Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:66–85
10:66Page 216
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٦٦
Unquestionably, to Allāh belongs whoever is in the heavens and whoever is on the earth. And those who invoke other than Allāh do not [actually] follow [His] "partners." They follow not except assumption, and they are not but misjudging.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٦ ] ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾
﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ كُلُّهم تَحْتَ مَلْكَتِهِ وتَصَرُّفِهِ وقَهْرِهِ، لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ ومَشِيئَتِهِ وإقْدارِهِ إيّاهم. وقَوْلُهُ: ﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ تَأْكِيدٌ (p-٣٣٧٧)لِما سَبَقَ مِنِ اخْتِصاصِ العِزَّةِ بِهِ تَعالى، لِتَزِيدَ سَلْوَتُهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وبُرْهانٌ عَلى بُطْلانِ ظُنُونِهِمْ وأقْوالِهِمُ المَبْنِيَّةِ عَلَيْها. وفي (ما) مِن قَوْلِهِ ﴿وما يَتَّبِعُ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها نافِيَةٌ، و(شُرَكاءَ) مَفْعُولُ (يَتَّبِعُ)، ومَفْعُولُ (يَدْعُونَ) مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ. أيْ: ما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ، شُرَكاءَ في الحَقِيقَةِ، وإنْ سَمَّوْها شُرَكاءَ لِجَهْلِهِمْ، فاقْتَصَرَ عَلى أحَدِهِما لِظُهُورِ دَلالَتِهِ عَلى الآخَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (شُرَكاءَ) مَفْعُولَ (يَدْعُونَ)، ومَفْعُولُ (يَتَّبِعُ) مَحْذُوفٌ، لِانْفِهامِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ يَقِينًا، إنَّما يَتَّبِعُونَ ظَنَّهُمُ الباطِلَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ، مَنصُوبَةٌ بِـ(يَتَّبِعُ)، و(شُرَكاءَ) مَفْعُولُ (يَدْعُونَ) أيْ: أيَّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ هَؤُلاءِ؟ أيْ: إذا كانَ الكُلُّ تَحْتَ قَهْرِهِ ومَلْكَتِهِ فَما يَتَّبِعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولا تَأْثِيرَ لَهُ ولا قُوَّةَ، إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا ما يَتَوَهَّمُونَهُ في ظَنِّهِمْ، ويَتَخَيَّلُونَهُ في خَيالِهِمْ، وما هم إلّا يُقَدِّرُونَ وُجُودَ شَيْءٍ لا وُجُودَ لَهُ في الحَقِيقَةِ.
ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى انْفِرادِهِ بِالقُدْرَةِ الكامِلَةِ، والنِّعْمَةِ الشّامِلَةِ، لِيَدُلَّ عَلى تَوَحُّدِهِ سُبْحانَهُ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، بِقَوْلِهِ:
10:67Page 216
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٧
It is He who made for you the night to rest therein and the day, giving sight.1 Indeed in that are signs for a people who listen.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٧ ] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيْ خَلَقَهُ لَكم لِتَسْتَقِرُّوا فِيهِ مَن نَصَبِكم وكَلالِكُمْ: ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ مُضِيئًا، تُبْصِرُونَ فِيهِ مَطالِبَ أرْزاقِكم ومَكاسِبَكم.
قِيلَ: الآيَةُ مِن بابِ الِاحْتِباكِ. والتَّقْدِيرُ: جَعَلَ اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَتَحَرَّكُوا فِيهِ لِمَصالِحِكُمْ، فَحُذِفَ مِن كُلٍّ مِنَ الجانِبَيْنِ ما ذُكِرَ في الآخَرِ، اكْتِفاءً بِالمَذْكُورِ عَنِ المَتْرُوكِ. وإسْنادُ الإبْصارِ إلى النَّهارِ مَجازِيٌّ، كَقَوْلِهِ:
؎ما لَيْلُ المُحِبِّ بِنائِمٍ
(p-٣٣٧٨)﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الجَعْلَ المَذْكُورَ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ هَذِهِ الآياتِ ونَظائِرَها، سَماعَ تَدَبُّرٍ واعْتِبارٍ.
ثُمَّ شَرَعَ في نَوْعٍ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى:
10:68Page 216
قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱلۡغَنِيُّۖ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭ بِهَٰذَآۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٨
They1 have said, "Allāh has taken a son." Exalted is He; He is the [one] Free of need. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. You have no authority2 for this [claim]. Do you say about Allāh that which you do not know?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٨ ] ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ عَنْ أنْ يُجانِسَ أحَدًا، أوْ يَحْتاجَ إلَيْهِ، وتَعَجُّبٌ مِن كَلِمَتِهِمُ الحَمْقاءِ ﴿هُوَ الغَنِيُّ﴾ أيِ الَّذِي وُجُودُهُ بِذاتِهِ، وبِهِ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَيْفَ يُماثِلُهُ شَيْءٌ؟! ومَن لَهُ الوُجُودُ كُلُّهُ، فَكَيْفَ يُجانِسُهُ شَيْءٌ؟! والجُمْلَةُ عِلَّةٌ لِتَنْزِيهِهِ، وإيذانٌ بِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ مِن أحْكامِ الحاجَةِ، إمّا لِلتَّقَوِّي بِهِ، أوْ لِبَقاءِ نَوْعِهِ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِغِناهُ، أيْ فَهو مُسْتَغْنٍ بِمُلْكِهِ لَهم عَنِ اتِّخاذِ أحَدٍ مِنهم ولَدًا ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ أيْ: ما عِنْدَكم مِن حُجَّةٍ بِهَذا القَوْلِ الباطِلِ تَوْضِيحٌ لِبُطْلانِهِ، بِتَحْقِيقِ سَلامَةِ ما أُقِيمَ مِنَ البُرْهانِ السّاطِعِ عَنِ المُعارِضِ، أيْ لَيْسَ بَعْدَ هَذا حُجَّةٌ تُسْمَعُ. والمُرادُ تَجْهِيلُهُمْ، وأنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهم سِوى تَقْلِيدِ الأوائِلِ، واتِّباعِ جاهِلٍ لِجاهِلٍ.
تَنْبِيهٌ:
دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَسْمِيَةِ البُرْهانِ سُلْطانًا.
قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (مِفْتاحُ دارِ السَّعادَةِ): إنَّهُ سُبْحانَهُ سَمّى الحُجَّةَ العِلْمِيَّةَ سُلْطانًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُلُّ سُلْطانٍ في القُرْآنِ فَهو حُجَّةٌ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ يَعْنِي ما عِنْدَكم مِن حُجَّةٍ بِما قُلْتُمْ، إنْ هو إلّا قَوْلٌ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هي إلا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْـزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣] (p-٣٣٧٩)يَعْنِي ما أنْزَلَ بِها حُجَّةً ولا بُرْهانًا، بَلْ هي مِن تِلْقاءِ أنْفُسِكم وآبائِكم. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] يَعْنِي حُجَّةً واضِحَةً. إلّا مَوْضِعًا واحِدًا اخْتُلِفَ فِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ القُدْرَةُ والمُلْكُ، أيْ ذَهَبَ عَنِّي مالِي ومُلْكِي، فَلا مالَ لِي ولا سُلْطانَ. وقِيلَ: هو عَلى بابِهِ، أيِ انْقَطَعَتْ حُجَّتِي وبَطَلَتْ، فَلا حُجَّةَ لِي. والمَقْصُودُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَمّى عِلْمَ الحُجَّةِ سُلْطانًا؛ لِأنَّها تُوجِبُ تَسَلُّطَ صاحِبِها واقْتِدارَهُ، فَلَهُ بِها سُلْطانٌ عَلى الجاهِلِينَ، بَلْ سُلْطانُ العِلْمِ أعْظَمُ مِن سُلْطانِ اليَدِ، ولِهَذا يَنْقادُ النّاسُ لِلْحُجَّةِ ما لا يَنْقادُونَ لِلْيَدِ، فَإنَّ الحُجَّةَ تَنْقادُ لَها القُلُوبُ، وأمّا اليَدُ فَإنَّما يَنْقادُ لَها البَدَنُ. فالحُجَّةُ تَأْسِرُ القَلْبَ وتَقُودُهُ، وتُذِلُّ المُخالِفَ، وإنْ أظْهَرَ العِنادَ والمُكابَرَةَ، فَقَلْبُهُ خاضِعٌ لَها ذَلِيلٌ، مَقْهُورٌ تَحْتَ سُلْطانِها. بَلْ سُلْطانُ الجاهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عِلْمٌ يُساسُ بِهِ، فَهو بِمَنزِلَةِ سُلْطانِ السِّباعِ والأُسُودِ ونَحْوِها، قُدْرَةٌ بِلا عِلْمٍ ولا رَحْمَةٍ، بِخِلافِ سُلْطانِ الحُجَّةِ، فَإنَّهُ قُدْرَةٌ بِعِلْمٍ ورَحْمَةٍ وحِكْمَةٍ، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ اقْتِدارٌ في عِلْمِهِ، فَهو إمّا لِضَعْفِ حُجَّتِهِ وسُلْطانِهِ، وإمّا لِقَهْرِ سُلْطانِ اليَدِ والسَّيْفِ لَهُ، وإلّا فالحُجَّةُ ناصِرَةٌ نَفْسَها، ظاهِرَةٌ عَلى الباطِلِ قاهِرَةٌ لَهُ - انْتَهى-.
﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ عَلى جَهْلِهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا نَفى عَنْهُمُ البُرْهانَ جَعَلَهم غَيْرَ عالِمِينَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا بُرْهانَ عَلَيْهِ لِقائِلِهِ، فَذاكَ جَهْلٌ ولَيْسَ بِعِلْمٍ.
وقالَ أبُو السُّعُودِ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَقالَةٍ لا دَلِيلَ عَلَيْها، فَهي جَهالَةٌ، وأنَّ العَقائِدَ لا بُدَّ لَها مِن بُرْهانٍ قَطْعِيٍّ، وأنَّ التَّقْلِيدَ بِمَعْزِلٍ مِن الِاعْتِدادِ بِهِ.
10:69–70Page 216
قُلۡ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ٦٩
Say, "Indeed, those who invent falsehood about Allāh will not succeed."
مَتَٰعٞ فِي ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلۡعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٧٠
[For them is brief] enjoyment in this world; then to Us is their return; then We will make them taste the severe punishment because they used to disbelieve.
(p-٣٣٨٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٩ ] ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [ ٧٠ ] ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠]
﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ بِاتِّخاذِ الوَلَدِ، وإضافَةِ الشُّرَكاءِ ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ أيْ لا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ أصْلًا. ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا﴾ [يونس: ٧٠] مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَهم تَمَتُّعٌ يَسِيرٌ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: ٧٠] أيِ بِالمَوْتِ ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠] أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ. والآيَةُ لِبَيانِ أنَّ ما يَتَراءى مِن فَوْزِهِمْ بِالحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الفَلاحِ. كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ لا يُفْلِحُونَ وهم في غِبْطَةٍ ونَعِيمٍ؟ فَقِيلَ: هو مَتاعٌ يَسِيرٌ في الدُّنْيا، ولَيْسَ بِفَوْزٍ بِالمَطْلُوبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
10:71Page 217
۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ نُوحٍ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكُم مَّقَامِي وَتَذۡكِيرِي بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡتُ فَأَجۡمِعُوٓاْ أَمۡرَكُمۡ وَشُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُنۡ أَمۡرُكُمۡ عَلَيۡكُمۡ غُمَّةٗ ثُمَّ ٱقۡضُوٓاْ إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ ٧١
And recite to them the news of Noah, when he said to his people, "O my people, if my residence and my reminding of the signs of Allāh has become burdensome upon you - then I have relied upon Allāh. So resolve upon your plan and [call upon] your associates. Then let not your plan be obscure to you.1 Then carry it out upon me and do not give me respite.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧١ ] ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ﴾ أيْ خَبَرَهُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ، مَعَ قَوْمِهِ المُغْتَرِّينَ بِعِزَّةِ الأمْوالِ والأعْوانِ، لِيَتَدَبَّرُوا ما فِيهِ مِن صِحَّةِ تَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ، ونَظَرِهِ إلى قَوْمِهِ، بِعَيْنِ عَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ، وبِمَكايِدِهِمْ، وزَوالِ ما تَمَتَّعُوا بِهِ مِنَ النَّعِيمِ، بِإغْراقِهِمْ بِالطُّوفانِ، فَلَعَلَّهم يَكُفُّونَ عَنْ كُفْرِهِمْ، وتَلِينُ أفْئِدَتُهم ويَسْتَيْقِنُونَ صِحَّةَ نُبُوَّتِكَ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ﴾ أيْ شَقَّ وثَقُلَ ﴿عَلَيْكم مَقامِي﴾ أيْ مَكانِي، يَعْنِي نَفْسَهُ، أوْ مُكْثِي بَيْنَ أظْهُرِكم مُدَدًا (p-٣٣٨١)طِوالًا، ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، أوْ قِيامِي بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، مِن رُؤْيَتِكم ذِلَّتِي بِقِلَّةِ الأمْوالِ والأعْوانِ، ومَنعِ عِزَّتِكم بِهِما عَنْ الِانْقِيادِ لِي ﴿وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِحُجَجِهِ وبَراهِينِهِ، أوْ تَخْوِيفِي بِعَذابِهِ ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أيِ اعْتَمَدْتُ في دَفْعِ ما قَصَدْتُمُونِي بِهِ ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ أيْ شَأْنَكم في إهْلاكِي ﴿وشُرَكاءَكُمْ﴾ يَعْنِي آلِهَتَهم وهو تَهَكُّمٌ بِهِمْ، أوْ نُظَراءَهم في الشِّرْكِ. و(الواوُ) بِمَعْنى مَعَ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى (أمْرَكُمْ) بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ: وأمْرَ شُرَكائِكُمْ، أوْ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ، أيِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ، وذَلِكَ لِأنَّ (أجْمَعَ) يَتَعَلَّقُ بِالمَعانِي، يُقالُ: (أجْمَعَ الأمْرَ إذا نَواهُ وعَزَمَ عَلَيْهِ): ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ أيْ مَسْتُورًا. مِن (غَمَّهُ إذا سَتَرَهُ) بَلْ مَكْشُوفًا تُجاهِرُونَنِي بِهِ ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾ أيْ أدُّوا إلَيَّ ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي تُرِيدُونَ بِي ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ ولا تُمْهِلُونِي.
10:72Page 217
فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَمَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٧٢
And if you turn away [from my advice] - then no payment have I asked of you. My reward is only from Allāh, and I have been commanded to be of the Muslims [i.e., those who submit to Allāh]."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٢ ] ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ عَنِ الإيمانِ بِما جِئْتُكم بِهِ ﴿فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ أيْ جُعْلٍ عَلى عِظَتِكُمْ، أيْ فَلا باعِثَ لَكم عَلى التَّوَلِّي والنُّفُورِ ﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ ما ثَوابِي عَلى التَّذْكِيرِ إلّا عَلَيْهِ تَعالى، يُثِيبُنِي بِهِ، آمَنتُمْ أوْ تَوَلَّيْتُمْ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ وحْدَهُ بِالإيمانِ بِهِ، ونَبْذِ كُلِّ مَعْبُودٍ دُونَهُ.
10:73Page 217
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ خَلَٰٓئِفَ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٧٣
And they denied him, so We saved him and those with him in the ship and made them successors, and We drowned those who denied Our signs. Then see how was the end of those who were warned.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٣ ] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ يَعْنِي نُوحًا بِما جاءَهُمْ، عِنادًا، بَعْدَ أنْ قامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ، فَحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ ﴿فَنَجَّيْناهُ﴾ أيْ مِنَ الغَرَقِ ﴿ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ (p-٣٣٨٢)وجَعَلْناهم خَلائِفَ﴾ أيْ خُلَفاءَ عَنِ المُغْرَقِينَ وعُمّارَ الأرْضِ ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ مُنْتَهى أمْرِهِمْ. والمُرادُ بِـ (المُنْذَرِينَ) المُكَذِّبِينَ. والتَّعْبِيرُ بِهِ إشارَةٌ إلى إصْرارِهِمْ عَلَيْهِ، حَيْثُ لَمْ يَفِدِ الإنْذارُ فِيهِمْ. وقَدْ جَرَتِ السُّنَّةُ الرَّبّانِيَّةُ أنْ لا يَهْلَكَ قَوْمٌ بِالِاسْتِئْصالِ إلّا بَعْدَ الإنْذارِ؛ لِأنَّ مَن أُنْذِرَ فَقَدْ أُعْذِرَ. وفي الأمْرِ بِالنَّظَرِ تَهْوِيلٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ، وتَحْذِيرٌ لِمَن كَذَّبَ الرَّسُولَ ﷺ وتَسْلِيَةٌ لَهُ.
10:74Page 217
ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ نَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٧٤
Then We sent after him messengers to their peoples, and they came to them with clear proofs. But they were not to believe in that which they had denied before.1 Thus We seal over the hearts of the transgressors.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٤ ] ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ ﴿رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ﴾ يَعْنِي هُودًا وصالِحًا وإبْراهِيمَ ولُوطًا وشُعَيْبًا ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمُ، المُفِيدَةِ هِدايَتَهم ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَعَوُّدِهِمْ تَكْذِيبَ الحَقِّ، وتَمَرُّنِهِمْ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ بِعْثَةِ الرُّسُلِ أهْلَ جاهِلِيَّةً، مُكَذِّبِينَ بِالحَقِّ فَحالُهم بَعْدَها كَحالِهِمْ قَبْلَها، هَذا عَلى أنَّ ضَمِيرَ (كانُوا) و(كَذَّبُوا) لِقَوْمِ الرُّسُلِ. وجازَ عَوْدُ ضَمِيرِ (كانُوا) لِقَوْمِ الرُّسُلِ، و(كَذَّبُوا) لِقَوْمِ نُوحٍ. أيْ ما كانَ قَوْمُ الرُّسُلِ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ أيْ بِمِثْلِهِ ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ أيِ المُجاوِزِينَ مُقْتَضَياتِ حَقائِقِ الأشْياءِ بِخِذْلانِهِمْ.
10:75Page 217
ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ ٧٥
Then We sent after them Moses and Aaron to Pharaoh and his establishment with Our signs, but they behaved arrogantly and were a criminal people.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٥ ] ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ ﴿مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ (p-٣٣٨٣)ومَلَئِهِ بِآياتِنا﴾ يَعْنِي التِّسْعَ ﴿فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ كُفّارًا ذَوِي آثامٍ عِظامٍ.
10:76Page 217
فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰذَا لَسِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧٦
So when there came to them the truth from Us, they said, "Indeed, this is obvious magic."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٦ ] ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾
﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا﴾ يَعْنِي الآياتِ المُزِيحَةَ لِلشَّكِّ ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي مِن فَرْطِ التَّمَرُّدِ ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ تَلْبِيسٌ ظاهِرٌ.
10:77Page 217
قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمۡۖ أَسِحۡرٌ هَٰذَا وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّٰحِرُونَ ٧٧
Moses said, "Do you say [thus] about the truth when it has come to you? Is this magic? But magicians will not succeed."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٧ ] ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾
﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ﴾ أيْ عَلى وجْهٍ لَمْ يَتْرُكْ لَكم شُبْهَةً مَقالَتُكُمُ الحَمْقى، مِن أنَّهُ سِحْرٌ، فَحُذِفَ المَحْكِيُّ المَقُولُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ مِن قَوْلِ مُوسى لا مِن قَوْلِهِمْ. فَهو مُسْتَأْنِفٌ لِإنْكارِ كَوْنِهِ سِحْرًا، وتَكْذِيبٍ لِقَوْلِهِمْ، وتَوْبِيخٍ لَهم عَلى ذَلِكَ إثْرَ تَوْبِيخٍ. ولَيْسَ ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مِقْوَلَهُمْ، لِأنَّهم بَتُّوا القَوْلَ بِأنَّهُ سِحْرٌ، فَكَيْفَ يَسْتَفْهِمُونَ عَنْهُ؟ -كَذا قِيلَ-.
ولا أرى مانِعًا مِن أنْ يَكُونَ مَقُولَهُمْ، والهَمْزَةُ وُسِّطَتْ مَزِيدَةً لِتَكُونَ مُؤَكِّدَةً لِما قَبْلَها مِن الِاسْتِفْهامِ، ومِن لَطائِفِها الِاحْتِراسُ عَنْ إيهامِ فاعِلِيَّةِ سِحْرٍ لِـ ﴿جاءَكُمْ﴾ بادِئَ بَدْءٍ، وأُسْلُوبُ القُرْآنِ فَوْقَ كُلِّ أُسْلُوبٍ. أوِ الهَمْزَةُ ومَدْخُولُها مِن مَقُولِهِمُ الأوَّلِ، حِينَ فُوجِئُوا بِخارِقَةِ مُوسى، وقَوْلُهُمُ المَذْكُورُ قَبْلُ ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ [يونس: ٧٦] حِكايَةً لِقَوْلِهِمُ الَّذِي بَتُّوا عَلَيْهِ أمْرَهم. ثُمَّ رَأيْتُ النّاصِرَ في (الِانْتِصافِ) أشارَ لِهَذا حَيْثُ قالَ:
وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ -يَعْنِي قِراءَةَ ((آالسِّحْرُ))- عَلى الِاسْتِفْهامِ، فَفِيها -واللَّهُ أعْلَمُ- إرْشادٌ إلى أنَّ قَوْلَ مُوسى أوَّلًا: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾ حِكايَةً لِقَوْلِهِمْ، ويَكُونُ: (p-٣٣٨٤)﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ هو الَّذِي قالُوهُ. ولا يُناقِضُ ذَلِكَ حِكايَةَ اللَّهِ عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] وذَلِكَ إمّا لِأنَّهم قالُوا الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، بَدَؤُوا بِالِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْتارِ بِالحَقِّ والِاسْتِهْزاءِ بِكَوْنِهِ حَقًّا، والِاسْتِهْزاءُ بِالحَقِّ إنْكارٌ لَهُ بَلْ قَدْ يَكُونُ الِاسْتِفْهامُ في بَعْضِ المَواطِنِ أبَتَّ مِنَ الإخْبارِ. ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ في قَوْلِهِ: (أأنْتِ أُمُّ سالِمٍ، أبْلَغُ في البَتِّ مِن قَوْلِهِ مُخْبِرًا: أنْتِ أُمُّ سالِمٍ) ثُمَّ ثَنَّوْا بِصِيغَةِ الخَبَرِ الخاصَّةِ بِبَتِّ الإنْكارِ، ودَعْوى أنَّهُ سِحْرٌ، فَقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] فَحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذا القَوْلَ الثّانِيَ، ووَبَّخَهم مُوسى عَلى قَوْلِهِمُ الأوَّلِ، ومَعْنى العِبارَتَيْنِ ومَآلُهُما واحِدٌ. وإمّا ألّا يَكُونُوا قالُوا سِوى ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ حَسْبَما تَقَدَّمَ، فَحَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِمَآلِهِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ مُرادَهم مِن الِاسْتِفْهامِ الإنْكارُ، وبَتَّ القَوْلَ أنَّهُ سِحْرٌ، وحَكى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهم بِلَفْظِهِ، ولَمْ يُؤَدِّهِ بِعِبارَةٍ أُخْرى. وحِكايَةُ القِصَصِ المَتْلُوَّةِ في الكِتابِ العَزِيزِ بِصِيَغٍ مُخْتَلِفَةٍ، لا مَحْمَلَ لَها سِوى أنَّها مَعانٍ مَنقُولَةٌ إلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَيُتَرْجِمُ عَنْها بِالألْفاظِ المُتَرادِفَةِ المُتَساوِيَةِ المَعانِي.
وحاصِلُ هَذا البَحْثِ أنَّ قَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾ إنَّما حَكى فِيهِ قَوْلَهُمْ، ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ أنَّهُ كافَأهم عِنْدَ ما أتَوْا بِالسِّحْرِ بِمِثْلِ مَقالَتِهِمْ مُسْتَفْهِمًا، فَقالَ: ما جِئْتُمْ بِهِ آالسِّحْرُ (عَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ) قَرْضًا بِوَفاءٍ عَلى السَّواءِ، والَّذِي يُحَقِّقُ لَكَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ والإخْبارَ في مِثْلِ هَذا المَعْنى مُؤَدّاهُما واحِدٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى قَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ [يونس: ٨١] عَلى الوَجْهَيْنِ: الخَبَرِ والِاسْتِفْهامِ، عَلى ما اقْتَضَتْهُ القِراءَتانِ وهو قَوْلٌ واحِدٌ، دَلَّ أنَّ مُؤَدّى الأمْرَيْنِ واحِدٌ، ضَرُورَةَ صِدْقِ الخَبَرِ.
وإنَّما حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى تَأْوِيلِ القَوْلِ بِالتَّعْيِيبِ أوْ إضْمارِ مَفْعُولِ (تَقُولُونَ) اسْتِشْكالُ وُقُوعِ الِاسْتِفْهامِ مَحْكِيًّا بِالقَوْلِ، والمَحْكِيُّ عَنْهُمُ الخَبَرُ، وقَدْ أوْضَحْنا أنْ لا تَنافُرَ ولا تَنافِيَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.
قالَ النّاصِرُ: فَشَدَّ بِهَذا الفَصْلِ عُرى التَّمَسُّكِ، فَإنَّهُ مِن دَقائِقِ النُّكَتِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
(p-٣٣٨٥)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ مِن كَلامِ مُوسى قَطْعًا، أتى بِهِ تَقْرِيرًا لِما سَبَقَ؛ لِأنَّهُ لَمّا اسْتَلْزَمَ كَوْنُ الحَقِّ سِحْرًا، كَوْنَ مَن أتى بِهِ ساحِرًا، أكَّدَ الإنْكارَ السّابِقَ، وما فِيهِ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّجْهِيلِ بِذَلِكَ.
10:78Page 217
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَلۡفِتَنَا عَمَّا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا نَحۡنُ لَكُمَا بِمُؤۡمِنِينَ ٧٨
They said, "Have you come to us to turn us away from that upon which we found our fathers and so that you two may have grandeur in the land? And we are not believers in you."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٨ ] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾
﴿قالُوا﴾ أيْ لِمُوسى ﴿أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا﴾ أيْ لِتَصْرِفَنا ﴿عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ يَعْنُونَ عِبادَةَ الأصْنامِ ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ﴾ أيِ المُلْكُ والسُّلْطانُ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ مِصْرَ ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لِتَبْقى عِزَّتُنا.
10:79Page 218
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ٱئۡتُونِي بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٖ ٧٩
And Pharaoh said, "Bring to me every learned magician."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٩ ] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ أيْ حِفْظًا لِعِزَّتِهِ، ودَفْعًا لِتَعَزُّزِ مُوسى ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ ماهِرٍ في فَنِّهِ.
10:80Page 218
فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ ٨٠
So when the magicians came, Moses said to them, "Throw down whatever you will throw."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٠ ] ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾
﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ مِن أصْنافِ السِّحْرِ، قالَ بَعْضُهُمْ: جَوازُ الأمْرِ بِالسِّحْرِ لِدَحْضِهِ، وكَذَلِكَ طَلَبُ إيرادِ الشُّبَهِ لِتُحَلَّ.
10:81Page 218
فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨١
And when they had thrown, Moses said, "What you have brought is [only] magic. Indeed, Allāh will expose its worthlessness. Indeed, Allāh does not amend the work of corrupters.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨١ ] ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾
﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ عِصِيَّهم وحِبالَهم لِيُضاهُوا مُعْجِزَةَ مُوسى بِعَصاهُ ﴿قالَ مُوسى (p-٣٣٨٦)ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ أيْ هو السِّحْرُ، لا ما جِئْتُكم بِهِ مِمّا سَمَّيْتُمُوهُ سِحْرًا: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ سَيَمْحَقُهُ بِالكُلِّيَّةِ بِمُعْجِزَتِي، فَلا يَبْقى لَهُ أثَرٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ بَلْ يُسَلِّطُ عَلَيْهِ الدَّمارَ.
10:82Page 218
وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨٢
And Allāh will establish the truth by His words, even if the criminals dislike it."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٢ ] ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾
﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ أيْ يُثَبِّتُهُ ويُقَوِّيهِ بِها ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى:
10:83Page 218
فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٞ مِّن قَوۡمِهِۦ عَلَىٰ خَوۡفٖ مِّن فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِمۡ أَن يَفۡتِنَهُمۡۚ وَإِنَّ فِرۡعَوۡنَ لَعَالٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٨٣
But no one believed Moses, except [some] offspring [i.e., youths] among his people, for fear of Pharaoh and his establishment that they would persecute them. And indeed, Pharaoh was haughty within the land, and indeed, he was of the transgressors.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٣ ] ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهم وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾
﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ مِن مَواقِعَ أُخَرَ، أيْ ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥] إلَخْ. قِيلَ: الضَّمِيرُ مِن ﴿قَوْمِهِ﴾ لِفِرْعَوْنَ، وهم ناسٌ يَسِيرُ مِن قَوْمِهِ، آمَنُوا بِهِ سِرًّا، والأظْهَرُ أنَّهم قَوْمُ مُوسى، وهم بَنُو إسْرائِيلَ، الَّذِينَ كانُوا بِمِصْرَ مِن أوْلادِ يَعْقُوبَ، فَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أيْ يُعَذِّبَهم ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ﴾ أيْ مُسْتَكْبِرٌ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ مِصْرَ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ أيِ المُتَجاوِزِينَ الحَدَّ بِالظُّلْمِ والفَسادِ، وبِادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ.
10:84Page 218
وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوۡمِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيۡهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسۡلِمِينَ ٨٤
And Moses said, "O my people, if you have believed in Allāh, then rely upon Him, if you should be Muslims [i.e., submitting to Him]."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٤ ] ﴿وقالَ مُوسى يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾
﴿وقالَ مُوسى﴾ أيْ تَطْمِينًا لِقُلُوبِهِمْ، وإزالَةً لِلْخَوْفِ عَنْهم ﴿يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ (p-٣٣٨٧)أيْ فَإلَيْهِ أسْنِدُوا أمْرَكم في العِصْمَةِ مِمّا تَخافُونَ، وبِهِ ثِقُوا، فَإنَّهُ كافِيكم ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] وقَوْلُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ أيْ مُخْلِصِينَ وُجُوهَكم لَهُ.
قالَ القاشانِيُّ: جَعَلَ التَّوَكُّلَ مِن لَوازِمِ الإسْلامِ، وهو إسْلامُ الوَجْهِ لِلَّهِ تَعالى، أيْ: إنْ كَمُلَ إيمانُكم ويَقِينُكُمْ، بِحَيْثُ أثَّرَ في نُفُوسِكُمْ، وجَعَلَها خالِصَةً لِلَّهِ؛ لَزِمَ التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ. وإنْ أُرِيدَ (الإسْلامُ) بِمَعْنى الِانْقِيادِ، كانَ شَرْطًا في التَّوَكُّلِ، لا مَلْزُومًا لَهُ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْناهُ: إنْ صَحَّ إيمانُكم يَقِينًا فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا، بِشَرْطِ أنْ تَكُونُوا مُنْقادِينَ. كَما تَقُولُ: إنْ كَرِهْتَ هَذا الشَّجَرَ فاقْلَعْهُ إنْ قَدِرْتَ -انْتَهى-.
وقالَ الكَرْخِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ. فَقَوْلُهُ ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ جَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلِ، والشَّرْطُ الثّانِي وهو ﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ شَرْطٌ في الأوَّلِ. وذَلِكَ أنَّ الشَّرْطَيْنِ مَتى لَمْ يَتَرَتَّبا في الوُجُودِ، فالشَّرْطُ الثّانِي شَرْطٌ في الأوَّلِ. ولِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ تَقْدِيمُهُ عَلى الأوَّلِ. قالَ الفُقَهاءُ: المُتَأخِّرُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا، والمُتَقَدِّمُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا، مِثالُهُ: قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا، فَمَجْمُوعُ قَوْلِهِ: (إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ) مَشْرُوطٌ بِقَوْلِهِ (إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا) والمَشْرُوطُ مُتَأخِّرٌ عَنِ الشَّرْطِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُتَأخِّرُ في اللَّفْظِ، مُتَقَدِّمًا في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ المُتَقَدِّمُ في اللَّفْظِ مُتَأخِّرًا في المَعْنى، فَكَأنَّهُ يَقُولُ لِامْرَأتِهِ: حالَ ما كَلَّمْتِ زَيْدًا إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا المُعَلَّقُ قَبْلَ إنْ كَلَّمَتْ زَيْدًا لَمْ يَقَعِ الطَّلاقُ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ﴾ إلَخْ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كَوْنُهم مُسْلِمِينَ شَرْطًا لِأنْ يَصِيرُوا مُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُسْلِمِ حالَ إسْلامِهِ: إنْ كُنْتَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْ. والأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ الإسْلامَ عِبارَةٌ عَنْ الِاسْتِسْلامِ، (p-٣٣٨٨)وهُوَ الِانْقِيادُ لِتَكالِيفِ اللَّهِ، وتَرْكُ التَّمَرُّدِ والإيمانُ عِبارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ القَلْبِ بِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، وما سِواهُ مُحْدَثٌ تَحْتَ تَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ. وإذا حَصَلَتْ هاتانِ الحالَتانِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُفَوِّضُ العَبْدُ جَمِيعَ أُمُورِهِ إلَيْهِ تَعالى، ويَحْصُلُ في القَلْبِ نُورُ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى. انْتَهى.
10:85Page 218
فَقَالُواْ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَا رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٥
So they said, "Upon Allāh do we rely. Our Lord, make us not [objects of] trial for the wrongdoing people
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٥ ] ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لَهُمْ، أيْ عَذابٌ يُعَذِّبُونَنا ويَفْتِنُونَنا عَنْ دِينِنا. قالَ الحاكِمُ: دَلَّتْ عَلى حُسْنِ السُّؤالِ بِالنَّجاةِ مِنَ الظُّلْمَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences