: بَقِيتُ أنا أيْضًا، فَمَضى إلَيْهِ فَأخَذَ بِناصِيَتِهِ، ثُمَّ قالَ: اجْلِدُوا عُنُقَهُ، فَجَلَدُوا عُنُقَهُ.

ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَدا إلى النَّضِيرِ، فَقالُوا: ذَرْنا نَبْكِ سَيِّدَنا، قالَ: «لا»، قالُوا: فَحَزَّةٌ عَلى حَزَّةٍ، قالَ: «نَعَمْ، حَزَّةٌ عَلى حَزَّةٍ»، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ جَعَلُوا يَأْخُذُونَ مِن بُطُونِ بُيُوتِهِمُ الشَّيْءَ لِيَنْجُوا بِهِ، والمُؤْمِنُونَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم مِن خارِجٍ لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، فَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ - قالَ عِكْرِمَةُ: والجَلاءُ يُجْلُونَ مِنهم - لَقَتَلَهم بِأيْدِيهِمْ، وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ أُناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ لَمّا دَخَلُوا عَلى بَنِي النَّضِيرِ أخَذُوا يَقْطَعُونَ النَّخْلَ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ [البقرة: ٢٠٥] [البَقَرَةِ: ٢٠٥]، وقالَ قائِلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: ﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾ [التوبة: ١٢١] [التَّوْبَةِ: ١٢١] ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلا إلا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] [التَّوْبَةِ: ١٢٠] فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ وهي النَّخْلَةُ، ﴿أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ (p-٣٤٩)قالَ: ما قَطَعْتُمْ فَبِإذْنِي وما تَرَكْتُمْ فَبِإذْنِي» .

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: كانَ المُسْلِمُونَ يُخْرِبُونَ ما يَلِيهِمْ مِن ظاهِرِها؛ لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، ويُخْرِبُها اليَهُودُ مِن داخِلِها.

أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ» عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ، «فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – يُقاتِلُهُمْ، فَإذا ظَهَرَ عَلى دَرْبٍ أوْ دارٍ هَدَمَ حِيطانَها؛ لِيَتَّسِعَ المَكانُ لِلْقِتالِ، وكانَتِ اليَهُودُ إذا غُلِبُوا عَلى دَرْبٍ أوْ دارٍ نَقَبُوها مِن أدْبارِها، ثُمَّ حَصَّنُوها، ودَرَّبُوها، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ يَعْنِي بِاللِّينَةِ النَّخْلَةَ، وهي أعْجَبُ إلى اليَهُودِ مِنَ الوَصِيفِ، يُقالُ لِثَمَرِها: اللَّوْنُ، فَقالَتِ اليَهُودُ عِنْدَ قَطْعِ النَّبِيِّ ﷺ نَخْلَهم وعَقْرِ شَجَرِهِمْ: يا مُحَمَّدُ، زَعَمْتَ أنَّكَ تُرِيدُ الإصْلاحَ، أفَمِنَ الإصْلاحِ عَقْرُ الشَّجَرِ، وقَطْعُ النَّخْلِ، والفَسادُ؟! فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ووَجَدَ المُسْلِمُونَ مِن قَوْلِهِمْ في أنْفُسِهِمْ مِن قَطْعِهِمُ النَّخْلَ (p-٣٥٠)خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ فَسادًا، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَقْطَعُوا فَإنَّهُ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْنا، فَقالَ الَّذِينَ يَقْطَعُونَها: نَغِيظُهم بِقَطْعِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ - يَعْنِي النَّخْلَ - فَبِإذْنِ اللَّهِ، وما تَرَكْتُمْ ﴿قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَطابَتْ نَفْسُ النَّبِيِّ ﷺ وأنْفُسُ المُؤْمِنِينَ، ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ يَعْنِي يَهُودَ أهْلِ النَّضِيرِ، وكانَ قَطْعُ النَّخْلِ وعَقْرُ الشَّجَرِ خِزْيًا لَهم» .

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ «فِي قَوْلِهِ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ﴾ قالَ: لَمّا صالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ كانُوا لا يُعْجِبُهم خَشَبَةٌ إلّا أخَذُوها، فَكانَ ذَلِكَ تَخْرِيبَها» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском