Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:36–49
12:36Page 239
وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجۡنَ فَتَيَانِۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَعۡصِرُ خَمۡرٗاۖ وَقَالَ ٱلۡأٓخَرُ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَحۡمِلُ فَوۡقَ رَأۡسِي خُبۡزٗا تَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِنۡهُۖ نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِيلِهِۦٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٦
And there entered the prison with him two young men. One of them said, "Indeed, I have seen myself [in a dream] pressing [grapes for] wine." The other said, "Indeed, I have seen myself carrying upon my head [some] bread, from which the birds were eating. Inform us of its interpretation; indeed, we see you to be of those who do good."
(p-٣٥٣٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦ ] ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أحَدُهُما إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا وقالَ الآخَرُ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾
﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ رُوِيَ أنَّهُما غُلامانِ كانا لِفِرْعَوْنِ مِصْرَ، أحَدُهُما رَئِيسُ سُقاتِهِ، والآخَرُ رَئِيسُ طَعامِهِ، غَضِبَ عَلَيْهِما فَحَبَسَهُما، فَكانا مَعَ يُوسُفَ. ثُمَّ رَآهُما يَوْمًا وهُما مَهْمُومانِ، فَسَألَهُما عَنْ شَأْنِهِما، فَذَكَرا لَهُ أنَّهُما رَأيا رُؤْيا غَمَّتْهُما، ولَيْسَ لَهُما مَن يَعْبُرُها. فَقالَ لَهُما: ألَيْسَ التَّأْوِيلُ لِلَّهِ؟ قُصّا عَلَيَّ! فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أحَدُهُما﴾ وهو صاحِبُ شَرابِهِ: ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ أيْ عِنَبًا، تَسْمِيَةً لِلْعِنَبِ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ، أوِ الخَمْرُ بِلُغَةِ عُمانَ: اسْمٌ لِلْعِنَبِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ في المَنامِ كَأنَّ بَيْنَ يَدَيَّ وِعاءً فِيهِ ثَلاثَةُ قُضْبانِ عِنَبٍ، ثُمَّ نَضِجَتْ عَناقِيدُها وصارَتْ عِنَبًا، وكانَتْ كَأْسُ فِرْعَوْنَ في يَدِي، فَأخَذْتُ العِنَبَ، وعَصَرْتُهُ في الكَأْسِ، وناوَلْتُها لِفِرْعَوْنَ.
﴿وقالَ الآخَرُ﴾ وهو صاحِبُ طَعامِهِ: ﴿إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ قالَ لَهُ: رَأيْتُ كَأنَّ فَوْقَ رَأْسِي ثَلاثَ سِلالٍ حُوّارى، والطَّيْرَ تَأْكُلُ مِنَ السَّلَّةِ العُلْيا فَوْقَ رَأْسِي.
﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ أخْبِرْنا بِتَفْسِيرِ ما رَأيْنا، وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ هَذِهِ الرُّؤْيا ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ عِبارَةَ الرُّؤْيا، أوْ مِنَ المُحْسِنِينَ إلى أهْلِ السِّجْنِ، تُداوِي مَرِيضَهُمْ، وتُعَزِّي حَزِينَهُمْ، وتُوَسِّعُ عَلى فَقِيرِهِمْ، فَأحْسِنْ إلَيْنا بِكَشْفِ غُمَّتِنا، إنْ كُنْتَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ أشارَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، لَهُما بِأنَّ ما رَأياهُ سَهْلُ التَّأْوِيلِ، لِوُجُودِ مِثالِهِ في المَنامِ، وأنَّ لَهُ عِلْمًا فَوْقَهُ، وهو أنَّهُ يُبَيِّنُ لَهُما كُلَّ جَلِيلٍ ودَقِيقٍ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ (p-٣٥٣٩)مُقَدِّمَةُ المَنامِ، حَتّى إنَّ الطَّعامَ المُوَظَّفَ الَّذِي يَأْتِيهِما كُلَّ يَوْمٍ، يُبَيِّنُهُ لَهُما قَبْلَ إتْيانِهِ، وإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن بابِ الكِهانَةِ، بَلْ مِنَ الفَضْلِ الرَّبّانِيِّ لِمَن يَصْطَفِيهِ بِالنُّبُوَّةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:
12:37Page 239
قَالَ لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٧
He said, "You will not receive food that is provided to you except that I will inform you of its interpretation before it comes to you. That is from what my Lord has taught me. Indeed, I have left the religion of a people who do not believe in Allāh, and they, in the Hereafter, are disbelievers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٧ ] ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾
﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾ أيْ قَبْلَ أنْ يَصِلَكُما. والمُرادُ بِالطَّعامِ: ما يُبْعَثُ إلى أهْلِ السِّجْنِ. وتَأْوِيلُهُ ذِكْرُ ما هُوَ، بِأنْ يَقُولَ: يَأْتِيكُما طَعامُ كَيْتَ وكَيْتَ، فَيَجِدانِهِ كَذَلِكَ. وحَقِيقَةُ (التَّأْوِيلِ): تَفْسِيرُ الألْفاظِ المُرادِ مِنها خِلافُ ظاهِرِها بِبَيانِ المُرادِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: فَإطْلاقُهُ عَلى تَعْيِينِ ما سَيَأْتِي مِنَ الطَّعامِ، إمّا بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ. فَإنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى مُطْلَقِ الطَّعامِ المُبْهَمِ بِمَنزِلَةِ التَّأْوِيلِ، بِالنَّظَرِ إلى ما رُئِيَ في المَنامِ، وشَبِيهٌ لَهُ. وإمّا بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ، حَسْبَما وقَعَ في عِبارَتِهِما مِن قَوْلِهِما: ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦] ومُرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ: بَيانُ كُلِّ ما يَهُمُّهُما مِنَ الأُمُورِ المُتَرَقَّبَةِ قَبْلَ وُقُوعِها. وإنَّما تَخْصِيصُ الطَّعامِ بِالذِّكْرِ؛ لِكَوْنِهِ عَرِيقًا في ذَلِكَ، بِحَسَبِ الحالِ، مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ حُسْنِ التَّخَلُّصِ إلَيْهِ مِمّا اسْتَعْبَراهُ مِنَ الرُّؤْيَتَيْنِ المُتَعَلِّقَتَيْنِ بِالشَّرابِ والطَّعامِ.
﴿ذَلِكُما﴾ أيْ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ والإخْبارُ بِالمُغَيَّباتِ ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ أيْ بِالوَحْيِ والإلْهامِ، لا مِنَ التَّكَهُّنِ والتَّنْجِيمِ. وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ لَهُ عُلُومًا جَمَّةً، ما سَمِعاهُ شَذْرَةٌ مِن جَواهِرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾
12:38Page 240
وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٣٨
And I have followed the religion of my fathers, Abraham, Isaac and Jacob. And it was not for us to associate anything with Allāh. That is from the favor of Allāh upon us and upon the people, but most of the people are not grateful.
(p-٣٥٤٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨ ] ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾
﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا مَسُوقَةٌ لِبَيانِ عِلَّةِ تَعْلِيمِ اللَّهِ لَهُ بِالوَحْيِ والإلْهامِ، أيْ خَصَّنِي بِذَلِكَ لِتَرْكِ الكُفْرِ، وسُلُوكِ طَرِيقِ آبائِي المُرْسَلِينَ، أوْ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ، ذُكِرَ تَمْهِيدًا لِلدَّعْوَةِ، وإظْهارَ أنَّهُ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ، لِتَقْوى رَغْبَتُهُما في الِاسْتِماعِ إلَيْهِ، والوُثُوقِ بِهِ، والمُرادُ بِتَرْكِهِ مِلَّةَ الكُفْرِ الِامْتِناعُ عَنْها رَأْسًا، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ ذَلِكَ لَنا، فَضْلًا عَنِ الوُقُوعِ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ بِحِسابِ الظّاهِرِ في اقْتِدائِهِما بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والتَّخْصِيصُ بِهِمْ مَعَ أنَّ الشِّرْكَ لا يَصِحُّ مِن غَيْرِهِمْ أيْضًا؛ لِأنَّهُ يَثْبُتُ بِالطَّرِيقِ الأُولى. أوِ المُرادُ نَفْيُ الوُقُوعِ مِنهم لِعِصْمَتِهِمْ. وتَكْرِيرُ (هُمْ) لِلدَّلالَةِ عَلى اخْتِصاصِهِمْ، وتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ بِالآخِرَةِ، وزِيادَةُ (مِن) في المَفْعُولِ، أعْنِي " مِن شَيْءٍ"؛ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، أيْ لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، قَلِيلًا أوْ حَقِيرًا، صَنَمًا أوْ مَلِكًا أوْ جِنِّيًّا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ﴾ يَعْنِي عَدَمَ الإشْراكِ بِاللَّهِ، وهو التَّوْحِيدُ، مِن نِعَمِ اللَّهِ العامَّةِ، الَّتِي يَجِبُ شُكْرُهُ تَعالى عَلى الهِدايَةِ لَها بِالفِطَرِ السَّلِيمَةِ، ونَصْبِ الدَّلائِلِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ.
12:39Page 240
يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٣٩
O [my] two companions of prison, are separate lords better or Allāh, the One,1 the Prevailing?2
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ نَبَذُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ بَعْدَ ما حَقَّ عَلَيْهِمْ شُكْرُها.
ولَمّا ذَكَرَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ما هو عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ القَوِيمِ، تَلَطَّفَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى بُطْلانِ ما عَلَيْهِ قَوْمُهُما مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، فَضَرَبَ لَهُما مَثَلًا يَتَّضِحُ بِهِ الحَقُّ حَقَّ اتِّضاحٍ، بِقَوْلِهِ:
(p-٣٥٤١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٩ ] ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾
﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ وصَفَهُما بِالصُّحْبَةِ الضَّرُورِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْمَوَدَّةِ، وبَذْلِ النَّصِيحَةِ. أيْ: يا صاحِبِيَّ فِيهِ. فَجَعَلَ الظَّرْفَ تَوَسُّعًا، مَفْعُولًا بِهِ. أيْ: أأرْبابٌ شَتّى تَسْتَعْبِدُ النّاسَ خَيْرٌ لَهُمْ، أمْ أنْ يَكُونَ لَهم رَبٌّ واحِدٌ قَهّارٌ لا يُغالَبُ؟!.
قالَ بَعْضُهُمْ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الشَّرْعَ كَما جاءَ مُطالِبًا بِالِاعْتِقادِ، جاءَ هادِيًا لِوَجْهِ الحُسْنِ فِيهِ. وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُشِيرُ إشارَةً واضِحَةً إلى أنَّ تَفَرُّقَ الآلِهَةِ يُفَرِّقُ بَيْنَ البَشَرِ في وُجْهَةِ قُلُوبِهِمْ إلى أعْظَمِ سُلْطانٍ يَتَّخِذُونَهُ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ. وهو يَذْهَبُ بِكُلِّ فَرِيقٍ إلى التَّعَصُّبِ لِما وجَّهَ قَلْبَهُ إلَيْهِ، وفي ذَلِكَ فَسادُ نِظامِهِمْ كَما لا يَخْفى. أمّا اعْتِقادُ جَمِيعِهِمْ بِإلَهٍ واحِدٍ، فَهو تَوْحِيدٌ لِمُنازِعِ نُفُوسِهِمْ إلى سُلْطانٍ واحِدٍ، يَخْضَعُ الجَمِيعُ لِحُكْمِهِ، وفي ذَلِكَ نِظامُ أُخُوَّتِهِمْ، وهي قاعِدَةُ سَعادَتِهِمْ. فالشَّرْعُ جاءَ مُبَيِّنًا لِلْواقِعِ في أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ بِصِفاتِهِ، حَسَنَةٌ في نَفْسِها، فَهو لَيْسَ مُحْدِثَ الحُسْنِ. انْتَهى.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ إشارَةٌ إلى ما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ مِصْرَ لِعَهْدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن عِبادَةِ أصْنامٍ شَتّى.
يَقُولُ بَعْضُهُمْ: كَما أنَّ مِصْرَ كانَتْ تَغَلَّبَتْ في العُلُومِ والسُّلْطَةِ، كَذَلِكَ في عِبادَةِ الأصْنامِ، فَإنَّ أهْلَها فاقُوا كُلَّ مَن سِواهم في الضَّلالِ، فَكانُوا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ ولِلْقَمَرِ والنُّجُومِ والأشْخاصِ البَشَرِيَّةِ والحَيَواناتِ، حَتّى الهَوامِّ وأدْنى حَشَراتِ الأرْضِ.
12:40Page 240
مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠
You worship not besides Him except [mere] names you have named them,1 you and your fathers, for which Allāh has sent down no evidence. Legislation is not but for Allāh. He has commanded that you worship not except Him. That is the correct religion, but most of the people do not know.
(p-٣٥٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٠ ] ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْـزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ أمَرَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِن دُونِ اللَّهِ ﴿إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ يَعْنِي أنَّكم سَمَّيْتُمْ، ما لا يَسْتَحِقُّ الإلَهِيَّةَ آلِهَةً، ثُمَّ طَفِقْتُمْ تَعْبُدُونَها، فَكَأنَّكم لا تَعْبُدُونَ إلّا أسْماءً فارِغَةً لا مُسَمَّياتِ تَحْتَها: ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِها ﴿إنِ الحُكْمُ﴾ أيْ في أمْرِ العِبادَةِ والدِّينِ ﴿إلا لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ مالِكٌ، وهو لَمْ يَحْكم بِعِبادَتِها؛ لِأنَّهُ ﴿أمَرَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ لِأنَّ العِبادَةَ غايَةُ التَّذَلُّلِ، فَلا يَسْتَحِقُّها إلّا مَن لَهُ غايَةُ العَظَمَةِ، ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ التَّوْحِيدُ الدّالُّ عَلى كَمالِ عَظَمَةِ اللَّهِ، بِحَيْثُ لا يُشارِكُهُ فِيها غَيْرُهُ ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيِ الحَقُّ المُسْتَقِيمُ الثّابِتُ، ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لِجَهْلِهِمْ، ولِذا كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ.
تَنْبِيهٌ:
لا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ﴾ [يوسف: ٣٧] إلى هُنا، مُقَدِّمَةٌ لِجَوابِ سُؤالِهِما عَنْ تَعْبِيرِ رُؤْياهُما، مَهَّدَ، عَلَيْهِ السَّلامُ بِها لَهُ لِيَدْعُوَهُما إلى التَّوْحِيدِ، لِيَزْدادا عِلْمًا بِعِظَمِ شَأْنِهِ، وثِقَةً بِأمْرِهِ، تَوَسُّلًا بِذَلِكَ إلى تَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ مِن هِدايَتِهِما، لا سِيَّما وأنَّ أحَدَهُما سَتُعاجِلُهُ مَنِيَّتُهُ بِالصَّلْبِ، فَرَجا أنْ يُخْتَمَ لَهُ بِخَيْرٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا اسْتَعْبَراهُ ووَصَفاهُ بِالإحْسانِ، افْتَرَضَ ذَلِكَ، فَوَصَلَ بِهِ وصْفَ نَفْسِهِ بِما هو فَوْقَ عِلْمِ العُلَماءِ، وهو الإخْبارُ بِالغَيْبِ، وأنَّهُ يُنَبِّئُهُما بِما يُحْمَلُ إلَيْهِما مِنَ الطَّعامِ، وجَعَلَ ذَلِكَ تَخَلُّصًا إلى أنْ يَذْكُرَ لَهُما التَّوْحِيدَ، ويَعْرِضَ عَلَيْهِما الإيمانَ، ويُزَيِّنَهُ لَهُما، ويُقَبِّحَ إلَيْهِما الشِّرْكَ بِاللَّهِ. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ، عَلى كُلِّ ذِي عِلْمٍ أنْ يَسْلُكَها مَعَ الجُهّالِ والفَسَقَةِ (p-٣٥٤٣)إذا اسْتَفْتاهُ واحِدٌ مِنهُمْ، أنْ يُقَدِّمَ الهِدايَةَ والإرْشادَ والمَوْعِظَةَ الحَسَنَةَ والنَّصِيحَةَ أوَّلًا، ويَدْعُوهُ إلى ما هو أوْلى بِهِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِ مِمّا اسْتُفْتِيَ فِيهِ، ثُمَّ يُفْتِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ. وفِيهِ: أنَّ العالِمَ إذا جُهِلَتْ مَنزِلَتُهُ في العِلْمِ، فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِما هو بِصَدَدِهِ -وغَرَضُهُ أنْ يُقْتَبَسَ مِنهُ، ويُنْتَفَعَ بِهِ في الدِّينِ- لَمْ يَكُنْ مِن بابِ التَّزْكِيَةِ. انْتَهى.
وبَعْدَ تَحْقِيقِ الحَقِّ، ودَعْوَتِهِما إلَيْهِ، وبَيانِهِ لَهُما مَرْتَبَةَ عِلْمِهِ، شَرَعَ في تَفْسِيرِ ما اسْتَفْسَراهُ. ولِكَوْنِهِ بَحْثًا مُغايِرًا لِما سَبَقَ، فَصَلَهُ عَنْهُ بِتَكْرِيرِ الخِطابِ فَقالَ:
12:41Page 240
يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ ٤١
O two companions of prison, as for one of you, he will give drink to his master of wine; but as for the other, he will be crucified, and the birds will eat from his head. The matter has been decreed about which you both inquire."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤١ ] ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾
﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أيْ يَخْرُجُ مِنَ السِّجْنِ، ويَعُودُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن سَقْيِ سَيِّدِهِ الخَمْرَ، ﴿وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ أيْ فَيُقْتَلُ ويُعَلَّقُ عَلى خَشَبَةٍ، فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن لَحْمِ رَأْسِهِ.
﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ أيْ قُطِعَ وتَمَّ ما تَسْتَفْتِيانِ فِيهِ. يَعْنِي: مَآلَهُ، وهو نَجاةُ أحَدِهِما، وهَلاكُ الآخَرِ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِـ (الأمْرِ)، وعَنْ طَلَبِ تَأْوِيلِهِ بِـ (الِاسْتِفْتاءِ) تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ، وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، إذْ الِاسْتِفْتاءُ إنَّما يَكُونُ في النَّوازِلِ المُشْكَلَةِ الحُكْمَ، المُبْهَمَةِ الجَوابَ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ، مَعَ سَبْقِ اسْتِفْتائِهِما في ذَلِكَ، لِما أنَّهُما بِصَدَدِهِ، إلى أنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَوابِ وطَرَهُ.
12:42Page 240
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ ٤٢
And he said to the one whom he knew would go free, "Mention me before your master." But Satan made him forget the mention [to] his master, and he [i.e., Joseph] remained in prison several years.
(p-٣٥٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤٢ ] ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾
﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ: قالَ يُوسُفُ لِلَّذِي عَلِمَ نَجاتَهُ مِنَ الفَتَيَيْنِ، أيْ خُلُوصَهُ مِنَ السَّجْنِ والقَتْلِ، وهو السّاقِي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيِ اذْكُرْ حالِي وصِفَتِي، وعِلْمِي بِالرُّؤْيا، وما جَرى عَلَيَّ، عِنْدَ المَلِكِ سَيِّدِكَ، عَسى يُخَلِّصُنِي مِمّا ظُلِمْتُ بِهِ.
و(الظَّنُّ) بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ، ورَدَ كَثِيرًا، والتَّعْبِيرُ بِهِ إرْخاءٌ لِلْعِنانِ، وتَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: الظَّنُّ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ، بِناءً عَلى أنَّ تَأْوِيلَ يُوسُفَ بِطَرِيقِ الِاجْتِهادِ، والحُكْمُ بِقَضاءِ الأمْرِ اجْتِهادِيٌّ أيْضًا، والأوَّلُ أنْسَبُ بِالسِّياقِ.
تَنْبِيهٌ:
دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ الِاسْتِعانَةِ بِمَن هو مَظِنَّةُ كَشْفِ الغُمَّةِ، ولَوْ مُشْرِكًا. وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ [المائدة: ٢] وقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ عِيسى: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وفي الحَدِيثِ: ««واللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما دامَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ»» . وجَلِيٌّ أنَّ ذَلِكَ مِن نِظامِ الكَوْنِ، والعُمْرانِ البَشَرِيِّ، ولِذَلِكَ مَيَّزَ الإنْسانَ بِالنُّطْقِ.
وأمّا ما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَوْ لَمْ يَقُلْ - يَعْنِي يُوسُفَ- الكَلِمَةَ الَّتِي قالَ، ما لَبِثَ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ، حَيْثُ يَبْتَغِي الفَرَجَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى-» فَقالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، وذَكَرَ مِن رِجالِهِ الضُّعَفاءِ راوِيَيْنِ سَمّاهُما. ثُمَّ قالَ: (p-٣٥٤٥)ورُوِيَ أيْضًا مُرْسَلًا عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ. قالَ: وهَذِهِ المُرْسَلاتُ هاهُنا لا تَقْبَلُ، لَوْ قُبِلَ المُرْسَلُ مِن حَيْثُ هُوَ، في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ -واللَّهُ أعْلَمُ- انْتَهى. ولَقَدْ أجادَ وأفادَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ يَعْنِي: فَشَغَلَهُ الشَّيْطانُ حَتّى نَسِيَ ذِكْرَ يُوسُفَ عِنْدَ المَلِكِ. ﴿فَلَبِثَ﴾ أيْ مَكَثَ يُوسُفُ ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ أيْ طائِفَةً مِنها.
ولِأهْلِ اللُّغَةِ أقْوالٌ في (البِضْعِ): ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، أوْ إلى الخَمْسِ، أوْ ما لَمْ يَبْلُغِ العِقْدَ ولا نَصِفَهُ، يَعْنِي ما بَيْنَ الواحِدِ إلى الأرْبَعَةِ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
ولَمّا دَنا الفَرَجُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِرَحْمَتِهِ تَعالى، ما هَيَّأهُ مِنَ الأسْبابِ؛ رَأى فِرْعَوْنُ مِصْرَ هَذِهِ الرُّؤْيا الَّتِي أشارَ إلَيْها تَعالى بِقَوْلِهِ:
12:43Page 240
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ إِنِّيٓ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ ٤٣
And [subsequently] the king said, "Indeed, I have seen [in a dream] seven fat cows being eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry. O eminent ones, explain to me my vision, if you should interpret visions."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٣ ] ﴿وقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾
﴿وقالَ المَلِكُ﴾ أيْ لِمَلَئِهِ: ﴿إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ﴾ أيْ هالِكاتٌ مِنَ الهُزالِ. جَمْعُ عَجْفاءَ، بِمَعْنى المَهْزُولَةِ، ضِدَّ السَّمِينَةِ، ﴿وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ﴾ أيْ وأرى رُؤْيا ثانِيَةً سَبْعَ سُنْبُلاتٍ ﴿خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ أيْ وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ دَقِيقَةً، أيْ: نَبَتَتْ وراءَها، فابْتَلَعَتِ السَّنابِلَ الخُضَرَ المُمْتَلِئَةَ، وإنَّما اسْتَغْنى عَنْ عَدَدِها وإعْدامِها لِلْخُضْرِ، لِلِاكْتِفاءِ بِما ذَكَرَ مِن حالِ البَقَراتِ لِأنَّها نَظِيرَتُها.
وقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ خِطابٌ لِلْأشْرافِ مِن قَوْمِهِ، وكانَ دَعا إثْرَ اسْتِيقاظِهِ سَحَرَةَ مِصْرَ وحُكَماءَها، وقَصَّ عَلَيْهِمْ رُؤْياهُ هَذِهِ.
12:44Page 241
قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ ٤٤
They said, "[It is but] a mixture of false dreams, and we are not learned in the interpretation of dreams."
(p-٣٥٤٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٤ ] ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾
﴿قالُوا﴾ أيِ المَلَأُ لِلْمَلِكِ ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ أيْ تَخالِيطُها. جَمْعُ (ضِغْثٍ). وهو في الأصْلِ ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وحُزِمَ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِما تَجْمَعُهُ القُوَّةُ المُتَخَيَّلَةُ مِن أحادِيثِ النَّفْسِ، ووَساوِسِ الشَّيْطانِ، وتُرِيها في المَنامِ. و(الأحْلامُ) جَمْعُ (حُلْمٍ)، وهو ما يَراهُ النّائِمُ، فَهو مُرادِفٌ لِلرُّؤْيا، إلّا أنَّها غَلَبَتْ في رُؤْيا الخَيْرِ، والشَّيْءِ الحَسَنِ، وغَلَبَ الحُلْمُ عَلى خِلافِهِ. وفي الحَدِيثِ: ««الرُّؤْيا مِنَ اللَّهِ، والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ»» .
قالَ التُّورَبَشْتِيُّ: الحُلْمُ عِنْدَ العَرَبِ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الرُّؤْيا، والتَّفْرِيقُ مِن الِاصْطِلاحاتِ الَّتِي سَنَّها الشّارِعُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَأنَّهُ كَرِهَ أنْ يُسَمّى ما كانَ مِنَ اللَّهِ وما كانَ مِنَ الشَّيْطانِ بِاسْمٍ واحِدٍ، فَجَعَلَ الرُّؤْيا عِبارَةً عَنِ الصّالِحِ مِنها، لِما في الرُّؤْيا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى المُشاهَدَةِ بِالبَصَرِ أوِ البَصِيرَةِ، وجَعَلَ الحُلْمَ عِبارَةً عَمّا كانَ مِنَ الشَّيْطانِ، لِأنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلّا فِيما يُخَيَّلُ لِلْحالِمِ في مَنامِهِ مِن قَضاءِ الشَّهْوَةِ، مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ. انْتَهى.
والمُرادُ بِالجَمْعِ في (الأحْلامِ) ما فَوْقَ الواحِدِ، لِأنَّهُما حُلْمانِ، رَأى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إثْرَ اسْتِيقاظِهِ مِنهُ، كَما رُوِيَ، وفَهِمَ بَعْضُهم أنَّهُ حُلْمٌ واحِدٌ، فالتَمَسَ لِلْجَمْعِ نُكْتَةً فَقالَ: إمّا المُبالَغَةُ في وصْفِهِ بِالبُطْلانِ، أوْ تَضَمُّنُهُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً، ولا حاجَةَ إلَيْهِ، كَما بَيَّنّا.
﴿وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا بِـ (الأحْلامِ) المَناماتِ الباطِلَةَ خاصَّةً. أيْ: لَيْسَ لَها تَأْوِيلٌ عِنْدَنا، وإنَّما التَّأْوِيلُ لِلرُّؤْيا الصّادِقَةِ. وأنْ يَعْتَرِفُوا بِقُصُورِ عِلْمِهِمْ، وأنَّهم لَيْسُوا في التَّعْبِيرِ بِنَحارِيرَ.
قالَ النّاصِرُ: وهَذا هو الظّاهِرُ. وحَمْلُ الكَلامِ عَلى الأوَّلِ يُصَيِّرُهُ مِن وادِي:
؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
(p-٣٥٤٧)كَأنَّهم قالُوا: ولا تَأْوِيلَ لِلْأحْلامِ الباطِلَةِ، فَنَكُونُ بِهِ عالِمِينَ. وقَوْلُ المَلِكِ لَهم أوَّلًا: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا في عِلْمِهِ عالِمِينَ بِها، لِأنَّهُ أتى بِكَلِمَةِ الشَّكِّ، وجاءَ اعْتِرافُهم بِالقُصُورِ مُطابِقًا لِشَكِّ المَلِكِ الَّذِي أخْرَجَهُ مَخْرَجَ اسْتِفْهامِهِمْ عَنْ كَوْنِهِمْ عالِمِينَ بِالرُّؤْيا أوْ لا. وقَوْلُ الفَتى: ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦] دَلِيلٌ أيْضًا عَلى ذَلِكَ -واللَّهُ أعْلَمُ-.
12:45Page 241
وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ ٤٥
But the one who was freed and remembered after a time said, "I will inform you of its interpretation, so send me forth."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥ ] ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾
﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ أيْ مِن صاحِبَيِ السِّجْنِ، وهو السّاقِي: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أيْ تَذَكَّرَ بَعْدَ مُدَّةٍ، وكانَ تَذَكُّرُهُ، عَلى ما رُوِيَ، بَعْدَ سَنَتَيْنِ ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ أُخْبِرُكم بِهِ بِالتَّلَقِّي عَمَّنْ عِنْدَهُ عِلْمُهُ، لا مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: أنا أُفْتِيكم فِيها، وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَأرْسِلُونِ﴾ أيْ فابْعَثُونِي إلى يُوسُفَ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرْهُ؛ ثِقَةً بِما سَبَقَ مِنَ التَّذَكُّرِ، وما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ:
12:46Page 241
يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٤٦
[He said], "Joseph, O man of truth, explain to us about seven fat cows eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry - that I may return to the people [i.e., the king and his court]; perhaps they will know [about you]."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٦ ] ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾
﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ أيْ أرْسَلَ إلَيْهِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا يُوسُفُ! ووَصَفَهُ بِالمُبالَغَةِ في الصِّدْقِ، حَسْبَما ذاقَ أحْوالَهُ، وتَعَرَّفَ صِدْقَهُ في تَأْوِيلِ رُؤْياهُ، ورُؤْيا صاحِبِهِ، حَيْثُ جاءَ كَما أوَّلَ، لِكَوْنِهِ بِصَدَدِ اغْتِنامِ مَعارِفِهِ، فَهو مِن بابِ بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ ﴿أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ أيْ في (p-٣٥٤٨)تَأْوِيلِ رُؤْيا ذَلِكَ. ولَمْ يُغَيِّرْ لَفْظَ المَلِكِ؛ لِأنَّ التَّعْبِيرَ يَكُونُ عَلى وفْقِهِ، كَما بَيَّنُوهُ. وفي قَوْلِهِ ﴿أفْتِنا﴾ مَعَ أنَّهُ المُسْتَفْتِي وحْدَهُ إشْعارٌ بِأنَّ الرُّؤْيا لَيْسَتْ لَهُ، بَلْ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ مُلابَسَةٌ بِأُمُورِ العامَّةِ، وأنَّهُ في ذَلِكَ مُعَبِّرٌ وسَفِيرٌ، كَما آذَنَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ أيْ إلى المَلِكِ ومَن عِنْدِهِ ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ ذَلِكَ: فَيَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ، أوْ يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ ومَكانَكَ مِنَ العِلْمِ، فَيَطْلُبُوكَ ويُخَلِّصُوكَ مِن مِحْنَتِكَ. وإنَّما لَمْ يَبُتَّ الكَلامَ، بَلْ قالَ (لَعَلِّي) و(لَعَلَّهُمْ) مُجاراةً مَعَهُ عَلى نَهْجِ الأدَبِ، واحْتِرازًا عَنِ المُجازَفَةِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلى يَقِينٍ مِنَ الرُّجُوعِ، فَرُبَّما اخْتَرَمَ دُونَهُ.
؎لَعَلَّ المَنايا دُونَ ما تَعُدّانِي
ولا مِن عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ، فَرُبَّما لَمْ يَعْلَمُوهُ -أشارَ إلَيْهِ أبُو السُّعُودِ-.
12:47–49Page 241
قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ ٤٧
[Joseph] said, "You will plant for seven years consecutively; and what you harvest leave in its spikes, except a little from which you will eat.
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ ٤٨
Then will come after that seven difficult [years] which will consume what you advanced [i.e., saved] for them, except a little from which you will store.
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ ٤٩
Then will come after that a year in which the people will be given rain and in which they will press [olives and grapes]."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٧ ] ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ [ ٤٨ ] ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] [ ٤٩ ] ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]
﴿قالَ﴾ أيْ يُوسُفُ لَهُ في تَأْوِيلِها ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ أيْ دائِبِينَ مُواظِبِينَ كُلَّ عامٍ مِنها ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ أيْ مِنَ الزَّرْعِ ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ أيْ لا تَدْرُسُوهُ، فَإنَّهُ أبْقى لَهُ ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ أيْ في تِلْكَ السِّنِينَ، يَعْنِي بِقَدْرِ ما تَأْكُلُونَ.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [يوسف: ٤٨] أيِ السَّبْعِ المَذْكُوراتِ ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ [يوسف: ٤٨] أيْ سَبْعُ سِنِينَ صِعابٍ عَلى النّاسِ، لِقُوَّةِ القَحْطِ ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ [يوسف: ٤٨] أيْ ما رَفَعْتُمْ لَهُنَّ مِنَ الحُبُوبِ (p-٣٥٤٩)المَتْرُوكَةِ في سَنابِلِها. ولَمّا عَبَّرَ عَنِ البَقَراتِ بِالسِّنِينَ؛ نَسَبَ الأكْلَ إلى السِّنِينَ، كَما رَأى في الواقِعَةِ البَقَراتِ يَأْكُلْنَ حَتّى يَحْصُلَ التَّطابُقُ بَيْنَ المُعَبَّرِ وهو المَرْئِيُّ في المَنامِ، والمُعَبَّرُ بِهِ، وهو تَأْوِيلُهُ. ولا يَتَعَيَّنُ المَجازُ العَقْلِيُّ -أيْ يُؤْكَلُ فِيها- كَما فِي: (نَهارُهُ صائِمٌ) لِجَوازِ أنْ يَكُونَ مُشاكَلَةً حِينَئِذٍ. ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] أيْ تُحْرِزُونَ وتُخَبِّئُونَ لِلزِّراعَةِ.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [يوسف: ٤٨] أيِ السِّنِينَ المَوْصُوفَةِ بِالشِّدَّةِ، وأكْلِ الغِلالِ المُدَّخَرَةِ ﴿عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ [يوسف: ٤٩] أيْ يُمْطَرُونَ مِنَ الغَيْثِ، أوْ يُغاثُونَ مِنَ القَحْطِ، أوْ يَرْفَعُ عَنْهم مَكْرُوهَهُ مِنَ الغَوْثِ ﴿وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] أيْ ما كانُوا يَعْصِرُونَهُ عَلى عادَتِهِمْ مِن عِنَبٍ وزَيْتُونٍ ونَحْوِهِما.
قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعَرُّضُ لِذِكْرِ (العَصْرِ)، مَعَ جَوازِ الِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِذِكْرِ (الغَيْثِ) المُسْتَلْزِمِ لَهُ عادَةً، كَما اكْتَفى بِهِ عَنْ ذِكْرِ تَصَرُّفِهِمْ في الحُبُوبِ، إمّا لِأنَّ اسْتِلْزامَ الغَيْثِ لَهُ لَيْسَ كاسْتِلْزامِهِ لِلْحُبُوبِ، إذِ المَذْكُوراتُ يَتَوَقَّفُ صَلاحُها عَلى مَبادِئَ أُخَرَ غَيْرِ المَطَرِ. وإمّا لِمُراعاةِ جانِبِ المُسْتَفْتِي بِاعْتِبارِ حالَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ، بِشارَةً لَهُ، وهي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها حُسْنُ مَوْقِعِ تَغْلِيبِهِ عَلى النّاسِ، في القِراءَةِ بِالفَوْقانِيَّةِ. وقِيلَ: مَعْنى (يَعْصِرُونَ) يَحْلُبُونَ الضُّرُوعَ. انْتَهى.
واللَّفْظُ بِعُمُومِ مَعْناهُ يَشْمَلُهُ، لِأنَّ الحَلْبَ فِيهِ عَصْرُ الضَّرْعِ لِيَخْرُجَ الدَّرُّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَأْوِيلُ البَقَراتِ السِّمانِ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرِ: بِسِنِينَ مُخْصِبَةٍ، والعِجافِ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، ثُمَّ بَشَّرَهم بَعْدَ الفَراغِ مِن تَأْوِيلِ الرُّؤْيا بِأنَّ العامَ الثّامِنَ يَجِيءُ مُبارَكًا خَصِيبًا، كَثِيرَ الخَيْرِ، غَزِيرَ النِّعَمِ، وذَلِكَ جِهَةَ الوَحْيِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ في (الإكْلِيلِ): هَذِهِ الآيَةُ مِن أُصُولِ التَّعْبِيرِ. وفِيها أيْضًا صِحَّةُ رُؤْيا الكُفّارِ، وجَوازُ تَسْمِيَتِهِ مَلِكًا، وأنَّ قَوْلَنا (الرُّؤْيا لِأوَّلِ عابِرٍ) لَيْسَ عامًّا في كُلِّ رُؤْيا، لِأنَّهم قالُوا: (p-٣٥٥٠)﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ [يوسف: ٤٤] ولَمْ تَسْقُطْ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ، فَتَخُصُّ القاعِدَةُ بِما يَحْتَمِلُ مِنَ الرُّؤْيا وُجُوهًا، فَيُعَبَّرُ بِأحَدِها، فَيَقَعُ عَلَيْهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ﴾ [يوسف: ٤٩] إلَخْ، زِيادَةٌ عَلى ما وقَعَ السُّؤالُ عَنْهُ، فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّهُ لا بَأْسَ بِذَلِكَ في تَعْبِيرِ الرُّؤْيا والفَتْوى. انْتَهى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences