Al-QasimiYunus · 10:16–30

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:16–30

10:16Page 210

قُل لَّوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوۡتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَدۡرَىٰكُم بِهِۦۖ فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيكُمۡ عُمُرٗا مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦

Say, "If Allāh had willed, I would not have recited it to you, nor would He have made it known to you, for I had remained among you a lifetime before it.1 Then will you not reason?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٦ ] ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ تِلاوَتَهُ لَيْسَتْ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإحْداثِهِ أمْرًا عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العاداتِ، وهو أنْ يَخْرُجَ رَجُلٌ أُمِّيٌّ لَمْ يَتَعَلَّمْ ولَمْ يَسْتَمِعْ، ولَمْ يُشاهِدِ العُلَماءَ ساعَةً مِن عُمْرِهِ، ولا نَشَأ في بَلَدٍ فِيهِ عُلَماءُ، فَيَقْرَأُ عَلَيْكم كِتابًا فَصِيحًا، يَبْهَرُ كُلَّ كَلامٍ فَصِيحٍ، ويَعْلُو عَلى كُلِّ مَنثُورٍ ومَنظُومٍ، مَشْحُونًا بِعُلُومٍ مِن عُلُومِ الأُصُولِ والفُرُوعِ، وأخْبارٍ مِمّا كانَ ويَكُونُ ناطِقًا بِالغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ، وقَدْ بَلَغَ بَيْنَ ظَهْرانِيكم أرْبَعِينَ سَنَةً تَطَّلِعُونَ عَلى أحْوالِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكم شَيْءٌ مِن أسْرارِهِ، وما سَمِعْتُمْ مِنهُ حَرْفًا مِن ذَلِكَ، ولا عَرَفَهُ بِهِ أحَدٌ مِن أقْرَبِ النّاسِ مِنهُ، وألْصَقِهِمْ بِهِ.

(p-٣٣٣٢)﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ أيْ ولا أعْلَمَكم بِهِ عَلى لِسانِي ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ مِن قَبْلِ نُزُولِهِ، لا أتَعاطى شَيْئًا مِمّا يَتَعَلَّقُ بِنَحْوِهِ، ولا كُنْتُ مُتَواصِفًا بِعِلْمٍ وبَيانٍ، فَتَتَّهِمُونِي بِاخْتِراعِهِ. ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ فَتَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ، لا مِن مِثْلِي.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا جَوابٌ عَمّا دَسُّوهُ تَحْتَ قَوْلِهِمُ "ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا" مِن إضافَةِ الِافْتِراءِ إلَيْهِ.

تَنْبِيهٌ:

رَأى أبُو السُّعُودِ أنَّ الأنْسَبَ بِبِناءِ الجَوابِ فِيما سَلَفَ عَلى مُجَرَّدِ امْتِناعِ صُدُورِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً مُوجِبَةً لِلْعَذابِ العَظِيمِ، واقْتِصارِ حالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى اتِّباعِ الوَحْيِ، وامْتِناعِ الِاسْتِبْدادِ بِالرَّأْيِ، مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ هُناكَ ولا هاهُنا؛ لِكَوْنِ القُرْآنِ في نَفْسِهِ أمْرًا خارِجًا عَنْ طَوْقِ البَشَرِ، ولا لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، أنْ يَسْتَشْهِدَ هاهُنا عَلى المَطْلُوبِ مِمّا يُلائِمُ ذَلِكَ مِن أحْوالِهِ المُسْتَمِرَّةِ في تِلْكَ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ، مِن كَمالِ نَزاهَتِهِ عَمّا يُوهِمُ شائِبَةَ صُدُورِ الكَذِبِ والِافْتِراءِ عَنْهُ في حَقِّ أحَدٍ كائِنًا مَن كانَ. كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَعْقِيبُهُ بِتَظْلِيمِ المُفْتَرِي عَلى اللَّهِ تَعالى.

والمَعْنى: قَدْ لَبِثْتُ فِيما بَيْنَ ظَهْرانِيكم قَبْلَ الوَحْيِ، لا أتَعَرَّضُ لِأحَدٍ قَطُّ بِتَحَكُّمٍ ولا جِدالٍ، ولا أحُومُ حَوْلَ مَقالٍ فِيهِ شائِبَةُ شُبْهَةٍ. فَضْلًا عَمّا فِيهِ كَذِبٌ أوِ افْتِراءٌ، أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ المُطَّرِدُ في هَذا العَهْدِ البَعِيدِ، مُسْتَحِيلٌ أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ، ويَتَحَكَّمَ عَلى الخَلْقِ كافَّةً، بِالأوامِرِ والنَّواهِي المُوجِبَةِ لِسَفْكِ الدِّماءِ، وسَلْبِ الأمْوالِ، ونَحْوَ ذَلِكَ، وأنَّ ما أتى بِهِ وحْيٌ مُبِينٌ، تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ -انْتَهى-.

وما اسْتَنْسَبَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ هِرَقْلَ مِلْكِ الرُّومِ (p-٣٣٣٣)لِأبِي سُفْيانَ، فِيما سَألَهُ مِن صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ هِرَقْلُ لَهُ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قالَ؟ قالَ أبُو سُفْيانَ: فَقُلْتُ لا! وكانَ أبُو سُفْيانَ إذْ ذاكَ رَأْسَ الكَفَرَةِ، وزَعِيمَ المُشْرِكِينَ، ومَعَ هَذا اعْتَرَفَ بِالحَقِّ.

؎والفَضْلُ ما شَهِدَتْ بِهِ الأعْداءُ

فَقالَ لَهُ هِرَقْلُ: فَقَدْ أعْرِفُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ، ثُمَّ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ.

وقالَ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ لِلنَّجاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ: بَعَثَ اللَّهُ فِينا رَسُولًا نَعْرِفُ صِدْقَهُ ونَسَبَهُ وأمانَتَهُ، وقَدْ كانَتْ مُدَّةُ مَقامِهِ بَيْنَ أظْهُرِنا قَبْلَ النُّبُوَّةِ أرْبَعِينَ سَنَةً.

وعَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ: ثَلاثًا وأرْبَعِينَ سَنَةً، والصَّحِيحُ المَشْهُورُ الأوَّلُ.

10:17Page 210

فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٧

So who is more unjust than he who invents a lie about Allāh or denies His signs? Indeed, the criminals will not succeed.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٧ ] ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ [ ١٧ ].

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مَعْناهُ الجَحْدُ. أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ تَقَوَّلَ عَلى اللَّهِ تَعالى، وزَعَمَ أنَّهُ تَعالى أرْسَلَهُ وأوْحى إلَيْهِ، أوْ كَفَرَ بِآياتِهِ، كَما فَعَلَ المُشْرِكُونَ بِتَكْذِيبِهِمْ لِلْقُرْآنِ، وحَمْلِهِمْ عَلى أنَّهُ مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ لا يَنْجُونَ مِن مَحْذُورٍ، ولا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ومَن قالَ سَأُنْـزِلُ مِثْلَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] وتَرْتِيبُ عَدَمِ الفَلاحِ عَلى مَنِ افْتَرى الوَحْيَ، وعْدُهُ صادِقٌ بِلا مِرْيَةٍ، فَإنَّ مُفْتَرِيَهُ يَبُوءُ بِالخِزْيِ والنَّكالِ، ولا يَشْتَبِهُ أمْرُهُ عَلى أحَدٍ بِحالٍ.

(p-٣٣٣٤)وقَدْ ذَكَرَ أنَّ عَمْرَو بْنَ العاصِ وفَدَ عَلى مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ -وكانَ صَدِيقًا لَهُ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ عَمْرٌو لَمْ يُسْلِمْ بَعْدُ- فَقالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ: ويْحَكَ يا عَمْرُو! وماذا أُنْزِلَ عَلى صاحِبِكم -يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- في هَذِهِ المُدَّةِ؟ فَقالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ أصْحابَهُ يَقْرَؤُونَ سُورَةً عَظِيمَةً قَصِيرَةً. فَقالَ: وما هِيَ؟ فَقالَ: ﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١] ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ [العصر: ٢] إلَخْ، فَفَكَّرَ مُسَيْلِمَةُ ساعَةً ثُمَّ قالَ: وأنا قَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ مِثْلُهُ! فَقالَ: وما هُوَ؟ فَقالَ: يا وبْرُ يا وبْرُ.. إنَّما أنْتَ أُذُنانِ وصَدْرٌ، وسائِرُكَ حَقْرُ نَقْرٍ. كَيْفَ تَرى يا عَمْرُو؟ فَقالَ لَهُ عَمْرٌو: واللَّهِ! إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنِّي أعْلَمُ أنَّكَ لَكَذّابٌ.

وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ انْجَفَلَ النّاسُ، فَكُنْتُ فِيمَنِ انْجَفَلَ مِنهُ، فَلَمّا رَأيْتُهُ عَرَفْتُ أنَّ وجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذّابٍ. قالَ: فَكانَ أوَّلَ ما سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «أيُّها النّاسُ! أفْشُوا السَّلامَ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ، وصِلُوا الأرْحامَ، وصَلُّوا بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ»» . قالَ حَسّانُ:

؎لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آياتٌ مُبِينَةٌ كانَتْ بَدِيهَتُهُ تَأْتِيكَ بِالخَبَرِ

10:18Page 210

وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٨

And they worship other than Allāh that which neither harms them nor benefits them, and they say, "These are our intercessors with Allāh." Say, "Do you inform Allāh of something He does not know in the heavens or on the earth?" Exalted is He and high above what they associate with Him.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٨ ] ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾

﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ أيِ الأوْثانَ الَّتِي هي جَمادٌ (p-٣٣٣٥)لا تَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ، أيْ ومِن شَأْنِ المَعْبُودِ القُدْرَةُ عَلى ذَلِكَ. ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ أيْ أتُخْبِرُونَهُ بِكَوْنِهِمْ شُفَعاءَ عِنْدَهُ، وهو إنْباءٌ بِما لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لِلَّهِ، وإذا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ -وهُوَ العالِمُ المُحِيطُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ- لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، فَكانَ خَبَرًا لَيْسَ لَهُ مُخْبِرٌ عَنْهُ.

فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ أنْبَأُوا اللَّهَ بِذَلِكَ؟ قُلْتُ: هو تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وبِما ادَّعَوْهُ مِنَ المُحالِ الَّذِي هو شَفاعَةُ الأصْنامِ، وإعْلامٌ بِأنَّ الَّذِي أنْبَأُوا بِهِ باطِلٌ، فَكَأنَّهم يُخْبِرُونَهُ بِشَيْءٍ لا يَتَعَلَّقُ عِلْمُهُ بِهِ، كَما يُخْبَرُ الرَّجُلُ بِما لا يَعْلَمُهُ.

وقَوْلُهُ ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِهِ؛ لِأنَّ ما لَمْ يُوجَدْ فِيهِما فَهو مُنْتَفٍ مَعْدُومٌ -كَذا في الكَشّافِ-. ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنِ الشُّرَكاءِ الَّذِي يُشْرِكُونَهم بِهِ، أوْ عَنْ إشْراكِهِمْ.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ التَّوْحِيدَ والإسْلامَ مِلَّةٌ قَدِيمَةٌ كانَ عَلَيْها النّاسُ أجْمَعُ، فِطْرَةً وتَشْرِيعًا، بِقَوْلِهِ تَعالى:

10:19Page 210

وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٩

And mankind was not but one community [united in religion], but [then] they differed. And if not for a word1 that preceded from your Lord, it would have been judged between them [immediately] concerning that over which they differ.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩ ] ﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾

﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ حُنَفاءَ مُتَّفِقِينَ عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ، وهي فِطْرَةُ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ الَّتِي فُطِرَ عَلَيْها كُلُّ أحَدٍ ﴿فاخْتَلَفُوا﴾ بِاتِّباعِ الهَوى وعِبادَةِ الأصْنامِ، فالشِّرْكُ وفُرُوعُهُ جَهالاتٌ ابْتَدَعَها الغُواةُ صَرْفًا لِلنّاسِ عَنْ وُجْهَةِ التَّوْحِيدِ، ولِذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ بِآياتِهِ وحُجَجِهِ البالِغَةِ لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ"، ﴿ولَوْلا (p-٣٣٣٦)كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ بِتَأْخِيرِ الحُكْمِ بَيْنَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ عاجِلًا ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بِتَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، بِإبْقاءِ المُحِقِّ، وإهْلاكِ المُبْطِلِ.

10:20Page 210

وَيَقُولُونَ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۖ فَقُلۡ إِنَّمَا ٱلۡغَيۡبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ٢٠

And they say, "Why is a sign not sent down to him from his Lord?" So say, "The unseen is only for Allāh [to administer], so wait; indeed, I am with you among those who wait."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٠ ] ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾

﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها تَعَنُّتًا وعِنادًا، وكانُوا لا يَعْتَدُّونَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ العِظامِ المُتَكاثِرَةِ، الَّتِي لَمْ يَنْزِلْ عَلى أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِثْلُها، وكَفى بِالقُرْآنِ وحْدَهُ آيَةً باقِيَةً عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، بَدِيعَةً غَرِيبَةً في الآياتِ ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أيْ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ، المُسْتَأْثِرِ بِهِ، لا عِلْمَ لِي ولا لِأحَدٍ بِهِ. يَعْنِي أنَّ الصّارِفَ عَنْ إنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ أمْرٌ مُغَيَّبٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو.

﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ أيْ فِيما يَقْضِيهِ اللَّهُ تَعالى في عاقِبَةِ تَعَنُّتِكُمْ، فَإنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ. وقَدْ قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧] وقالَ تَعالى ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧] أيْ فَمِثْلُ هَؤُلاءِ أقَلُّ مِن أنْ يُجابُوا لِمُقْتَرَحِهِمْ، لِفَرْطِ عِنادِهِمْ. ولا يَخْفى أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ لَمّا قامَ بِهِ الدَّلِيلُ القاهِرُ عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، لِإعْجازِهِ، كانَ طَلَبُ آيَةٍ أُخْرى سِواهُ مِن مُقْتَرَحِهِمْ- مِمّا لا حاجَةَ لَهُ في صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وتَقْرِيرِ رِسالَتِهِ، فَمِثْلُها يَكُونُ مُفَوَّضًا إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، فَتَرُدُّ إلى غَيْبِهِ، وسَواءٌ أنَزَلَتْ أوْ لا، فَقَدْ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ، ووَضَحَتْ رِسالَتُهُ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ.

(p-٣٣٣٧)ثُمَّ أكَّدَ تَعالى ما هم عَلَيْهِ مِنَ العِنادِ واللَّجاجِ، مُشِيرًا إلى أنَّهم لا يُذْعِنُونَ، ولَوْ أُجِيبُوا لِمُقْتَرَحِهِمْ، بِما يَعْهَدُ مِنهم مِن عُدُولِهِمْ عَنْهُ تَعالى بَعْدَ كَشْفِهِمْ ضُرَّهم إلى الإشْراكِ، بِقَوْلِهِ:

10:21Page 211

وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ ٢١

And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allāh is swifter in strategy." Indeed, Our messengers [i.e., angels] record that which you conspire.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢١ ] ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾

﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ أيْ خالَطَتْهم حَتّى أحَسُّوا بِسُوءِ أثَرِها فِيهِمْ ﴿إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ أيْ يَتَبَيَّنُ مَكْرُهم ويَظْهَرُ كامِنُ شِرْكِهِمْ، فَهم في وقْتِ الضَّرّاءِ في الإقْبالِ عَلَيْهِ تَعالى لِكَشْفِها، كالمُخادِعِ الَّذِي يُظْهِرُ خِلافَ ما يُبْطِنُ، ثُمَّ يَنْجَلِي أمْرُهُ بَعْدُ ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ أيْ عُقُوبَةً، أيْ عَذابُهُ أسْرَعُ وُصُولًا إلَيْكم مِمّا يَأْتِي مِنكم في دَفْعِ الحَقِّ، وتَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِالمَكْرِ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ مَكْرِهِمْ وُجُودًا أوْ ذِكْرًا. ﴿إنَّ رُسُلَنا﴾ أيِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ أعْمالَكم ﴿يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ أيْ مَكْرُكُمْ، أوْ ما تَمْكُرُونَهُ، وهو تَحْقِيقٌ لِلِانْتِقامِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما دَبَّرُوا في إخْفائِهِ غَيْرُ خافٍ عَلى الحَفَظَةِ، فَضْلًا عَنِ العَلِيمِ الخَبِيرِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نَوْعًا مِن أنْواعِ مَكْرِهِمْ في آيَةِ إنْجائِهِمْ مِن لُجَجِ البَحْرِ بِقَوْلِهِ:

10:22Page 211

هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٢٢

It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them1 by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from every place and they expect to be engulfed, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٢ ] ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾

﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ أيِ السُّفُنِ (p-٣٣٣٨)﴿وجَرَيْنَ﴾ أيِ السُّفُنُ ﴿بِهِمْ﴾ أيْ بِالَّذِينَ فِيها ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ أيْ لَيِّنَةِ الهُبُوبِ، مُوافِقَةً لِلْمَرْغُوبِ ﴿وفَرِحُوا بِها﴾ لِأمْنِ الآياتِ ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ أيْ ذاتُ شِدَّةٍ ﴿وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أيْ أحاطَ بِهِمْ أسْبابُ الهَلاكِ، وهي شِدَّةُ المَوْجِ والرِّيحِ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ أيْ لِلتَّخَلُّصِ مِنها ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وهو الدُّعاءُ لِأنَّهم حِينَئِذٍ لا يَدْعُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيِ العابِدِينَ لَكَ شُكْرًا.

10:23Page 211

فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٣

But when He saves them, at once they commit injustice1 upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٣ ] ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ يا أيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ يُفْسِدُونَ فِيها، ويُسارِعُونَ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ونَحْوِهِ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أيِ النّاسِينَ نِعْمَةَ الخَلاصِ بِالإخْلاصِ واسْتِجابَةَ الدُّعاءِ ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ وبالُهُ عَلَيْكم. ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أوْ هو مَتاعٌ. أوْ خَبَرٌ ثانٍ أوْ هو الخَبَرُ لِـ (بَغْيُكُمْ) و(عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ مَصْدَرٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ نُمَتِّعُكم. أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لَهُ. أيْ تَبْغُونَ ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ في الدُّنْيا وهو وعِيدٌ بِجَزائِهِمْ عَلى البَغْيِ.

10:24Page 211

إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢٤

The example of [this] worldly life is but like rain which We have sent down from the sky that the plants of the earth absorb - [those] from which men and livestock eat - until, when the earth has taken on its adornment and is beautified and its people suppose that they have capability over it, there comes to it Our command by night or by day, and We make it as a harvest,1 as if it had not flourished yesterday. Thus do We explain in detail the signs for a people who give thought.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى شَأْنَ الدُّنْيا وقِصَرَ مُدَّةِ التَّمَتُّعِ بِها وقُرْبَ زَمانِ الرُّجُوعِ المَوْعُودِ بِقَوْلِهِ:

(p-٣٣٣٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٤ ] ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْـزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْـزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ أيِ امْتَزَجَ بِهِ لِسَرَيانِهِ فِيهِ، فالباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أوْ هي لِلسَّبَبِيَّةِ، أيِ اخْتَلَطَ بِسَبَبِهِ حَتّى خالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا، أيِ التَفَّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، والأوَّلُ أظْهَرُ ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ مِنَ الزُّرُوعِ والثِّمارِ والكَلَأِ والحَشِيشِ ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها﴾ أيْ حُسْنَها وبَهْجَتَها ﴿وازَّيَّنَتْ﴾ أيْ بِأصْنافِ النَّباتِ ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ أيْ مُتَمَكِّنُونَ مِن تَحْصِيلِ حُبُوبِها وثَمَرِها وحَصْدِها ﴿أتاها أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا ﴿لَيْلا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا﴾ أيْ كالمَحْصُودِ مِن أصْلِهِ ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ﴾ أيْ لَمْ تَنْبُتْ ﴿بِالأمْسِ﴾ أيْ قُبَيْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ. و(الأمْسُ) مَثَلٌ في الوَقْتِ القَرِيبِ ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ بِالأمْثِلَةِ تَقْرِيبًا ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ في مَعانِيها.

تَنْبِيهٌ:

قالَ القاشانِيُّ: البَغْيُ ضِدُّ العَدْلِ، فَكَما أنَّ العَدْلَ فَضِيلَةٌ شامِلَةٌ لِجَمِيعِ الفَضائِلِ، وهَيْأةٌ وحْدانِيَّةٌ لَها، فائِضَةٌ مِن نُورِ الوَحْدَةِ عَلى النَّفْسِ، فالبَغْيُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ غايَةِ الِانْهِماكِ في الرَّذائِلِ، بِحَيْثُ يَسْتَلْزِمُها جَمِيعًا، فَصاحَبَها في غايَةِ البُعْدِ عَنِ الحَقِّ، ونِهايَةِ الظُّلْمَةِ، كَما قالَ: الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ. فَلِهَذا قالَ: "عَلى أنْفُسِكُمْ" لا عَلى المَظْلُومِ؛ لِأنَّ المَظْلُومَ (p-٣٣٤٠)سَعِدَ بِهِ، وشَقِيَ الظّالِمُ غايَةَ الشَّقاءِ، وهو لَيْسَ إلّا مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا؛ إذْ جَمِيعُ الإفْراطاتِ والتَّفْرِيطاتِ المُقابِلَةِ لِلْعَدالَةِ تَمَتُّعاتٌ طَبِيعِيَّةٌ، ولَذّاتٌ حَيَوانِيَّةٌ، تَنْقَضِي بِانْقِضاءِ الحَياةِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي مَثَّلَها في سُرْعَةِ الزَّوالِ، وقِلَّةِ البَقاءِ، هَذا المَثَلُ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ، مِن تَزَيُّنِ الأرْضِ بِزُخْرُفِها مِن ماءِ المَطَرِ، ثُمَّ فَسادِها بِبَعْضِ الآفاتِ سَرِيعًا قَبْلَ الِانْتِفاعِ بِنَباتِها، ثُمَّ تَتْبَعُها الشَّقاوَةُ الأبَدِيَّةُ والعَذابُ الألِيمُ الدّائِمُ.

وفِي الحَدِيثِ: ««أسْرَعُ الخَيْرِ ثَوابًا صِلَةُ الرَّحِمِ، وأعْجَلُ الشَّرِّ عِقابًا البَغْيُ واليَمِينُ الفاجِرَةُ»»؛ لِأنَّ صاحِبَهُ تَتَراكَمُ عَلَيْهِ حُقُوقُ النّاسِ، فَلا تَحْتَمِلُ عُقُوبَتُهُ المَهْلَ الطَّوِيلَ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ حَقُّ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى.

وسَمِعْتُ بَعْضَ المَشايِخِ يَقُولُ: قَلَّما يَبْلُغُ الظّالِمُ والفاسِقُ أوانَ الشَّيْخُوخَةِ، وذَلِكَ لِمُبارَزَتِهِما اللَّهَ تَعالى في هَدْمِ النِّظامِ المَصْرُوفِ عِنايَتُهُ تَعالى إلى ضَبْطِهِ، ومُخالَفَتِهِما إيّاهُ في حِكْمَتِهِ وعَدْلِهِ. انْتَهى.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الدُّنْيا وسُرْعَةَ تَقَضِّيها، رَغَّبَ في الجَنَّةِ ودَعا إلَيْها، وسَمّاها دارَ السَّلامِ، أيْ مِنَ الآفاتِ والنَّقائِصِ، لِذِكْرِ الدُّنْيا بِما يُقابِلُهُ مِن كَوْنِها مَعْرَضًا لِلْآفاتِ كَما مَرَّ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

10:25–26Page 211

وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٢٥

And Allāh invites to the Home of Peace [i.e., Paradise] and guides whom He wills to a straight path.

۞ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٦

For them who have done good is the best [reward] - and extra.1 No darkness will cover their faces, nor humiliation. Those are companions of Paradise; they will abide therein eternally.

(p-٣٣٤١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٥ ] ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [ ٢٦ ] ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]

﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ أيْ يَدْعُو الخَلْقَ بِتَوْحِيدِهِ إلى جَنَّتِهِ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ دِينٍ قَيِّمٍ يَرْضاهُ، وهو الإسْلامُ.

﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] أيْ لِلَّذِينِ أحْسَنُوا النَّظَرَ، فَعَرَفُوا مَكْرَ الدُّنْيا والشَّهَواتِ، فَأعْرَضُوا عَنْها، وتَوَجَّهُوا إلى اللَّهِ تَعالى، فَعَبَدُوهُ كَأنَّهم يَرَوْنَهُ، المَثُوبَةُ الحُسْنى، وهي الجَنَّةُ، وزِيادَةً عَلى المَثُوبَةِ، وهي التَّفَضُّلُ كَما قالَ تَعالى: "ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ"، وأعْظَمُ أنْواعِهِ النَّظَرُ إلى وجْهِهِ تَعالى الكَرِيمِ. ولِذا تَواتَرَ تَفْسِيرُها بِالرُّؤْيَةِ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. ورَفَعَها ابْنُ جَرِيرٍ إلى النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى وكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وأُبَيٍّ. وكَذا ابْنُ أبِي حاتِمٍ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ صُهَيْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ [يونس: ٢٦] إلَخْ، وقالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، نادى مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ! إنَّ لَكم عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا، يُرِيدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ. فَيَقُولُونَ: ما هُوَ؟ ألَمْ يُثَقِّلْ مَوازِينَنا، ألَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنا ويُدْخِلْنا الجَنَّةَ ويُزَحْزِحْنا عَنِ النّارِ؟ قالَ: فَيَكْشِفُ لَهُمُ الحِجابَ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَواللَّهِ! ما أعْطاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ، ولا أقَرَّ لِأعْيُنِهِمْ»» وهَكَذا رَواهُ مُسْلِمٌ.

(p-٣٣٤٢)﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ﴾ [يونس: ٢٦] أيْ لا يَغْشاها غَبَرَةٌ سَوْداءُ مِن أثَرِ حُبِّ الدُّنْيا والشَّهَواتِ ﴿ولا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦] أيْ أثَرُ هَوانٍ، وكُسُوفُ بالٍ، مِن أثَرِ الِالتِفاتِ إلى ما دُونِ اللَّهِ تَعالى.

قالَ النّاصِرُ: وفي تَعْقِيبِ الزِّيادَةِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مِصْداقٌ لِصِحَّةِ تَفْسِيرِ الزِّيادَةِ بِالرُّؤْيَةِ الكَرِيمَةِ، فَإنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلى إكْرامِ وُجُوهِهِمْ بِالنَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ تَعالى، فَجَدِيرٌ بِهِمْ أنْ لا يَرْهَقَ وُجُوهَهم قَتَرُ البُعْدِ، ولا ذِلَّةُ الحِجابِ، عَكْسَ المَحْرُومِينَ المَحْجُوبِينَ، فَإنَّ وُجُوهَهم مُرْهَقَةٌ بِقَتَرِ الطَّرْدِ وذِلَّةِ البُعْدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ [يونس: ٢٦] أيِ الَّذِينَ أحْسَنُوا ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]

10:27Page 212

وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا وَتَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۖ كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧

But they who have earned [blame for] evil doings - the recompense of an evil deed is its equivalent, and humiliation will cover them. They will have from Allāh no protector. It will be as if their faces are covered with pieces of the night - so dark [are they]. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٧ ] ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ أيِ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ أيْ واقٍ يَقِيهِمُ العَذابَ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ﴾ أيْ أُلْبِسَتْ ﴿وُجُوهُهم قِطَعًا﴾ أيْ أجْزاءً ﴿مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ لِفَرْطِ سَوادِها وظُلْمَتِها. وذَلِكَ لِارْتِكابِهِمُ الهَيْئَةَ المُظْلِمَةَ مِنَ المُيُولِ الطَّبِيعِيَّةِ، والأعْمالِ الرَّدِيَّةِ، والقَصْدُ الإخْبارُ بِأبْدَعِ تَشْبِيهٍ عَنْ سَوادِ وُجُوهِهِمْ. وقَدْ ذَكَرَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ ما آيَةٍ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

10:28Page 212

وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ مَكَانَكُمۡ أَنتُمۡ وَشُرَكَآؤُكُمۡۚ فَزَيَّلۡنَا بَيۡنَهُمۡۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمۡ إِيَّانَا تَعۡبُدُونَ ٢٨

And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together - then We will say to those who associated others with Allāh, "[Remain in] your place, you and your 'partners.'"1 Then We will separate them,2 and their "partners" will say, "You did not used to worship us,3

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما يَنالُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الحَشْرِ مِنَ التَّوْبِيخِ والخِزْيِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

(p-٣٣٤٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٨ ] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ومَعْبُوداتِهِمْ لِلْمُقاوَلَةِ بَيْنَهم ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ أيْ مَعْبُودِيهِمْ بِاللَّهِ، مَعَ تَوَقُّعِهِمُ الشَّفاعَةَ مِنهم ﴿مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ أيِ الزَمُوا مَكانَكُمْ، لا تَبْرَحُوا حَتّى تَنْظُرُوا ما يُفْعَلُ بِكم. قالَ القاشانِيُّ: مَعْناهُ قِفُوا مَعَ ما وقَفُوا مَعَهُ في المَوْقِفِ مِن قَطْعِ الوُصَلِ والأسْبابِ الَّتِي هي سَبَبُ مَحَبَّتِهِمْ وعِبادَتِهِمْ، وتَبَرُّؤُ المَعْبُودِ مِنَ العابِدِ لِانْقِطاعِ الأغْراضِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي تُوجِبُ تِلْكَ الوُصَلِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ مَعَ كَوْنِهِمْ في المَوْقِفِ مَعًا، فَرَّقْنا بَيْنَهُمْ، وقَطَّعْنا الوُصَلَ الَّتِي بَيْنَهُمْ، فَلا يَبْقى مِنَ العابِدِينَ تَوَقُّعُ شَفاعَةٍ، ولا مِنَ المَعْبُودِينَ إفادَتُها، لَوْ أمْكَنَتْهم ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ إذْ لَمْ تَكُنْ عِبادَتُكم عِنْ أمْرِنا، بَلْ عَنْ أمْرِ الشَّيْطانِ، فَكُنْتُمْ عابِدِيهِ بِالحَقِيقَةِ، بِطاعَتِكم إيّاهُ، وعابِدِي ما اخْتَرَعْتُمُوهُ في أوْهامِكم مِن أباطِيلَ فاسِدَةٍ، وأمانِيَّ كاذِبَةٍ.

قِيلَ: القَوْلُ مَجازٌ عَنْ تَبَرُّئِهِمْ مِن عِبادَتِهِمْ، وأنَّهم عَبَدُوا أهْواءَهم وشَياطِينَهم؛ لِأنَّها الآمِرَةُ لَهم دُونَهم؛ لِأنَّ الأوْثانَ جَماداتٌ وهي لا تَنْطِقُ. وقِيلَ: يُنْطِقُها اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَتُشافِهُهم بِذَلِكَ، مَكانَ الشَّفاعَةِ الَّتِي كانُوا يَتَوَقَّعُونَها.

10:29Page 212

فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ إِن كُنَّا عَنۡ عِبَادَتِكُمۡ لَغَٰفِلِينَ ٢٩

And sufficient is Allāh as a witness between us and you that we were of your worship unaware."

(p-٣٣٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٩ ] ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾

﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ﴾ أيْ: لَنا ﴿لَغافِلِينَ﴾ أيِ اللَّهُ يَعْلَمُ أنّا ما أمَرْناكم بِذَلِكَ وما أرَدْنا عِبادَتَكم إيّانا.

10:30Page 212

هُنَالِكَ تَبۡلُواْ كُلُّ نَفۡسٖ مَّآ أَسۡلَفَتۡۚ وَرُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٣٠

There, [on that Day], every soul will be put to trial for what it did previously, and they will be returned to Allāh, their master, the Truth, and lost from them is whatever they used to invent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٠ ] ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

﴿هُنالِكَ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَقامِ المُدْهِشِ، حِينَ قَطْعِ المُواصَلَةِ، وإنْكارِ الشُّرَكاءِ العِبادَةَ ﴿تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ أيْ تَخْتَبِرُ وتَذُوقُ كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ، فَتُعايِنُ أثَرَهُ مِن قُبْحٍ وحُسْنٍ، ورَدٍّ وقَبُولٍ، كَما يَخْتَبِرُ الرَّجُلُ الشَّيْءَ ويَتَعَرَّفُهُ، لِيَكْتَنِهَ حالَهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩]

﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ الضَّمِيرُ لِلَّذِينِ أشْرَكُوا، أيْ رُدُّوا إلى اللَّهِ المُتَوَلِّي جَزاءَهم بِالعَدْلِ والقِسْطِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ ضاعَ عَنْهم ما افْتَرَوْهُ مِنِ اخْتِراعاتِهِمْ، وأُصُولِ دِينِهِمْ ومَذْهَبِهِمْ، وتَوَهُّماتِهِمُ الكاذِبَةِ، وأمانِيِّهِمُ الباطِلَةِ. أيْ ظَهَرَ ضَياعُهُ وضَلالُهُ ولَمْ يَبْقَ لَهُ أثَرٌ فِيهِمْ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَبْكِيتٌ شَدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ولَمْ يَأْمُرْهم بِذَلِكَ، ولا رَضِيَ بِهِ، ولا أرادَهُ، بَلْ تَبَرَّأ مِنهم أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلى المَعُونَةِ. والمُشْرِكُونَ أنْواعٌ وأقْسامٌ، وقَدْ ذَكَرَهم تَعالى في كِتابِهِ، وبَيَّنَ أحْوالَهُمْ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ أتَمَّ رَدٍّ.

ثُمَّ احْتَجَّ عَلى المُشْرِكِينَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِاعْتِرافِهِمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ وحْدَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском