Al-QasimiYunus · 10:86–97

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:86–97

10:86Page 218

وَنَجِّنَا بِرَحۡمَتِكَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٦

And save us by Your mercy from the disbelieving people."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٦ ] ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾

﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِن كَيْدِهِمْ، ومِن شُؤْمِ مُشاهَدَتِهِمْ، والعُبُودِيَّةِ لَهم.

قالَ القاضِي: وفي تَقْدِيمِ التَّوَكُّلِ عَلى الدُّعاءِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتَوَكَّلَ أوَّلًا، لِتُجابَ دَعْوَتُهُ.

10:87Page 218

وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٧

And We inspired to Moses and his brother, "Settle your people in Egypt in houses and make your houses [facing the] qiblah1 and establish prayer and give good tidings to the believers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٧ ] ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾

﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ أيِ اتَّخِذا بِها بُيُوتًا مَباءَةً تُلازِمُونَها لِتَجْتَمِعَ كَلِمَتُكم في شَأْنِكم ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ مُصَلًّى ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ في بُيُوتِكُمْ، قالَ بَعْضُهُمْ: كانُوا خائِفِينَ، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ كَتْمِ الصَّلاةِ عِنْدَ الخَوْفِ. ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِالنُّصْرَةِ في الدُّنْيا، والجَنَّةِ في العُقْبى.

10:88Page 218

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيۡتَ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةٗ وَأَمۡوَٰلٗا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَۖ رَبَّنَا ٱطۡمِسۡ عَلَىٰٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ وَٱشۡدُدۡ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٨٨

And Moses said, "Our Lord, indeed You have given Pharaoh and his establishment splendor and wealth in the worldly life, our Lord, that they may lead [men] astray from Your way. Our Lord, obliterate their wealth and harden their hearts so that they will not believe until they see the painful punishment."

(p-٣٣٨٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٨ ] ﴿وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً وأمْوالا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾

﴿وقالَ مُوسى﴾ أيْ يَدْعُو اللَّهَ تَعالى في إذْهابِ عِزَّةِ فِرْعَوْنَ ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً﴾ أيْ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مِنَ اللِّباسِ والمَراكِبِ والحُلِيِّ ﴿وأمْوالا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ أيْ بِالتَّكَبُّرِ عَلَيْكَ وعَلى آياتِكَ ورُسُلِكَ. وقَوْلُهُ " لِيُضِلُّوا" مُتَعَلِّقٌ بِـ " آتَيْتَ"، وأُعِيدَ " رَبَّنا" تَوْكِيدًا، و(لامُ) " لِيُضِلُّوا" لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ. أيْ: آتَيْتَهُمُ النِّعَمَ المَذْكُورَةَ لِيَشْكُرُوها ويَتَّبِعُوا سَبِيلَكَ، فَكانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ أنَّهم كَفَرُوا وضَلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، وتَجْوِيزُ جَعْلِ اللّامِ لِلْعِلَّةِ اسْتِدْراجًا، أوْ لامَ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ -تَوَسُّعٌ في غَيْرِ مُتَّسَعٍ، ونُبُوٌّ عَنْ لُطْفِ المَساقِ وسِرِّهِ، فَإنَّ مُوسى لَمّا رَأى القَوْمَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ والعِنادِ أخَذَ في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، ومِن حَقِّ مَن يَدْعُو عَلى الغَيْرِ أنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْ دُعائِهِ ما دَفَعَهُ واضْطَرَّهُ إلى الِابْتِهالِ؛ لِتَحِقَّ إجابَتُهُ، ولِذا بَيَّنَ أوَّلًا ضَلالَهم عَنِ السَّبِيلِ بِكُفْرانِهِمْ لِلنِّعَمِ، وعُتُوِّهِمْ عَلى المُحْسِنِ بِها تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ أيْ أهْلِكْها؛ لِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِنِعْمَتِكَ عَلى مَعْصِيَتِكَ. وأصْلُ (الطَّمْسِ) مَحْوُ الأثَرِ والتَّغْيِيرُ ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيِ اجْعَلْها قاسِيَةً، واطْبَعْ عَلَيْها، حَتّى لا تَنْشَرِحَ لِلْإيمانِ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ يُعايِنُوهُ ويُوقِنُوا بِهِ، بِحَيْثُ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ إذْ ذاكَ، وقَوْلُهُ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ جَوابٌ لِلدُّعاءِ، أوْ دُعاءٌ بِلَفْظِ النَّهْيِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الدَّعْوَةُ كانَتْ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَضَبًا لِلَّهِ ولِدِينِهِ عَلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ الَّذِينَ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولا يَجِيءُ مِنهم شَيْءٌ. كَما دَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ (p-٣٣٩٠)فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٧] ولِهَذا اسْتَجابَ تَعالى لِمُوسى فِيهِمْ هَذِهِ الدَّعْوَةَ الَّتِي شَرَكَهُ فِيها أخُوهُ هارُونُ كَما أخْبَرَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

10:89Page 219

قَالَ قَدۡ أُجِيبَت دَّعۡوَتُكُمَا فَٱسۡتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٨٩

[Allāh] said, "Your supplication has been answered."1 So remain on a right course and follow not the way of those who do not know."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٩ ] ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾

﴿قالَ﴾ تَعالى ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما﴾ أيْ عَلى أمْرِي، ولا تَعْجَلا، فَإنَّ مَطْلُوبَكُما كائِنٌ في وقْتِهِ لا مَحالَةَ ﴿ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ في الِاسْتِعْجالِ، أوْ عَدَمِ الوُثُوقِ بِوَعْدِهِ تَعالى، أوْ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى إجابَتِهِ دُعاءَهُما في إهْلاكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

10:90Page 219

۞ وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩٠

And We took the Children of Israel across the sea, and Pharaoh and his soldiers pursued them in tyranny and enmity until, when drowning overtook him, he said, "I believe that there is no deity except that in whom the Children of Israel believe, and I am of the Muslims."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٠ ] ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهُمْ﴾ أيْ لَحِقَهم ﴿فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا﴾ أيْ لِأجْلِ البَغْيِ عَلَيْهِمْ والِاعْتِداءِ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ﴾ يَرْجُو النَّجاةَ مِنَ الغَرَقِ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَغِبَ إلى فِرْعَوْنَ أنْ يُطْلِقَ الإسْرائِيلِيِّينَ مِن عُبُودِيَّتِهِ، ويَأْذَنُ لَهم بِالسَّراحِ إلى فِلَسْطِينَ لِيَعْبُدُوا رَبَّهُمْ، أبى وتَمَرَّدَ، فَضَرَبَهُ اللَّهُ وقَوْمَهُ بِالآياتِ التِّسْعِ، كَما (p-٣٣٩١)تَقَدَّمَ في سُورَةِ (الأعْرافِ) فَأذِنَ لِمُوسى وشَعْبِهِ بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ، فارْتَحَلَ بَنُو إسْرائِيلَ جَمِيعًا بِمَواشِيهِمْ وأثاثِهِمْ، ثُمَّ نَدِمَ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ عَلى إطْلاقِهِمْ مِن خِدْمَتِهِمْ، فاشْتَدَّ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ في أثَرِهِمْ لِيَرُدُّهُمْ، فَأدْرَكَهم وهم نازِلُونَ عِنْدَ البَحْرِ، فَرَهِبَ الإسْرائِيلِيُّونَ مِن مَقْدِمِهِ، وضَجُّوا إلى مُوسى، فَسَكَّنَ رَوْعَهُمْ، وأعْلَمَهم ما يُشاهِدُونَ مِن نَجاتِهِمْ، وهَلاكِ عَدُوِّهِمْ، وأوْحى تَعالى إلى مُوسى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ البَحْرَ، فانْشَقَّ، ودَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ في وسَطِهِ عَلى اليُبْسِ الَّذِي جَعَلَهُ تَعالى آيَةً كُبْرى، ونَفَذُوا مِنهُ إلى شاطِئِهِ، وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، حَتّى إذا تَوَسَّطُوا البَحْرَ، مَدَّ مُوسى يَدَهُ عَلى البَحْرِ، فارْتَدَّ إلى ما كانَ عَلَيْهِ، وغَرِقَ فِرْعَوْنُ بِمَن مَعَهُ. ولَمّا أحَسَّ بِالغَرَقِ، لاذَ إلى الإيمانِ يَبْغِي النَّجاةَ، فَقِيلَ لَهُ:

10:91Page 219

ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ عَصَيۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٩١

Now? And you had disobeyed [Him] before and were of the corrupters?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩١ ] ﴿آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾

﴿آلآنَ﴾ أيْ تُؤْمِنُ وتُسَلِّمُ لِتَنْجُوَ مِنَ الغَرَقِ ﴿وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ أيْ كَفَرْتَ بِاللَّهِ مِن قَبْلِ الغَرَقِ، ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ بِالضَّلالِ والإضْلالِ، والظُّلْمِ والعُتُوِّ.

10:92Page 219

فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ ٩٢

So today We will save you in body1 that you may be to those who succeed you a sign. And indeed, many among the people, of Our signs, are heedless.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٢ ] ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾

﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أيْ نُخْرِجُكَ مِنَ البَحْرِ بِجَسَدِكَ الَّذِي لا رُوحَ فِيهِ، فَرَآهُ بَنُو إسْرائِيلَ مُلْقًى عَلى شاطِئِ البَحْرِ مَيِّتًا، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ إخْراجِهِ مِنَ القَعْرِ إلى الشّاطِئِ (بِالتَّنْجِيَةِ) الَّتِي هي الخَلاصُ مِنَ المَكْرُوهِ تَهَكُّمٌ واسْتِهْزاءٌ ﴿لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ ﴿آيَةً﴾ أيْ عِبْرَةً مِنَ الطُّغْيانِ والتَّمَرُّدِ عَلى أوامِرِهِ تَعالى. ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ أيْ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَعْتَبِرُونَ بِها.

(p-٣٣٩٢)تَنْبِيهٌ:

قالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ في (العِنايَةِ): لا يُقْبَلُ إيمانُ المَرْءِ حالَ اليَأْسِ والِاحْتِضارِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحُ الآيَةِ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥] وأمّا ما وقَعَ في (الفُصُوصِ) مِن صِحَّةِ إيمانِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] إيمانٌ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ -فَمُخالِفٌ لِلنَّصِّ والإجْماعِ، وإنْ ذَهَبَ إلى ظاهِرِهِ الجَلالُ الدَّوانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ. ولَهُ رِسالَةٌ فِيهِ طالَعْتُها، وكُنْتُ أتَعَجَّبُ مِنها حَتّى رَأيْتُ في (تارِيخِ حَلَبَ) لِلْفاضِلِ الحَلَبِيِّ أنَّها لَيْسَتْ لَهُ، وإنَّما هي لِرَجُلٍ يُسَمّى مُحَمَّدَ بْنَ هِلالٍ النَّحْوِيَّ. وقَدْ رَدَّها القَزْوِينِيُّ، وشَنَّعَ عَلَيْهِ وقالَ: إنَّما مِثالُهُ مِثالُ رَجُلٍ خامِلِ الذِّكْرِ، لَمّا قَدِمَ مَكَّةَ بالَ في زَمْزَمَ لِيَشْتَهِرَ بَيْنَ النّاسِ، كَما في المَثَلِ (خالِفْ تُعْرَفْ) وفي (فَتاوى ابْنِ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ) أنَّ بَعْضَ فُقَهائِنا كَفَّرَ مَن ذَهَبَ إلى إيمانِ فِرْعَوْنَ، ولِذا قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ (فِي كَلامِهِ) النَّفْسُ الأمّارَةُ، وهَذا كُلُّهُ مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ -انْتَهى كَلامُ الشِّهابِ-.

أقُولُ: ذَكَرَ شَيْخُنا العَطّارُ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ (الفَتْحُ المُبِينُ في رَدِّ اعْتِراضِ المُعْتَرِضِ عَلى مُحْيِي الدِّينِ) خاتِمَةٌ في بُطْلانِ ما نُسِبَ إلى هَذا العارِفِ مِنَ القَوْلِ بِصِحَّةِ إيمانِ فِرْعَوْنَ ونَجاتِهِ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ:

لِيَعْلَمَ أنَّهُ شاعَ فِيما بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ بِأنَّ حَضْرَةَ مُحْيِي الدِّينِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ بِإيمانِ فِرْعَوْنَ ونَجاتِهِ، والحالُ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، كَما سَتَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنَ النَّقْلِ عَنْهُ، نَعَمْ، بَحَثَ في صِحَّةِ القَوْلِ بِإيمانِ فِرْعَوْنَ ونَجاتِهِ وعَدَمِها، حَيْثُ الأخْذُ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ، فَكانَ ذَلِكَ مِنهُ مُجَرَّدَ بَحْثٍ في الدَّلِيلِ لا غَيْرَ، وما كانَ هَذا قَوْلًا بِإيمانِهِ قَطْعِيًّا، وقَدْ بَنى مَسْألَةَ نَجاةِ فِرْعَوْنَ وإيمانِهِ عَلى أصْلَيْنِ مِن أُصُولِهِ، وافَقَهُ عَلَيْهِما جَمٌّ غَفِيرٌ مِنَ العُلَماءِ الأعْلامِ.

الأصْلُ الأوَّلُ- في بَيانِ حَقِيقَةِ إيمانِ اليَأْسِ، فَإيمانُ اليَأْسِ عِنْدَهُ، وعِنْدَ جَمٍّ غَفِيرٍ مِنَ (p-٣٣٩٣)العُلَماءِ هو ما كانَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ العَذابِ البَرْزَخِيِّ، كَحالِ المُحْتَضَرِ لا غَيْرَ، فَفي هَذِهِ الحالَةِ لا يَنْفَعُ الإيمانُ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ إيمانَ اليَأْسِ ما كانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ دُنْيَوِيًّا أوْ أُخْرَوِيًّا، فالإيمانُ في أيْ حالَةٍ مِنَ الحالَتَيْنِ لا يَنْفَعُ. وعِنْدَ هَذا العارِفِ وجَماعَةٍ: أنَّ رُؤْيَةَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ لا تَمْنَعُ صِحَّةَ الإيمانِ، وإنْ أوْجَبَتِ الهَلاكَ في الدُّنْيا، فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ قاضِيَةٌ بِأنْ يَتَحَتَّمَ وُقُوعُ الهَلاكِ الدُّنْيَوِيِّ لِمَن رَأى هَذا العَذابَ، وإنْ آمَنَ ونَجا مِن عَذابِ الآخِرَةِ، إلّا قَوْمَ يُونُسَ، فَإنَّهُ تَعالى نَجّاهم مِنهُ، كَما ذَكَرَهُ تَعالى.

الأصْلُ الثّانِي- مِن أُصُولِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ لا يَتَلَفَّظُ بِمادَّةِ الإيمانِ بِقَصْدِ الإيمانِ، وإنَّ تَلَفَّظَ بِها لا يَقْصِدُهُ، فَلا بُدَّ مِن تَكْذِيبِ اللَّهِ تَعالى لَهُ، ولَوْ بِالحِكايَةِ عَنْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] وكَما قالَ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤] فَكَذَّبَهم تَعالى في دَعْواهم. وهَذا الأصْلُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٧] فَكَلِمَةُ " حَتّى" لِلْغايَةِ، فَغَيّا تَعالى إيمانَهم إلى حِينِ رُؤْيَةِ العَذابِ الألِيمِ، وهو الأُخْرَوِيُّ لا غَيْرَ، فَإنَّهُ هو الَّذِي يُوصَفُ بِالألِيمِ. ونَفى تَعالى عَنْهم وُقُوعَ الإيمانِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَوُقُوعُهُ مِنهم قَبْلَهُ قَصْدًا، مُحالٌ بِنَصِّ هَذِهِ الآيَةِ.

إذا تَقَرَّرَ هَذانِ الأصْلانِ، فَلْنَرْجِعْ إلى ما قالَهُ هَذا الحَبْرُ في شَأْنِ فِرْعَوْنَ في (الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ) وفي (الفُصُوصِ). فالَّذِي ذَكَرَهُ في (الفُتُوحاتِ) عِنْدَ ذِكْرِهِ طَبَقاتُ أهْلِ النّارِ فِيها: هو أنَّ فِرْعَوْنَ مِن أهْلِ النّارِ، حَيْثُ قالَ في هَذا البَحْثِ: كَفِرْعَوْنَ وأضْرابِهِ، فَخَصَّ لَهُ ولَهم مِنَ النّارِ طَبَقَةً مَخْصُوصَةً يُؤَبَّدُونَ فِيها. وأشارَ إلى كُفْرِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنها عِنْدَ ذِكْرِهِ هَذا الحَدِيثِ وهُوَ: ««أعُوذُ بِكَ مِنكَ»» قالَ: اسْتَعاذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن مَقامِ (p-٣٣٩٤)الِاتِّحادِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وعَلى هَذِهِ الإشارَةِ وما تَقَدَّمَ، يَكُونُ فِرْعَوْنُ كافِرًا عِنْدَهُ، كَما هو عِنْدَ عامَّةِ الخَلْقِ، وعَلى هَذا لا إشْكالَ ولا كَلامَ.

بَقِيَ القَوْلُ عَلى إيمانِ فِرْعَوْنَ ونَجاتِهِ مِن حَيْثُ الدَّلِيلُ، وهو مُجَرَّدُ بَحْثٍ مَعَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى كُفْرِهِ قَطْعِيًّا، ولَيْسَ لَهم هَذا القَطْعُ، لِما أنَّ الدَّلِيلَ القُرْآنِيَّ يُعْطِي خِلافَهُ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ﴾ [يونس: ٩٠] الآيَةَ، فَذَكَرَ فِرْعَوْنُ هُنا الإيمانَ ثَلاثَ مَرّاتٍ: اثْنَتانِ في الجَنابِ الإلَهِيِّ، والأخِيرَةُ تَعُمُّهُ، والإيمانُ بِمُوسى حَيْثُ قالَ: ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] ولَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا إلّا مَن جَمَعَ بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ.

ثُمَّ قالَ شَيْخُنا رَحِمَهُ اللَّهُ: وفي (الفُتُوحاتِ) و(الفُصُوصِ) ما حاصِلُهُ: أنَّ إيمانَهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ اليَأْسِ، لا عَلى مَذْهَبِهِ ومَذْهَبِ مَن وافَقَهُ، ولا عَلى مَذْهَبِ غَيْرِهِ. أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ إيمانَهُ كانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، لا عِنْدَ احْتِضارِهِ، والإيمانُ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ لا يُعَدُّ يَأْسًا عِنْدَهُ، وعِنْدَ جَمْعٍ. وأمّا عَلى الثّانِي، فَلِأنَّ قَوْلَ فِرْعَوْنَ ما كانَ عِنْدَ يَأْسِهِ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإنَّهُ عَلِمَ أنَّ مَن آمَنَ بِما آمَنَ بِهِ قَوْمُ مُوسى كانَ لَهُ المُشارَكَةُ في الطَّرِيقِ اليُبْسِ الَّتِي كانَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَدْ شارَكَهم في إيمانِهِمْ، فَكانَ الغالِبُ عَلى ظَنِّهِ أوْ يَقِينِهِ المُعامَلَةُ الخاصَّةُ بِالمُؤْمِنِينَ والمُشاهِدَةُ لَهُ، وما عَلِمَ سُنَّةَ اللَّهِ في خَلْقِهِ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الهَلاكِ الدُّنْيَوِيِّ لِمَن كانَتْ حالَتُهُ كَذَلِكَ، والهَلاكُ في الدُّنْيا لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ النَّجاةِ في الآخِرَةِ، وهو ظاهِرٌ. وعَلى هَذا فَإيمانُهُ لَمْ يَكُنْ حالَ اليَأْسِ عَلى المَذْهَبَيْنِ، فالأوَّلُ بِيَقِينٍ، والثّانِي بِحَسَبِ ما يَظْهَرُ، ولا بُعْدَ بِأنَّهُ كانَ طامِعًا في النَّجاةِ بِيَقِينٍ، لِعُمُومِ المُشارَكَةِ. هَذا، وإنَّ مَذْهَبَ هَذا العارِفِ الخاصِّ بِهِ هو البِناءُ عَلى اتِّساعِ الرَّحْمَةِ الإلَهِيَّةِ، والأخْذِ بِالظَّواهِرِ مِنَ الآياتِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمّا ذَكَرَ البَحْثَ في شَأْنِ إيمانِ فِرْعَوْنَ ونَجاتِهِ، مَعَ مَن قالَ بِخِلافِهِما، قالَ: إنَّ الوَقْفَ في شَأْنِ إيمانِ فِرْعَوْنَ هو الأسْلَمُ، لِما شاعَ عِنْدَ الخَلْقِ عامَّةً مِن شَقائِهِ، وهَذا مِنهُ صَرِيحٌ في أنَّهُ كانَ باحِثًا في إيمانِهِ ونَجاتِهِ مِن ظاهِرِ اللَّفْظِ القُرْآنِيِّ بَحْثًا، لا جازِمًا بِهِما -انْتَهى مُلَخَّصًا-.

(p-٣٣٩٥)ثُمَّ أنْبَأ تَعالى عَمّا أنْعَمَ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ إثْرَ نِعْمَةِ إنْجائِهِمْ مِن عَدُوِّهِمْ وإهْلاكِهِ، وإخْلالِهِمْ بِشُكْرِها وأداءِ حُقُوقِها بِقَوْلِهِ:

10:93Page 219

وَلَقَدۡ بَوَّأۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدۡقٖ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخۡتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٩٣

And We had certainly settled the Children of Israel in an agreeable settlement and provided them with good things. And they did not differ until [after] knowledge had come to them. Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٣ ] ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾

﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ أُضِيفَ المَكانُ إلى الصِّدْقِ؛ لِأنَّ عادَةَ العَرَبِ إذا مَدَحَتْ شَيْئًا، أنْ تُضِيفَهُ إلى الصِّدْقِ، تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ. وقَدَمُ صِدْقٍ. وقالَ تَعالى: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] و﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] إذا كانَ عامِلًا في صِفَةٍ صالِحًا لِلْغَرَضِ المَطْلُوبِ مِنهُ، كَأنَّهم لاحَظُوا أنَّ كُلَّ ما يَظُنُّ بِهِ فَهو صادِقٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وهي المَنُّ والسَّلْوى في التِّيهِ وبَعْدَهُ، مِمّا فاضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأرْضِ الَّتِي تَدُرُّ لَبَنًا وعَسَلًا ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ ما تَفَرَّقُوا عَلى مَذاهِبَ شَتّى في أمْرِ دِينِهِمْ، إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ الحاسِمُ لِكُلِّ شُبْهَةٍ، وهو ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الوَحْيِ، الَّذِي يَتْلُونَهُ. أيْ: وما كانَ حَقُّهم أنْ يَخْتَلِفُوا، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُمْ، وأزاحَ عَنْهُمُ اللَّبْسَ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في النَّعْيِ عَلَيْهِمُ اخْتِلافَهُمْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] وقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [آل عمران: ١٩] وفِيهِ أكْبَرُ زاجِرٍ وأعْظَمُ واعِظٍ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ، والتَّفَرُّقِ فِيهِ.

﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ فَيُمَيِّزُ المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ بِالإنْجاءِ والإهْلاكِ.

10:94Page 219

فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ٩٤

So if you are in doubt, [O Muḥammad], about that which We have revealed to you, then ask those who have been reading the Scripture before you. The truth has certainly come to you from your Lord, so never be among the doubters.

(p-٣٣٩٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٤ ] ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾

﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ﴾ مِن قِصَصِ مُوسى وفِرْعَوْنَ وبَنِي إسْرائِيلَ ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ فَإنَّهُ عِنْدَهم عَلى نَحْوِ ما أُوحِيَ إلَيْكَ ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ أيِ الشّاكِّينَ في أنَّهُ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِهِ.

تَنْبِيهٌ:

لا يُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ثُبُوتُ شَكٍّ لَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإنَّ صِدْقَ الشَّرْطِيَّةِ لا يَقْتَضِي وُقُوعَها، كَقَوْلِكَ. (إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا، كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ) والسِّرُّ في مِثْلِها تَكْثِيرُ الدَّلائِلِ وتَقْوِيَتِها، لِتَزْدادَ قُوَّةُ اليَقِينِ، وطُمَأْنِينَةِ القَلْبِ، وسُكُونِ الصَّدْرِ، ولِذا أكْثَرَ تَعالى في كِتابِهِ مِن تَقْرِيرِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والرَّجْعَةِ. أوِ السِّرُّ هو الِاسْتِدْلالُ عَلى تَحْقِيقِ ما قَصَّ، والِاسْتِشْهادُ بِما في الكِتابِ المُتَقَدِّمِ، وأنَّ القُرْآنَ مُصَدِّقٌ لِما فِيهِ، أوْ وصْفُ الأحْبارِ بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ، بِصِحَّةِ ما أُنْزِلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ، أوْ تَهْيِيجُ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وتَحْرِيضُهُ لِيَزْدادَ يَقِينًا، كَما قالَ الخَلِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] وقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ قالَ حِينَ نُزُولِ الآيَةِ: «لا أشُكُّ ولا أسْألُ»» أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ -أوِ الخِطابُ لَهُ ﷺ والمُرادُ غَيْرُهُ، عَلى حَدِّ: (إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ). وفِيهِ مِن قُوَّةِ التَّأْثِيرِ في القُلُوبِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، بِمَثابَةِ (p-٣٣٩٧)ما لَوْ خاطَبَ سُلْطانٌ عامِلًا لَهُ عَلى بَلْدَتِهِ بِحُضُورِ أهْلِها بِوَصاياهُ وأوامِرِهِ الرَّهِيبَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أفْعَلَ في النُّفُوسِ، أوِ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ. أيْ: إنْ كُنْتَ أيُّها السّامِعُ في شَكٍّ مِمّا نَزَّلْنا عَلى لِسانِ نَبِيِّنا إلَيْكَ... وأيَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ [يونس: ١٠٤] فَكَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّ المَذْكُورَ في أوَّلِ الآيَةِ رَمْزًا، هُمُ المَذْكُورُونَ بَعْدُ صَراحَةً، وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَن خالَجَتْهُ شُبْهَةٌ في الدِّينِ يَنْبَغِي أنْ يُسارِعَ إلى حَلِّها بِمُقادَحَةِ العُلَماءِ المُنَبِّهِينَ عَلى الحَقِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

10:95Page 219

وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٥

And never be of those who deny the signs of Allāh and [thus] be among the losers.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٥ ] ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ هو أيْضًا مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ والتَّثْبِيتِ، وأجْرى بَعْضُهم ها هُنا قاعِدَةً، فَقالَ: النَّهْيُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، إنْ كانَ لِمَن تَلَبَّسَ بِهِ فَمَعْناهُ تَرْكُهُ، وإنْ كانَ لِغَيْرِهِ فَمَعْناهُ الثَّباتُ عَلى عَدَمِهِ، وألّا يَصْدُرَ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ كَما هُنا -انْتَهى- أوْ يَأْتِي الوَجْهانِ الأخِيرانِ قَبْلُ هُنا أيْضًا.

10:96–97Page 219

إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتۡ عَلَيۡهِمۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٩٦

Indeed, those upon whom the word [i.e., decree] of your Lord has come into effect will not believe,

وَلَوۡ جَآءَتۡهُمۡ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٩٧

Even if every sign should come to them, until they see the painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٦ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [ ٩٧ ] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٧]

﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أيْ قَوْلُهُ الكَرِيمُ، وأمْرُهُ بِعَذابِهِمْ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٧] أيْ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وأضْرابِهِمْ. أيْ: وعِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ يَرْتَفِعُ التَّكْلِيفُ فَلا يَنْفَعُهم إيمانُهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском