Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:98–109
10:98Page 220
فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ ٩٨
Then has there not been a [single] city that believed so its faith benefited it except the people of Jonah? When they believed, We removed from them the punishment of disgrace in worldly life and gave them enjoyment [i.e., provision] for a time.
(p-٣٣٩٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٨ ] ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾
﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ أيْ فَهَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى المُهْلَكَةِ آمَنَتْ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ، ولَمْ تُؤَخِّرْ إيمانَها إلى حِينِ مُعايَنَتِهِ، كَما فَعَلَ فِرْعَوْنُ، وفي هَذا التَّخْصِيصِ مَعْنى التَّوْبِيخِ ﴿فَنَفَعَها إيمانُها﴾ بِأنْ يَقْبَلَهُ اللَّهُ مِنها، ويَكْشِفَ عَنْها بِسَبَبِهِ العَذابَ، ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ﴾ أيْ لَكِنَّ قَوْمَهُ ﴿لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ إلى آجالِهِمْ.
هَذا، وقَدْ جَوَّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ، لِتَضَمُّنِ حَرْفِ التَّحْضِيضِ مَعْناهُ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ القُرى أهالِيها، كَأنَّهُ قالَ: ما آمَنَ أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ القُرى العاصِيَةِ فَنَفَعَهم إيمانُهم إلّا قَوْمَ يُونُسَ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِ.
رُوِيَ أنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى نِينَوى، مِن أرْضِ المُوصِلِ، وكانَتْ مَدِينَةً عَظِيمَةً، مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وهي قَصَبَةُ بِلادِ الآشُورِيِّينَ، بانِيها آشُورُ أوْ نِينُوسُ بْنُ نَمْرُودَ، وكِلاهُما مِن أوْلادِ بَنِي نُوحٍ، وكانَتْ مِن أقْدَمِ مُدُنِ العالَمِ وأشْهَرِها، والمُؤَرِّخُونَ الوَثَنِيُّونَ يَصِفُونَها بِأنَّ ارْتِفاعَ أسْوارِها كانَ مِائَةَ قَدَمٍ، ودائِراتُها سِتُّونَ مِيلًا، وهي مُحَصَّنَةٌ بِألْفٍ وخَمْسِمِائَةِ قَلْعَةٍ، طُولُ الواحِدَةِ مِنهُنَّ مِائَتا قَدَمٍ. قِيلَ: أهْلُها كانُوا يَبْلُغُونَ نَحْوَ سِتِّمِائَةِ ألْفٍ. وخُلَفاءُ نَمْرُودَ في هَذِهِ المَدِينَةِ دَأبُوا عَلى تَحْسِينِها، وتَوْسِيعِ بِنائِها، وقَوِيَتْ شَوْكَةُ الآشُورِيِّينَ في تِلْكَ الأيّامِ حَتّى خَضَعَ لَهم أكْثَرُ مَمالِكَ آسْيا، فَتَجَبَّرُوا وتَمَرَّدُوا، وكانُوا كُلَّما ظَفِرُوا في غاراتِهِمْ يَسْتَغْرِقُونَ في النَّهْبِ والمَظالِمِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْمُهُ في العِبْرِيَّةِ (يُونانُ)، لِيُنْذِرَهم بِأنَّهم لِكُفْرِهِمْ واقْتِرافِهِمُ المُوبِقاتِ سَيَحِلُّ بِهِمُ العَذابُ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَتَنْقَلِبُ بِهِمْ نِينَوى. ثُمَّ خَرَجَ يُونُسُ مِن بَيْنِهِمْ فَأصْحَرَ، فَلَمّا فَقَدُوهُ وبَلَغَ أمِيرَهم قَوْلُ يُونُسَ؛ (p-٣٣٩٩)تَخَوَّفُوا نُزُولَ العَذابِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قَلْبِ أمِيرِهِمُ الإيمانَ والتَّوْبَةَ، فَنَزَلَ عَنْ عَرْشِهِ، وألْقى عَنْهُ حُلَّتَهُ، والتَفَّ بِمَسْحٍ، وجَلَسَ عَلى التُّرابِ، وآمَنَ بِاللَّهِ، وآمَنَ أهْلُ نِينَوى كُلُّهُمْ، وأمَرَ أنْ يُنادى بِنِينَوى بِالصِّيامِ، فَلا يَذُوقُ أحَدٌ طَعامًا ولا شَرابًا، وألّا تَرْعى البَهائِمُ ولا تُسْقى، وأنْ يَلْبَسَ النّاسُ المُسُوحَ، صَغِيرُهم وكَبِيرُهُمْ، وأنْ يَجْتَمِعُوا في صَعِيدٍ واحِدٍ، يَجْهَرُونَ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ، والإنابَةِ إلَيْهِ، والِاسْتِغْفارِ لَهُ، والتَّوْبَةِ عَمّا أسْلَفُوا مِنَ الظُّلْمِ والجُرْمِ، وأنْ يُحْضِرُوا أطْفالَهم وذَوِيهِمْ ومَواشِيَهم مَعَهم. فَفَعَلُوا وتَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ، واسْتَكانُوا لِجَلالِهِ، وسَألُوهُ أنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ العَذابَ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ نَبِيُّهم. فَلَمّا عَلِمَ مِنهُمُ الصِّدْقَ مِن قُلُوبِهِمْ، والتَّوْبَةَ والنَّدامَةَ عَلى ما مَضى مِنهُمْ، كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ ورَحِمَهم. وسَيَأْتِي في (سُورَةِ الصّافّاتِ) زِيادَةٌ في نَبَأِ يُونُسَ عَمّا هُنا.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: يَرْوِي بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هُنا أنَّ العَذابَ تَدَلّى عَلَيْهِمْ، وغَشِيَهُمْ، وجَعَلَ يَدُورُ عَلى رُؤُوسِهِمْ، وغامَتِ السَّماءُ غَيْمًا أسْوَدَ، ونَحْوَ هَذا. ولَيْسَ في التَّنْزِيلِ بَيانٌ لِهَذا، ولا في صَحِيحِ السُّنَّةِ، وكَأنَّ مَن زَعَمَهُ فَهِمَهُ مِن لَفْظِ (كَشَفْنا)، ولا صَراحَةَ فِيهِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: مَعْنى ﴿كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ﴾ أيِ العَذابَ الَّذِي وعَدَهم يُونُسُ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ لا أنَّهم رَأوْهُ حِينَئِذٍ، فَلا خُصُوصِيَّةَ، أيْ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّ هَذا الكَشْفَ لَمْ يَكُنْ لِأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ إلّا لِقَوْمِ يُونُسَ خاصَّةً، فَإنَّهُ لَمْ يَقَعْ بِهِمُ العَذابُ، وإنَّما رَأوْا عَلامَتَهُ.
الثّانِي: في الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ بِأجْمَعِها بِنَبِيِّها المُرْسَلِ إلَيْها مِن سائِرِ القُرى، إثْرَ بِعْثَتِهِ وإنْذارِهِ، إلّا قَوْمَ يُونُسَ، والبَقِيَّةُ دَأْبُهُمُ التَّكْذِيبُ، كُلُّهم أوْ أكْثَرُهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]
(p-٣٤٠٠)وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««عُرِضَ عَلَيَّ الأنْبِياءُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَمُرُّ ومَعَهُ الفِئامُ مِنَ النّاسِ، والنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ، والنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلانِ، والنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ»» .
الثّالِثُ: أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: إنَّ الحَذَرَ لا يَرُدُّ القَدَرَ، وإنَّ الدُّعاءَ يَرُدُّ القَدَرَ، وذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدُّعاءُ يَرُدُّ القَضاءَ، وقَدْ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ. اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا، «فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا﴾ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «دَعَوْا»» -كَذا في (الإكْلِيلِ)-.
وقَوْلُهُ تَعالى:
10:99Page 220
وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٩٩
And had your Lord willed, those on earth would have believed - all of them entirely. Then, [O Muḥammad], would you compel the people in order that they become believers?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٩ ] ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾
﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهُمْ﴾ أيْ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ عَنْهم أحَدٌ ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ، لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. أيْ: لَكِنَّهُ لا يَشاؤُهُ لِمُخالَفَتِهِ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْها أساسُ التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ أيْ عَلى ما لَمْ يَشَأِ اللَّهُ مِنهم ﴿حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْكَ، ولا إلَيْكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٣٤٠١)﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ وتَرْوِيحٌ لِقَلْبِهِ مِمّا كانَ يَحْرِصُ عَلَيْهِ مِن إيمانِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨]
ولِذا قالَ تَعالى:
10:100Page 220
وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تُؤۡمِنَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَجۡعَلُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٠
And it is not for a soul [i.e., anyone] to believe except by permission of Allāh, and He will place defilement1 upon those who will not use reason.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٠ ] ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾
﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِإرادَتِهِ وتَوْفِيقِهِ، فَلا تُجْهِدْ نَفْسَكَ في هُداها، فَإنَّهُ إلى اللَّهِ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ أيِ الخِذْلانَ ﴿عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ حُجَجَهُ وأدِلَّتَهُ، لِما عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الطَّبْعِ.
10:101Page 220
قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ١٠١
Say, "Observe what is in the heavens and the earth." But of no avail will be signs or warners to a people who do not believe.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠١ ] ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾
﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ أيْ تَفَكَّرُوا ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ. قالَ السُّيُوطِيُّ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ والِاجْتِهادِ، وتَرْكِ التَّقْلِيدِ في الِاعْتِقادِ. ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ وما تَنْفَعُ الآياتُ والرُّسُلُ المُنْذِرُونَ، أوِ الإنْذاراتُ عَمَّنْ لا يُؤْمِنُ، و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ أوْ نافِيَةٌ.
10:102Page 220
فَهَلۡ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثۡلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ قُلۡ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ١٠٢
So do they wait except for like [what occurred in] the days of those who passed on before them? Say, "Then wait; indeed, I am with you among those who wait."
(p-٣٤٠٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٢ ] ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾
﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أوْ وقائِعِهِ تَعالى فِيهِمْ كَما يُقالُ (أيّامُ العَرَبِ) لِوَقائِعِها، مِنَ التَّعْبِيرِ بِالزَّمانِ عَمّا وقَعَ فِيهِ، كَما يُقالُ (المَغْرِبُ) لِلصَّلاةِ الواقِعَةِ فِيهِ. ﴿قُلْ﴾ أيْ تَهْدِيدًا لَهم ﴿فانْتَظِرُوا﴾ أيْ ما هو عاقِبَتُكُمْ، ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ:
10:103Page 220
ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيۡنَا نُنجِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٣
Then We will save Our messengers and those who have believed. Thus, it is an obligation upon Us that We save the believers.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٣ ] ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾
﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: نُهْلِكُ الأُمَمَ ثُمَّ نُنْجِي رُسُلَنا المُرْسَلَةَ إلَيْهِمْ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مِن كُلِّ شِدَّةٍ وعَذابٍ. وقَوْلُهُ تَعالى:
10:104Page 220
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي شَكّٖ مِّن دِينِي فَلَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنۡ أَعۡبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُمۡۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٤
Say, [O Muḥammad], "O people, if you are in doubt as to my religion - then I do not worship those which you worship besides Allāh; but I worship Allāh, who causes your death. And I have been commanded to be of the believers
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٤ ] ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾
﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ إنَّما أُوثِرَ الخِطابُ بِاسْمِ الجِنْسِ -أعْنِي النّاسَ- مَصْدَرًا بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ؛ تَعْمِيمًا لِلتَّبْلِيغِ، وإظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ ما بَلَّغَ إلَيْهِمْ، وعَبَّرَ عَمّا هم فِيهِ مِنَ القَطْعِ بِالشَّكِّ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ أقْصى ما يُمْكِنُ خُطُورُهُ، (p-٣٤٠٣)وإلّا فَإنَّ وُضُوحَ صِحَّتِهِ، وبُرْهانَ حَقِّيَّتِهِ أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ في رائِعَةِ النَّهارِ. وقَدَّمَ تَرْكَ عِبادَةِ الغَيْرِ عَلى عِبادَتِهِ تَعالى؛ إيذانًا بِمُخالَفَتِهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وفي تَخْصِيصِ التَّوَفِّي بِالذِّكْرِ مُتَعَلِّقًا بِهِمْ - ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْدِيدِ؛ إذْ لا شَيْءَ أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ المَوْتِ. ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِأعْلى مَراتِبِ التَّوْحِيدِ.
10:105Page 220
وَأَنۡ أَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٥
And [commanded], 'Direct your face [i.e., self] toward the religion, inclining to truth, and never be of those who associate others with Allāh;
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٥ ] ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ أيْ مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ.
لَطِيفَتانِ:
الأُولى: إقامَةُ الوَجْهِ لِلدِّينِ كِنايَةٌ عَنْ تَوْجِيهِ النَّفْسِ بِالكُلِّيَّةِ إلى عِبادَتِهِ تَعالى، والإعْراضِ عَمّا سِواهُ، فَإنَّ مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى شَيْءٍ نَظَرَ اسْتِقْصاءٍ، يُقِيمُ وجْهَهُ في مُقابَلَتِهِ، بِحَيْثُ لا يَلْتَفِتُ يَمِينًا ولا شِمالًا؛ إذْ لَوِ التَفَتَ بَطَلَتِ المُقابَلَةُ، فَلِذا كُنِّيَ بِهِ عَنْ صَرْفِ العَمَلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى الدِّينِ، فالمُرادُ بِالوَجْهِ الذّاتُ. أيِ اصْرِفْ ذاتَكَ وكُلِّيَّتَكَ لِلدِّينِ، فاللّامُ صِلَةٌ.
الثّانِيَةُ: جُمْلَةُ (وأنْ أقِمْ) عَطْفٌ عَلى (أنْ أكُونَ). وجازَ حِكايَةُ صِلَةِ (أنَّ) بِصِيغَةِ الأمْرِ، لِأنَّهُ لا فَرْقَ في صِلَةِ المَوْصُولِ الحَرْفِيِّ بَيْنَ الطَّلَبِ وبَيْنَ الخَبَرِ، لِأنَّ القَصْدَ وصْلُها بِما يَتَضَمَّنُ مَعْنى المَصْدَرِ، وهو يَحْصُلُ بِكُلِّ فِعْلٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ هُنا فِعْلًا مُقَدَّرًا. أيْ وأُوحِيَ إلَيَّ أنْ أقِمْ، وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (أنْ) مَصْدَرِيَّةً ومُفَسِّرَةً، لِأنَّ في المُقَدَّرِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حَرْفِهِ، ثُمَّ رَجَّحَهُ بِأنَّهُ يَزُولُ فِيهِ قَلَقُ العَطْفِ، ويَكُونُ الخِطابُ في وجْهِكَ في مَحَلِّهِ. ورُدَّ بِأنَّ الجُمْلَةَ المُفَسَّرَةَ لا يَجُوزُ حَذْفُها، ولا قَلَقَ في هَذا العَطْفِ، وأمْرُ الخِطابِ سَهْلٌ؛ لِأنَّهُ لِمُلاحَظَةِ المَحْكِيِّ، والأمْرِ المَذْكُورِ مَعَهُ، كَذا في (العِنايَةِ).
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَهْيِيجٌ وحَثٌّ لَهُ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَنعٌ لِغَيْرِهِ، كَما تَقَدَّمَ.
10:106Page 220
وَلَا تَدۡعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَۖ فَإِن فَعَلۡتَ فَإِنَّكَ إِذٗا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٦
And do not invoke1 besides Allāh that which neither benefits you nor harms you, for if you did, then indeed you would be of the wrongdoers.'"2
(p-٣٤٠٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٦ ] ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾
﴿ولا تَدْعُ﴾ أيْ: لا تَعْبُدُ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ﴾ أيْ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ إنْ عَبَدْتَهُ ﴿ولا يَضُرُّكَ﴾ إنْ لَمْ تَعْبُدْهُ ﴿فَإنْ فَعَلْتَ﴾ أيْ: عَبَدْتَهُ ﴿فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الضّارِّينَ لِنَفْسِكَ، أوْ بِوَضْعِ الأمْرِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]
10:107Page 221
وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٧
And if Allāh should touch you with adversity, there is no remover of it except Him; and if He intends for you good, then there is no repeller of His bounty. He causes it to reach whom He wills of His servants. And He is the Forgiving, the Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٧ ] ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لَمّا نَهى تَعالى عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، ووَصَفَها بِأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الضّارُّ النّافِعُ، الَّذِي إنْ أصابَ بِضُرٍّ لَمْ يَقْدِرْ عَلى كَشْفِهِ إلّا هو وحْدَهُ، دُونَ كُلِّ أحَدٍ، فَكَيْفَ بِالجَمادِ الَّذِي لا شُعُورَ بِهِ؟! وكَذَلِكَ إنْ أرادَ بِخَيْرٍ لَمْ يَرُدَّ أحَدٌ ما يُرِيدُهُ مِن فَضْلِهِ وإحْسانِهِ، فَكَيْفَ بِالأوْثانِ؟! فَهو الحَقِيقِيُّ، إذًا بِأنْ تُوَجِّهَ إلَيْهِ العِبادَةَ دُونَها.
لَطائِفُ:
قِيلَ: ذَكَرَ المَسَّ في أحَدِهِما، والإرادَةَ في الثّانِي، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُما مُتَلازِمانِ، فَما يُرِيدُهُ يُصِيبُهُ، وما يُصِيبُهُ لا يَكُونُ إلّا بِإرادَتِهِ، لَكِنَّهُ صَرَّحَ في كُلٍّ مِنهُما بِأحَدِ الأمْرَيْنِ؛ إشارَةٌ إلى أنَّ الخَيْرَ مَقْصُودٌ بِالذّاتِ لَهُ تَعالى، والضُّرُّ إنَّما وقَعَ جَزاءً لَهم عَلى أعْمالِهِمْ، ولَيْسَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ، فَلِذا لَمْ يُعَبَّرْ فِيهِ بِالإرادَةِ.
(p-٣٤٠٥)وقِيلَ: قَصَدَ الإيجازَ، فَذَكَرَ في كُلٍّ مِنَ الفِقْرَتَيْنِ المُتَقابِلَتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى إرادَةِ مِثْلِهِ في الأُخْرى لِاقْتِضاءِ المَقامِ تَأْكِيدُ كُلٍّ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وهو نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى احْتِباكًا.
قالَ أبُو السُّعُودِ: عَلى أنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِالإصابَةِ حَيْثُ قِيلَ (يُصِيبُ بِهِ) إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِجانِبِ الخَيْرِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَرْكُ الِاسْتِثْناءِ فِيهِ، أيْ: يُصِيبُ بِفَضْلِهِ الواسِعِ المُنْتَظِمِ لِما أرادَكَ بِهِ مِنَ الخَيْرِ.
رَوى ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««اطْلُبُوا الخَيْرَ دَهْرَكم كُلَّهُ، وتَعَرَّضُوا لِنَفَخاتِ رَبِّكُمْ، فَإنَّ لِلَّهِ نَفَخاتٍ مِن رَحْمَتِهِ، يُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، واسْألُوهُ أنْ يَسْتُرَ عَوْراتِكُمْ، ويُؤَمِّنَ رَوْعاتِكم»» . ورَواهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ بِمِثْلِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
10:108Page 221
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ ١٠٨
Say, "O mankind, the truth has come to you from your Lord, so whoever is guided is only guided for [the benefit of] his soul, and whoever goes astray only goes astray [in violation] against it. And I am not over you a manager."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٨ ] ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾
﴿قُلْ﴾ أيْ لِأُولَئِكَ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ، بَعْدَ ما بَلَّغَتْهم دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وأنْذَرْتَهم ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ أيْ بِالإيمانِ بِهِ، ﴿فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أيْ مَنفَعَةَ اهْتِدائِهِ لَها خاصَّةً ﴿ومَن ضَلَّ﴾ أيْ بِالكُفْرِ بِهِ ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ َيْ فَوَبالُ الضَّلالِ عَلَيْها. والمَعْنى: لَمْ يَبْقَ لَكم بِمَجِيءِ الحَقِّ عُذْرٌ، ولا عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ، فَمَنِ اخْتارَ الهُدى واتِّباعَ الحَقِّ فَما نَفَعَ إلّا نَفْسَهُ، ومَن آثَرَ الضَّلالَ فَما ضَرَّ إلّا نَفْسَهُ، وفِيهِ تَنْزِيهُ ساحَةِ الرِّسالَةِ عَنْ شائِبَةِ غَرَضٍ عائِدٍ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ ضُرٍّ، كَما يَلُوحُ بِهِ إسْنادُ المَجِيءِ إلى الحَقِّ، مِن غَيْرِ إشْعارٍ يَكُونُ ذَلِكَ بِواسِطَتِهِ -أفادَهُ أبُو السُّعُودِ-.
﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ أيْ بِحَفِيظٍ مَوْكُولٍ إلَيَّ أمْرُكُمْ، وإنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ.
10:109Page 221
وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَٱصۡبِرۡ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ١٠٩
And follow what is revealed to you, [O Muḥammad], and be patient until Allāh will judge. And He is the best of judges.
(p-٣٤٠٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٩ ] ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾
﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ أيْ في التَّبْلِيغِ، وإنْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴿واصْبِرْ﴾ أيْ عَلى أذاهم في الدَّعْوَةِ، ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ أيْ لَكَ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ والغَلَبَةِ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ وقَدْ حَكَمَ وشاءَ قَتْلَهم وأسْرَهم يَوْمَ بَدْرٍ، ولَهُ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences