Al-QasimiHud · 11:114–123

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:114–123

11:114Page 234

وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ١١٤

And establish prayer at the two ends of the day and at the approach of the night. Indeed, good deeds do away with misdeeds. That is a reminder for those who remember.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٤ ] ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾

﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أيْ غَدْوَةً وعَشِيَّةً ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ أيْ وساعاتٍ مِنهُ، وهي ساعاتُهُ القَرِيبَةُ مِن آخِرِ النَّهارِ. مِن (أزْلَفَهُ) إذا قَرَّبَهُ، وازْدَلَفَ إلَيْهِ. وصَلاةُ الغَدْوَةِ: الفَجْرُ، وصَلاةُ العَشِيَّةِ: الظُّهْرُ والعَصْرُ، لِأنَّ ما بَعْدَ الزَّوالِ عَشِيٌّ، وصَلاةُ الزَّلَفِ المَغْرِبِ والعِشاءِ -كَذا في الكَشّافِ-.

والآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] (p-٣٤٩٢)فِي جَمْعِهِما لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ جَمْعًا بالِغًا غايَةَ اللُّطْفِ في بَلاغَةِ الإيجازِ. وانْتِصابُ (طَرَفَيِ النَّهارِ) عَلى الظَّرْفِ لِإضافَتِهِ إلَيْهِ. و(زُلَفًا) قَرَأها العامَّةُ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ، جَمْعُ زُلْفَةٍ، كَظُلْمَةٍ وظُلَمٍ. وقُرِئَ بِضَمِّهِما، إمّا عَلى أنَّهُ جَمْعُ زُلْفَةٍ أيْضًا، ولَكِنْ ضُمَّتْ عَيْنُهُ إتْباعًا لِفائِهِ؛ أوْ عَلى أنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ كَعُنُقٍ. أوْ جَمْعُ زَلِيفٍ بِمَعْنى زِلْفَةٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ.

وقُرِئَ بِإسْكانِ اللّامِ، إمّا بِالتَّخْفِيفِ، فَيَكُونُ فِيها ما تَقَدَّمَ، أوْ عَلى أنَّ السُّكُونَ عَلى أصْلِهِ، فَهو كَبُسْرَةٍ وبُسْرٍ، مِن غَيْرِ إتْباعٍ.

وقُرِئَ (زُلْفى) كَحُبْلى، بِمَعْنى قَرِيبَةٍ، أوْ عَلى إبْدالِ الألِفِ مِنَ التَّنْوِينِ؛ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. ونَصْبُهُ إمّا عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِعَطْفِهِ عَلى (طَرَفَيِ النَّهارِ) لِأنَّ المُرادَ بِهِ السّاعاتُ، أوْ عَلى عَطْفِهِ عَلى (الصَّلاةِ) فَهو مَفْعُولٌ بِهِ.

والزُّلْفَةُ عِنْدَ ثَعْلَبٍ أوَّلُ ساعاتِ اللَّيْلِ.

وقالَ الأخْفَشُ: مُطْلَقُ ساعاتِ اللَّيْلِ، وأصْلُ مَعْناهُ القُرْبُ. يُقالُ ازْدَلَفْ أيِ اقْتَرَبَ و(مِنَ اللَّيْلِ) صِفَةُ زُلَفًا -كَذا في (العِنايَةِ)-.

﴿إنَّ الحَسَناتِ﴾ أيِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها، بَلْ عُمْدَتُها، ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الصَّلَواتِ ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ الَّتِي قَلَّما يَخْلُو مِنها البَشَرُ، أيْ يُكَفِّرْنَها. ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ إقامَةُ الصَّلَواتِ في الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ ﴿ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ أيْ ذِكْرى لَهُ تَعالى، وإحْضارٌ لِلْقَلْبِ مَعَهُ، وتَصْفِيَةٌ مِن كُدُوراتِ اللَّهْوِ والنِّسْيانِ لِعَظَمَتِهِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي عالَجْتُ امْرَأةً في أقْصى المَدِينَةِ، وإنِّي أصَبْتُ مِنها ما دُونَ أنْ أمَسَّها، وأنا هَذا، فاقْضِ فِيَّ ما شِئْتَ! فَقالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللَّهُ تَعالى لَوْ سَتَرْتَ عَلى نَفْسِكَ. قالَ فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا. فَقامَ الرَّجُلُ فانْطَلَقَ، فَأتْبَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا فَدَعاهُ، وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ إلَخْ.

(p-٣٤٩٣)فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا لَهُ خاصَّةً؟ قالَ: «بَلْ لِلنّاسِ كافَّةً»» . أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ.

وفِي رِوايَةٍ «عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ لَهُ ﷺ: «أتْمَمْتَ الوُضُوءَ وصَلَّيْتَ مَعَنا؟» قالَ: نَعَمْ، قالَ: «فَإنَّكَ مِن خَطِيئَتِكَ كَما ولَدَتْكَ أُمُّكَ، فَلا تَعُدْ» . وقَرَأ الآيَةَ.

وفِي رِوايَةٍ: فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» والمُرادُ بِالنُّزُولِ شُمُولُها، بِنُزُولِها المُتَقَدِّمِ، لِما وقَعَ، لِأنَّها كانَتْ سَبَبًا في النُّزُولِ -كَما بَيَّنّاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ-.

وفِي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««أرَأيْتُمْ لَوْ أنَّ نَهْرًا بِبابِ أحَدِكم يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرّاتٍ، هَلْ يَبْقى مِن دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قالُوا: لا. قالَ: «فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِها الخَطايا»» . ورَواهُ البُخارِيُّ أيْضًا عَنْ جابِرٍ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنْ عُثْمانَ وسَلْمانَ.

ولِلْإمامِ أحْمَدُ عَنْ مُعاذٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها، وخالِقِ النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»» .

(p-٣٤٩٤)ولَهُ عَنْ أبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: ««إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأتْبِعْها حَسَنَةً تَمْحُها» قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أمِنَ الحَسَناتِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؟ قالَ: «هي أفْضَلُ الحَسَناتِ»» أيْ: فالحَسَناتُ مِثْلُ الصَّلاةِ والذِّكْرِ والصَّدَقَةِ والِاسْتِغْفارِ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِن أعْمالِ البِرِّ.

لَطِيفَةٌ:

أشارَ القاشانِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ إلى سِرِّ الصَّلَواتِ الخَمْسِ في أوْقاتِها بِما يَجْدُرُ الوُقُوفُ عَلَيْهِ، فَقالَ:

لَمّا كانَتِ الحَواسُّ الخَمْسُ شَواغِلَ تَشْغَلُ القَلْبَ بِما يَرِدُ عَلَيْهِ في الهَيْئاتِ الجُسْمانِيَّةِ، وتَجْذِبُهُ عَنِ الحَضْرَةِ الرَّحْمانِيَّةِ، وتَحْجُبُهُ عَنِ النُّورِ والحُضُورِ، بِالإعْراضِ عَنْ جانِبِ القُدْسِ، والتَّوَجُّهِ إلى مَعْدِنِ الرِّجْسِ، وتُبَدِّلُهُ الوَحْشَةَ بِالأُنْسِ، والكُدُورَةَ بِالصَّفاءِ؛ فُرِضَتْ خَمْسُ صَلَواتٍ، يَتَفَرَّغُ فِيها العَبْدُ لِلْحُضُورِ، ويَسُدُّ أبْوابَ الحَواسِّ؛ لِئَلّا يَرِدَ عَلى القَلْبِ شاغِلٌ يَشْغَلُهُ، وبِفْتَحِ بابِ القَلْبِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوَجُّهِ والنِّيَّةِ؛ لِوُصُولِ مَدَدِ النُّورِ، ويَجْمَعُ هَمَّهُ عَنِ التَّفَرُّقِ، ويَسْتَأْنِسُ بِرَبِّهِ عَنِ التَّوَحُّشِ، مَعَ اتِّحادِ الوُجْهَةِ، وحُصُولِ الجَمْعِيَّةِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الصَّلَواتُ خَمْسَةَ أبْوابٍ مَفْتُوحَةٍ لِلْقَلْبِ، عَلى جَنابِ الرَّبِّ، يَدْخُلُ عَلَيْهِ بِها النُّورُ بِإزاءِ تِلْكَ الخَمْسَةِ المَفْتُوحَةِ إلى جانِبِ الغُرُورِ، ودارًا لِلْعَيْنِ الغَرُورِ، الَّتِي تَدْخُلُ بِها الظُّلْمَةُ لِيُذْهِبَ النُّورُ الوارِدُ آثارَ ظُلُماتِها، ويَكْسَحُ غُبارَ كُدُوراتِها. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾

وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ: ««إنَّ الصَّلاةَ إلى الصَّلاةِ كَفّارَةُ ما بَيْنَهُما ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ»» . وأمَرَ بِإقامَتِها طَرَفَيِ النَّهارِ، لِيَنْسَحِبَ حُكْمُها بِبَقاءِ الجَمْعِيَّةِ، واسْتِيلاءِ الهَيْئَةِ النُّورِيَّةِ، في أوَّلِهِ إلى سائِرِ الأوْقاتِ، فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ، لِدَوامِ ذَلِكَ الحُضُورِ، (p-٣٤٩٥)وبَقاءِ ذَلِكَ النُّورِ، ويَكْسَحُ ويُزِيلُ في آخِرِهِ ما حَصَلَ في سائِرِ الأوْقاتِ مِنَ التَّفْرِقَةِ والكُدُورَةِ. ولِما كانَتِ القُوى الطَّبِيعِيَّةُ المُدَبِّرَةُ لِأمْرِ الغِذاءِ سُلْطانُها في اللَّيْلِ، وهي تَجْذِبُ النَّفْسَ إلى تَدْبِيرِ البَدَنِ بِالنَّوْمِ عَنْ عالَمِها الرُّوحانِيِّ، وتَحْجِزُها عَنْ شَأْنِها الخاصِّ بِها، الَّذِي هو مُطالَعَةُ عالَمِ القُدْسِ بِشَغْلِها بِاسْتِعْمالِ آلاتِ الغِذاءِ، لِعِمارَةِ الجَسَدِ، فَتَسْلُبُها اللَّطافَةَ، وتُكَدِّرُها بِالغِشاوَةِ؛ احْتِيجَ إلى تَلْطِيفِها وتَصْفِيَتِها بِاليَقَظَةِ، وتَنْوِيرِها بِالصَّلاةِ، فَقالَ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:

11:115Page 234

وَٱصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٥

And be patient, for indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٥ ] ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾

﴿واصْبِرْ﴾ أيْ عَلى مَشاقِّ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ، أوْ عَلى ما يَقُولُونَ، أوْ عَلى الصَّلاةِ كَقَوْلِهِ: ﴿واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢] ولا مانِعَ مِن شُمُولِهِ لِلْكُلِّ.

﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ في أعْمالِهِمْ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم مِن غَيْرِ بَخْسٍ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الإضاعَةِ، لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ، وإبْرازِ الإثابَةِ في مَعْرِضِ الأُمُورِ الواجِبَةِ، مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ الصَّبْرَ عَلى ما ذُكِرَ مِن بابِ الإحْسانِ. انْتَهى.

وأشارَ الشِّهابُ في (العِنايَةِ) هُنا إلى لَطِيفَةٍ مِنَ البَلاغَةِ القُرْآنِيَّةِ، وهو أنَّ الأوامِرَ بِأفْعالِ الخَيْرِ أُفْرِدَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وإنْ كانَتْ عامَّةً في المَعْنى، وفي المَنهِيّاتِ جُمِعَتْ لِلْأُمَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

11:116Page 234

فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ ١١٦

So why were there not1 among the generations before you those of enduring discrimination forbidding corruption on earth - except a few of those We saved from among them? But those who wronged pursued what luxury they were given therein, and they were criminals.

(p-٣٤٩٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٦ ] ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾

﴿فَلَوْلا كانَ﴾ أيْ فَهَلّا وُجِدَ ﴿مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾ أيْ بِعَمَلِ الشُّرُورِ والمُنْكِراتِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ مِنهم ناهُونَ لَمْ يُؤْخَذِ الباقُونَ ﴿إلا قَلِيلا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. أيْ لَكِنَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنَ القُرُونِ نَهَوْا عَنِ الفَسادِ، وسائِرُهم تارِكُونَ لِلنَّهْيِ.

لَطِيفَةٌ:

(البَقِيَّةُ) إمّا بِمَعْنى الباقِيَةِ، والتَّأْنِيثُ لِمَعْنى الخَصْلَةِ أوِ القِطْعَةِ، أوْ بَقِيَّةٌ مِنَ الرَّأْيِ والعَقْلِ، أوْ بِمَعْنى الفَضِيلَةِ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ كالذَّبِيحَةِ. وأُطْلِقَ عَلى الفَضْلِ (بَقِيَّةٌ) اسْتِعارَةٌ مِنَ البَقِيَّةِ الَّتِي يَصْطَفِيها المَرْءُ لِنَفْسِهِ، ويَدَّخِرُها مِمّا يُنْفِقُهُ، فَإنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِأنْفَسِها. ولِذا قِيلَ: (فِي الزَّوايا خَبايا، وفي الرِّجالِ بَقايا) و(فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ القَوْمِ) أيْ مِن خِيارِهِمْ، وجَوَّزَ كَوْنَ (البَقِيَّةِ) مَصْدَرًا بِمَعْنى (البَقْوى)، كالتَّقِيَّةِ بِمَعْنى التَّقْوى، أيْ فَهَلّا كانَ مِنهم ذَوُو إبْقاءٍ عَلى أنْفُسِهِمْ، وصِيانَةٍ لَها مِن سُخْطِهِ تَعالى وعِقابِهِ.

﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أيْ ما صارُوا مُنَعَّمِينَ فِيهِ مِنَ الشَّهَواتِ، حَتّى فَجَأهُمُ العَذابُ، واتِّباعُهُ كِنايَةٌ عَنْ الِاهْتِمامِ بِهِ، وتَرْكِ غَيْرِهِ، كَما هو دَأْبُ التّابِعِ لِلشَّيْءِ.

و﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أعَمُّ مِنَ المُباشِرِينَ بِأنْفُسِهِمْ لِلْفَسادِ، ومِن تارِكِي النَّهْيِ عَنْهُ، وقَصَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى الثّانِي، لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ بِالنَّعْيِ قَبْلَهُ، حَيْثُ قالَ: أرادَ بِـ (الَّذِينَ ظَلَمُوا) تارِكِي النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ، أيْ لَمْ يَهْتَمُّوا بِما هو رُكْنٌ عَظِيمٌ مِن أرْكانِ الدِّينِ وهو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وعَقَدُوا هِمَمَهم بِالشَّهَواتِ، واتَّبَعُوا ما عَرَفُوا فِيهِ التَّنَعُّمَ والتَّتَرُّفَ، مِن حُبِّ الرِّئاسَةِ والثَّرْوَةِ، وطَلَبِ أسْبابِ العَيْشِ الهَنِيءِ، ورَفَضُوا ما وراءَ ذَلِكَ، ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ.

(p-٣٤٩٧)﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ بِاتِّباعِهِمُ المَذْكُورِ، أوْ كافِرِينَ. قالَ القاضِي: كَأنَّهُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ ما كانَ السَّبَبَ لِاسْتِئْصالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وهو فُشُوُّ الظُّلْمِ فِيهِمْ، واتِّباعِهِمْ لِلْهَوى، وتَرْكِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ مَعَ الكُفْرِ، وقَدْ أُشِيرَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى:

11:117Page 234

وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ ١١٧

And your Lord would not have destroyed the cities unjustly while their people were reformers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٧ ] ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾

﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أيْ بِأمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ، ونَهْيِهِمْ عَنِ المُنْكَرِ. و(بِظُلْمٍ) الباءُ فِيهِ إمّا لِلْمُلابَسَةِ، وهو حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أيِ اسْتَحالَ في الحِكْمَةِ أنْ يُهْلِكَ القُرى ظالِمًا لَها، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ، والإيذانِ بِأنَّ إهْلاكَ المُصْلِحِينَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ. أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ. والظُّلْمُ: الشِّرْكُ، أيْ: لا يُهْلِكُ القُرى بِسَبَبِ إشْراكِ أهْلِها وهم مُصْلِحُونَ، يَتَعاطَوْنَ الحَقَّ فِيما بَيْنَهُمْ، ولا يَضُمُّونَ إلى شِرْكِهِمْ فَسادًا آخَرَ، وذَلِكَ لِفَرْطِ رَحْمَتِهِ ومُسامَحَتِهِ في حُقُوقِهِ تَعالى. ولِذا قِيلَ: (يَبْقى المُلْكُ مَعَ الشِّرْكِ، ولا يَبْقى مَعَ الظُّلْمِ) وهَذا، وإنْ كانَ صَحِيحًا، إلّا أنَّ مَقامَ دَعْوَةِ الرُّسُلِ إلى التَّوْحِيدِ، ومَحْوِ الشِّرْكِ أوَّلًا، ثُمَّ إلى الِاسْتِقامَةِ في المُعامَلاتِ ثانِيًا؛ يَقْضِي بِحَمْلِ (الظُّلْمِ) هُنا عَلى ما هو أعَمُّ مِنَ الشِّرْكِ، وأصْنافِ المَعاصِي. وحَمْلِ الإصْلاحِ عَلى إصْلاحِهِ، والإقْلاعِ عَنْهُ بِكَوْنِ بَعْضِهِمْ مُتَصَدِّينَ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وبَعْضُهم مُتَّجِهِينَ إلى الِاتِّعاظِ، غَيْرَ مُصِرِّينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ونَحْوَهُ. كَذا أشارَ لَهُ أبُو السُّعُودِ.

11:118Page 235

وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ ١١٨

And if your Lord had willed, He could have made mankind one community; but they will not cease to differ,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٨ ] ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾

﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ مُجْتَمِعَةً عَلى الحَقِّ والإيمانِ والصَّلاحِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ أيْ في الحَقِّ، مِنهُمُ المُؤْمِنُ بِهِ، ومِنهُمُ الكافِرُ بِهِ.

11:119Page 235

إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١١٩

Except whom your Lord has given mercy, and for that He created them. But the word of your Lord is to be fulfilled that, "I will surely fill Hell with jinn and men all together."

(p-٣٤٩٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٩ ] ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهم وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾

﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أيْ لَكِنَّ ناسًا رَحِمَهم بِهِدايَتِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ، وتَوْفِيقِهِمْ لِلْكَمالِ، فاتَّفَقُوا في المَذْهَبِ والمَقْصِدِ، ووافَقُوا في السِّيرَةِ والطَّرِيقَةِ، قِبْلَتُهُمُ الحَقُّ، ودِينُهُمُ التَّوْحِيدُ والمَحَبَّةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ أقْوالٌ. أظْهَرُها أنَّهُ لِلِاخْتِلافِ الدّالِّ عَلَيْهِ (مُخْتَلِفِينَ)، فالضَّمِيرُ حِينَئِذٍ لِلنّاسِ، أيْ لِثَمَرَةِ الِاخْتِلافِ، مِن كَوْنِ فَرِيقٍ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٍ في السَّعِيرِ، خَلَقَهم. واللّامُ لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ، لِأنَّ حِكْمَةَ خَلْقِهِمْ لَيْسَ هَذا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ولِأنَّهُ لَوْ خَلَقَهم لَهُ لَمْ يُعَذِّبْهم عَلَيْهِ. أوِ الإشارَةُ لَهُ ولِلرَّحْمَةِ المَفْهُومَةِ مِن (رَحِمَ) لِتَأْوِيلِها بِـ (أنْ والفِعْلِ) أوْ كَوْنِها بِمَعْنى الخَيْرِ. وتَكُونُ الإشارَةُ لِاثْنَيْنِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] والمُرادُ لِاخْتِلافِ الجَمِيعِ ورَحْمَةِ بَعْضِهِمْ، خَلَقَهم. وهَذا مَعْزُوٌّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وإنْ كانَ الضَّمِيرُ لِـ (مِن) فالإشارَةُ لِلرَّحْمَةِ بِالتَّأْوِيلِ السّابِقِ -كَذا في (العِنايَةِ)-.

وأشارَ القاشانِيُّ إلى بَقاءِ اللّامِ عَلى مَعْناها، وهو التَّعْلِيلُ بِوَجْهٍ آخَرَ، حَيْثُ قالَ: ولِلِاخْتِلافِ خَلَقَهم لِيَسْتَعِدَّ كُلٌّ مِنهم لِشَأْنٍ وعَمَلٍ، ويَخْتارُ بِطَبْعِهِ أمْرًا وصَنْعَةً، ويَسْتَتِبُّ بِهِمْ نِظامُ العالَمِ، ويَسْتَقِيمُ أمْرُ المَعاشِ، فَهم مَحامِلُ لِأمْرِ اللَّهِ، حُمِلَ عَلَيْهِمْ حُمُولَ الأسْبابِ والأرْزاقِ وما يَتَعَيَّشُ بِهِ النّاسُ، ورَتَّبَ بِهِمْ قِوامَ الحَياةِ الدُّنْيا، كَما أنَّ الفِئَةَ المَرْحُومَةَ مَظاهِرٌ لِكَمالِهِ، أظْهَرَ اللَّهُ بِهِمْ صِفاتِهِ وأفْعالَهُ، وجَعَلَهم مُسْتَوْدَعَ حِكَمِهِ ومَعارِفِهِ وأسْرارِهِ.

(p-٣٤٩٩)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ أُحْكِمَتْ وأُبْرِمَتْ وثُبِّتَتْ وهي هَذِهِ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ والمُرادُ مِنَ " الجِنَّةِ والنّاسِ" عُصاتُهُما، والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، والقَرِينَةُ عَقْلِيَّةٌ لِما عُلِمَ مِنَ الشَّرْعِ أنَّ العَذابَ مَخْصُوصٌ بِهِمْ، وأنَّ الوَعِيدَ لَيْسَ إلّا لَهُمْ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما قِيلَ. بِـ (أجْمَعِينَ) حِينَئِذٍ ظاهِرٍ، وإنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلى العَهْدِ، وأبْقى عَلى إطْلاقِهِ، فَفائِدَةُ التَّأْكِيدِ بَيانُ أنَّ مَلْءَ جَهَنَّمَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ، لا مِن أحَدِهِما فَقَطْ، ويَكُونُ الدّاخِلُوها مِنهُما مَسْكُوتًا عَنْهُ، مَوْكُولًا إلى عِلْمِهِ تَعالى، فانْدَفَعَ ما أوْرَدَ عَلى ظاهِرِها مِنِ اقْتِضائِهِ دُخُولَ جَمِيعِ الفَرِيقَيْنِ جَهَنَّمَ. وبُطْلانُهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ. أمّا عَلى الأوَّلِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الثّانِي فالمُرادُ بِلَفْظِ (أجْمَعِينَ) تَعْمِيمُ الأصْنافِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي دُخُولَ جَمِيعِ الأفْرادِ، كَما إذا قُلْتَ: مَلَأْتُ الجِرابَ مِن جَمِيعِ أصْنافِ الطَّعامِ، فَإنَّهُ لا يَقْتَضِي ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِن كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الأصْنافِ، لا أنْ يَكُونَ فِيهِ جَمِيعُ أفْرادِ الطَّعامِ، كَقَوْلِكَ: امْتَلَأ المَجْلِسُ مِن جَمِيعِ أصْنافِ النّاسِ، لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ في المَجْلِسِ جَمِيعُ أفْرادِ النّاسِ، بَلْ يَكُونُ مِن كُلِّ فَرْدٍ صِنْفٌ، وهو ظاهِرٌ. وعَلى هَذا تَظْهَرُ فائِدَةُ لَفْظِ (أجْمَعِينَ)؛ إذْ فِيهِ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ زَعَمَ أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ -كَذا في (العِنايَةِ)-.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ مِن أنْباءِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، والقُرُونِ الخالِيَةِ، ما جَرى لَهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ -أشارَ هُنا إلى سِرِّ ذَلِكَ وحِكْمَتِهِ، بِقَوْلِهِ:

11:120Page 235

وَكُلّٗا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۚ وَجَآءَكَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَقُّ وَمَوۡعِظَةٞ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ١٢٠

And each [story] We relate to you from the news of the messengers is that by which We make firm your heart. And there has come to you, in this, the truth and an instruction and a reminder for the believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢٠ ] ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ نُقَوِّي بِهِ قَلْبَكَ لِتَصْبِرَ عَلى أذى قَوْمِكَ، وتَتَأسّى بِالرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، وتَعْلَمَ أنَّ العاقِبَةَ لَكَ كَما كانَتْ لَهم. و(كُلًّا) مَفْعُولُ (لِنَقُصَّ) و(مِن أنْباءِ) بَيانٌ لَهُ. و(ما نُثَبِّتُ) بَدَلٌ مِن (كُلًّا) أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ.

(p-٣٥٠٠)﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ أيِ السُّورَةِ، أوِ الأنْباءِ المُقْتَصَّةِ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ القَصَصُ الحَقُّ الثّابِتُ ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ عِبْرَةٌ لَهم يَحْتَرِزُونَ بِها عَمّا أهْلَكَ الأُمَمَ، وتَذْكِيرٌ لِما يَجِبُ أنْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ، ويَجْعَلُوهُ طَرِيقَهم وسِيرَتَهم.

11:121Page 235

وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنَّا عَٰمِلُونَ ١٢١

And say to those who do not believe, "Work according to your position; indeed, we are working.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢١ ] ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾

﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ بِهَذا الحَقِّ، ولا يَتَّعِظُونَ ولا يَتَذَكَّرُونَ ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ حالِكم مِنِ اتِّباعِ الأهْواءِ ﴿إنّا عامِلُونَ﴾ أيْ عَلى حالِنا مِنِ اتِّباعِ ما جاءَنا والِاتِّعاظِ والتَّذَكُّرِ بِهِ.

11:122Page 235

وَٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ١٢٢

And wait; indeed, we are waiting."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢٢ ] ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾

﴿وانْتَظِرُوا﴾ أيِ العَواقِبَ ﴿إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أيْ ما وُعِدْنا بِهِ مِنَ الفَتْحِ، وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ. ونَصَرَ عَبْدَهُ، فَلَهُ الحَمْدُ وحْدَهُ.

11:123Page 235

وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُ ٱلۡأَمۡرُ كُلُّهُۥ فَٱعۡبُدۡهُ وَتَوَكَّلۡ عَلَيۡهِۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٢٣

And to Allāh belong the unseen [aspects] of the heavens and the earth and to Him will be returned the matter, all of it, so worship Him and rely upon Him. And your Lord is not unaware of that which you do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢٣ ] ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ فَلا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِمّا يَجْرِي فِيهِما، فَلا تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم. ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ أيْ أمْرُ العِبادِ في الآخِرَةِ، فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ. وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وتَهْدِيدٌ لِلْكُفّارِ بِالِانْتِقامِ مِنهم. ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ فَإنَّهُ كافِيكَ ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في قُرّاءِ الجُمْهُورِ، مُناسَبَةً لِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٢١] وفي قِراءَةٍ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى تَغْلِيبِ المُخاطَبِ، أيْ أنْتَ وهم. أيْ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском