Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Hud 11:73–89
11:73Page 230
قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۖ رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٞ مَّجِيدٞ ٧٣
They said, "Are you amazed at the decree of Allāh? May the mercy of Allāh and His blessings be upon you, people of the house. Indeed, He is Praiseworthy and Honorable."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٣] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾
﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيْ أتَسْتَبْعِدِينَ مِن شَأْنِهِ وقُدْرَتِهِ خَلْقَ الوَلَدِ مِنَ الهَرِمَيْنِ؟
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما أنْكَرَتْ عَلَيْها المَلائِكَةُ تَعَجُّبَها؛ لِأنَّها كانَتْ في بَيْتِ الآياتِ، ومَهْبِطِ المُعْجِزاتِ، والأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ، فَكانَ عَلَيْها أنْ تَتَوَقَّرَ، ولا يَزْدَهِيها ما يَزْدَهِي سائِرَ النِّساءِ النّاشِئاتِ في غَيْرِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وأنْ تُسَبِّحَ اللَّهَ وتُمَجِّدَهُ مَكانَ التَّعَجُّبِ. وإلى ذَلِكَ أشارَتِ المَلائِكَةُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، في قَوْلِهِمْ: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ أرادُوا أنَّ هَذِهِ وأمْثالَها مِمّا يُكْرِمُكم بِهِ رَبُّ العِزَّةِ، ويَخُصُّكم بِالإنْعامِ بِهِ يا أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، فَلَيْسَتْ بِمَكانِ عَجَبٍ. والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ، عُلِّلَ بِهِ إنْكارُ التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: (إيّاكَ والتَّعَجُّبَ) فَإنَّ أمْثالَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ مُتَكاثِرَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكُمُ -انْتَهى-.
(p-٣٤٦٧)فالجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ، وجَوَّزَ كَوْنَها دُعائِيَّةً. و(أهْلَ البَيْتِ) نُصِبَ عَلى النِّداءِ أوِ التَّخْصِيصِ؛ لِأنَّ أهْلَ البَيْتِ مَدْحٌ لَهم؛ إذِ المُرادُ أهْلُ بَيْتِ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ.
﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ أيْ مُسْتَحِقٌّ لِلْمَحامِدِ، لِما وهَبَهُ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ ﴿مَجِيدٌ﴾ أيْ كَرِيمٌ واسِعُ الإحْسانِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُعْطِيَ الوَلَدَ بَعْدَ الكِبَرِ. وهو تَذْيِيلٌ بَدِيعٌ لِبَيانِ أنَّ مُقْتَضى حالِها أنْ تَحْمَدَ مُسْتَوْجِبَ الحَمْدِ المُحْسِنَ إلَيْها بِما أحْسَنَ، وتُمَجِّدُهُ؛ إذْ شَرَّفَها بِما شَرَّفَ.
11:74Page 230
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنۡ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلرَّوۡعُ وَجَآءَتۡهُ ٱلۡبُشۡرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِي قَوۡمِ لُوطٍ ٧٤
And when the fright had left Abraham and the good tidings had reached him, he began to argue [i.e., plead] with Us1 concerning the people of Lot.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٤] ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾
﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيْ خِيفَةُ إرادَةِ المَكْرُوهِ مِنهم بِعِرْفانِهِمْ ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ أيْ بَدَلُ الرَّوْعِ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ في هَلاكِهِمُ، اسْتِعْطافًا لِدَفْعِهِ.
رُوِيَ أنَّهُ قالَ: أتُهْلِكُ البارَّ مَعَ الأثِيمِ، أتُهْلِكُها وفِيهِمْ خَمْسُونَ بارًّا؟ حاشا لَكَ!.
فَقِيلَ لَهُ: إنْ وُجِدَ فِيهِمْ خَمْسُونَ بارًّا فَنَصْفَحُ عَنِ الجَمِيعِ لِأجْلِهِمْ!.
فَقالَ: أوْ أرْبَعُونَ؟
فَقِيلَ: أوْ أرْبَعُونَ!.
وهَكَذا إلى أنْ قالَ: أوْ عَشَرَةٌ، فَقِيلَ لَهُ. لا نُهْلِكُها مِن أجْلِ العَشَرَةِ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ فِيها عَشَرَةُ أبْرارٍ، بَلْ جَمِيعُهم مُنْهَمِكٌ في الفاحِشَةِ. فَقالَ: إنَّ فِيها لُوطًا! فَقِيلَ: نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنْجِيَنَّهُ.
و(يُجادِلُنا) جَوابُ (لَمّا) جِيءَ بِهِ مُضارِعًا عَلى حِكايَةِ الحالِ. أوْ أنَّ (لَمّا) كَـ (لَوْ) تَقْلِبُ المُضارِعَ ماضِيًا، كَما أنَّ (إنْ) تَقْلِبُ الماضِيَ مُسْتَقْبَلًا، أوِ الجَوابُ مَحْذُوفٌ، والمَذْكُورُ دَلِيلُهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ.
11:75Page 230
إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٞ مُّنِيبٞ ٧٥
Indeed, Abraham was forbearing, grieving1 and [frequently] returning [to Allāh].
(p-٣٤٦٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٥] ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾
﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ أيْ غَيْرُ عَجُولٍ عَلى الِانْتِقامِ مِنَ المُسِيءِ ﴿أوّاهٌ﴾ كَثِيرُ التَّأسُّفِ ﴿مُنِيبٌ﴾ أيْ راجِعٌ إلى اللَّهِ في كُلِّ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ. والمَقْصُودُ بِتَعْدادِ صِفاتِهِ الجَمِيلَةِ المَذْكُورَةِ؛ بَيانُ الحامِلِ عَلى المُجادَلَةِ، وهو رِقَّةُ القَلْبِ وفَرْطُ التَّرَحُّمِ.
11:76Page 230
يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَآۖ إِنَّهُۥ قَدۡ جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَإِنَّهُمۡ ءَاتِيهِمۡ عَذَابٌ غَيۡرُ مَرۡدُودٖ ٧٦
[The angels said], "O Abraham, give up this [plea]. Indeed, the command of your Lord has come, and indeed, there will reach them a punishment that cannot be repelled."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٦] ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾
﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أيْ قِيلَ لَهُ: يا إبْراهِيمُ ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ أيِ الجِدالُ ﴿إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ أيْ حُكْمُهُ بِهَلاكِهِمْ ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أيْ بِجِدالٍ، ولا بِدُعاءٍ، ولا بِغَيْرِهِما.
فَوائِدُ:
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لِهَذِهِ الآياتِ ثَمَراتٌ: وهي أنَّ حُصُولَ الوَلَدِ المُخَصَّصِ بِالفَضْلِ نِعْمَةٌ، وهَلاكَ العاصِي نِعْمَةٌ، لِأنَّ البُشْرى قَدْ فُسِّرَتْ بِوِلادَةِ إسْحاقَ، كَما في آخِرِ الآيَةِ، وهِيَ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ [هود: ٧١] إلَخْ وفُسِّرَتْ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ.
ومِنها: اسْتِحْبابُ نُزُولِ المُبَشِّرِ عَلى المُبَشَّرِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ.
ومِنها: أنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُبَشَّرِ تَلَقِّي ذَلِكَ بِالطّاعَةِ، شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى ما بُشِّرَ بِهِ.
وحَكى الأصَمُّ أنَّهم جاؤُوهُ في أرْضٍ يَعْمَلُ فِيها، فَلَمّا فَرَغَ غَرَزَ مِسْحاتَهُ، وصَلّى رَكْعَتَيْنِ.
ومِنها: أنَّ السَّلامَ مَشْرُوعٌ، وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الرَّدُّ أفْضَلَ؛ لِقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] بِالرَّفْعِ، كَما تَقَدَّمَ سِرُّهُ -انْتَهى-.
(p-٣٤٦٩)ومِنها: مَشْرُوعِيَّةُ الضِّيافَةُ، والمُبادَرَةُ إلَيْها، واسْتِحْبابُ مُبادَرَةِ الضَّيْفِ بِالأكْلِ مِنها.
ومِنها: اسْتِحْبابُ خِدْمَةِ الضَّيْفِ، ولَوْ لِلْمَرْأةِ لِقَوْلِ مُجاهِدٍ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ [هود: ٧١] أيْ في خِدْمَةِ أضْيافِ إبْراهِيمَ. قالَ في (الوَجِيزِ): وكُنَّ لا يَحْتَجِبْنَ، كَعادَةِ العَرَبِ ونازِلَةِ البَوادِي، أوْ كانَتْ عَجُوزًا، وخِدْمَةُ الضِّيفانِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ.
ومِنها: جَوازُ مُراجَعَةِ المَرْأةِ الأجانِبَ في القَوْلِ، وأنَّ صَوْتَها لَيْسَ بِعَوْرَةٍ. كَذا في (الإكْلِيلِ).
ومِنها: أنَّ امْرَأةَ الرَّجُلِ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، فَيَكُونُ أزْواجُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ. ويَأْتِي ذَلِكَ أيْضًا في آيَةِ ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ [هود: ٨١]
وقَوْلُهُ تَعالى:
11:77Page 230
وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا وَقَالَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَصِيبٞ ٧٧
And when Our messengers, [the angels], came to Lot, he was anguished for them and felt for them great discomfort1 and said, "This is a trying day."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٧] ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾
﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا﴾ أيْ بَعْدَ مُنْصَرَفِها مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ مُقِيمًا في (بَلُّوطِ مَمْرا) الَّتِي بِـ (حَبْرُونَ)، المَدِينَةُ المَعْرُوفَةُ اليَوْمَ بِـ (الخَلِيلِ): ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ ساءَهُ مَجِيئُهم لِأنَّهم أتَوْهُ عَلى صُورَةِ مُرْدٍ، حِسانِ الوُجُوهِ، فَخافَ أنْ يَقْصِدَهم قَوْمُهُ، لِظَنِّهِ أنَّهم بَشَرٌ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ يُقالُ: ضاقَ بِالأمْرِ ذَرْعُهُ وذِراعُهُ، وضاقَ بِهِ ذَرْعًا، أيْ ضَعُفَتْ طاقَتُهُ، لَمْ يَجِدْ مِنَ المَكْرُوهِ فِيهِ مَخْلَصًا.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: أصْلُ الذَّرْعِ بَسْطُ اليَدِ، فَكَأنَّكَ تُرِيدُ: مَدَدْتَ يَدَكَ إلَيْهِ فَلَمْ تَنَلْهُ. وقِيلَ: وجْهُ التَّمْثِيلِ: أنَّ القَصِيرَ الذِّراعِ لا يَنالُ ما يَنالُهُ الطَّوِيلُ الذِّراعِ، ولا يُطِيقُ طاقَتَهُ، فَضُرِبَ مَثَلًا لِلَّذِي سَقَطَتْ قُوَّتُهُ، دُونَ بُلُوغِ الأمْرِ والِاقْتِدارِ عَلَيْهِ.
وقالَ الأزْهَرِيُّ: الذَّرْعُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الطّاقَةِ، والأصْلُ فِيهِ، أنَّ البَعِيرَ يَذْرَعُ بِيَدَيْهِ (p-٣٤٧٠)فِي سَيْرِهِ ذَرْعًا، عَلى قَدْرِ سِعَةِ خَطْوِهِ، فَإذا حَمَلَ عَلَيْهِ أكْثَرَ مِن طَوْقِهِ طاقَ بِهِ ذَرْعًا عَنْ ذَلِكَ وضَعُفَ، ومَدَّ عُنُقَهُ، فَجَعَلَ ضِيقَ الذَّرْعِ عِبارَةً عَنْ ضِيقِ الوُسْعِ والطّاقَةِ.
و(ذَرْعًا) تَمْيِيزٌ، لِأنَّهُ خَرَجَ مُفَسِّرًا مُحَوِّلًا. والأصْلُ: ضاقَ ذَرْعِي بِهِ، وشاهِدُ الذِّراعِ قَوْلُهُ:
؎وإنْ باتَ وحْشًا لَيْلَةً لَمْ يَضِقْ بِها ذِراعًا ولَمْ يُصْبِحْ لَها وهْوَ خاشِعُ
﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ شَدِيدٌ. وكَيْفَ لا يَشْتَدُّ عَلَيْهِ، وقَدْ ألَمَّ المَحْذُورَ، كَما قالَ تَعالى:
11:78Page 230
وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓۖ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ ٧٨
And his people came hastening to him, and before [this] they had been doing evil deeds.1 He said, "O my people, these are my daughters;2 they are purer for you. So fear Allāh and do not disgrace me concerning my guests. Is there not among you a man of reason?"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٨] ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾
﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ كَأنَّما يَدْفَعُونَ دَفْعًا. وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ﴿ومِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ الفَواحِشُ ويُكْثِرُونَها، (p-٣٤٧١)فَمُرِّنُوا عَلَيْها، وقَلَّ عِنْدَهُمُ اسْتِقْباحُها، فَلِذَلِكَ جاءُوا مُسْرِعِينَ مُجاهِرِينَ، لا يَكُفُّهم حَياءٌ، فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَها. وقِيلَ: إنَّها بَيانٌ لِوَجْهِ ضِيقِ صَدْرِهِ، أيْ: لِما عَرَفَ لُوطٌ عادَتَهم في عَمَلِ الفَواحِشِ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿قالَ﴾ أيْ لُوطٌ ﴿يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهُ بِبَناتِهِ، وذَلِكَ غايَةُ الكَرَمِ، أيْ فَتَزَوَّجُوهُنَّ. أوْ كانَ ذَلِكَ مُبالَغَةً في تَواضُعِهِ لَهُمْ، وإظْهارًا لِشِدَّةِ امْتِعاضِهِ، مِمّا أوْرَدُوا عَلَيْهِ، طَمَعًا في أنْ يَسْتَحْيُوا مِنهُ، ويَرِقُّوا لَهُ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ، فَيَتْرُكُوا ضُيُوفَهُ -هَذا مُلَخَّصُ ما في (الكَشّافِ)- ومَن تابَعَهُ- وظاهِرٌ أنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَ واثِقًا بِأنَّ قَوْمَهُ لا يُؤْثِرُونَهُنَّ بِوَجْهٍ ما، مَهْما أطْرى وأطْنَبَ وشَوَّقَ ورَغَّبَ، فَكانَ إظْهارُهُ وِقايَةَ ضِيفانِهِ، وفِداءَهم بِهِنَّ، مَعَ وُثُوقِهِ المَذْكُورِ وجَزْمِهِ- مُبالَغَةً في الِاعْتِناءِ بِحِمايَتِهِمْ، وقِيامًا بِالواجِبِ في مِثْلِ هَذا الخَطْبِ الفادِحِ الفاضِحِ، الَّذِي يَدُومُ عارُهُ وشَنارُهُ، مِنَ الدِّفاعِ عَنْهم بِأقْصى ما يُمْكِنُ لِكَيْلا يُنْسَبَ إلى قُصُورٍ، ولِيَعْلَمَ أنْ لا غايَةَ وراءَ هَذا لِمَن لا رُكْنَ لَهُ مِن عَشِيرَةٍ أوْ قَبِيلَةٍ، فَذَلِكَ غايَةُ الغاياتِ في حِيطَتِهِمْ ووِقايَتِهِمْ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ مِنَ التَّشْوِيقِ، عَلى مَرْأًى مِن ضِيفانِهِ ومَسْمَعٍ، ما فِيهِ مِن زِيادَةِ الكَرَمِ والإكْرامِ، ورِعايَةِ الذِّمامِ. وبِالجُمْلَةِ فَهو تَرْغِيبٌ بِمُحالِ الوُقُوعِ باطِنًا، وإعْذارٌ لِنُزَلائِهِ ظاهِرًا -واللَّهُ أعْلَمُ- وفي هَذا إرْشادٌ إلى التَّطَهُّرِ بِالطُّرُقِ المَسْنُونَةِ، وهي النِّكاحُ. وإشارَةٌ إلى تَناهِي وقاحَةِ أُولَئِكَ بِما اسْتَأْهَلُوا بِهِ أخْذَهُمُ الآتِي.
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ أنْ تَعْصُوهُ بِما هو أشَدُّ مِنَ الزِّنى خُبْثًا.
﴿ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي﴾ أيْ ولا تُهِينُونِي وتَفْضَحُونِي في شَأْنِهِمْ، فَإنَّهُ إذا خَزِيَ ضَيْفُ الرَّجُلِ أوْ جارُهُ؛ فَقَدْ خَزِيَ الرَّجُلُ، وذَلِكَ مِن عَراقَةِ الكَرَمِ، وأصالَةِ المُرُوءَةِ. و﴿تُخْزُونِ﴾ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ النُّونِ، والياءُ مَحْذُوفَةٌ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، وقُرِئَ بِإثْباتِها عَلى الأصْلِ.
﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ أيْ فَيَرْعَوِي عَنِ القَبِيحِ، ويَهْتَدِي إلى الصَّوابِ.
11:79Page 230
قَالُواْ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنۡ حَقّٖ وَإِنَّكَ لَتَعۡلَمُ مَا نُرِيدُ ٧٩
They said, "You have already known that we have not concerning your daughters [i.e., women] any claim [i.e., desire], and indeed, you know what we want."
(p-٣٤٧٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٩] ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾
﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ أيْ: حاجَةٍ؛ إذْ لا نُرِيدُهُنَّ، وفي تَصْدِيرِ كَلامِهِمْ بِاللّامِ المُؤْذِنَةِ بِأنَّ ما بَعْدَها جَوابُ القَسَمِ، أيْ: واللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ، إشارَةً إلى ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّهُ كانَ واثِقًا وجازِمًا بِعَدَمِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِنَّ، وأيَّدَ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ اسْتِشْهادًا بِعِلْمِهِ.
11:80Page 230
قَالَ لَوۡ أَنَّ لِي بِكُمۡ قُوَّةً أَوۡ ءَاوِيٓ إِلَىٰ رُكۡنٖ شَدِيدٖ ٨٠
He said, "If only I had against you some power or could take refuge in a strong support."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٠] ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾
﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ أيْ بِدَفْعِكم قُوَّةً، بِالبَدَنِ أوِ الوَلَدِ ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ عَشِيرَةٍ كَثِيرَةٍ، لِأنَّهُ كانَ غَرِيبًا عَنْ قَوْمِهِ، شَبَّهَها بِرُكْنِ الجَبَلِ في الشِّدَّةِ والمَنَعَةِ. أيْ: لَفَعَلْتُ بِكم ما فَعَلْتُ، وصَنَعْتُ ما صَنَعْتُ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في (المِلَلِ):
ظَنَّ بَعْضُ الفِرَقِ أنَّ ما جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ««رَحِمَ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ»» إنْكارٌ عَلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ولا تَخالُفَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، بَلْ كِلاهُما حَقٌّ، لِأنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أرادَ مَنَعَةً عاجِلَةً يَمْنَعُ بِها قَوْمَهُ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الفَواحِشِ، مِن قَرابَةٍ أوْ عَشِيرَةٍ أوْ أتْباعِ مُؤْمِنِينَ. وما جَهِلَ قَطُّ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يَأْوِي مِن رَبِّهِ تَعالى إلى أمْنَعِ قُوَّةٍ، وأشَدِّ رُكْنٍ. ولا جُناحَ عَلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في طَلَبِ قُوَّةٍ مِنَ (p-٣٤٧٣)النّاسِ، فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] فَهَذا الَّذِي طَلَبَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَدْ طَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأنْصارِ والمُهاجِرِينَ مَنعَهُ حَتّى يُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّهِ تَعالى. فَكَيْفَ يُنْكِرُ عَلى لُوطٍ أمْرًا هو فَعَلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ. تاللَّهِ! ما أنْكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وإنَّما أخْبَرَ أنَّ لُوطًا كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، يَعْنِي مِن نَصْرِ اللَّهِ لَهُ بِالمَلائِكَةِ. ولَمْ يَكُنْ لُوطٌ عَلِمَ بِذَلِكَ. ومَنِ اعْتَقَدَ أنَّ لُوطًا كانَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ اللَّهِ رُكْنٌ شَدِيدٌ؛ فَقَدْ كَفَرَ، إذْ نُسِبَ إلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ هَذا الكُفْرُ. وهَذا أيْضًا ظَنٌّ سَخِيفٌ؛ إذْ مِنَ المُمْتَنِعِ أنْ يَظُنَّ بِرَبٍّ أراهُ المُعْجِزاتِ، وهو دائِبًا يَدْعُو إلَيْهِ، هَذا الظَّنَّ. انْتَهى.
11:81Page 230
قَالُواْ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓاْ إِلَيۡكَۖ فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡۚ إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ أَلَيۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ ٨١
They [the angels] said, "O Lot, indeed we are messengers of your Lord; [therefore], they will never reach you. So set out with your family during a portion of the night1 and let not any among you look back - except your wife; indeed, she will be struck by that which strikes them. Indeed, their appointment is [for] the morning. Is not the morning near?"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨١] ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾
﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ أيْ إلى إضْرارِكَ بِإضْرارِنا ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ أيْ بِطائِفَةٍ مِن آخِرِهِ، أيْ بِبَقِيَّةِ سَوادٍ مِنهُ عِنْدَ السَّحَرِ، وهو وقْتُ اسْتِغْراقِهِمْ في النَّوْمِ، فَلا يُمْكِنُهُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ ولا لِأهْلِهِ. وقُرِئَ " فَأسْرِ" بِالقَطْعِ والوَصْلِ.
﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا يَنْظُرُ إلى ورائِهِ، لِئَلّا يَلْحَقُهُ أثَرُ ما نَزَلَ عَلَيْهِمْ ﴿إلا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ أيْ مِنَ العَذابِ، فَإنَّها لَمّا سَمِعَتْ وجْبَةَ العَذابِ التَفَتَتْ فَهَلَكَتْ.
قالَ في (الإكْلِيلِ): فِيهِ أنَّ المَرْأةَ والأوْلادَ مِنَ الأهْلِ.
(p-٣٤٧٤)﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ أيْ مَوْعِدُهم بِالهَلاكِ الصُّبْحُ، والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالإسْراءِ، أوْ جَوابٌ لِاسْتِعْجالِ لُوطٍ واسْتِبْطائِهِ العَذابَ، أوْ ذُكِرَتْ لِيَتَعَجَّلَ في السَّيْرِ، فَإنَّ قُرْبَ الصُّبْحِ داعٍ إلى الإسْراعِ في الإسْراءِ، لِلتَّباعُدِ عَنْ مَوْقِعِ العَذابِ.
11:82Page 231
فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ ٨٢
So when Our command came, We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of layered hard clay, [which were]
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٢] ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ: فَقُلِبَتْ تِلْكَ المُدُنُ ونَبْتُها بِسُكّانِها جَمِيعًا. ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ أيْ طِينٍ مُتَحَجِّرٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] ﴿مَنضُودٍ﴾ أيْ يُرْسِلُ بَعْضَهُ في إثْرِ بَعْضٍ مُتَتابِعًا.
قالَ المَهايِمِيُّ: اتَّصَلَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، لِيُرْجَمُوا رَجْمَ الزُّناةِ، بِما يُناسِبُ قَسْوَتَهم ورَيْنَهُمُ الَّذِي اتَّصَلَ بِقُلُوبِهِمْ.
11:83Page 231
مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ ٨٣
Marked from your Lord. And it [i.e., Allāh's punishment] is not from the wrongdoers [very] far.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٣] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾
﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ مُعَلَّمَةً عِنْدَهُ ﴿وما هِيَ﴾ أيْ تِلْكَ الحِجارَةُ ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ بِالشِّرْكِ وغَيْرِهِ ﴿بِبَعِيدٍ﴾ فَإنَّهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ مُسْتَحِقُّونَ لَها، ومُلابِسُونَ بِها. وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِأهْلِ الظُّلْمِ كافَّةً. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرى، أيْ هي قَرِيبَةٌ مِن ظالِمِي مَكَّةَ، يَمُرُّونَ بِها في أسْفارِهِمْ إلى الشّامِ، وقَدْ صارَ مَوْضِعُ تِلْكَ المُدُنِ بَحْرَ ماءٍ أُجاجٍ لَمْ يَزَلْ إلى يَوْمِنا هَذا، ويُعْرَفُ بِـ (البَحْرِ المَيِّتِ)، لِأنَّ مِياهَهُ لا تُغَذِّي شَيْئًا مِن جِنْسِ الحَيَوانِ، وبِـ (بَحْرِ الزِّفْتِ) أيْضًا؛ لِأنَّهُ يَنْبَعِثُ مِن عُمِقَ مَقَرِّهِ إلى سَطْحِهِ، فَيَطْفُو فَوْقَهُ، وبِـ (بُحَيْرَةِ لُوطٍ) والأرْضُ الَّتِي تَلِيها قاحِلَةٌ لا تُنْبِتُ شَيْئًا.
(p-٣٤٧٥)قالَ أبُو السُّعُودِ: وتَذْكِيرُ (بَعِيدٍ) عَلى تَأْوِيلِ (الحِجارَةِ) بِالحَجَرِ، أوْ إجْرائِهِ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ، أيْ بِشَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ لِأنَّهُ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ، كَـ (الزَّفِيرِ) و(الصَّهِيلِ). والمَصادِرُ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِها، المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
11:84Page 231
۞ وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ ٨٤
And to Madyan [We sent] their brother Shuʿayb. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. And do not decrease from the measure and the scale. Indeed, I see you in prosperity, but indeed, I fear for you the punishment of an all-encompassing Day.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٤ ] ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾
﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ أيْ وأرْسَلْنا إلى مَدْيَنَ، عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ و(مَدِينُ) بَلَدٌ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ، عَلى مَقْرُبَةٍ مِن (مَعانَ) ويُطْلَقُ عَلى أهْلِها، وهم قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ كانُوا يُعَمِّرُونَها.
﴿أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أيْ لِتَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم بِالباطِلِ. ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ أيْ: نِعْمَةٍ وثَرْوَةٍ في رِزْقِكم ومَعِيشَتِكُمْ، وعافِيَةٍ وتَمَتُّعٍ في وُجُودِكم. يَعْنِي: فَلا تَتَعَرَّضُوا لِزَوالِ ذَلِكَ عَنْكم بِما تَأْتُونَهُ مِمّا تُنْهَوْنَ عَنْهُ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أيْ مُهْلِكٍ، أوْ لا يَشِذُّ مِنهُ أحَدٌ.
11:85Page 231
وَيَٰقَوۡمِ أَوۡفُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٨٥
And O my people, give full measure and weight in justice and do not deprive the people of their due and do not commit abuse on the earth, spreading corruption.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٥ ] ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ أيِ العَدْلِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: النَّهْيُ عَنِ النُّقْصانِ أمْرٌ بِالإيفاءِ، فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا﴾ ؟
(p-٣٤٧٦)قُلْتُ: نُهُوا أوَّلًا عَنْ عَيْنِ القُبْحِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ مِن نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ؛ لِأنَّ في التَّصْرِيحِ بِالقَبِيحِ نَعْيًا عَلى المَنهِيِّ، وتَسْيِيرًا لَهُ. ثُمَّ ورَدَ الأمْرُ بِالإيفاءِ، الَّذِي هو حَسَنٌ في العُقُولِ، مُصَرَّحًا بِلَفْظِهِ لِزِيادَةِ تَرْغِيبٍ فِيهِ، وبَعْثٍ عَلَيْهِ، وجِيءَ بِهِ مُقَيَّدًا (بِالقِسْطِ) أيْ لِيَكُنِ الإيفاءُ عَلى وجْهِ العَدْلِ والتَّسْوِيَةِ، مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ أمْرًا بِما هو الواجِبُ؛ لِأنَّ ما جاوَزَ العَدْلَ فَضْلٌ، وأمْرٌ مَندُوبٌ إلَيْهِ، وفِيهِ تَوْقِيفٌ عَلى أنَّ المُوَفِّيَ عَلَيْهِ أنْ يَنْوِيَ بِالوَفاءِ القِسْطِ؛ لِأنَّ الإيفاءَ وجْهُ حُسْنِهِ أنَّهُ قِسْطٌ وعَدْلٌ. فَهَذِهِ ثَلاثُ فَوائِدَ. انْتَهى-.
﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ أيْ لا تَنْقُصُوهم حُقُوقَهم بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، كالكَيْلِ والوَزْنِ وغَيْرِهِما، فَهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ؛ لِأنَّهُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ في المِقْدارِ وغَيْرِهِ. والبَخْسُ: الهَضْمُ والنَّقْصُ. ويُقالُ لِلْمَكْسِ: البَخْسُ، قالَ زُهَيْرٌ:
؎أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ بَخْسُ دِرْهَمِ
؎ألا تَسْتَحِي مِنّا مُلُوكٌ وتَتَّقِي ∗∗∗ مَحارِمَنا. لا تَتَّقِي الدَّمَ بِالدَّمِ
ورُوِيَ (مَكْسِ دِرْهَمٍ). يُرِيدُ زُهَيْرٌ: أخْذَ الخَراجِ، وما هو اليَوْمَ في الأسْواقِ مِن رُسُومٍ وظُلْمٍ. وكانَ قَوْمُ شُعَيْبٍ يَأْخُذُونَ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُباعُ شَيْئًا، كَما تَفْعَلُ السَّماسِرَةُ، (p-٣٤٧٧)أوْ كانُوا يَمْكُسُونَ النّاسَ، أوْ كانُوا يَنْقُصُونَ مِن أثْمانِ ما يَشْتَرُونَ مِنَ الأشْياءِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ -كَذا في (الكَشّافِ) و(شَرْحِهِ).
قالَ القاشانِيُّ: لَمّا رَأى شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، ضَلالَتُهم بِالشِّرْكِ، واحْتِجابُهم عَنِ الحَقِّ بِالجِبْتِ، وتَهالُكُهم عَلى كَسْبِ الحُطامِ بِأنْواعِ الرَّذائِلِ، وتَمادِيهِمْ في الحِرْصِ عَلى جَمْعِ المالِ بِأسْوَأِ الخِصالِ -نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، وقالَ: إنِّي أراكم بِخَيْرٍ في اسْتِعْدادِكم مِن إمْكانِ حُصُولِ كَمالٍ وقَبُولِ هِدايَةٍ، وإنِّي أخافُ عَلَيْكم إحاطَةَ خَطِيئاتِكم؛ لِاحْتِجابِكم عَنِ الحَقِّ، ووُقُوفِكم مَعَ الغَيْرِ، وصَرْفِ أفْكارِكم بِالكُلِّيَّةِ إلى طَلَبِ المَعاشِ، وإعْراضِكم عَنِ المَعادِ، وقُصُورِ هِمَمِكم عَلى إحْرازِ الفاسِداتِ الفانِياتِ، عَنْ تَحْصِيلِ الباقِياتِ الصّالِحاتِ، فَلازِمُوا التَّوْحِيدَ والعَدالَةَ واعْتَزِلُوا عَنِ الشِّرْكِ والظُّلْمِ، الَّذِي هو جِماعُ الرَّذائِلِ وأُمُّ الغَوائِلِ.
﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أيْ لا تَعْمَلُوا فِيها الفَسادَ. يَعُمُّ أيْضًا تَنْقِيصَ الحُقُوقِ وغَيْرَهُ، كالسَّرِقَةِ والشِّرْكِ، والدُّعاءِ إلَيْهِ، والصَّدِّ عَنِ الإيمانِ ونَحْوِها.
11:86Page 231
بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ٨٦
What remains [lawful] from Allāh is best for you, if you would be believers. But I am not a guardian over you."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٦ ] ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾
﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾ أيْ ثَوابُهُ الباقِي عَلى وفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ، أوْ ما أبْقاهُ عَلَيْكم بَعْدَ التَّنَزُّهِ عَنِ الحَرامِ، أوْ ما تَفَضَّلَ عَلَيْكم مِنَ الرِّبْحِ بَعْدَ وفائِهِما ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ في دِينِكم ودُنْياكم ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ المُؤْمِنَ يُبارِكُ لَهُ، إذا تَنَزَّهَ عَنِ الحَرامِ. أوْ مُصَدِّقِينَ بِما أقُولُ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِبَقاءِ شَيْءٍ، فَما يَبْقى لَكم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الكَمالاتِ والسِّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ، خَيْرٌ لَكم مِن تِلْكَ المَكاسِبِ الفانِيَةِ الَّتِي تَشُقُّونَ بِها، وتَشُقُّونَ عَلى أنْفُسِكم في كَسْبِها وتَحْصِيلِها، ثُمَّ تَتْرُكُونَها بِالمَوْتِ، ولا يَبْقى مِنها مَعَكم شَيْءٌ إلّا وبالَ التَّبِعاتِ والعَذابَ اللّازِمَ، لِما في نُفُوسِكم مِن رَواسِخِ الهَيْئاتِ.
﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أيْ رَقِيبٍ لِأحْفَظَكم عَنِ القَبائِحِ وأكُفَّكم عَنْها بِسَيْطَرَةٍ. وإنَّما أنا مُبَلِّغٌ نَذِيرٌ.
11:87Page 231
قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ٨٧
They said, "O Shuʿayb, does your prayer [i.e., religion] command you that we should leave what our fathers worship or not do with our wealth what we please? Indeed, you are the forbearing, the discerning!"1
(p-٣٤٧٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٧ ] ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أيْ مِنَ الأصْنامِ، أجابُوا بِهِ أمْرَهم بِالتَّوْحِيدِ عَلى الِاسْتِهْزاءِ والتَّهَكُّمِ بِصَلَواتِهِ، والإشْعارِ بِأنَّ مِثْلَهُ لا يَدْعُو إلَيْهِ داعٍ عَقْلِيٌّ، وإنَّما دَعاكَ إلَيْهِ خَطِراتٌ ووَساوِسُ مِن جِنْسِ ما تُواظِبُ عَلَيْهِ. وكانَ شُعَيْبٌ كَثِيرَ الصَّلاةِ، فَلِذَلِكَ جَمَعُوا وخَصُّوا الصَّلاةَ بِالذِّكْرِ. وقُرِئَ: (أصَلاتُكَ) بِالإفْرادِ -قالَهُ القاضِي.
﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ مِن نَقْصٍ ونَحْوِهِ ﴿إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ أيِ المَوْصُوفُ بِالحِلْمِ والرُّشْدِ في قَوْمِكَ، يَعْنُونَ أنَّ ما تَأْمُرُ بِهِ لا يُطابِقُ حالَكَ، وما شَهَرْتَ بِهِ. كَما قالَ قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ [هود: ٦٢] أوْ قالُوا ذَلِكَ تَهَكُّمًا بِهِ، والمُرادُ أنَّهُ عَلى الضِّدِّ مِن ذَلِكَ. قِيلَ: وهَذا أرْجَحُ؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِتَهَكُّمِهِمْ قَبْلَهُ، والأدَقُّ هو الأوَّلُ لِمُماثَلَتِهِ لِما خُوطِبَ بِهِ صالِحٌ، وتَعْقِيبُهُ بِمِثْلِ ما عَقَّبَ بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى:
11:88Page 231
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨
He said, "O my people, have you considered: if I am upon clear evidence from my Lord and He has provided me with a good provision from Him...?1 And I do not intend to differ from you in that which I have forbidden you; I only intend reform as much as I am able. And my success is not but through Allāh. Upon Him I have relied, and to Him I return.2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٨ ] ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ عَلى بُرْهانٍ يَقِينِيٍّ مِمّا أتانِي رَبِّي مِنَ العَمَلِ والنُّبُوَّةِ ﴿ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أيْ مالًا حَلالًا (p-٣٤٧٩)مُكْتَسَبًا بِلا بَخْسٍ وتَطْفِيفٍ، أوْ حِكْمَةٍ ونُبُوَّةٍ، وكَمالًا وتَكْمِيلًا، بِالِاسْتِقامَةِ عَلى التَّوْحِيدِ، هَلْ يَصِحُّ لِي أنْ أخُونَ الوَحْيَ، وأتْرُكَ النَّهْيَ عَنِ الشِّرْكِ والظُّلْمِ، والإصْلاحِ بِالتَّزْكِيَةِ والتَّحْلِيَةِ. وهو اعْتِذارٌ عَمّا أنْكَرُوهُ عَلَيْهِ مِن تَغْيِيرِ المَأْلُوفِ، والنَّهْيِ عَنْ دِينِ الآباءِ. وحَذْفُ جَوابِ (أرَأيْتُمْ) لِما دَلَّ عَلَيْهِ في مِثْلِهِ، كَما مَرَّ في نَبَأِ نُوحٍ وصالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وعَلى خُصُوصِيَّتِهِ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ أيْ: وما أُرِيدُ أنْ آتِيَ ما أنْهاكم عَنْهُ، لِأسْتَبِدَّ بِهِ دُونَكُمْ، فَلَوْ كانَ صَوابًا لَآثَرْتُهُ، ولَمْ أُعْرِضْ عَنْهُ، فَضْلًا عَنْ أنْ أنْهى عَنْهُ -أفادَهُ القاضِي-.
وفِي (التّاجِ): يُقالُ: خالَفَهُ إلى الشَّيْءِ: عَصاهُ إلَيْهِ، أوْ قَصَدَهُ بَعْدَ ما نَهاهُ عَنْهُ، وهو مِن ذَلِكَ.
قالَ القاشانِيُّ: أيْ ما أقْصِدُ إلى جَرِّ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ الفانِيَةِ، بِارْتِكابِ الظُّلْمِ الَّذِي أنْهاكم عَنْهُ.
﴿إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ أيْ إصْلاحُ نُفُوسِكم بِالتَّزْكِيَةِ، والتَّهْيِئَةِ لِقَبُولِ الحِكْمَةِ، ما دُمْتُ مُسْتَطِيعًا مُتَمَكِّنًا مِنهُ. ﴿وما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ﴾ أيْ: وما كَوْنِي مُوَفَّقًا لِلْإصْلاحِ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أيْ أعْتَمِدُ ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أيْ: أرْجِعُ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ.
11:89Page 232
وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ ٨٩
And O my people, let not [your] dissension from me cause you to be struck by that similar to what struck the people of Noah or the people of Hūd or the people of Ṣāliḥ. And the people of Lot are not from you far away.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٩ ] ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾
﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي﴾ أيْ لا يَكْسِبْنَّكم عَداوَتِي ﴿أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ مِنَ الغَرَقِ والرِّيحِ والصَّيْحَةِ ﴿وما (p-٣٤٨٠)قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ فَإنَّ مَنازِلَهم قَرِيبَةٌ مِنكُمْ، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما نَزَلْ بِهِمْ مِن قَلْبِ الأرْضِ، وإمْطارِ الحِجارَةِ. وذَلِكَ لِأنَّ مُخالَفَةَ الرُّسُلِ تَقْتَضِي أحَدَ هَذِهِ الأُمُورِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences