Al-QasimiHud · 11:35–43

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:35–43

11:35Page 225

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ ٣٥

Or do they say [about Prophet Muḥammad (ﷺ)], "He invented it"? Say, "If I have invented it, then upon me is [the consequence of] my crime; but I am innocent of what [crimes] you commit."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٥ ] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾

﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ أيْ قَوْمُ نُوحٍ ﴿افْتَراهُ﴾ أيِ النُّصْحُ، فَهو مِن تَتِمَّةِ نَبَأِ نُوحٍ، أوْ ضَمِيرُ الجَمْعِ لِكُفّارِ مَكَّةَ، يَعْنُونَ افْتِراءَ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِنَبَأِ نُوحٍ، جِيءَ بِهِ مُعْتَرِضًا في تَضاعِيفِهِ، تَحْقِيقًا لَهُ، وتَأْكِيدًا لِوُقُوعِهِ، وتَشْوِيقًا لِلسّامِعِينَ إلى اسْتِماعِهِ؛ إذْ بَقِيَ مِنها الأهَمُّ وهو نَتِيجَتُهُ ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي﴾ أيْ إثْمُ كَسْبِ ذَنْبِي ﴿وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾

11:36Page 225

وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦

And it was revealed to Noah that, "No one will believe from your people except those who have already believed, so do not be distressed by what they have been doing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٦ ] ﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾

﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ﴾ أيْ بَعْدَ مُبالَغَتِهِ في بَذْلِ الوُسْعِ في النُّصْحِ مَعَ عَدَمِ نَفْعِهِ إيّاهُمْ: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ لا تَحْزَنْ ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التَّكْذِيبِ والإيذاءِ، فَقَدِ انْتَهى أمْرُهُمْ، وحانَ وقْتُ الِانْتِقامِ مِنهم. وقِيلَ: المَعْنى لا تَبْتَئِسُ، أيْ لِإهْلاكِهِمْ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم إنَّما يَهْلَكُونَ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ مِن مُعانَدَتِهِمْ مَعَكَ، فَلَيْسُوا مَحَلًّا لِشَفَقَتِكَ ولا لِرَحْمَتِنا.

11:37Page 225

وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٣٧

And construct the ship under Our observation and Our inspiration and do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are [to be] drowned."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٧ ] ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾

﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ أيْ لِلتَّخَلُّصِ مِن عَذابِهِمْ ﴿بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، كَأنَّ (p-٣٤٣٥)مَعَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حِفاظًا وحُرّاسًا، يَكْلَأُونَهُ بِأعْيُنِهِمْ مِنَ التَّعَدِّي مِنَ الكَفَرَةِ، ومِنَ الزَّيْغِ في الصَّنْعَةِ ﴿ووَحْيِنا﴾ أيْ إلَيْكَ، كَيْفَ تَصْنَعُها، وتَعْلِيمِنا وإلْهامِنا. قِيلَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ سَفِينَةٌ. ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ ولا تَدْعُنِي، في اسْتِدْفاعِ العَذابِ عَنْهم بِشَفاعَتِكَ ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ أيْ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِالطُّوفانِ، وقَدْ وجَبَ ذَلِكَ، فَلا سَبِيلَ إلى كَفِّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦]

11:38Page 226

وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ ٣٨

And he constructed the ship, and whenever an assembly of the eminent of his people passed by him, they ridiculed him. He said, "If you ridicule us, then we will ridicule you just as you ridicule.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٨ ] ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾

﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ حِكايَةً حالٌ ماضِيَةٌ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها العَجِيبَةِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وأخَذَ يَصْنَعُ الفُلْكَ، ﴿وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ أيْ هَزِئُوا بِهِ، بِمُعالَجَةِ السَّفِينَةِ ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ أيْ في صُنْعِ الفُلْكِ ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ أيْ لِجَهْلِكم ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾

11:39Page 226

فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٣٩

And you are going to know who will get a punishment that will disgrace him [on earth] and upon whom will descend an enduring punishment [in the Hereafter]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٩ ] ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾

﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ في الدُّنْيا فَيَجْعَلُهُ مَحَلًّا لِلسُّخْرِيَةِ ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ في الآخِرَةِ، يَدُومُ مَعَهُ الخِزْيُ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

11:40Page 226

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ ٤٠

[So it was], until when Our command came and the oven overflowed,1 We said, "Load upon it [i.e., the ship] of each [creature] two mates and your family, except those about whom the word [i.e., decree] has preceded, and [include] whoever has believed." But none had believed with him, except a few.

(p-٣٤٣٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٠ ] ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾

﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ بِإهْلاكِ قَوْمِهِ. و" حَتّى" غايَةٌ لِقَوْلِهِ (ويَصْنَعُ) وما بَيْنَهُما حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ، و﴿سَخِرُوا مِنهُ﴾ [هود: ٣٨] جَوابُ " كُلَّما" . ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ أيْ وجْهُ الأرْضِ، أوْ كُلُّ مَفْجَرِ ماءٍ، أوْ مَحْفِلِ ماءِ الوادِي، أوْ عَيْنِ ماءٍ مَعْرُوفَةٍ، أوِ الكانُونُ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، أوْ تَنْوِيرُ الفَجْرِ -أقْوالٌ حَكاها اللُّغَوِيُّونَ والمُفَسِّرُونَ- زادَ بَعْضُهُمُ احْتِمالَ أنْ يَكُونَ هَذا كِنايَةً عَنِ اشْتِدادِ الأمْرِ، كَما يُقالُ: (حَمِيَ الوَطِيسُ) والوَطِيسُ التَّنُّورُ، وهو مِن فَصِيحِ الكَلامِ وبَلِيغِهِ، وعِنْدِي أنَّهُ أظْهَرُ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ وأرَقِّها وأبْدَعِها وأبْلَغِها، وإنْ حاوَلَ الرّازِيُّ رَدَّهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: واشْتَدَّ الأمْرُ، وقَوِيَ انْهِمارُ الماءِ ونُبُوعُهُ. وهَذا الإيجازُ في مَجازِهِ الرَّهِيبِ، قَدْ بَيَّنَتْهُ آياتٌ أُخَرُ، وهِيَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١] ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] الآياتِ، ومِمّا يُؤَيِّدُهُ شَمُولُهُ لِشِدَّةِ الأمْرِ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَيُطابِقُ هَذِهِ الآياتِ. وأمّا غَيْرُهُ فَمَقْصُورٌ عَلى ناحِيَةِ الأرْضِ فَقَطْ، وجَلِيٌّ أنَّ الأمْرَ كانَ أعَمَّ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها﴾ أيْ في السَّفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ أيْ: صِنْفَيْنِ مِنَ البَهائِمِ والطُّيُورِ وما يَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ ﴿اثْنَيْنِ﴾ أيْ ذَكَرًا وأُنْثى.

قالَ أبُو البَقاءِ: يُقْرَأُ " كُلِّ" بِالإضافَةِ، وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ مَفْعُولَ " احْمِلْ" " اثْنَيْنِ" و" مِن" حالٌ.

والثّانِي: أنَّ (مِن) زائِدَةٌ والمَفْعُولُ (كُلٍّ)، و(اثْنَيْنِ) تَوْكِيدٌ. ويُقْرَأُ مِن (p-٣٤٣٧)كُلٍّ (بِالتَّنْوِينِ)، فَـ (زَوْجَيْنِ) مَفْعُولُ (احْمِلْ)، و(اثْنَيْنِ) تَوْكِيدٌ لَهُ، و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (احْمِلْ) أوْ حالٌ. انْتَهى.

﴿وأهْلَكَ﴾ أيْ: مَن يَتَّصِلُ بِكَ في دِينِكَ وسِيرَتِكَ مِن أقارِبِكَ ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ﴾ أيْ وجَبَ عَلَيْهِ ﴿القَوْلُ﴾ أيْ بِالإغْراقِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِ، ﴿ومَن آمَنَ﴾ أيِ احْمِلْهُ مَعَكَ فِيها. قالَ أبُو السُّعُودِ: وإفْرادُ الأهْلِ مِنهم لِلِاسْتِثْناءِ المَذْكُورِ، وإيثارُ صِيغَةِ الإفْرادِ في (آمَنَ) مُحافَظَةً عَلى لَفْظِ (مَن) لِلْإيذانِ بِقِلَّتِهِمْ، كَما أعْرَبَ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ قائِلًا: ﴿وما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾

11:41Page 226

۞ وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ٤١

And [Noah] said, "Embark therein; in the name of Allāh [are] its course and its anchorage. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤١ ] ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿وقالَ﴾ أيْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿ارْكَبُوا فِيها﴾ أيِ السَّفِينَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا واحِدًا، وكَلامَيْنِ، فالكَلامُ الواحِدُ أنْ يَتَّصِلَ (بِسْمِ اللَّهِ) بِـ (ارْكَبُوا) حالًا مِنَ الواوِ، بِمَعْنى: ارْكَبُوا فِيها مُسَمِّينَ اللَّهَ، أوْ قائِلِينَ بِسْمِ اللَّهِ وقْتَ إجْرائِها، ووَقْتَ إرْسائِها، إمّا لِأنَّ المَجْرى والمَرْسى لِلْوَقْتِ، وإمّا لِأنَّهُما مَصْدَرانِ، كالإجْراءِ والإرْسالِ، حُذِفَ مِنهُما الوَقْتُ المُضافُ، كَقَوْلِهِمْ: (خُفُوقُ النَّجْمِ) و(مَقْدِمُ الحاجِّ) ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مَكانا الإجْراءِ والإرْساءِ. وانْتِصابُهُما، بِما في (بِسْمِ اللَّهِ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِما فِيهِ مِن إرادَةِ القَوْلِ.

والكَلامانِ: أنْ يَكُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ جُمْلَةً مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مُقْتَضَبَةً، أيْ: بِسْمِ اللَّهِ إجْراؤُها وإرْساؤُها، يُرْوى أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ تَجْرِيَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَجَرَتْ، وإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَرَسَتْ. ويَجُوزُ أنْ يُقْحَمَ الِاسْمُ، كَقَوْلِهِ:

؎ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما

ويُرادُ: بِاللَّهِ إجْراؤُها وإرْساؤُها، أيْ بِقُدْرَتِهِ وأمْرِهِ. ومَعْنى قَوْلِنا: (جُمْلَةٌ (p-٣٤٣٨)مُقْتَضَبَةٌ) أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِالرُّكُوبِ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ مَجْراها ومَرْساها بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ أوْ بِأمْرِهِ وقُدْرَتِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُقْتَضَبَةٍ، بِأنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (الفُلْكِ) كَأنَّهُ قِيلَ: ارْكَبُوا فِيها مُجْراةً ومُرْساةً بِسْمِ اللَّهِ، بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] –انْتَهى-.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قَرَأ الإخْوانُ -حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ- (مَجْراها) بِفَتْحِ المِيمِ، والباقُونَ بِضَمِّها. واتَّفَقَ السَّبْعَةُ عَلى ضَمِّ مِيمِ (مُرْساها). وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والثَّقَفِيُّ (مَرْساها) بِفَتْحِ المِيمِ أيْضًا. وقُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ والسِّينِ وياءٍ بَعْدَهُما، بِلَفْظِ اسْمِ الفاعِلِ، مَجْرُورِي المَحَلِّ، صِفَتَيْنِ لِلَّهِ.

الثّانِي: ما وقَعَ بَعْدَ الرّاءِ مِنَ الألِفاتِ المُنْقَلِبَةِ عَنِ الياءِ، الَّتِي لِلتَّأْنِيثِ، أوْ لِلْإلْحاقِ، أمالَهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو، ووافَقَهم حَفْصٌ في إمالَةِ (مَجْراها) هُنا، ولَمْ يُمِلْ غَيْرُهُ.

الثّالِثُ: أخَذَ بَعْضُهم مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ في ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ أعْنِي تَقْدِيرَ قائِلِينَ، اسْتِحْبابَ التَّسْمِيَةِ، وذِكْرِهِ تَعالى عِنْدَ ابْتِداءِ الجَرْيِ والإرْساءِ، وهو مُؤَيَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ﴿وقُلْ رَبِّ أنْـزِلْنِي مُنْـزَلا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢] ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ [الزخرف: ١٣] الآيَةَ، وجاءَتِ السُّنَّةُ بِالحَثِّ عَلى ذَلِكَ، والنَّدْبُ إلَيْهِ أيْضًا.

(p-٣٤٣٩)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ، بَيانٌ لِلْمُوجِبِ لِلْإنْجاءِ، أيْ لَوْلا مَغْفِرَتُهُ ورَحْمَتُهُ لَغَرِقْتُمْ وهَلَكْتُمْ مِثْلَ قَوْمِكُمْ، أوْ تَعْلِيلٌ لِـ (ارْكَبُوا) لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى النَّجاةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ارْكَبُوا لِيُنْجِيَكُمُ اللَّهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

11:42Page 226

وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٢

And it sailed with them through waves like mountains, and Noah called to his son who was apart [from them], "O my son, come aboard with us and be not with the disbelievers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٢ ] ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾

﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ مُتَّصِلٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (ارْكَبُوا)، أيْ فارْكَبُوا مُسَمِّينَ وهي تَجْرِي، وهم فِيها. ﴿فِي مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَفَتَّحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ، وتَفَجَّرَتْ يَنابِيعُ الأرْضِ تَعاظَمَتِ المِياهُ، وعَلَتْ أكْنافَ الأرْضِ، وارْتَفَعَتْ فَوْقَ الجِبالِ الشّامِخَةِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا، وكانَ ما يَرْتَفِعُ مِنَ الماءِ عِنْدَ اضْطِرابِهِ مِن أمْواجِهِ كالجِبالِ.

﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ أيْ في مُتَنَحًّى عَنْ أبِيهِ ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ أيِ ادْخُلْ في دِينِنا، واصْحَبْنا في السَّفِينَةِ ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ أيْ في الدِّينِ والِانْعِزالِ، الهالِكِينَ.

11:43Page 226

قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ ٤٣

[But] he said, "I will take refuge on a mountain to protect me from the water." [Noah] said, "There is no protector today from the decree of Allāh, except for whom He gives mercy." And the waves came between them, and he was among the drowned.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٣ ] ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾

﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ أيْ فَلا أغْرَقُ ﴿قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَ﴾ أيْ لا مانِعَ اليَوْمَ مِن بَلائِهِ، وهو الطُّوفانُ، إلّا الرّاحِمُ وهو اللَّهُ تَعالى. أوْ لا عاصِمَ إلّا مَكانُ مَن رَحِمَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، يَعْنِي السَّفِينَةَ. أوْ لا عاصِمَ، (p-٣٤٤٠)بِمَعْنى لا ذا عِصْمَةٍ إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ. أوْ (إلّا) مُنْقَطِعَةٌ، أيْ لَكِنَّ مَن رَحِمَهُ فَهو المَعْصُومُ.

قالَ النّاصِرُ: الِاحْتِمالاتُ المُمْكِنَةُ أرْبَعَةٌ: لا عاصِمَ إلّا راحِمٌ، ولا مَعْصُومَ إلّا مَرْحُومٌ، ولا عاصِمَ إلّا مَرْحُومٌ، ولا مَعْصُومَ إلّا راحِمٌ. فالأوَّلانِ اسْتِثْناءٌ مِنَ الجِنْسِ، والآخَرانِ مِن غَيْرِ الجِنْسِ. أيْ: فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا. أيْ لَكِنَّ المَرْحُومَ يُعْصَمُ، عَلى الأوَّلِ. ولَكِنَّ الرّاحِمَ يَعْصِمُ مَن أرادَ، عَلى الثّانِي.

وزادَ الزَّمَخْشَرِيُّ خامِسًا وهُوَ: لا عاصِمَ إلّا مَرْحُومٌ، عَلى أنَّهُ مِنَ الجِنْسِ، بِتَأْوِيلِ حَذْفِ المُضافِ، تَقْدِيرُهُ: لا مَكانَ عاصِمٌ إلّا مَكانٌ مَرْحُومٌ، والمُرادُ بِالنَّفْيِ التَّعْرِيضُ بِعَدَمِ عِصْمَةِ الجَبَلِ، وبِالمُثْبَتِ التَّعْرِيضُ بِعِصْمَةِ السَّفِينَةِ، والكُلُّ جائِزٌ، وبَعْضُها أقْرَبُ مِن بَعْضٍ -انْتَهى-.

﴿وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ﴾ أيْ: صارَ حائِلًا بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ، أوْ بَيْنَ ابْنِهِ والجَبَلِ، لِارْتِفاعِهِ فَوْقَهُ ﴿فَكانَ﴾ أيِ ابْنُهُ مَعَ كَوْنِهِ فَوْقَ الجَبَلِ ﴿مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ أيِ الهالِكِينَ بِالغَرَقِ.

وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى هَلاكِ سائِرِ الكَفَرَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، فَكانَ ذَلِكَ أمْرًا مُقَرَّرَ الوُقُوعِ، غَيْرَ مُفْتَقِرٍ إلى البَيانِ. وفي إيرادِ (كانَ) دُونَ (صارَ) مُبالَغَةٌ في كَوْنِهِ مِنهم -أفادَهُ أبُو السُّعُودِ- وقَوْلُهُ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском