Al-QasimiYusuf · 12:50–57

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:50–57

12:50Page 241

وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيۡدِهِنَّ عَلِيمٞ ٥٠

And the king said, "Bring him to me." But when the messenger came to him, [Joseph] said, "Return to your master and ask him what is the case of the women who cut their hands. Indeed, my Lord is Knowing of their plan."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٠ ] ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾

﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ أيْ أخْرِجُوهُ مِنَ السَّجْنِ وأحْضِرُوهُ، لِما عَلِمَ مِن عِلْمِهِ وفَضْلِهِ، ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ﴾ أيْ يَسْتَدْعِيهِ إلى المَلِكِ ﴿قالَ﴾ أيْ يُوسُفُ لَهُ: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ سَيِّدِكَ المَلِكِ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أيْ ما شَأْنُهُنَّ وخَبَرَهُنَّ؟ أمَرَهُ بِأنْ يَسْألَهُ ويَسْتَفْهِمَهُ عَنْ ذَلِكَ، ولَمْ يَكْشِفْ لَهُ عَنِ القِصَّةِ، ولا أوْضَحَها لَهُ؛ لِأنَّ السُّؤالَ مُجْمَلًا، مِمّا يُهَيِّجُ المَلِكَ عَلى الكَشْفِ والبَحْثِ والِاسْتِعْلامِ، فَتَحْصُلُ البَراءَةُ. وإنَّما كانَ السُّؤالُ المُجْمَلُ يُهَيِّجُ الإنْسانَ، ويُحَرِّكُهُ لِلْبَحْثِ عَنْهُ. لِأنَّهُ يَأْنَفُ مَن جَهِلَهُ وعَدِمَ عِلْمَهُ بِهِ، ولَوْ قالَ: سَلْهُ أنْ يُفَتِّشَ عَنْ ذَلِكَ، لَكانَ طَلَبًا لِلْفَحْصِ عَنْهُ، وهو مِمّا يَتَسامَحُ ويَتَساهَلُ بِهِ، وفِيهِ جُرْأةٌ عَلَيْهِ، فَرُبَّما امْتَنَعَ مِنهُ، ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما تَأنّى وتَثَبَّتَ في إجابَةِ المَلِكِ، وقَدَّمَ سُؤالَ النِّسْوَةِ؛ لِيُظْهِرَ بَراءَةَ ساحَتِهِ عَمّا قَرِفَ بِهِ وسُجِنَ فِيهِ؛ لِئَلّا يَتَسَلَّقَ بِهِ الحاسِدُونَ إلى تَقْبِيحِ أمْرِهِ عِنْدَهُ، ويَجْعَلُوهُ سُلَّمًا إلى حَطِّ مَنزِلَتِهِ لَدَيْهِ، ولِئَلّا يَقُولُوا: ما خَلَدَ في السِّجْنِ إلّا لِأمْرٍ عَظِيمٍ وجُرْمٍ كَبِيرٍ، حَقَّ بِهِ أنْ يُسْجَنَ ويُعَذَّبَ، ويُسْتَكَفَّ شَرُّهُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاجْتِهادَ في نَفْيِ التُّهَمِ واجِبٌ وُجُوبَ اتِّقاءِ الوُقُوفِ في مَواقِفِها. قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ««مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلا يَقِفَنَّ (p-٣٥٥١)مَواقِفَ التُّهَمِ»» . ومِنهُ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمارِّينَ بِهِ في مُعْتَكَفِهِ، وعِنْدَهُ بَعْضُ نِسائِهِ: «هي فُلانَةُ»»؛ اتِّقاءً لِلتُّهْمَةِ.

وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««لَقَدْ عَجِبْتُ مِن يُوسُفَ وكَرَمِهِ وصَبْرِهِ، واللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، حِينَ سُئِلَ عَنِ البَقَراتِ العِجافِ والسِّمانِ، ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ما أخْبَرْتُهم حَتّى أشْتَرِطَ أنْ يُخْرِجُونِي. ولَقَدْ عَجِبْتُ مِنهُ حَيْثُ أتاهُ الرَّسُولُ فَقالَ: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ولَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثْتُ؛ لَأسْرَعْتُ الإجابَةَ، وبادَرْتُهُمُ البابَ، ولَما ابْتَغَيْتُ العُذْرَ، إنْ كانَ لَحَلِيمًا ذا أناةٍ»» . انْتَهى.

رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في مُصَنَّفِهِ مُرْسَلًا عَنْ عِكْرِمَةَ.

وقَدْ رُوِيَ في المُسْنَدِ والصَّحِيحَيْنِ مُخْتَصَرًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ»» . مَدَحَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى هَذِهِ الأناةِ، وكانَ في طَيِّ هَذِهِ المِدْحَةِ بِالأناةِ والتَّثَبُّتِ تَنْزِيهُهُ وتَبْرِئَتُهُ مِمّا لَعَلَّهُ يَسْبِقُ إلى الوَهْمِ أنَّهُ هَمَّ بِامْرَأةِ العَزِيزِ هَمًّا يُؤاخَذُ بِهِ؛ لِأنَّهُ إذا صَبَرَ وتَثَبَّتَ فِيما لَهُ ألّا يَصْبِرَ فِيهِ، وهو الخُرُوجُ مِنَ السِّجْنِ، مَعَ أنَّ الدَّواعِيَ مُتَوافِرَةٌ عَلى الخُرُوجِ مِنهُ؛ فَلِأنْ يَصْبِرَ فِيما عَلَيْهِ أنْ يَصْبِرَ فِيهِ مِنَ الهَمِّ أوْلى وأجْدَرُ- أفادَهُ النّاصِرُ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِامْرَأةِ العَزِيزِ، مَعَ ما لَقِيَ مِنها ما لَقِيَ، مِن مُقاساةِ (p-٣٥٥٢)الأحْزانِ؛ مُحافَظَةً عَلى مَواجِبِ الحُقُوقِ، واحْتِرازًا عَنْ مَكْرِها، حَيْثُ اعْتَقَدَها مُقِيمَةً في عُدْوَةِ العَداوَةِ. وأمّا النِّسْوَةُ فَقَدْ كانَ يَطْمَعُ في صَدْعِهِنَّ بِالحَقِّ، وشَهادَتُهُنَّ بِإقْرارِها بِأنَّها راوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى وصْفِهِنَّ بِتَقْطِيعِ الأيْدِي، ولَمْ يُصَرِّحْ بِمُراوَدَتِهِنَّ لَهُ، وقَوْلِهِنَّ (أطِعْ مَوْلاتَكَ) واكْتَفى بِالإيماءِ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ يَعْنِي ما كِدْنَهُ بِهِ، وفي إضافَةِ عِلْمِهِ إلى اللَّهِ إشارَةٌ إلى عِظَمِهِ، وأنَّ كُنْهَهُ غَيْرُ مَأْمُولِ الوُصُولِ إلَيْهِ، لَكِنْ ما لا يُدْرَكُ كُلُّهُ لا يُتْرَكُ كُلُّهُ. وفِيهِ تَشْوِيقٌ وبَعْثٌ عَلى مَعْرِفَتِهِ، فَهو تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ: " اسْألْ"، ودَلالَةٌ عَلى أنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا قَرِفَ بِهِ؛ لِلِاسْتِشْهادِ بِعِلْمِهِ تَعالى عَلَيْهِ. وفِيهِ الوَعِيدُ لَهُنَّ عَلى كَيْدِهِنَّ، وأنَّهُ تَعالى مُجازٍ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ:

12:51Page 241

قَالَ مَا خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ قُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءٖۚ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٥١

Said [the king to the women], "What was your condition when you sought to seduce Joseph?" They said, "Perfect is Allāh!1 We know about him no evil." The wife of al-ʿAzeez said, "Now the truth has become evident. It was I who sought to seduce him, and indeed, he is of the truthful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥١ ] ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ .

﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالَ المَلِكُ: ما خَطْبُكُنَّ -أيْ شَأْنُكُنَّ- إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ يَوْمَ الضِّيافَةِ؟ يَعْنِي: هَلْ وجَدْتُنَّ مِنهُ مَيْلًا إلَيْكُنَّ؟

﴿قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ أيْ: قَبِيحٍ، بالَغْنَ في نَفْيِ جِنْسِهِ عَنْهُ بِالتَّنْكِيرِ، وزِيادَةُ (مِن): ﴿قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ أيْ ثَبَتَ واسْتَقَرَّ وظَهَرَ بَعْدَ خَفائِهِ، ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦]

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا مَزِيدَ عَلى شَهادَتِهِنَّ لَهُ بِالبَراءَةِ، والنَّزاهَةِ، واعْتِرافِهِنَّ عَلى أنْفُسِهِنَّ، بِأنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ مِمّا قَرَفْنَهُ بِهِ؛ لِأنَّهُنَّ خُصُومُهُ. وإذا اعْتَرَفَ الخَصْمُ بِأنَّ صاحِبَهُ عَلى الحَقِّ، وهو عَلى الباطِلِ، لَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ مَقالٌ. انْتَهى.

؎والفَضْلُ ما شَهِدَتْ بِهِ الأعْداءُ

12:52Page 241

ذَٰلِكَ لِيَعۡلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَيۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٢

That is so he [i.e., al-ʿAzeez] will know that I did not betray him in [his] absence and that Allāh does not guide the plan of betrayers.

(p-٣٥٥٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٢ ] ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾

﴿ذَلِكَ﴾ تَقُولُ امْرَأةُ العَزِيزِ: ذَلِكَ الَّذِي اعْتَرَفْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي ﴿لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ أيْ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أكْذِبْ عَلَيْهِ في حالِ الغَيْبَةِ، وجِئْتُ بِالصَّحِيحِ والصِّدْقِ فِيما سُئِلْتُ عَنْهُ، أوْ لِيَعْلَمَ زَوْجِي أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ في نَفْسِ الأمْرِ، ولا وقَعَ المَحْذُورُ الأكْبَرُ، وإنَّما راوَدْتُ هَذا الشّابَّ مُراوَدَةً فامْتَنَعَ، فاعْتَرَفْتُ لِيَعْلَمَ أنِّي بَرِيئَةٌ.

﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ أيْ لا يَرْضاهُ ولا يُسَدِّدُهُ.

12:53Page 242

۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥٣

And I do not acquit myself. Indeed, the soul is a persistent enjoiner of evil, except those upon which my Lord has mercy. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٣ ] ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تُرِيدُ: وما أُبَرِّئُ نَفْسِي مَعَ ذَلِكَ، فَإنَّ النَّفْسَ تَتَحَدَّثُ وتَتَمَنّى، ولِهَذا راوَدْتُهُ. أوْ تَعْنِي: أنِّي ما أُبَرِّئُ نَفْسِي مِنَ الخِيانَةِ، فَإنِّي قَدْ خُنْتُهُ حِينَ قَرَفْتُهُ وقُلْتُ: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ﴾ [يوسف: ٢٥] ؟ وأوْدَعْتُهُ السِّجْنَ، تُرِيدُ الِاعْتِذارَ مِمّا كانَ مِنها أنَّ كُلَّ نَفْسٍ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ، إلّا نَفْسًا رَحِمَها اللَّهُ بِالعِصْمَةِ، كَنَفْسِ يُوسُفَ.

ثُمَّ إنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ [يوسف: ٥٢] الآيَةَ -عَلى أنَّهُ حِكايَةُ قَوْلِ امْرَأةِ العَزِيزِ- قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو القَوْلُ الأشْهَرُ والألْيَقُ والأنْسَبُ بِسِياقِ القِصَّةِ، ومَعانِي الكَلامِ. وقَدْ حَكاهُ الماوَرْدِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وانْتَدَبَ لِنَصْرِهِ الإمامُ أبُو العَبّاسِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَأفْرَدَهُ بِتَصْنِيفٍ عَلى حِدَةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مِن كَلامِ يُوسُفَ، ولَمْ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ سِواهُ. والمَعْنى: ذَلِكَ التَّثَبُّتُ والتَّأنِّي والتَّشَمُّرُ لِظُهُورِ البَراءَةِ؛ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِظَهْرِ الغَيْبِ في أهْلِهِ، أوْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ؛ لِأنَّ المَعْصِيَةَ خِيانَةٌ. ثُمَّ أكَّدَ أمانَتَهُ بِقَوْلِهِ: (p-٣٥٥٤)﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] وأنَّهُ لَوْ كانَ خائِنًا لَما هَدى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أمْرَهُ، أيْ: سَدَّدَهُ وأحْسَنَ عاقِبَتَهُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِامْرَأةِ العَزِيزِ في خِيانَتِها أمانَتَهُ، وبِالعَزِيزِ في خِيانَةِ أمانَةِ اللَّهِ تَعالى، حِينَ ساعَدَها بَعْدَ ظُهُورِ الآياتِ عَلى حَبْسِهِ، ثُمَّ أرادَ أنْ يَتَواضَعَ لِلَّهِ، ويَهْضِمَ نَفْسَهُ؛ لِئَلّا يَكُونَ لَها مُزَكِّيًا، وبِحالِها في الأمانَةِ مُعْجَبًا ومُفْتَخِرًا، ولِيُبَيِّنَ أنَّ ما فِيهِ مِنَ الأمانَةِ لَيْسَ بِهِ وحْدَهُ، وإنَّما هو بِتَوْفِيقِ اللَّهِ ولُطْفِهِ وعِصْمَتِهِ، فَقالَ: ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أيْ لا أُنَزِّهُها مِنَ الزَّلَلِ، ولا أشْهَدُ لَها بِالبَراءَةِ الكُلِّيَّةِ، ولا أُزَكِّيها، فَإنَّ النَّفْسَ البَشَرِيَّةَ تَأْمُرُ بِالسُّوءِ، وتَحْمِلُ عَلَيْهِ بِما فِيها مِنَ الشَّهَواتِ، إلّا ما رَحِمَ اللَّهُ مِنَ النُّفُوسِ الَّتِي يَعْصِمُها مِنَ الوُقُوعِ في المَساوِئِ.

هَذا خُلاصَةُ ما قَرَّرُوهُ عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ يُوسُفَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى وأظْهَرُ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ كُلِّهِ مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِحَضْرَةِ المَلِكِ، ولَمْ يَكُنْ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُمْ، بَلْ بَعْدَ ذَلِكَ أحْضَرَهُ المَلِكُ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

لَطائِفُ:

الأُولى: مَحَلُّ قَوْلِهِ: (بِالغَيْبِ) الحالُ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، عَلى مَعْنى- وأنا غائِبٌ أوْ غائِبَةٌ عَنْهُ، أوْ وهو غائِبٌ عَنِّي خَفِيٌّ عَنْ عَيْنِي- أوْ هو ظَرْفٌ، أيْ بِمَكانِ الغَيْبِ، وهو الخَفاءُ والِاسْتِتارُ وراءَ الأبْوابِ.

الثّانِيَةُ: قِيلَ مَعْنى ﴿لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] أيْ: لا يَهْدِيهِمْ بِسَبَبِ كَيْدِهِمْ، أوْقَعَتِ الهِدايَةَ المَنفِيَّةَ عَلى الكَيْدِ، وهي واقِعَةٌ عَلَيْهِمْ تَجَوُّزًا لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَهْدِ السَّبَبُ، عُلِمَ مِنهُ عَدَمُ هِدايَةِ مُسَبِّبِهِ بِالطَّرِيقِ الأُولى.

وقِيلَ: المَعْنى لا يَهْدِيهِمْ في كَيْدِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٣٠] أيْ: في قَوْلِهِمْ.

(p-٣٥٥٥)وقِيلَ: هِدايَةُ الكَيْدِ مَجازٌ عَنْ تَنْفِيذِهِ وتَسْدِيدِهِ.

الثّالِثَةُ: قالَ في (الإكْلِيلِ): ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أصْلٌ في التَّواضُعِ، وكَسْرِ النَّفْسِ وهَضْمِها.

الرّابِعَةُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَقَدْ لَفَّقَتِ المُبَطِّلَةُ رِواياتٍ مَصْنُوعَةً -ثُمَّ ساقَها- وقالَ: وذَلِكَ لِتَهالُكِهِمْ عَلى بَهْتِ اللَّهِ ورُسُلِهِ.

قالَ النّاصِرُ: ولَقَدْ صَدَّقَ في التَّوْرِيكِ عَلى نَقَلَةِ هَذِهِ الزِّياداتِ بِالبَهْتِ، وذَلِكَ شَأْنُ المُبَطِّلَةِ مِن كُلِّ طائِفَةٍ. ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويُبْطِلُ الباطِلَ.

الخامِسَةُ: رَأيْتُ لِابْنِ القَيِّمِ في (الجَوابِ الكافِي ) في عَجِيبِ صَبْرِ يُوسُفَ وعِفَّتِهِ، مَعَ الدَّواعِي مِن وُجُوهٍ. قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، بَعْدَ أنْ مَهَّدَ مُقَدِّمَةً في مَفاسِدِ عِشْقِ الصُّوَرِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ: إنَّها أضْعافُ ما يَذْكُرُهُ ذاكِرٌ، فَإنَّهُ يُفْسِدُ القَلْبَ بِالذّاتِ، وإذا فَسَدَ فَسَدَتِ الإراداتُ والأقْوالُ والأعْمالُ، وفَسَدَ ثَغْرُ التَّوْحِيدِ. واللَّهُ تَعالى إنَّما حَكى هَذا المَرَضَ عَنْ طائِفَتَيْنِ مِنَ النّاسِ: وهُمُ اللُّوطِيَّةُ والنِّساءُ، فَأخْبَرَ عَنْ عِشْقِ امْرَأةِ العَزِيزِ لِيُوسُفَ، وما راوَدَتْهُ، وكادَتْهُ بِهِ، وأخْبَرَ عَنِ الحالِ الَّتِي صارَ إلَيْها يُوسُفُ، لِصَبْرِهِ وعِفَّتِهِ وتَقْواهُ، مَعَ أنَّ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ أمْرٌ لا يَصْبِرُ عَلَيْهِ إلّا مَن صَبَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَإنَّ مُوافَقَةَ الفِعْلِ، بِحَسَبِ قُوَّةِ الدّاعِي، وزَوالِ المانِعِ، وكانَ الدّاعِي هاهُنا في غايَةِ القُوَّةِ وذَلِكَ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: ما رَكَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في طَبْعِ الرَّجُلِ مِن مَيْلِهِ إلى المَرْأةِ كَما يَمِيلُ العَطْشانُ إلى الماءِ، والجائِعُ إلى الطَّعامِ، حَتّى إنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَصْبِرُ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، ولا يَصْبِرُ عَنِ النِّساءِ، وهَذا لا يَذُمُّ إذا صادَفَ حَلالًا، بَلْ يَحْمَدُ.

الثّانِي: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ شابًّا، وشَهْوَةُ الشَّبابِ وحِدَّتُهُ أقْوى.

الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ عَزَبًا لا زَوْجَةَ لَهُ ولا سِرِّيَّةَ تَكْسِرُ شِدَّةَ الشَّهْوَةِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ كانَ في بِلادِ غُرْبَةٍ يَتَأتّى لِلْغَرِيبِ فِيها مِن قَضاءِ الوَطَرِ ما لا يَتَأتّى لِغَيْرِهِ في وطَنِهِ، وبَيْنَ أهْلِهِ ومَعارِفِهِ.

(p-٣٥٥٦)الخامِسُ: أنَّ المَرْأةَ كانَتْ ذاتَ مَنصِبٍ وجِمالٍ، بِحَيْثُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ يَدْعُو إلى مُواقَعَتِها.

السّادِسُ: أنَّها غَيْرُ آبِيَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يُزِيلُ رَغْبَتَهُ في المَرْأةِ إباؤُها وامْتِناعُها؛ لِما يَجِدُ في نَفْسِهِ مِن ذُلِّ الخُضُوعِ والسُّؤالِ لَها، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَزِيدُهُ الإباءُ والِامْتِناعُ زِيادَةَ حُبٍّ، كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎وزادَنِي كَلَفًا في الحُبِّ أنْ مُنِعَتْ أحَبُّ شَيْءٍ إلى الإنْسانِ ما مُنِعا

فَطِباعُ النّاسِ مُخْتَلِفَةٌ في ذَلِكَ، فَمِنهم مَن يَتَضاعَفُ حُبُّهُ عِنْدَ بَذْلِ المَرْأةِ ورَغْبَتِها، وتَضْمَحِلُّ عِنْدَ إبائِها وامْتِناعِها، ومِنهم مَن يَتَضاعَفُ حُبُّهُ وإرادَتُهُ بِالمَنعِ، ويَشْتَدُّ شَوْقُهُ بِكُلِّ ما مُنِعَ، ويَحْصُلُ لَهُ مِنَ اللَّذَّةِ بِالظَّفَرِ نَظِيرُ ما يَحْصُلُ مِن لَذَّةِ الظَّفَرِ بَعْدَ امْتِناعِهِ ونِفارِهِ. واللَّذَّةُ بِإدْراكِ المَسْألَةِ بَعْدَ اسْتِصْعابِها، وشِدَّةِ الحِرْصِ عَلى إدْراكِها.

السّابِعُ: أنَّها طَلَبَتْ وأرادَتْ وبَذَلَتِ الجُهْدَ، فَكَفَتْهُ مُؤْنَةَ الطَّلَبِ، وذُلَّ الرَّغْبَةِ إلَيْها، بَلْ كانَتْ هي الرّاغِبَةُ الذَّلِيلَةُ، وهو العَزِيزُ المَرْغُوبُ إلَيْهِ.

الثّامِنُ: أنَّهُ في دارِها، وتَحْتَ سُلْطانِها وقَهْرِها، بِحَيْثُ يَخْشى، إنْ لَمْ يُطاوِعْها، مِن أذاها لَهُ، فاجْتَمَعَ داعِي الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.

التّاسِعُ: أنَّهُ لا يَخْشى أنْ تَنْمى عَلَيْهِ هِيَ، ولا أحَدٌ مِن جِهَتِها، فَإنَّها هي الطّالِبَةُ والرّاغِبَةُ، وقَدْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ، وغَيَّبَتِ الرُّقَباءَ.

العاشِرُ: أنَّهُ كانَ مَمْلُوكًا لَها في الدّارِ، بِحَيْثُ يَدْخُلُ ويَخْرُجُ ويَحْضُرُ مَعَها، ولا يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وكانَ الأُنْسُ سابِقًا عَلى الطَّلَبِ، وهو مِن أقْوى الدَّواعِي، كَما قِيلَ لِامْرَأةٍ مِنَ العَرَبِ: ما حَمَلَكِ عَلى كَذا؟ قالَتْ: قُرْبُ الوِسادِ، وطُولُ السَّوادِ. تَعْنِي: قُرْبَ وِسادِ الرَّجُلِ مِن وِسادَتِي، وطُولَ السَّوادِ بَيْنَنا.

الحادِيَ عَشَرَ: أنَّها اسْتَعانَتْ عَلَيْهِ بِأئِمَّةِ المَكْرِ والِاحْتِيالِ، فَأرَتْهُ إيّاهُنَّ، وشَكَتْ (p-٣٥٥٧)حالَها إلَيْهِنَّ؛ لِتَسْتَعِينَ بِهِنَّ عَلَيْهِ، فاسْتَعانَ هو بِاللَّهِ عَلَيْهِنَّ، فَقالَ: ﴿وإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]

الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّها تَوَعَّدَتْهُ بِالسَّجْنِ والصِّغارِ، وهَذا نَوْعُ إكْراهٍ؛ إذْ هو تَهْدِيدٌ مِمَّنْ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ وُقُوعُ ما هَدَّدَ بِهِ، فَيَجْتَمِعُ داعِي الشَّهْوَةِ، وداعِي السَّلامَةِ، مِن ضِيقِ السِّجْنِ والصِّغارِ.

الثّالِثَ عَشَرَ: إنَّ الزَّوْجَ لَمْ يُظْهِرْ مِنَ الغَيْرَةِ والقُوَّةِ ما يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَهُما، ويُبْعِدُ كُلًّا مِنهُما عَنْ صاحِبِهِ، بَلْ كانَ غايَةَ ما خاطَبَهُما بِهِ أنْ قالَ لِيُوسُفَ: " أعْرِضْ عَنْ هَذا "، ولِلْمَرْأةِ: /" اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ "، وشِدَّةُ الغَيْرَةِ لِلرَّجُلِ مِن أقْوى المَوانِعِ، وهُنا لَمْ يَظْهَرْ مِنهُ غَيْرَةٌ.

ومَعَ هَذِهِ الدَّواعِي فَآثَرَ مَرْضاةَ اللَّهِ وخَوْفَهُ، وحَمَلَهُ حُبَّهُ لِلَّهِ عَلى أنِ اخْتارَ السِّجْنَ عَلى الزِّنى، فَقالَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] وعَلِمَ أنَّهُ لا يُطِيقُ صَرْفَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وأنَّ رَبَّهُ تَعالى إنْ لَمْ يَعْصِمْهُ ويَصْرِفْ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ صَبا إلَيْهِنَّ بِطَبْعِهِ، وكانَ مِنَ الجاهِلِينَ، وهَذا مِن كَمالِ مَعْرِفَتِهِ بِرَبِّهِ وبِنَفْسِهِ، وفي هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ العِبَرِ والفَوائِدِ والحِكَمِ ما يَزِيدُ عَلى ألْفِ فائِدَةٍ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ القَيِّمِ.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما امْتَنَّ بِهِ عَلى يُوسُفَ مِن رَفْعِ قَدْرِهِ بِصَبْرِهِ، وإعْلاءِ مَنزِلَتِهِ بِرَحْمَتِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

12:54Page 242

وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ ٥٤

And the king said, "Bring him to me; I will appoint him exclusively for myself." And when he spoke to him, he said, "Indeed, you are today established [in position] and trusted."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٤ ] ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾

﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أيْ أخُصُّهُ بِها، دُونَ العَزِيزِ، جَرْيًا عَلى عادَةِ المُلُوكِ مِن الِاسْتِئْثارِ بِالنَّفِيسِ العَزِيزِ. قالَ ذَلِكَ لَمّا تَحَقَّقَ بَراءَتَهُ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ، وكَرَمَ (p-٣٥٥٨)نَفْسِهِ، وسِعَةَ عِلْمِهِ: ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ أيْ فَلَمّا أتَوْا بِهِ وكَلَّمَهُ، أيْ خاطَبَهُ المَلِكُ وعَرَفَهُ، وشاهَدَ فَضْلَهُ وحِكْمَتَهُ وبَراءَتَهُ -وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ فاعِلَ (كَلَّمَهُ) يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ﴾ أيْ ذُو مَكانَةٍ ومَنزِلٍ ﴿أمِينٌ﴾ أيْ مُؤْتَمَنٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا حَضَرَ المَلِكَ، وعَبَّرَ لَهُ رُؤْياهُ ابْتَهَجَ بِحَدِيثِهِ هو وخاصَّتُهُ، وقالَ لَهُمْ: هَلْ نَجِدُ مِثْلَهُ رَجُلًا مَهْبِطًا لِلْإمْدادِ الرَّبّانِيِّ؟ وقالَ لِيُوسُفَ: بَعْدَ أنْ عَرَّفَكَ اللَّهُ هَذا فَلا يَكُونُ حَكِيمٌ مِثْلَكَ، وأنْتَ عَلى بَيْتِي، وإلى كَلِمَتِكَ تَنْقادُ رَعِيَّتِي، ولا أكُونُ أعْظَمَ مِنكَ إلّا بِعَرْشِي، وقَدْ أقَمْتُكَ عَلى جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ. ونَزَعَ خاتَمَهُ مِن يَدِهِ، ووَضَعَهُ في إصْبَعِهِ، وألْبَسَهُ ثِيابَ بَزٍّ، وجَعَلَ طَوْقًا مِن ذَهَبٍ في عُنُقِهِ وأرْكَبَهُ مَرْكِبَتَهُ، وأمَرَ أنْ يُطافَ بِهِ في شَوارِعِ مِصْرَ، ويُنادى أمامَهُ بِالخُضُوعِ لَهُ، وقالَ لَهُ المَلِكُ: لا يَمْضِي أمْرٌ، ولا يَنْفُذُ شَأْنٌ في مِصْرَ إلّا بِرَأْيِكَ ومَشُورَتِكَ، وسَمّاهُ مُخْلِصَ العالَمِ، وزَوَّجَهُ بِنْتَ أحَدِ العُظَماءِ لَدَيْهِ. وكانَ يُوسُفُ وقْتَئِذٍ ابْنَ ثَلاثِينَ سَنَةً -واللَّهُ أعْلَمُ-.

قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ مَن أمْعَنَ النَّظَرَ في قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلِمَ يَقِينًا أنَّ التَّقِيَّ الأمِينَ لا يُضَيِّعُ اللَّهُ سَعْيَهُ، بَلْ يُحْسِنُ عاقِبَتَهُ، ويُعْلِي مَنزِلَتَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأنَّ المُعْتَصِمَ بِالصَّبْرِ لا يَخْشى حَدَثانِ الدَّهْرِ وتَجارِبِهِ، ولا يَخافُ صُرُوفَهُ ونَوائِبَهُ، فَإنَّ اللَّهَ يُعَضِّدُهُ ويُنْجِحُ مَسْعاهُ ويُخَلِّدُ ذِكْرَهُ العاطِرَ عَلى مَمَرِّ الأدْهارِ. فَإنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَخْشَ لِلنَّوائِبِ وعِيدًا ولا لِلتَّجارِبِ تَهْدِيدًا. ولَمْ يَخَفْ لِلسِّجْنِ ظُلْمًا وشَرًّا، ولا لِلتَّنْكِيلِ بِهِ ألَمًا وضُرًّا، بَلْ ألْقى تَوَكُّلَهُ عَلى الرَّبِّ، وصَبَرَ إزاءَ تِلْكَ البَلِيَّةِ ثابِتَ القَلْبِ؛ نالَ بِطَهارَتِهِ وتَقْواهُ تاجَ الفَخْرِ ولِسانِ الصِّدْقِ طُولَ أيّامِ الدَّهْرِ. وها إنَّ فَضِيلَتَهُ لَمْ يَعْفُ جَمِيلَ ذِكْراها مُرُورُ الأيّامِ، ولَمْ يَعْبَثْ بِنَضارَتِها كُرُورُ الأعْوامِ، بَلِ ادُّخِرَتْ لَنا مِثالًا نَقْتَفِي أثَرَهُ عِنْدَ طُرُوءِ التَّجارِبِ، ومَلاذًا نَعُوذُ بِهِ في المِحَنِ والمَصائِبِ، ومُقْتَدًى نَتَدَرَّبُ بِهِ عَلى التَّثَبُّتِ في مَواقِفِ العِثارِ، ونَنْهَجُ مِنهاجَهُ في التَّقْوى وطِيبِ الإزارِ. فَنَنالُ في الدُّنْيا سِمَةَ المَجْدِ، ونَفُوزُ في الآخِرَةِ بِدارِ الخُلْدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

12:55Page 242

قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ ٥٥

[Joseph] said, "Appoint me over the storehouses of the land. Indeed, I will be a knowing guardian."

(p-٣٥٥٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٥ ] ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾

﴿قالَ﴾ أيْ يُوسُفُ لِلْمَلِكِ ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ ولِّنِي خَزائِنَ أرْضِكَ. يَعْنِي جَمِيعَ الغَلّاتِ لِما يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنَ السِّنِينَ الَّتِي أخْبَرَهم بِشَأْنِها، فَيَتَصَرَّفُ لَهم عَلى الوَجْهِ الأرْشَدِ والأصْلَحِ، ثُمَّ بَيَّنَ اقْتِدارَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ أمِينٌ أحْفَظُ ما تَسْتَحْفِظُنِيهِ، عالِمٌ بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ فِيهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفَ نَفْسَهُ بِالأمانَةِ والكِفايَةِ اللَّتَيْنِ هم طُلْبَةُ المُلُوكِ مِمَّنْ يُوَلُّونَهُ.

وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلَ إلى إمْضاءِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى، وإقامَةِ الحَقِّ، وبَسْطِ العَدْلِ. والتَّمَكُّنِ مِمّا لِأجْلِهِ تُبْعَثُ الأنْبِياءُ إلى العِبادِ، ولِعِلْمِهِ أنَّ أحَدًا غَيْرَهُ لا يَقُومُ مَقامَهُ في ذَلِكَ، فَطَلَبَ التَّوْلِيَةَ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، لا لِحُبِّ المُلْكِ والدُّنْيا.

فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَتَوَلّى عَمَلًا مِن يَدِ كافِرٍ، ويَكُونُ تَبَعًا لَهُ، وتَحْتَ أمْرِهِ وطاعَتِهِ؟

قُلْتُ: رَوى مُجاهِدٌ أنَّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ، وعَنْ قَتادَةَ هو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَوَلّى الإنْسانُ عَمَلًا مِن يَدِ سُلْطانٍ جائِرٍ. وقَدْ كانَ السَّلَفُ يَتَوَلَّوْنَ القَضاءَ مِن جِهَةِ البُغاةِ ويَرَوْنَهُ. وإذا عَلِمَ النَّبِيُّ أوِ العالِمُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الحُكْمِ بِأمْرِ اللَّهِ ودَفْعِ الظُّلْمِ إلّا بِتَمْكِينِ المَلِكِ الكافِرِ أوِ الفاسِقِ، فَلَهُ أنْ يَسْتَظْهِرَ بِهِ.

وقِيلَ: كانَ المَلِكُ يَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ، ولا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ في كُلِّ ما رَأى، فَكانَ في حُكْمِ التّابِعِ لَهُ والمُطِيعِ. انْتَهى.

وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في طَلَبِ الوِلايَةِ كالقَضاءِ ونَحْوِهِ، لِمَن وثُقَ مِن نَفْسِهِ بِالقِيامِ بِحُقُوقِهِ، وجَوازِ التَّوْلِيَةِ عَنِ الكافِرِ والظّالِمِ. وأصْلٌ في جَوازِ مَدْحِ الإنْسانِ نَفْسَهُ لِمَصْلَحَتِهِ، وفي أنَّ المُتَوَلِّيَ أمْرًا؛ شَرَطَهُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِهِ، خَبِيرًا، ذَكِيَّ الفِطْنَةِ. كَذا في (الإكْلِيلِ).

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ إجابَةَ المَلِكِ إلى ما سَألَهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن جَعْلِهِ عَلى (p-٣٥٦٠)خَزائِنِ الأرْضِ، إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا مَرَدَّ لَهُ، غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ، ولا سِيَّما بَعْدَ تَقْدِيمِ ما يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ مِن أحْكامِ السَّلْطَنَةِ بِحَذافِيرِها، مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّما المَلِكُ آلَةٌ في ذَلِكَ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: خَزائِنُ الأرْضِ هي الأهْرامُ الَّتِي يَجْمَعُ فِيها الغَلّاتِ..... إلَخْ.

ولَمْ أرَ الآنَ مُسْتَنَدَهُ في كَوْنِ الأهْرامِ كانَتْ مَجْمَعَ الغَلّاتِ، ولَمْ أقِفْ عَلَيْهِ في كَلامِ غَيْرِهِ.

و(الأهْرامُ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، جَمْعُ هَرَمٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وهي مَبانٍ مُرَبَّعَةُ الدَّوائِرِ، مَخْرُوطِيَّةُ الشَّكْلِ، بَقِيَ مِنها الآنَ ثَلاثَةٌ في الجِيزَةِ، بَعِيدَةٌ أمْيالًا عَنِ القاهِرَةِ، مَعْدُودَةٌ مِن غَرائِبِ الدُّنْيا، دُعِيتُ لِرُؤْياها أيّامَ رِحْلَتِي لِلدِّيارِ المِصْرِيَّةِ عامَ ١٣٢١ هـ. وقَدِ اسْتَقَرَّ رَأْيُ المُتَأخِّرِينَ في تَحْقِيقِ شَأْنِها عَلى أنَّها كانَتْ مَدافِنَ لِمُلُوكِهِمْ.

فَفِي كِتابِ (الأثَرُ الجَلِيلُ لِقُدَماءِ وادِي النِّيلِ): جَمِيعُ الأهْرامِ لَيْسَتْ إلّا مَقابِرَ مُلُوكِيَّةً آثَرَ أصْحابُها أنْ يَتَمَيَّزُوا بِها بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَنْ سائِرِ النّاسِ، كَما تَمَيَّزُوا عَنْهم مُدَّةَ حَياتِهِمْ، وتَوَخَّوْا أنْ يَبْقى ذِكْرُهم بِسَبَبِها عَلى تَطاوُلِ الدُّهُورِ، وتَراخِي العُصُورِ، وقَدْ أجْمَعَ مُؤَرِّخُو هَذا العَصْرِ عَلى أنَّ الهَرَمَ الأكْبَرَ قَبْرٌ لِلْمَلِكِ (خُوفُو) والثّانِي (خَفْرَعَ) والثّالِثَ لِلْمَلِكِ (مَنقَرَعَ) وجَمِيعُهم مِنَ العائِلَةِ المُنْفِيسِيَّةِ. ولا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّها مَعابِدُ أوْ مَراصِدُ لِلْكَواكِبِ، أوْ مَدْرَسَةٌ لِلْمَعارِفِ الكَهَنُوتِيَّةِ، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى:

12:56Page 242

وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦

And thus We established Joseph in the land to settle therein wherever he willed. We touch with Our mercy whom We will, and We do not allow to be lost the reward of those who do good.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٦ ] ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾

﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ مِصْرَ ﴿يَتَبَوَّأُ مِنها﴾ أيْ يَنْزِلُ (p-٣٥٦١)مِن بِلادِها ﴿حَيْثُ يَشاءُ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ولّاهُ النَّظَرَ عَلى خَزائِنِ مِصْرَ، تَجَوَّلَ في قُطْرِها، وطافَ قُراها، والأمْرُ أمْرُهُ، والإشارَةُ إشارَتُهُ، عِنايَةً مِنهُ تَعالى ورَحْمَةً، كَما قالَ: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ أحْسَنُوا عَمَلًا.

12:57Page 242

وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٥٧

And the reward of the Hereafter is better for those who believed and were fearing Allāh.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٧ ] ﴿ولأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾

﴿ولأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ أيْ: ثَوابُها خَيْرٌ مِن ثَوابِ الدُّنْيا لِلْمُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ. إشارَةٌ إلى أنَّ المَطْلَبَ الأعْلى هو ثَوابُ الآخِرَةِ، وأنَّ ما يُدَّخَرُ لِهَؤُلاءِ هو أعْظَمُ وأجَلُّ مِمّا يُخَوِّلُونَ بِهِ في الدُّنْيا مِنَ التَّمْكِينِ في الأرْضِ والجاهِ والثَّرْوَةِ والمُلْكِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском