Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Hud 11:50–72
11:50Page 227
وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۖ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُفۡتَرُونَ ٥٠
And to ʿAad [We sent] their brother Hūd. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. You are not but inventors [of falsehood].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٠] ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ (نُوحًا). أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ و(أخاهُمْ) بِمَعْنى (واحِدًا) مِنهم كَما يَقُولُونَ: (يا أخا العَرَبِ) ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (p-٣٤٥٤)أيْ: وحْدَهُ، ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ أيْ بِاتِّخاذِ الأوْثانِ شُرَكاءَ، وجَعْلِها شُفَعاءَ.
11:51Page 227
يَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٥١
O my people, I do not ask you for it [i.e., my advice] any reward. My reward is only from the one who created me. Then will you not reason?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١] ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إنَّما خاطَبَ كُلُّ رَسُولٍ بِهِ قَوْمَهُ، إزاحَةً لِلتُّهْمَةِ، وتَمْحِيضًا لِلنَّصِيحَةِ، فَإنَّها لا تُنْجَعُ ما دامَتْ مَشُوبَةً بِالمَطامِعِ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ تَتَفَكَّرُونَ، إذْ تَرُدُّونَ نَصِيحَةَ مَن لا يَسْألُكم أجْرًا، ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ، أوْ تَتَدَبَّرُونَ الصَّوابَ مِنَ الخَطَأِ.
11:52Page 227
وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ ٥٢
And O my people, ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. He will send [rain from] the sky upon you in showers and increase you in strength [added] to your strength. And do not turn away, [being] criminals."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٢] ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾
﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أيْ مِنَ الوُقُوفِ مَعَ الهَوى بِالشِّرْكِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيْ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ، بِالتَّوَجُّهِ إلى التَّوْحِيدِ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ أيْ كَثِيرَ الدَّرِّ، أيِ الأمْطارِ، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِنَ (السَّماءِ). ولَمْ يُؤَنَّثْ مَعَ أنَّهُ مِن مُؤَنَّثٍ، إمّا لِأنَّ المُرادَ بِالسَّماءِ السَّحابُ أوِ المَطَرُ، فَذَكَرَ عَلى المَعْنى، أوْ (مِفْعالٌ) لِلْمُبالَغَةِ، يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ كَصَبُورٍ، أوِ الهاءُ حُذِفَتْ مِن (مِفْعالٍ) عَلى طَرِيقِ النَّسَبِ -أفادَهُ السَّمِينُ-: ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ" أيْ مَضْمُومَةً إلَيْها أوْ مَعَها. أيْ شِدَّةً إلى شِدَّتِكم بِالقُوَّةِ البَدَنِيَّةِ، أوْ بِالمالِ أوِ البَنِينَ. وإنَّما اسْتَمالَهم إلى الإيمانِ ورَغَّبَهم فِيهِ، بِكَثْرَةِ المَطَرِ، وزِيادَةِ القُوَّةِ؛ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا أصْحابَ زُرُوعٍ وبَساتِينَ، حُرّاصًا عَلى التَّقَوِّي بِما ذَكَرَ، لِثَراءِ مالِهِمْ، (p-٣٤٥٥)وتَرْهِيبِ أعْدائِهِمْ، وقَدْ كانُوا مَثَلًا في القُوَّةِ، كَما قالُوا: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] ﴿ولا تَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: تُعْرِضُوا عَمّا أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿مُجْرِمِينَ﴾ أيْ مُصِرِّينَ عَلى إجْرامِكم وآثامِكم.
11:53Page 227
قَالُواْ يَٰهُودُ مَا جِئۡتَنَا بِبَيِّنَةٖ وَمَا نَحۡنُ بِتَارِكِيٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوۡلِكَ وَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ ٥٣
They said, "O Hūd, you have not brought us clear evidence, and we are not ones to leave our gods on your say-so. Nor are we believers in you.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٣] ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾
﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وذَلِكَ لِقُصُورِ فَهْمِهِمْ، وعَمى بَصِيرَتِهِمْ عَنْ إدْراكِ البُرْهانِ؛ لِمَكانِ الغِشاواتِ الطَّبِيعِيَّةِ، وإذا لَمْ يُدْرِكُوهُ أنْكَرُوهُ بِالضَّرُورَةِ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ أيْ عِبادَتِها ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (تارِكِي) أيْ تَرْكًا صادِرًا عَنْ قَوْلِكَ، أوْ (عَنْ) لِلتَّعْلِيلِ، كَهي في قَوْلِهِ: ﴿إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ [التوبة: ١١٤] أيْ لِأجْلِها، فَتَتَعَلَّقُ (بِتارِكِي) والأوَّلُ أبْلَغُ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى كَوْنِهِ عِلَّةً فاعِلِيَّةً، ولا يُفِيدُهُ (الباءُ واللّامُ). وهَذا كَقَوْلِهِمْ في الأعْرافِ: ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ [الأعراف: ٧٠]
﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مُصَدِّقِينَ. إقْناطٌ لَهُ مِنَ الإجابَةِ.
11:54–55Page 228
إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٥٤
We only say that some of our gods have possessed you with evil [i.e., insanity]." He said, "Indeed, I call Allāh to witness, and witness [yourselves] that I am free from whatever you associate with Allāh
مِن دُونِهِۦۖ فَكِيدُونِي جَمِيعٗا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ٥٥
Other than Him. So plot against me all together; then do not give me respite.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٤] ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [ ٥٥] ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥]
﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ﴾ أيْ مَسَّكَ ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ أيْ بِجُنُونٍ، لِسَبِّكَ (p-٣٤٥٦)إيّاها، وصَدِّكَ عَنْها، وعَداوَتِكَ لَها، مُكافَأةً لَكَ مِنها عَلى سُوءِ فِعْلِكَ بِسُوءِ الجَزاءِ، ومِن ثَمَّ تَتَكَلَّمُ بِما تَتَكَلَّمُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَلَّتْ أجْوِبَتُهُمُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى أنَّهم كانُوا جُفاةً، غِلاظَ الأكْبادِ، لا يُبالُونَ بِالبَهْتِ، ولا يَلْتَفِتُونَ إلى النُّصْحِ، ولا تَلِينُ شَكِيمَتُهم لِلرُّشْدِ، وهَذا الأخِيرُ دالٌّ عَلى جَهْلٍ مُفْرِطٍ، وبَلَهٍ مُتَناهٍ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا في حِجارَةٍ أنَّها تَنْتَصِرُ وتَنْتَقِمُ. ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ أيْ عَلَيَّ ﴿واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ [هود: ٥٥] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أعْظَمِ الآياتِ أنْ يُواجِهَ، بِهَذا الكَلامِ، رَجُلٌ واحِدٌ أُمَّةً عِطاشًا إلى إراقَةِ دَمِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ لِثِقَتِهِ بِرَبِّهِ، وأنَّهُ يَعْصِمُهُ مِنهُمْ، فَلا تَنْشُبُ فِيهِ مَخالِبُهُمْ، ونَحْوَ ذَلِكَ قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] أكَّدَ بَراءَتَهُ مِن آلِهَتِهِمْ وشِرْكِهِمْ ووَثَّقَها بِما جَرَتْ بِهِ عادَةُ النّاسِ مِن تَوْثِيقِهِمُ الأُمُورَ بِشَهادَةِ اللَّهِ، وشَهادَةِ العِبادِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى أنِّي لا أفْعَلُ كَذا، ويَقُولُ لِقَوْمِهِ: كُونُوا شُهَداءَ عَلى أنِّي لا أفْعَلُهُ. ولَمّا جاهَرَ بِالبَراءَةِ مِمّا يَعْبُدُونَ، أمَرَهم بِالِاحْتِشادِ والتَّعاوُنِ في إيصالِ الكَيْدِ إلَيْهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، دُونَ إمْهالٍ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ [هود: ٥٥] أيْ أنْتُمْ وآلِهَتُكم ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] يَعْنِي إنْ صَحَّ ما لَوَّحْتُمْ بِهِ، مِن كَوْنِ آلِهَتِكم لَها تَأْثِيرٌ في ضُرٍّ، فَكُونُوا مَعَها فِيهِ، وباشِرُوهُ أُعَجِّلُ ما تَفْعَلُونَ دُونَ إمْهالٍ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: فالفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ عَلى زَعْمِهِمْ في قُدْرَةِ آلِهَتِهِمْ عَلى ما قالُوا، وعَلى البَراءَةِ كِلَيْهِما، وهَذا مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ رَجُلًا مُفْرَدًا بَيْنَ الجَمِّ الغَفِيرِ، والجَمْعِ الكَثِيرِ، مِن عُتاةِ عادٍ، الغِلاظِ الشِّدادِ. وقَدْ خاطَبَهم بِما خاطَبَهُمْ، وحَقَّرَهم وآلِهَتَهُمْ، وهَيَّجَهم عَلى مُباشَرَةِ مَبادِئِ المُضادَّةِ والمُضارَّةِ، وحَثَّهم عَلى التَّصَدِّي لِأسْبابِ المُعازَّةِ والمُعارَّةِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُباشَرَةِ شَيْءٍ مِمّا كُلِّفُوهُ، وظَهَرَ عَجْزُهم عَنْ ذَلِكَ ظُهُورًا بَيِّنًا، كَيْفَ لا وقَدِ التَجَأ إلى رُكْنٍ مَنِيعٍ رَفِيعٍ، حَيْثُ قالَ:
11:56Page 228
إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٦
Indeed, I have relied upon Allāh, my Lord and your Lord. There is no creature but that He holds it by its forelock [i.e., controls it]. Indeed, my Lord is on a path [that is] straight.
(p-٣٤٥٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٦] ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ أيْ فَلا تَصِلُونَ إلَيَّ بِسُوءٍ لِتَوَكُّلِي عَلى اللَّهِ ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ مالِكٌ لَها، قادِرٌ عَلَيْها، يَصْرِفُها كَيْفَ شاءَ.
قالَ القاشانِيُّ: بَيَّنَ وُجُوبَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، وكَوْنَهُ حِصْنًا حَصِينًا، أوَّلًا بِأنَّ رُبُوبِيَّتَهُ شامِلَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ، ومَن يُرَبِّ يُدَبِّرُ أمْرَ المَرْبُوبِ ويَحْفَظُهُ، فَلا حاجَةَ لَهُ إلى كِلاءَةِ غَيْرِهِ وحِفْظِهِ، ثُمَّ بِأنَّ كُلَّ ذِي نَفْسٍ تَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، أسِيرٌ في يَدِ تَصَرُّفِهِ ومَمْلَكَتِهِ وقُدْرَتِهِ عاجِزٌ عَنِ الفِعْلِ والقُوَّةِ والتَّأْثِيرِ في غَيْرِهِ، لا حِراكَ بِهِ بِنَفْسِهِ، كالمَيِّتِ، فَلا حاجَةَ إلى الِاحْتِرازِ مِنهُ -انْتَهى-.
والنّاصِيَةُ: مَنبَتُ الشَّعْرِ مِن مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وتُطْلَقُ عَلى الشَّعَرِ النّابِتِ فِيها أيْضًا، تَسْمِيَةً لِلْحالِ بِاسْمِ المَحَلِّ. يُقالُ: نَصَوْتُ الرَّجُلَ: أخَذْتُ بِناصِيَتِهِ.
وفِي (العِنايَةِ): وقَوْلُهُمْ: ناصِيَتُهُ بِيَدِهِ، أيْ مُنْقادٌ لَهُ. والأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والتَّسَلُّطِ، مَجازًا أوْ كِنايَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّوَكُّلُ، مِن عَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى إضْرارِهِ، أيْ هو عَلى طَرِيقِ الحَقِّ والعَدْلِ في مُلْكِهِ، فَلا يُسَلِّطُكم عَلَيَّ، إذْ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ مُعْتَصِمٌ بِهِ، ولا يَفُوتُهُ ظالِمٌ.
قالَ في (العِنايَةِ): هو تَمْثِيلٌ واسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى أُمُورِ العِبادِ، مُجازٍ لَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ، كافٍ لِمَنِ اعْتَصَمَ، كَمَن وقَفَ عَلى الجادَّةِ فَحَفِظَها، ودَفَعَ ضَرَرَ السّابِلَةِ بِها.
(p-٣٤٥٨)وهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] والِاقْتِصارُ عَلى إضافَةِ الرَّبِّ إلى نَفْسِهِ، إمّا بِطَرِيقِ الِاكْتِفاءِ، لِظُهُورِ المُرادِ، وإمّا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اللُّطْفَ والإعانَةَ مَخْصُوصَةٌ بِهِ دُونَهم.
11:57Page 228
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَيَسۡتَخۡلِفُ رَبِّي قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٥٧
But if you turn away, then I have already conveyed that with which I was sent to you. My Lord will give succession to a people other than you, and you will not harm Him at all. Indeed my Lord is, over all things, Guardian."1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٧] ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: تَتَوَلَّوْا، بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ أيْ فَقامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْكم ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بِالوَعِيدِ لَهم. أيْ: فَيُهْلِكُهُمْ، ويَجِيءُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يَخْلِفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكم ﴿ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ أيْ بِتَوَلِّيكُمْ؛ لِاسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ، بَلْ تَضُرُّونَ أنْفُسَكم. أوْ بِذَهابِكم وهَلاكِكم لا يَنْقُصُ مَن مُلْكِهِ شَيْءٌ. ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ رَقِيبٌ عَلَيْهِ مُهَيْمِنٌ، فَلا تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكُمْ، فَيُجازِيكم بِحَسَبِها، أوْ حافِظٌ حاكِمٌ مُسْتَوْلٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ.
11:58Page 228
وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٥٨
And when Our command came, We saved Hūd and those who believed with him, by mercy from Us; and We saved them from a harsh punishment.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٨] ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا، أوْ أمْرُنا بِالعَذابِ، وهو الرِّيحُ العَقِيمُ: ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ وقَدْ بَيَّنَ في غَيْرِ آيَةٍ، مِنها قَوْلُهُ: ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]
(p-٣٤٥٩)فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى تَكْرِيرِ التَّنْجِيَةِ؟ فالجَوابُ: لا تَكْرِيرَ فِيهِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِأنَّ نَجاتَهم بِرَحْمَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، والثّانِي بَيانُ ما نَجَوْا مِنهُ، وأنَّهُ أمْرٌ شَدِيدٌ عَظِيمٌ لا سَهْلٌ، فَهو لِلِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ، وتَحْرِيضٌ لَهم عَلى الإيمانِ. أوِ الأوَّلُ إنْجاءٌ مِن عَذابِ الدُّنْيا، والثّانِي مِن عَذابِ الآخِرَةِ، تَعْرِيضًا بِأنَّ المُهْلَكِينَ كَما عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالسَّمُومِ، فَهم مُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ بِالعَذابِ الغَلِيظِ. ويُرَجَّحُ الأوَّلُ بِمُلاءَمَتِهِ لِمُقْتَضى المَقامِ.
11:59Page 228
وَتِلۡكَ عَادٞۖ جَحَدُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَعَصَوۡاْ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ٥٩
And that was ʿAad, who rejected the signs of their Lord and disobeyed His messengers and followed the order of every obstinate tyrant.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٩] ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾
﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ تَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ، بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ. وصِيغَةُ البَعِيدِ لِتَحْقِيرِهِمْ، أوْ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ البَعِيدِ؛ لَعَدَمِهِمْ. وإذا كانَتِ الإشارَةُ لِمَصارِعِهِمْ، فَهي لِلْبَعِيدِ المَحْسُوسِ، وتَعَدّى الجُحُودُ بِالباءِ حَمْلًا لَهُ عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّهُ المُرادُ. أوْ بِتَضْمِينِهِ مَعْناهُ، كَما أنَّ (كَفَرَ) جَرى مَجْرى (جَحَدَ). فَتَعَدّى بِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ [هود: ٦٠] وقِيلَ (كَفَرَ) كَـ (شَكَرَ) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالحَرْفِ. وظاهِرُ كَلامِ القامُوسِ: أنَّ (جَحَدَ) كَذَلِكَ.
والمَعْنى: كَفَرُوا بِاللَّهِ، وأنْكَرُوا آياتِهِ الَّتِي في الأنْفُسِ والآفاقِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ. وجَمْعُ (الرُّسُلِ)، مَعَ أنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ غَيْرُ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ تَفْظِيعًا لِحالِهِمْ، وإظْهارًا لِكَمالِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بِبَيانِ أنَّ عِصْيانَهم لَهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، عِصْيانٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ واللّاحِقِينَ؛ لِاتِّفاقِ كَلِمَتِهِمْ عَلى التَّوْحِيدِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] -كَذا في (العِنايَةِ) وأبِي السُّعُودِ-.
(p-٣٤٦٠)﴿واتَّبَعُوا﴾ أيْ أطاعُوا في الشِّرْكِ ﴿أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ لا يُسْتَدَلُّ بِدَلِيلٍ، ولا يَقْبَلُهُ مِن غَيْرِهِ. يُرِيدُ رُؤَساءَهم وكُبَراءَهُمْ، ودُعاتَهم إلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ.
11:60Page 228
وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ عَادٗا كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّعَادٖ قَوۡمِ هُودٖ ٦٠
And they were [therefore] followed in this world with a curse and [as well] on the Day of Resurrection. Unquestionably, ʿAad denied their Lord; then away with ʿAad, the people of Hūd.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٠] ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾
﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ جُعِلَتْ تابِعَةً لَهم في الدّارَيْنِ، أيْ لازِمَةً.
قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّبَعِيَّةِ لِلْمُبالَغَةِ، فَكَأنَّها لا تُفارِقُهُمْ، وإنْ ذَهَبُوا كُلَّ مَذْهَبٍ، بَلْ تَدُورُ مَعَهم حَيْثُما دارُوا. ولِوُقُوعِهِ في صُحْبَةِ اتِّباعِهِمْ رُؤَساءَهم. يَعْنِي: أنَّهم لَمّا اتَّبَعُوهم أُتْبِعُوا ذَلِكَ جَزاءً وِفاقًا.
﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ إذْ عَبَدُوا غَيْرَهُ -وتَقَدَّمَ تَعْدِيَةُ (كَفَرَ)-: ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ دَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ أوْ بِاللَّعْنَةِ، وفِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِالسُّخْطِ عَلَيْهِمْ والمَقْتِ، ما لا يَخْفى فَظاعَتُهُ. وتَكْرِيرُ حَرْفِ التَّنْبِيهِ وإعادَةُ (عادٍ) لِلْمُبالَغَةِ في تَهْوِيلِ حالِهِمْ، والحَثِّ عَلى الِاعْتِبارِ بِنَبَئِهِمْ. و(قَوْمُ هُودٍ) عَطْفُ بَيانٍ لِـ (عادٍ) فائِدَتُهُ النِّسْبَةُ بِذِكْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، الَّذِي إنَّما اسْتَحَقُّوا الهَلاكَ بِسَبَبِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عادٌ قَوْمُ هُودٍ الَّذِي كَذَّبُوهُ. وتُناسِبُ الآيَ بِذَلِكَ أيْضًا، فَإنَّ قَبْلَها: ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] وقَبْلَ ذَلِكَ (حَفِيظٌ) و(غَلِيظٌ)، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو عَلى وزْنِ (فَعِيلٍ) المُناسِبِ لِـ (فَعُولٍ) في القَوافِي -واللَّهُ أعْلَمُ-.
11:61Page 228
۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ ٦١
And to Thamūd [We sent] their brother Ṣāliḥ. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. He has produced you from the earth and settled you in it, so ask forgiveness of Him and then repent to Him. Indeed, my Lord is near and responsive."
(p-٣٤٦١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦١] ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾
﴿وإلى ثَمُودَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما سَبَقَ بَيانُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإلى عادٍ﴾ [هود: ٥٠] أيْ وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ، وهي قَبِيلَةٌ مِنَ العَرَبِ: ﴿أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ كَوَّنَكم مِنها وحْدَهُ، فَإنَّهُ خَلَقَ آدَمَ، ومَوادَّ النُّطَفِ الَّتِي خَلَقَ نَسْلَهُ مِنها، مِنَ التُّرابِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ أيْ عَمَّرَكم فِيها، أوْ جَعَلَكم عُمّارَها، أيْ جَعَلَكم قادِرِينَ عَلى عِمارَتِها، كَقَوْلِهِ تَعالى في الأعْرافِ: ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤] ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ مِنَ الشِّرْكِ، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ بِالتَّوْحِيدِ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الرَّحْمَةِ لِمَنِ اسْتَغْفَرَهُ، مُجِيبٌ دُعاءَهُ بِالقَبُولِ.
11:62Page 228
قَالُواْ يَٰصَٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا قَبۡلَ هَٰذَآۖ أَتَنۡهَىٰنَآ أَن نَّعۡبُدَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ٦٢
They said, "O Ṣāliḥ, you were among us a man of promise before this. Do you forbid us to worship what our fathers worshipped? And indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٢] ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾
﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ أيْ كانَتْ تَلُوحُ فِيكَ مَخايِلُ الخَيْرِ، وأماراتُ الرُّشْدِ، فَكُنّا نَرْجُوكَ لِنَنْتَفِعَ بِكَ، وتَكُونُ مُشاوِرًا في الأُمُورِ، ومُسْتَرْشَدًا في التَّدابِيرِ، فَلَمّا نَطَقْتَ بِهَذا القَوْلِ انْقَطَعَ رَجاؤُنا عَنْكَ، وعَلِمْنا أنْ لا خَيْرَ فِيكَ. كَذا في (الكَشّافِ).
(p-٣٤٦٢)﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أيْ مِنَ الأوْثانِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ أيْ مِنَ التَّوْحِيدِ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ مُوقِعٌ في الرِّيبَةِ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ، وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ.
11:63Page 229
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي مِنۡهُ رَحۡمَةٗ فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنۡ عَصَيۡتُهُۥۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيۡرَ تَخۡسِيرٖ ٦٣
He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord and He has given me mercy from Himself, who would protect me from Allāh if I disobeyed Him? So you would not increase me except in loss.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣] ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ، وبُرْهانٍ وبَصِيرَةٍ ﴿مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً﴾ أيْ هِدايَةً ونُبُوَّةً، ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ يُنْجِينِي مِن عَذابِهِ، ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ أيْ بِالمُجاراةِ مَعَكم في أهْوائِكم ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ أيْ بِاسْتِتْباعِكم إيّايَ، ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أيْ غَيْرُ أنْ تَجْعَلُونِي خاسِرًا بِتَعْرِيضِي لِسُخْطِ اللَّهِ. أوْ فَما تَزِيدُونَنِي، بِما تَقُولُونَ إلّا تَبْصِرَةً بِكم بِأنْ أنْسُبَكم إلى الخُسْرانِ.
11:64Page 229
وَيَٰقَوۡمِ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٞ قَرِيبٞ ٦٤
And O my people, this is the she-camel of Allāh - [she is] to you a sign. So let her feed upon Allāh's earth and do not touch her with harm, or you will be taken by an impending punishment."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٤] ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾
﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ، والإعْلامِ بِمُبايَنَتِها لِما يُجانِسُها مِن حَيْثُ الخِلْقَةُ والخُلُقُ ﴿لَكم آيَةً﴾ أيْ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِي ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ مِن فَرْطِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، لِاجْتِرائِكم عَلى آياتِهِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَهُ، ولَمْ يُطِيعُوا، بَعْدَ رُؤْيَةِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
11:65Page 229
فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمۡ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٖۖ ذَٰلِكَ وَعۡدٌ غَيۡرُ مَكۡذُوبٖ ٦٥
But they hamstrung her, so he said, "Enjoy yourselves in your homes for three days. That is a promise not to be denied [i.e., unfailing]."
(p-٣٤٦٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٥] ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾
﴿فَعَقَرُوها﴾ أيْ قَتَلُوها ﴿فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ مَرْدُودٍ.
قالَ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِهِ في إمْهالِ الخَصْمِ ونَحْوَهُ ثَلاثَةً؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ لِـ (لْمِثْلاثَةِ) نَظَرًا في الشَّرْعِ، ولِهَذا شُرِعَتْ في (الخِيارِ) ونَحْوِهِ.
11:66Page 229
فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا صَٰلِحٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَمِنۡ خِزۡيِ يَوۡمِئِذٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ٦٦
So when Our command came, We saved Ṣāliḥ and those who believed with him, by mercy from Us, and [saved them] from the disgrace of that day.1 Indeed, it is your Lord who is the Powerful, the Exalted in Might.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٦] ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا، وهو الصَّيْحَةُ، كَما سَيُبَيِّنُ ﴿نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ﴾ أيْ بِسَبَبِ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ ﴿مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ وهو هَلاكُهم بِالصَّيْحَةِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ أيِ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، والغالِبُ عَلَيْهِ.
11:67Page 229
وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٦٧
And the shriek1 seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٧] ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾
﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أيْ مِن جِهَةِ السَّماءِ، فَرَجَفُوا لَها رَجْفَةَ الهَلاكِ ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ هامِدِينَ مَوْتى لا يَتَحَرَّكُونَ. ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ الأخْذِ وسُرْعَتِهِ.
11:68Page 229
كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّثَمُودَ ٦٨
As if they had never prospered therein. Unquestionably, Thamūd denied their Lord; then, away with Thamūd.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٨] ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾
﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا ﴿فِيها﴾ أيْ في مَساكِنِهِمْ ﴿ألا إنَّ ثَمُودا (p-٣٤٦٤)كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيْ فَأهْلَكَهم ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ أيْ: هَلاكًا ولَعْنَةً؛ لِبُعْدِهِمْ عَنْ صِراطِهِ. وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى تَفْصِيلِ نَبَئِهِمْ في الأعْرافِ بِما يُغْنِي عَنْ إعادَتِهِ هُنا، فَلْيُراجَعْ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى نَبَأِ لُوطٍ وهَلاكِ قَوْمِهِ، وهو النَّبَأُ الرّابِعُ مِن أنْباءِ هَذِهِ السُّورَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
11:69Page 229
وَلَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجۡلٍ حَنِيذٖ ٦٩
And certainly did Our messengers [i.e., angels] come to Abraham with good tidings; they said, "Peace." He said, "Peace," and did not delay in bringing [them] a roasted calf.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٩] ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أيِ المَلائِكَةُ الَّذِينَ أرْسَلْناهم لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ ﴿إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ أيْ بِوَلَدٍ ووَلَدِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم قَدَّمُوا عَلى التَّبْشِيرِ ما يُفِيدُ سُرُورًا، لِيَكُونَ التَّبْشِيرُ سُرُورًا فَوْقَ سُرُورٍ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا، ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أيْ عَلَيْكم سَلامٌ، أوْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ، رَفَعَهُ، إجابَةً بِأحْسَنَ مِن تَحِيَّتِهِمْ؛ لِأنَّ الرَّفْعَ أدَلُّ عَلى الثُّبُوتِ مِنَ النَّصْبِ.
ثُمَّ أشارَ إلى إحْسانِ ضِيافَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أيْ مَشْوِيٍّ، أوْ سَمِينٍ يَقْطُرُ ودَكُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦]
وفِي (ما) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أظْهَرُها أنَّها نافِيَةٌ، وفاعِلُ (لَبِثَ) إمّا ضَمِيرُ (إبْراهِيمَ)، و﴿أنْ جاءَ﴾ مُقَدَّرٌ بِحَرْفِ جَرٍّ مُتَعَلِّقٍ بِهِ، أيْ: ما أبْطَأ فِي، أوْ بِأنْ أوْ عَنْ (أنْ جاءَ)، وإمّا (أنْ جاءَ) أيْ فَما أبْطَأ، ولا تَأخَّرَ مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ. وثانِي الأوْجُهِ أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، وثالِثُها: أنَّها بِمَعْنى (الَّذِي) وهي فِيهِما مُبْتَدَأٌ، و(أنْ جاءَ) خَبَرُهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ. أيْ: فَلَبِثْتُهُ، أوِ الَّذِي لَبِثَهُ قَدْرُ مَجِيئِهِ.
11:70Page 229
فَلَمَّا رَءَآ أَيۡدِيَهُمۡ لَا تَصِلُ إِلَيۡهِ نَكِرَهُمۡ وَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۚ قَالُواْ لَا تَخَفۡ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمِ لُوطٖ ٧٠
But when he saw their hands not reaching for it, he distrusted them and felt from them apprehension.1 They said, "Fear not. We have been sent to the people of Lot."
(p-٣٤٦٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٠] ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾
﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ لا يَمُدُّونَ إلَيْهِ أيْدِيَهم ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أيْ أنْكَرَهُمْ، ﴿وأوْجَسَ﴾ أيْ أحَسَّ ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لِظَنِّهِ أنَّهم بَشَرٌ أرادُوا بِهِ مَكْرُوهًا. والضَّيْفُ إذا هَمَّ بِفَتْكٍ لا يَأْكُلُ مِنَ الطَّعامِ، في عادَتِهِمْ. ﴿قالُوا﴾ أيْ لَهُ لَمّا عَلِمُوا مِنهُ الخَوْفَ بِإخْبارِهِ لَهُمْ، كَما في آيَةِ ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ [الحجر: ٥٣] كَما قِيلَ هُنا ﴿لا تَخَفْ﴾ أيْ إنّا لا نَأْكُلُ لِأنّا مَلائِكَةٌ، ولَمْ نَنْزِلْ بِالعَذابِ عَلَيْكم ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ لِإهْلاكِهِمْ.
11:71Page 229
وَٱمۡرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٞ فَضَحِكَتۡ فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ ٧١
And his wife was standing, and she smiled.1 Then We gave her good tidings of Isaac and after Isaac, Jacob.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧١] ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾
﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ أيْ سُرُورًا بِزَوالِ الخِيفَةِ، أوْ بِهَلاكِ أهْلِ الخَبائِثِ، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أيْ يُولَدُ لَهُ. والِاسْمانِ يُحْتَمَلُ وُقُوعُهُما في البِشارَةِ، أوْ أنَّها حَكْيًا بَعْدَ أنْ وُلِدا وسُمِّيا بِذَلِكَ. وفي تَوْجِيهِ البِشارَةِ إلَيْها هُنا، مَعَ وُرُودِ البِشارَةِ إلى إبْراهِيمَ في آيَةٍ أُخْرى، كَآيَةِ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ﴿وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] إيذانٌ بِمُشارَكَتِها لِإبْراهِيمَ في ذَلِكَ حِينَ وُرُودِها، وإشارَةٌ إلى أنَّ ذِكْرَ أحَدِهِما فِيهِ اكْتِفاءٌ عَنِ الآخَرِ، والمَقامُ أمْسُّ بِذِكْرِهِ وأبْلَغُ. أوْ لِلتَّوَصُّلِ إلى سَوْقِ نَبَئِها في ذَلِكَ، وخَرْقِ العادَةِ فِيهِ، كَما لَوَّحَ بِهِ تُعْجِبُها في قَوْلِهِ تَعالى:
11:72Page 230
قَالَتۡ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ وَهَٰذَا بَعۡلِي شَيۡخًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عَجِيبٞ ٧٢
She said, "Woe to me!1 Shall I give birth while I am an old woman and this, my husband, is an old man? Indeed, this is an amazing thing!"
(p-٣٤٦٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٢] ﴿قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾
﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ أيْ يا عَجَبِي. وأصْلُهُ لِلدُّعاءِ بِالوَيْلِ ونَحْوِهِ، في جَزَعِ التَّفَجُّعِ لِشِدَّةِ مَكْرُوهٍ يَدْهَمُ النَّفْسَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في التَّعَجُّبِ. وألِفُهُ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، ولِذَلِكَ أمالَها أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ، وبِها قَرَأ الحَسَنُ (يا ويْلَتِي). وقِيلَ: هي ألِفُ النُّدْبَةِ، ويُوقَفُ عَلَيْها بِهاءِ السَّكْتِ.
﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ أيِ امْرَأةٌ مُسِنَّةٌ -والأفْصَحُ تَرْكُ الهاءِ مَعَها- وسُمِعَ مِن بَعْضِ العَرَبِ (عَجُوزَةٌ)- حَكاهُ يُونُسُ- ﴿وهَذا بَعْلِي﴾ أيْ زَوْجِي إبْراهِيمُ ﴿شَيْخًا إنَّ هَذا﴾ أيِ التَّوَلُّدُ مِن هَرِمَيْنِ ﴿لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أيْ غَرِيبٌ، لَمْ تَجْرِ بِهِ العادَةُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences