Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
يونس
Yunus
Jonah · Meccan · 109 ayahs
10:1Page 208
الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ ١
(p-٣٣٢٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
١٠ - سُورَةُ يُونُسَ
سُمِّيَتْ بِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، لِتَضَمُّنِها قَوْلَهُ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] فَفِيهِ غايَةُ ما يُفِيدُ فِيهِ الإيمانُ وضَرَرُ تَرْكِهِ وتَأْخِيرِهِ، وهو المَقْصِدُ الأعْلى مِن إنْزالِ الكِتابِ -قالَهُ المَهايِمِيُّ-.
وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، واسْتُثْنِيَ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] الآيَتَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠] الآيَةَ، قِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وقِيلَ: مِن أوَّلِها إلى رَأْسِ أرْبَعِينَ مَكِّيٌّ، والباقِي مَدَنِيٌّ -حَكاهُ ابْنُ الفُرْسِ والسَّخاوِيُّ في (جَمالِ القُرّاءِ).
وآياتُها مِائَةٌ وتِسْعَةٌ.
(p-٣٣٢١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ ] ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾
﴿الر﴾ مَسْرُودٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ بِطَرِيقِ التَّحَدِّي، أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. أيْ هَذِهِ السُّورَةُ مُسَمّاةٌ بِـ "الر". والإشارَةُ إلَيْها قَبْلَ جَرَيانِ ذِكْرِها لِما أنَّها بِاعْتِبارِ كَوْنِها عَلى جَناحِ الذِّكْرِ وبِصَدَدِهِ، صارَتْ في حُكْمِ الحاضِرِ، كَما يُقالُ: هَذا ما اشْتَرى فُلانٌ، أوِ النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ: اقْرَأْ.
وكَلِمَةُ "تِلْكَ" إشارَةٌ إلَيْها، أمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "الر" مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، فَقَدْ نَزَّلَ حُضُورَ مادَّتِها، الَّتِي هي الحُرُوفُ المَذْكُورَةُ مَنزِلَةَ ذِكْرِها فَأُشِيرَ إلَيْها، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ الكَلِماتُ المُؤَلَّفَةُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الحُرُوفِ المَبْسُوطَةِ... إلَخْ.
وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَقَدْ نَوَّهَتْ بِالإشارَةِ إلَيْها بَعْدَ تَنْوِيهِها بِتَعْيِينِ اسْمِها، أوِ الأمْرِ بِقِراءَتِها. وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِها في الفَخامَةِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "الر" مُبْتَدَأً، فَهو مُبْتَدَأٌ ثانٍ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ. والمَعْنى: هي آياتٌ مَخْصُوصَةٌ مِنهُ، مُتَرْجَمَةٌ بِاسْمٍ مُسْتَقِلٍّ، والمَقْصُودُ بِبَيانِ بَعْضِيَّتِها مِنهُ، وصْفًا بِما اشْتُهِرَ اتِّصافُهُ بِهِ مِنَ النُّعُوتِ الفاضِلَةِ، والصِّفاتِ الكامِلَةِ.
والمُرادُ بِـ "الكِتابِ": إمّا جَمِيعُ القُرْآنِ العَظِيمِ، وإنْ لَمْ يَنْزِلِ الكُلُّ حِينَئِذٍ؛ لِاعْتِبارِ تَعْيِينِهِ وتَحَقُّقِهِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وإمّا جَمِيعُ القُرْآنِ النّازِلِ وقْتَئِذٍ، المُتَفاهِمِ بَيْنَ النّاسِ إذْ ذاكَ.
و"الحَكِيمِ" أيْ ذُو الحِكْمَةِ، وإنَّما وُصِفَ بِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلى فُنُونِ الحُكْمِ الباهِرَةِ، ونُطْقِهِ بِها، أوْ هو مِن بابِ وصْفِ الكَلامِ بِصِفَةِ صاحِبِهِ، أوْ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى تَشْبِيهِ الكِتابِ الحَكِيمِ النّاطِقِ بِالحِكْمَةِ -أفادَهُ أبُو السُّعُودِ-.
10:2Page 208
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ ٢
Have the people been amazed that We revealed [revelation] to a man from among them, [saying], "Warn mankind and give good tidings to those who believe that they will have a [firm] precedence of honor1 with their Lord"? [But] the disbelievers say, "Indeed, this is an obvious magician."
وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٣٢٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢ ] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾
﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ التَّعَجُّبِ والتَّعْجِيبِ مِنهُ، وإنَّما أنْكَرَ ذَلِكَ لِكَوْنِ سُنَّةِ اللَّهِ جارِيَةً أبَدًا عَلى هَذا الأُسْلُوبِ في الإيحاءِ إلى الرِّجالِ، وإنَّما كانَ تَعَجُّبُهم لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَقامِهِ، وعَدَمِ مُناسَبَةِ حالِهِمْ لِحالِهِ، ومُنافاةِ ما جاءَ بِهِ لِما اعْتَقَدُوهُ، و(القَدَمُ) بِمَعْنى السَّبْقِ مَجازًا، لِكَوْنِهِ سَبَبَهُ وآلَتَهُ، كَما تُطْلَقُ (اليَدُ) عَلى النِّعْمَةِ، و(العَيْنُ) عَلى الجاسُوسِ، و(الرَّأْسُ) عَلى الرَّئِيسِ. ثُمَّ إنَّ السَّبْقَ مَجازٌ عَنِ الفَضْلِ والتَّقَدُّمِ المَعْنَوِيِّ إلى المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ، فَهو مَجازٌ بِمَرْتَبَتَيْنِ أوِ (القَدَمُ) بِمَعْنى المَقامِ كَـ: ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] بِإطْلاقِ الحالِّ وإرادَةِ المَحَلِّ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ. وأصْلُهُ (قَدَمٌ صِدْقٌ) أيْ مُحَقِّقَةٌ مُقَرِّرَةٌ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ لِجَعْلِها عَيْنَ الصِّدْقِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم إنَّما نالُوا ما نالُوا بِصِدْقِهِمْ، ظاهِرًا وباطِنًا.
قالَ في (الِانْتِصافِ): ولَمْ يَرِدْ في سابِقَةِ السُّوءِ تَسْمِيَتُها (قَدَمًا) إمّا لِأنَّ المَجازَ لا يَطَّرِدُ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُطَّرِدًا، ولَكِنْ غَلَبَ العُرْفُ عَلى قَصْرِها، كَما يَغْلِبُ في الحَقِيقَةِ.
﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ وهُمُ المُتَعَجِّبُونَ "إنَّ هَذا" أيِ الكِتابَ الحَكِيمَ ﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] أيْ ظاهِرٌ. وقُرِئَ "لَساحِرٌ" عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وهو دَلِيلُ عَجْزِهِمْ واعْتِرافِهِمْ، وإنْ كانُوا كاذِبِينَ في تَسْمِيَتِهِ سِحْرًا، وذَلِكَ لِأنَّ التَّعَجُّبَ أوَّلًا، ثُمَّ التَّكَلُّمَ بِما هو مَعْلُومُ الِانْتِفاءِ قَطْعًا، حَتّى عِنْدَ نَفْسِ المَعارِضِ، دَأْبُ العاجِزِ المُفْحَمِ.
10:3Page 208
إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣
Indeed, your Lord is Allāh, who created the heavens and the earth in six days and then established Himself above the Throne,1 arranging the matter [of His creation]. There is no intercessor except after His permission. That is Allāh, your Lord, so worship Him. Then will you not remember?
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بُطْلانَ تَعَجُّبِهِمْ، وما بَنَوْا عَلَيْهِ، وحَقَّقَ فِيهِ حَقِّيَّةَ ما تَعَجَّبُوا مِنهُ، وصِحَّةَ ما أنْكَرُوهُ، بِالتَّنْبِيهِ عَلى بَعْضِ ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن شُؤُونِ الخَلْقِ والتَّقْدِيرِ، ويُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَتِها بِأدْنى تَذْكِيرٍ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
(p-٣٣٢٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣ ] ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾
﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ:
قالَ أبُو العالِيَةِ: اسْتَوى إلى السَّماءِ: ارْتَفَعَ، وقالَ مُجاهِدٌ: اسْتَوى عَلى العَرْشِ عَلا، أيْ بِلا تَمْثِيلٍ ولا تَكْيِيفٍ. والعَرْشُ: هو الجِسْمُ المُحِيطُ بِجَمِيعِ الكائِناتِ، وهو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. و(الأيّامُ) قِيلَ: كَهَذِهِ، وقِيلَ: كُلُّ يَوْمٍ كَألْفِ سَنَةٍ.
﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ يَقْضِي ويُقَدِّرُ، عَلى حَسَبِ مُقْتَضى الحِكْمَةِ أمْرَ الخَلْقِ كُلَّهُ، و﴿ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ تَقْرِيرٌ لِعَظَمَتِهِ وعِزِّ جَلالِهِ، ورَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى المَعْلُومِ بِتِلْكَ العَظَمَةِ، أيْ ذَلِكَ العَظِيمُ المَوْصُوفُ بِما وُصِفَ بِهِ هو ﴿رَبَّكُمُ﴾ أيِ الَّذِي رَبّاكم لِتَعْبُدُوهُ ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ أيْ وحِّدُوهُ بِالعِبادَةِ. ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ تَتَفَكَّرُونَ أدْنى تَفَكُّرٍ فَيُنَبِّهُكم عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلرُّبُوبِيَّةِ والعِبادَةِ، لا ما تَعْبُدُونَهُ.
10:4Page 208
إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ إِنَّهُۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٤
To Him is your return all together. [It is] the promise of Allāh [which is] truth. Indeed, He begins the [process of] creation and then repeats it that He may reward those who have believed and done righteous deeds, in justice. But those who disbelieved will have a drink of scalding water and a painful punishment for what they used to deny.
(p-٣٣٢٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤ ] ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾
﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ أيْ بِالمَوْتِ أوِ النُّشُورِ، أيْ لا تَرْجِعُونَ في العاقِبَةِ إلّا إلَيْهِ، فاسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أيْ صِدْقًا، ثُمَّ عَلَّلَ وُجُوبَ المَرْجِعِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ أيْ مِنَ النُّطْفَةِ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتِ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِعَدْلِهِ أوْ بِعَدالَتِهِمْ وقِيامِهِمْ عَلى العَدْلِ في أُمُورِهِمْ، أوْ بِإيمانِهِمْ؛ لِأنَّهُ العَدْلُ القَوِيمُ، كَما أنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وهو الأوْجَهُ لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ مِن ماءٍ حارٍّ قَدِ انْتَهى حَرُّهُ ﴿وعَذابٌ ألِيمٌ﴾ وجِيعٌ يَخْلُصُ ألَمُهُ إلى قُلُوبِهِمْ ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ، فَإنَّ مَعْناهُ لِيَجْزِيَ الَّذِي كَفَرُوا بِشَرابٍ مِن حَمِيمٍ، وعَذابٍ ألِيمٍ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، لَكِنَّهُ غَيَّرَ النَّظْمَ لِلْمُبالَغَةِ في اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعِقابِ بِجَعْلِهِ حَقًّا مُقَرَّرًا لَهُمْ، كَما تُفِيدُهُ (اللّامُ) ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ مِنَ الإبْداءِ والإعادَةِ هو الإثابَةُ. والعِقابُ واقِعٌ بِالعَرَضِ بِكَسْبِهِمْ، وعَلى أنَّهُ تَعالى يَتَوَلّى إثابَةَ المُؤْمِنِينَ بِما لا تُحِيطُ العِبارَةُ بِهِ لِفَخامَتِهِ وعَظَمَتِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُعَيِّنْهُ.
ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى، لِلِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدَتِهِ في رُبُوبِيَّتِهِ، بِآثارِ صُنْعِهِ في النَّيِّرِينَ، إثْرَ الِاسْتِدْلالِ بِما مَرَّ مِن إبْداعِ السَّماواتِ والأرْضِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
10:5Page 208
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥
It is He who made the sun a shining light and the moon a derived light and determined for it phases - that you may know the number of years and account [of time]. Allāh has not created this except in truth. He details the signs for a people who know.
(p-٣٣٢٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ ] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ لِلْعالَمِينَ بِالنَّهارِ ﴿والقَمَرَ نُورًا﴾ أيْ لَهم بِاللَّيْلِ" والضِّياءُ أقْوى مِنَ النُّورِ ﴿وقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ الضَّمِيرُ لَهُما، بِتَأْوِيلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، أوْ لِلْقَمَرِ، وخَصَّ بِما ذَكَرَ، لِكَوْنِ مَنازِلِهِ مَعْلُومَةً مَحْسُوسَةً، وتَعَلُّقِ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ بِهِ، وكَوْنِهِ عُمْدَةً في تَوارِيخِ العَرَبِ "لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ" أيْ حِسابَ الشُّهُورِ والأيّامِ، مِمّا نِيطَ بِهِ المَصالِحُ في المُعامَلاتِ والتَّصَرُّفاتِ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ ﴿يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ يُبَيِّنُ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ أوِ التَّنْزِيلِيَّةَ المُنَبِّهَةَ عَلى ذَلِكَ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ الحِكْمَةَ في إبْداعِ الكائِناتِ، فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى وحْدَةِ مُبْدِعِها.
قالَ السُّيُوطِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في عِلْمِ المَواقِيتِ والحِسابِ ومَنازِلِ القَمَرِ والتّارِيخِ، ثُمَّ نَبَّهَ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ أيْضًا بِقَوْلِهِ:
10:6Page 208
إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ ٦
Indeed, in the alternation of the night and the day and [in] what Allāh has created in the heavens and the earth are signs for a people who fear Allāh.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ ] ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾
﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ في تَعاقُبِهِما وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما خِلْفَةً لِلْآخَرِ ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والشَّجَرِ والدَّوابِّ والجِبالِ والبِحارِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ أيْ لَآياتٍ عَظِيمَةً دالَّةً عَلى وحْدَةِ مُبْدِعِها، وكَمالِ قُدْرَتِهِ، وبالِغِ حِكْمَتِهِ، وخَصَّ "المُتَّقِينَ" لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِنَتائِجِ التَّدَبُّرِ فِيها، فَإنَّ الدّاعِيَ إلى النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ إنَّما هو تَقْواهُ تَعالى، والحَذَرُ مِنَ العاقِبَةِ.
(p-٣٣٢٦)تَنْبِيهٌ:
فِي هَذِهِ الآياتِ إشارَةٌ إلى أنَّ الَّذِي أوْجَدَ هَذِهِ الآياتِ الباهِرَةَ، وأوْدَعَ فِيها المَنافِعَ الظّاهِرَةَ، وأبْدَعَ في كُلِّ كائِنٍ صُنْعَهُ، وأحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، ومَيَّزَ الإنْسانَ وعَلَّمَهُ البَيانَ -يَكُونُ مِن رَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ اصْطِفاءُ مَن يَشاءُ لِرِسالَتِهِ، لِيُبَلِّغَ عَنْهُ شَرائِعَ عامَّةً، تُحَدِّدُ لِلنّاسِ سَيْرَهم في تَقْوِيمِ نُفُوسِهِمْ، وكَبْحِ شَهَواتِهِمْ، وتَعَلُّمِهِمْ مِنَ الأعْمالِ ما هو مَناطُ سَعادَتِهِمْ وشَقائِهِمْ في الآخِرَةِ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
10:7–10Page 209
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ ٧
Indeed, those who do not expect the meeting with Us and are satisfied with the life of this world and feel secure therein and those who are heedless of Our signs -
أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨
For those their refuge will be the Fire because of what they used to earn.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٩
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - their Lord will guide them because of their faith. Beneath them rivers will flow in the Gardens of Pleasure.
دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠
Their call therein will be, "Exalted are You, O Allāh," and their greeting therein will be, "Peace." And the last of their call will be, "Praise to Allāh, Lord of the worlds!"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ [ ٨ ] ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] [ ٩ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩] [ ١٠ ] ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ أيْ فَلا يَتَوَقَّعُونَ الجَزاءَ ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ أيْ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] أيْ بِسَبَبِهِ، إلى مَأْواهُمْ، وهي الجَنَّةُ، وإنَّما لَمْ تُذْكَرْ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِها، وانْسِياقِ النَّفْسِ إلَيْها، لا سِيَّما بِمُلاحَظَةِ ما سَبَقَ مِن بَيانِ مَأْوى الكَفَرَةِ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩] (p-٣٣٢٧)أيْ مِن تَحْتِ مَنازِلِهِمْ أوْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ. ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] أيْ: دُعاؤُهم هَذا الكَلامُ؛ لِأنَّ "اللَّهُمَّ" نِداءٌ، ومَعْناهُ: اللَّهُمَّ إنَّما نُسَبِّحُكَ، كَقَوْلِ القانِتِ: اللَّهُمَّ إيّاكَ نَعْبُدُ. يُقالُ: دَعا يَدْعُو دُعاءً ودَعْوى، كَما يُقالُ: شَكا يَشْكُو شِكايَةً وشَكْوى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالدُّعاءِ العِبادَةُ، ونَظِيرُهُ آيَةُ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] أيْ ما يُحَيِّي بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ إيّاهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] أوْ تَحِيَّةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] و(التَّحِيَّةُ) التَّكْرِمَةُ بِالحالَةِ الجَلِيَّةِ. أصْلُها: أحْياكَ اللَّهُ حَياةً طَيِّبَةً. و(السَّلامُ) بِمَعْنى السَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ [يونس: ١٠] أيْ وخاتِمَةُ دُعائِهِمْ هو التَّسْبِيحُ ﴿أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] أيْ حَمِدَهُ تَعالى: والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ دُعاءَ أهْلِ الجَنَّةِ وعِبادَتَهم هو قَوْلُهُمْ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ. وإيثارُ التَّعْبِيرِ عَنْ "وبِحَمْدِكَ" بِقَوْلِهِ "وآخِرُ" إلَخْ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، واهْتِمامًا بِالحَمْدِ وما مَعَهُ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ تَذْكِيرًا بِمُسَمّاها، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى سُمُوِّ هَذا الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ دُعاءُ أهْلِ الجَنَّةِ وذِكْرُ المَلائِكَةِ كَما قالُوا: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ولِذَلِكَ نَدَبَ قِراءَتُهُ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ.
قالَ الرّازِيُّ: لَمّا اسْتَسْعَدَ أهْلُ الجَنَّةِ بِذِكْرِ "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ"، وعايَنُوا ما فِيهِ مِنَ السَّلامَةِ عَنِ الآفاتِ والمَخافاتِ، عَلِمُوا أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأحْوالِ السُّنِّيَّةِ، والمَقاماتِ القُدْسِيَّةِ، إنَّما تَيَسَّرَتْ بِإحْسانِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وإفْضالِهِ وإنْعامِهِ، فَلا جَرَمَ اشْتَغَلُوا بِالحَمْدِ والثَّناءِ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى وعِيدَهُ الشَّدِيدَ، أتْبَعَهُ بِما دَلَّ عَلى أنَّ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنْ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ لِأنَّ حُصُولَهُ في الدُّنْيا كالمانِعِ مِن بَقاءِ التَّكْلِيفِ فَقالَ تَعالى:
10:11Page 209
۞ وَلَوۡ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسۡتِعۡجَالَهُم بِٱلۡخَيۡرِ لَقُضِيَ إِلَيۡهِمۡ أَجَلُهُمۡۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١
And if Allāh was to hasten for the people the evil [they invoke]1 as He hastens for them the good, their term would have been ended for them.2 But We leave the ones who do not expect the meeting with Us, in their transgression, wandering blindly.
(p-٣٣٢٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ ] ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهم فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَهُ تَعالى لِكُفْرِهِمُ ﴿الشَّرَّ﴾ أيِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ونَحْوَ ذَلِكَ: ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ أيْ تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمُ الدُّعاءَ بِالخَيْرِ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ أيْ لَأُمِيتُوا وأهْلَكُوا ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ في ضَلالِهِمْ وشِرْكِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ.
لَطِيفَةٌ:
زَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ مَعْنى اسْتِعْجالِهِمْ بِالخَيْرِ، أيْ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ، وضَعَ الأوَّلَ مَوْضِعَ الثّانِي إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ لَهُمْ، وإسْعافِهِ بِطُلْبَتِهِمْ، حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهم. وعِنْدِي أنَّهُ صَرْفُ اللَّفْظِ الكَرِيمِ عَنْ ظاهِرِهِ بِلا داعٍ. ولا بَلاغَةَ فِيهِ أيْضًا، وإنْ تُوبِعَ فِيهِ والحِرْصُ عَلى مُوافَقَةِ عامِلِ المَصْدَرِ لَهُ لِيَكُونا مِن بابٍ واحِدٍ، غَيْرُ ضَرُورِيٍّ في العَرَبِيَّةِ، والشَّواهِدُ كَثِيرَةٌ.
وجَوَّزَ الرّازِيُّ أنْ يَكُونَ "يُعَجِّلُ" أصْلُهُ يَسْتَعْجِلُ. عَدَلَ عَنْهُ تَنْزِيهًا لِلْجَنابِ الأقْدَسِ عَنْ وصْفِ طَلَبِ العَجَلَةِ، فَوُصِفَ بِتَكْوِينِها، ووُصِفَ النّاسُ بِطَلَبِها؛ لِأنَّهُ الألْيَقُ.
ولَعَلَّ الألْيَقَ أنَّ "اسْتِعْجالَهُمْ" مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ، ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِعْجالَهم. وإنَّما حُذِفَ إيجازًا؛ لِلْعِلْمِ بِهِ، ويُوافِقُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١] فَإنَّهُ في مَعْنى ما هُنا.
10:12Page 209
وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢
And when affliction touches man, he calls upon Us, whether lying on his side or sitting or standing; but when We remove from him his affliction, he continues [in disobedience] as if he had never called upon Us to [remove] an affliction that touched him. Thus is made pleasing to the transgressors that which they have been doing.
(p-٣٣٢٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢ ] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا﴾ أيْ لِكَشْفِهِ وإزالَتِهِ ﴿لِجَنْبِهِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (دَعا) واللّامُ بِمَعْنى (عَلى) أيْ عَلى جَنْبِهِ، أيْ مُضْطَجِعًا ﴿أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ﴾ أيْ مَضى عَلى طَرِيقَتِهِ الأُولى ﴿كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ﴾ أيْ كَشْفِهِ ﴿مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِنَ الإعْراضِ عَنِ الذِّكْرِ، واتِّباعِ الشَّهَواتِ. والآيَةُ سِيقَتِ احْتِجاجًا عَلى المُشْرِكِينَ، بِما جُبِلُوا عَلَيْهِ كَغَيْرِهِمْ مِن الِالتِجاءِ إلَيْهِ تَعالى عِنْدَ الشَّدائِدِ، عِلْمًا بِأنَّهُ لا يَكْشِفُها إلّا هُوَ، لِيَطْرَحُوا عِبادَةَ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، ويَسْتَيْقِنُوا أنَّهُ الإلَهُ الأحَدُ، الَّذِي لا يُعْبَدُ سِواهُ، وفِيها نَعى عَلَيْهِمْ سُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ، إثْرَ كَشْفِ كُرُباتِهِمْ، وتَحْذِيرٌ مِن مِثْلِ صَنِيعِهِمْ.
ثُمَّ ذَكَّرَهم تَعالى بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ مِمّا وصَلَ إلَيْهِمْ مِن نَبَأِ الأقْدَمِينَ لِيَتَّقُوهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
10:13Page 209
وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٣
And We had already destroyed generations before you when they wronged, and their messengers had come to them with clear proofs, but they were not to believe. Thus do We recompense the criminal people.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣ ] ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا﴾ أيْ بِالتَّكْذِيبِ والكُفْرِ ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ فَقَرَّرَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ. وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِتِلْكَ البَيِّناتِ ولا بِغَيْرِها، فَجَزاهم بِالإهْلاكِ المَعْرُوفِ فِيهِمْ. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾
10:14Page 209
ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ ١٤
Then We made you successors in the land after them so that We may observe how you will do.
(p-٣٣٣٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ ] ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾
﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ الخِطابُ لِلَّذِينِ بُعِثَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ، أيِ اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ بَعْدَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها، لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَنُعامِلَكم حَسَبَ عَمَلِكم.
10:15Page 210
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥
And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who do not expect the meeting with Us say, "Bring us a Qur’ān other than this or change it." Say, [O Muḥammad], "It is not for me to change it on my own accord. I only follow what is revealed to me. Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ ] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يُخْبِرُ تَعالى عَنْ تَعَنُّتِ الكُفّارِ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، بِأنَّهم إذا قَرَأ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ كِتابَ اللَّهِ وحُجَجَهُ الواضِحَةَ، قالُوا لَهُ: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا، أيْ جِئْنا بِغَيْرِهِ مِن نَمَطٍ آخَرَ أوْ بَدِّلْهُ إلى وضْعٍ آخَرَ. قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ، إنَّما أنا مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى.
قِيلَ: إنَّما اكْتَفى بِالجَوابِ عَنِ التَّبْدِيلِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ اسْتِحالَةَ ما اقْتَرَحُوهُ أوَّلًا، مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلى بَيانِها. وأنَّ التَّصَدِّيَ لِذَلِكَ، مَعَ كَوْنِهِ ضائِعًا؛ رُبَّما يُعَدُّ مِن قَبِيلِ المُجاراةِ مَعَ السُّفَهاءِ، إذْ لا يَصْدُرُ مِثْلُ ذَلِكَ الِاقْتِراحِ عَنِ العُقَلاءِ. ولِأنَّ ما يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ (p-٣٣٣١)الثّانِي يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ الأوَّلِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، فَهو جَوابٌ عَنِ الأمْرَيْنِ بِحَسَبِ المَآلِ والحَقِيقَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيْ بِالتَّبْدِيلِ والنَّسْخِ مِن عِنْدِ نَفْسِي.
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَن مَنَعَ نَسْخَ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ. اهـ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَما كانَ غَرَضُهُمْ، وهم أدْهى النّاسِ وأمْكَرُهم في هَذا الِاقْتِراحِ؛ قُلْتُ: الكَيْدُ والمَكْرُ. أمّا اقْتِراحُ إبْدالِ قُرْآنٍ بِقُرْآنٍ، فَفِيهِ أنَّهُ مِن عِنْدِكَ، وأنَّكَ قادِرٌ عَلى مِثْلِهِ، فَأبْدَلَ مَكانَهُ آخَرَ. وأمّا اقْتِراحُ التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ فَلِلطَّمَعِ، ولِاخْتِبارِ الحالِ، وأنَّهُ إنْ وُجِدَ مِنهُ تَبْدِيلٌ فَإمّا أنْ يُهْلِكَهُ اللَّهُ فَيَنْجُو مِنهُ، أوْ لا يُهْلِكُهُ فَيَسْخَرُوا مِنهُ، ويَجْعَلُوا التَّبْدِيلَ حُجَّةً عَلَيْهِ، وتَصْحِيحًا لِافْتِرائِهِ عَلى اللَّهِ -انْتَهى -.
ولَمّا بَيَّنَ بُطْلانَ ما اقْتَرَحُوا الإتْيانَ بِهِ واسْتِحالَتَهُ؛ أشارَ إلى تَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ، وكَوْنِهِ مِن عِنْدِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences