Al-QasimiYusuf · 12:89–100

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:89–100

12:89Page 246

قَالَ هَلۡ عَلِمۡتُم مَّا فَعَلۡتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذۡ أَنتُمۡ جَٰهِلُونَ ٨٩

He said, "Do you know what you did with Joseph and his brother when you were ignorant?"

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى رَأْفَةَ يُوسُفَ بِتَعَرُّفِهِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٩ ] ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾

﴿قالَ﴾ أيْ: يُوسُفُ مُجِيبًا لَهُمْ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ أيْ شُبّانٌ غافِلُونَ؟ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، يُفِيدُ تَعْظِيمَ الواقِعَةِ. ومَعْناهُ: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ في يُوسُفَ، وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ! كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ (p-٣٥٨٧)وهَلْ تَعْرِفُ مَن خالَفْتَ؟ وهَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]

لَطائِفُ:

الأُولى- أبْدى المَهايِمِيُّ مُناسَبَةً بَدِيعَةً في قَوْلِ يُوسُفَ لَهُمْ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ إثْرَ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨] وهو أنَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨] أنَّهُ يُعْطِيهِمْ في الآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ مِنَ العِوَضِ الدُّنْيَوِيِّ، فَأشارَ لَهم يُوسُفُ بِأنَّكم تُرِيدُونَ دَفْعَ الضَّرَرِ العاجِلِ، بِوَعْدِ الأجْرِ الآجِلِ، ولا تَدْفَعُونَ عَنْ أنْفُسِكُمُ الضَّرَرَ الآجِلَ، كَأنَّكم تُنْكِرُونَهُ، هَلْ عَلِمْتُمْ ضَرَرَ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ؟

الثّانِيَةُ: قِيلَ: مِن تَلَطُّفِهِ بِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ كالِاعْتِذارِ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ فِعْلَ القَبِيحِ عَلى جَهْلٍ بِمِقْدارِ قُبْحِهِ، أسْهَلُ مِن فِعْلِهِ عَلى عِلْمٍ. وهم لَوْ ضُرِبُوا في طُرُقِ الِاعْتِذارِ لَمْ يُلْفُوا عُذْرًا كَهَذا. ألا تَرى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا اعْتَذَرَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَزِدْ عَلى أنْ قالَ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] فَفِيهِ تَخْفِيفٌ لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ.

الثّالِثَةُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فِعْلُهم بِأخِيهِ؟ قُلْتُ: تَعْرِيضُهم إيّاهُ لِلْغَمِّ والثُّكْلِ، بِإفْرادِهِ عَنْ أخِيهِ لِأبِيهِ وأُمِّهِ، وجَفاؤُهم بِهِ، حَتّى كانَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَ أحَدًا مِنهم إلّا كَلامَ الذَّلِيلِ لِلْعَزِيزِ، وإيذاؤُهم لَهُ بِأنْواعِ الأذى. انْتَهى.

12:90Page 246

قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَآۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٠

They said, "Are you indeed Joseph?" He said, "I am Joseph, and this is my brother. Allāh has certainly favored us. Indeed, he who fears Allāh and is patient, then indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٠ ] ﴿قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾

﴿قالُوا﴾ أيِ: اسْتِغْرابًا وتَعَجُّبًا مِن أنَّ هَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا يُوسُفُ: ﴿أإنَّكَ لأنْتَ (p-٣٥٨٨)يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ﴾ أيِ: الَّذِي فَعَلْتُمْ بِهِ ما فَعَلْتُمْ، ﴿وهَذا أخِي﴾ أيْ مِن أبَوَيَّ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: زادَهم ذَلِكَ مُبالَغَةً في تَعْرِيفِ نَفْسِهِ، وتَفْخِيمًا لِشَأْنِ أخِيهِ، وتَكْمِلَةً لِما أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩] حَسْبَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِنا مِنَ التَّفْرِيقِ والإذْلالِ، فَأنا يُوسُفُ، وهَذا أخِي، قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بِالخَلاصِ مِمّا ابْتُلِينا بِهِ، والِاجْتِماعِ بَعْدَ الفُرْقَةِ، والعِزَّةِ بَعْدَ الذِّلَّةِ، والأُنْسِ بَعْدَ الوَحْشَةِ.

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ التَّعْلِيلِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ أيْ رَبَّهُ في جَمِيعِ أحْوالِهِ، ﴿ويَصْبِرْ﴾ أيْ: عَلى الضَّرّاءِ، وعَنِ المَعاصِي، ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ أجْرَهُمْ، وفي وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعِ الضَّمِيرِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَنعُوتِينَ بِالتَّقْوى والصَّبْرِ، مَوْصُوفُونَ بِالإحْسانِ.

12:91Page 246

قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ ٩١

They said, "By Allāh, certainly has Allāh preferred you over us, and indeed, we have been sinners."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩١ ] ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾

﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيْ فَضَّلَكَ بِما ذَكَرْتَ مِنَ التَّقْوى والصَّبْرِ، وسِيرَةِ المُحْسِنِينَ ﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ أيْ: وإنَّ شَأْنَنا وحالَنا أنّا كُنّا مُتَعَمِّدِينَ الذَّنْبَ، لَمْ نَتَّقِ ولَمْ نَصْبِرْ، فَفَعَلْنا بِكَ ما فَعَلْنا، ولِذَلِكَ أُوثِرْتَ عَلَيْنا. وفِيهِ إشْعارٌ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، ولِذَلِكَ:

12:92Page 246

قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٩٢

He said, "No blame will there be upon you today. May Allāh forgive you; and He is the most merciful of the merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٢ ] ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾

﴿قالَ لا تَثْرِيبَ﴾ أيْ: لا تَعْيِيرَ ولا تَوْبِيخَ ولا تَقْرِيعَ: ﴿عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ أيْ: وإنْ كُنْتُمْ مَلُومِينَ قَبْلَ ظُهُورِ مُنْتَهى فِعْلِكُمْ، ولا إثْمَ عَلَيْكُمْ؛ إذْ ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (p-٣٥٨٩)أيْ: حَقِّي لِرِضايَ عَنْكُمْ، وحَقُّهُ أيْضًا لِواسِعِ رَحْمَتِهِ، كَما قالَ: ﴿وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ أيْ: فَكَأنَّهُ لا خَطَأ مِنكم. و(اليَوْمَ) مُتَعَلِّقٌ بِالتَّثْرِيبِ، أوْ بِالمُقَدَّرِ في (عَلَيْكُمْ) مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. والمَعْنى: ولا أُثَرِّبَكُمُ اليَوْمَ، وهو اليَوْمُ الَّذِي هو مَظِنَّةُ التَّثْرِيبِ، فَما ظَنُّكم بِغَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ؟! فَتَعْبِيرُهُ بِـ (اليَوْمَ) لَيْسَ لِوُقُوعِ التَّثْرِيبِ في غَيْرِهِ، لِأنَّ مَن لَمْ يَثْرِبْ أوَّلَ لِقائِهِ واشْتِعالَ نارِهِ، فَبَعْدَهُ بِطَرِيقِ الأُولى.

وقالَ الشَّرِيفُ المُرْتَضى في (الدُّرَرِ): إنَّ اليَوْمَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الزَّمانِ كُلِّهِ كَقَوْلِهِ:

؎اليَوْمَ يَرْحَمُنا مَن كانَ يَغْبِطُنا واليَوْمَ نَتْبَعُ مَن كانُوا لَنا تَبَعًا

ثُمَّ زادَهم تَكْرِيمًا بِأنْ دَعا لَهم بِالمَغْفِرَةِ، لِما فَرَطَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾

وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ تَحْقِيقٌ لِحُصُولِ المَغْفِرَةِ؛ لِأنَّهُ عَفا عَنْهُمْ، فاللَّهُ أوْلى بِالعَفْوِ والرَّحْمَةِ لَهُمْ، وبَيانٌ لِلْوُثُوقِ بِإجابَةِ الدُّعاءِ. وجَوَّزَ تَعَلُّقَ (اليَوْمَ) بِـ (يَغْفِرُ). والجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ سِيقَتْ بِشارَةً بِعاجِلِ غُفْرانِ اللَّهِ؛ لِما تَجَدَّدَ يَوْمَئِذٍ مِن تَوْبَتِهِمْ ونَدَمِهِمْ عَلى خَطِيئَتِهِمْ. والوَجْهُ الأوَّلُ أظْهَرُ. والثّانِي مِنَ الإغْرابِ في التَّوْجِيهاتِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ تَجاوُزَ يُوسُفَ عَنْ ذَنْبِ إخْوَتِهِ، وإبْقاءَهُ عَلَيْهِمْ، ومُصافاتِهِ لَهُمْ، تُعَلِّمُنا أنْ نَغْفِرَ لِمَن يُسِيءُ إلَيْنا، ونُحْسِنَ إلَيْهِ، ونُصَفِّيَ لَهُ الوِدَّ، وأنْ نُغْضِيَ عَنْ كُلِّ إهانَةٍ تَلْحَقُ بِنا، فَيُسْبِغُ اللَّهُ تَعالى إذْ ذاكَ عَلَيْنا نِعَمَهُ وخَيْراتِهِ في هَذِهِ الدُّنْيا، كَما أوْسَعَ عَلى يُوسُفَ ويُورِثُنا السَّعادَةَ الأُخْرَوِيَّةَ. وأمّا إذا أضْمَرْنا السُّوءَ لِلْمُسِيئِينَ إلَيْنا، ونَقِمْنا مِنهُمْ، فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنّا، ويُورِدُنا مَوْرِدَ الثُّبُورِ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنا، وسَيِّئاتِ أعْمالِنا.

ثُمَّ قالَ لَهم يُوسُفُ:

12:93Page 246

ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا وَأۡتُونِي بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٣

Take this, my shirt, and cast it over the face of my father; he will become seeing. And bring me your family, all together."

(p-٣٥٩٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٣ ] ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾

﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ أرادَ يُوسُفُ تَبْشِيرَ أبِيهِ بِحَياتِهِ، وإدْخالَ السُّرُورِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وتَصْدِيقَهُ بِإرْسالِ حُلَّةٍ مِن حُلَلِهِ الَّتِي كانَ يَسْتَشْعِرُ بِها أوْ يَتَدَثَّرُ، لِيَكُونَ في مُقابَلَةِ القَمِيصِ الأوَّلِ، جالِبِ الحُزْنِ، وغِشاوَةِ العَيْنِ. و(الإلْقاءُ عَلى وجْهِهِ) بِمَعْنى المُبالَغَةِ في تَقْرِيبِهِ مِنهُ، لِما نالَهُ مِن ضَعْفِ بَصَرِهِ، فَتَتَراجَعُ إلَيْهِ قُوَّةُ بَصَرِهِ، بِانْتِعاشِ قَلْبِهِ، بِشَمِّهِ واطْمِئْنانِهِ عَلى سَلامَتِهِ. ولِلْمُفْرِحاتِ تَأْثِيرٌ عَظِيمٌ في صِحَّةِ الجِسْمِ، وتَقْوِيَةِ الأعْضاءِ، وقَدْ جَوَّدَ الكَلامَ في ذَلِكَ الحَكِيمُ داوُدُ الأنْطاكِيُّ في (تَذْكِرَتِهِ) في مادَّةِ مُفْرِحٍ بِما لا يُسْتَغْنى عَنْ مُراجَعَتِهِ.

وفِي (الكُنُوزِ) مِن كُتُبِ الطِّبِّ: الفَرَحُ، إنْ كانَ بِلُطْفٍ، فَإنَّهُ يَنْفَعُ الجِسْمَ، ويَبْسُطُ النَّفْسَ، ويُرِيحُ العَقْلَ، فَتَقْوى الأعْضاءُ وتَنْتَعِشُ. انْتَهى.

ثُمَّ رَأيْتُ الرّازِيُّ عَوَّلَ عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ، وعِبارَتُهُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا عَرَّفَهم يُوسُفُ سَألَهم عَنْ أبِيهِ، فَقالُوا: ذَهَبَتْ عَيْناهُ، فَأعْطاهم قَمِيصَهُ. قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّما عَرَفَ أنَّ إلْقاءَ القَمِيصِ عَلى وجْهِهِ يُوجِبُ قُوَّةَ البَصَرِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَوْلا الوَحْيُ، لَما عَرَفَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ العَقْلَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَعَلَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ أباهُ ما صارَ أعْمى إلّا أنَّهُ مِن كَثْرَةِ البُكاءِ، وضِيقِ القَلْبِ، ضَعُفَ بَصَرُهُ، فَإذا أُلْقِيَ عَلَيْهِ قَمِيصُهُ، فَلا بُدَّ أنْ يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ، وأنْ يَحْصُلَ في قَلْبِهِ الفَرَحُ الشَّدِيدُ، وذَلِكَ يُقَوِّي الرُّوحَ، ويُزِيلُ الضَّعْفَ عَنِ القُوى، فَحِينَئِذٍ يَقْوى بَصَرُهُ، ويَزُولُ عَنْهُ ذَلِكَ النُّقْصانُ. فَهَذا القَدْرُ مِمّا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالقَلْبِ. فَإنَّ القَوانِينَ الطِّبِّيَّةَ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى. انْتَهى.

(p-٣٥٩١)ولَعَلَّ الرّازِيَّ عَنى بِالمُحَقِّقِينَ الصُّوفِيَّةَ، أوْ مَن يَقِفُ عَلى الظّاهِرِ وُقُوفًا بَحْتًا، ولا يَخْفى أنَّ أُسْلُوبَ التَّنْزِيلِ في كِناياتِهِ ومَجازاتِهِ أُسْلُوبٌ فَرِيدٌ، يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ.

وقَدْ جَوَّزَ في قَوْلِهِ: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ يَصِيرُ بَصِيرًا، أوْ يَجِيءُ إلَيَّ بَصِيرًا، عَلى حَقِيقَةِ الإتْيانِ فَـ (بَصِيرًا) حالٌ. قِيلَ: يَنْصُرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: بِأبِي وغَيْرِهِ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ اتِّحادَ الفِعْلَيْنِ هُنا في المَبْنى لا يَدُلُّ عَلى اتِّحادِهِما في المَعْنى. ولا يُقالُ: الأصْلُ الحَقِيقَةُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ فِيما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ، ولا اقْتِضاءَ هُنا. فالأوَّلُ أرَقُّ وأبْدَعُ، لِما فِيهِ مِنَ التَّجانُسِ.

رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَعْدَ أنْ دَعا لَهم بِالمَغْفِرَةِ قالَ لَهُمْ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي أمامَكم لِأُحْيِيكُمْ، وقَدْ مَضَتْ سَنَتا جُوعٍ في الأرْضِ، وبَقِيَ خَمْسُ سِنِينَ، لَيْسَ فِيها حَرْثٌ ولا حَصادٌ. فَأرْسَلَنِي اللَّهُ أمامَكم لِيَجْعَلَ لَكم بَقِيَّةً في الأرْضِ، ويَسْتَبْقِيكم لِنَجاةٍ عَظِيمَةٍ. وقَدْ جَعَلَنِي سُبْحانَهُ أبًا لِفِرْعَوْنَ، وسَيِّدًا لِجَمِيعِ أهْلِهِ، ومُتَسَلِّطًا عَلى جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، فَبادِرُوا وأشْخِصُوا إلى أبِي، وأخْبِرُوهُ بِجَمِيعِ مَجْدِي بِمِصْرَ، وما رَأيْتُمُوهُ، وقُولُوا لَهُ: كَذا قالَ ابْنُكَ يُوسُفُ: قَدْ جَعَلَنِي اللَّهُ سَيِّدًا لِجَمِيعِ المِصْرِيِّينَ، فَهَلُمَّ إلَيَّ، فَتَقُمْ في أرْضِ جاسانَ، وتَكُونُ قَرِيبًا مِنِّي أنْتَ وبَنُوكَ، وبَنُو بَنِيكَ، ومَواشِيكَ، وجَمِيعُ ما هو لَكَ، وأعُولُكَ، ها هُنا، فَقَدْ بَقِيَ خَمْسُ سِنِينَ مُجْدِبَةٌ، فَأخْشى أنْ يَهْلِكَ الأهْلُ والمالُ. وكانَ نَما الخَبَرُ إلى بَيْتِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: جاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ، فَسُرَّ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ وخاصَّتُهُ، وأمَرَهُ أيْضًا بِأنْ يُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ إتْيانَهم بِأبِيهِمْ وأهْلِهِمْ، ووَعَدَهم خَيْرَ أرْضٍ في مِصْرَ تَكُونُ لَهُمْ؛ لِئَلّا يَأْسَفُوا عَلى ما خَلَّفُوا. ثُمَّ زَوَّدَ يُوسُفُ إخْوَتَهُ أحْسَنَ زادٍ، وأعْطاهم مِنَ الحُلَلِ والثِّيابِ والدَّراهِمِ مِقْدارًا وافِرًا، وبَعَثَ إلى أبِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وأصْحَبَهم عَجَلاتٍ لِأطْفالِهِمْ ونِسائِهِمْ، وأوْصاهم ألّا يَتَخاصَمُوا في الطَّرِيقِ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

وقَوْلُهُ تَعالى:

12:94Page 246

وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِيرُ قَالَ أَبُوهُمۡ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَۖ لَوۡلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ٩٤

And when the caravan departed [from Egypt], their father said,1 "Indeed, I find the smell of Joseph [and would say that he was alive] if you did not think me weakened in mind."

(p-٣٥٩٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٤ ] ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾

﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ أيْ: خَرَجَتْ مِن مِصْرَ. يُقالُ: فَصَلَ القَوْمُ عَنِ المَكانِ وانْفَصَلُوا، بِمَعْنى فارَقُوهُ. ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ أيْ: لِحَفَدَتِهِ ومَن حَوْلَهُ مِن قَوْمِهِ، مِن عِظَمِ اشْتِياقِهِ لِيُوسُفَ، وانْتِظارِهِ لِرَوْحِ اللَّهِ: ﴿إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ الرِّيحُ: الرّائِحَةُ، تُوجَدُ في النَّسِيمِ. لِأتَنَسَّمُ رائِحَتَهُ مُقْبِلَةً إلَيَّ، كِنايَةٌ عَنْ تَحَقُّقِهِ وُجُودَهُ بِما ألْقى اللَّهُ في رُوعِهِ مِن حَياتِهِ، وساقَ إلَيْهِ مِن نَسائِمِ البِشارَةِ الغَيْبِيَّةِ بِسَلامَتِهِ. وقَدْ كانَ عَظُمَ رَجاؤُهُ بِذَلِكَ مِن مَوْلاهُ، ووَثِقَ بِنَيْلِ مَأْمُولِهِ ومُبْتَغاهُ، ولِذَلِكَ نَهى بَنِيهِ عَنْ الِاسْتِيئاسِ مِن رُوحِ اللَّهِ. وإذا دَنا أجَلُ الضَّرّاءِ، أخَذَتْ تَهُبُّ نَسائِمُ الفَرَجِ حامِلَةً عَرْفَ السَّرّاءِ، يَدْرِي ذَلِكَ كُلُّ مَن قَوِيَ إحْساسُهُ، وعَظُمَتْ فِطْنَتُهُ، واسْتَنارَتْ بَصِيرَتُهُ، فَيَكادُ أنْ يَلْمِسَ في نِهايَةِ الشِّدَّةِ زَهْرَ الفَرَجِ، ولا يَحْنَثُ إنْ آلى أنَّهُ يَجِدُ مِن نَسِيمِهِ أزْكى الفَرَجِ. عَرَفَ ذَلِكَ مَن عَرَفَ، فَأحْرى بِمَن نالُوا مِنَ النُّبُوَّةِ ذُرْوَةَ الشَّرَفِ.

وإضافَةُ الرِّيحِ إلى الوَلَدِ مَعْرُوفَةٌ في كَلامِهِمْ: وفي حَدِيثٍ عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ: ««رِيحُ الوَلَدِ مِن رِيحِ الجَنَّةِ»» وقالَ الشّاعِرُ:

؎يا حَبَّذا رِيحُ الوَلَدْ رِيحُ الخُزامى في البَلَدْ

وقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ بِمَعْنى إلّا أنَّكم تُفَنِّدُونَ. أوْ لَوْلاهُ لَصَدَقْتُمُونِي. و(فَنَّدَهُ)* نَسَبَهُ إلى الفَنَدِ بِفَتْحَتَيْنِ. وهو ضَعْفُ الرَّأْيِ والعَقْلِ مِنَ الهَرَمِ وكِبَرِ السِّنِّ.

قالَ في (العِنايَةِ): مَأْخُوذٌ مِنَ الفَنَدِ، وهو الحَجَرُ والصَّخْرَةُ، كَأنَّهُ جَعَلَ حَجَرًا لِقِلَّةِ فَهْمِهِ، كَما قالَ:

؎إذا أنْتَ لَمْ تَعْشَقْ ولَمْ تَدْرِ ما الهَوى ∗∗∗ فَكُنْ حَجَرًا مِن يابِسِ الصَّخْرِ جَلْمَدا

ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَقِيلَ: فَنَدَهُ، إذا ضَعَّفَ رَأْيَهُ، ولامَهُ عَلى ما فَعَلَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

12:95Page 246

قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلۡقَدِيمِ ٩٥

They said, "By Allāh, indeed you are in your [same] old error."

(p-٣٥٩٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٥ ] ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾

﴿قالُوا﴾ أيْ حَفَدَتُهُ ومَن عِنْدَهُ: ﴿تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ أيْ لَفي ذَهابِكَ عَنِ الصَّوابِ المُتَقَدِّمِ، في إفْراطِكَ في مَحَبَّةِ يُوسُفَ، ولَهْجَتِكَ بِذِكْرِهِ، ورَجائِكَ لِلِقائِهِ، وكانَ عِنْدَهم أنَّهُ ماتَ أوْ تَشَتَّتَ، فاسْتَحالَ الِاجْتِماعُ بِهِ، وجَعَلَهُ فِيهِ لِتَمَكُّنِهِ ودَوامِهِ عَلَيْهِ.

12:96Page 247

فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلۡبَشِيرُ أَلۡقَىٰهُ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٩٦

And when the bearer of good tidings1 arrived, he cast it over his face, and he returned [once again] seeing. He said, "Did I not tell you that I know from Allāh that which you do not know?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٦ ] ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ أيِ المُخْبِرُ بِما يَسُرُّهُ مِن أمْرِ يُوسُفَ ﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ: طَرَحَ البَشِيرُ القَمِيصَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ ألْقاهُ يَعْقُوبُ نَفْسُهُ عَلى وجْهِهِ، ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أيْ عادَ بَصِيرًا لِما حَدَثَ فِيهِ مِنَ السُّرُورِ والِانْتِعاشِ: ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِن حَياةِ يُوسُفَ، وإنْزالِ الفَرَجِ، وجَوَّزَ كَوْنَ ﴿إنِّي أعْلَمُ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً. والمَقُولُ " لا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ" إنْ كانَ الخِطابُ لِبَنِيهِ. أوْ ﴿إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤] إنْ كانَ لِحَفَدَتِهِ ومَن عِنْدَهُ.

12:97Page 247

قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا ٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ ٩٧

They said, "O our father, ask for us forgiveness of our sins; indeed, we have been sinners."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٧ ] ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾

﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ الضَّمِيرُ لِبَنِيهِ. طَلَبُوا أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم لِما فَرَطَ مِنهُمْ، أوْ لِحَفَدَتِهِ ومَن عِنْدَهُ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] والأوَّلُ أقْرَبُ وأصْوَبُ.

ولَمّا كانَ مِن حَقِّ المُعْتَرِفِ بِذَنْبِهِ أنْ يُصْفِحَ عَنْهُ، ويَسْألَ لَهُ المَغْفِرَةَ، وعَدَهم بِذَلِكَ.

12:98Page 247

قَالَ سَوۡفَ أَسۡتَغۡفِرُ لَكُمۡ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٩٨

He said, "I will ask forgiveness for you from my Lord. Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

(p-٣٥٩٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٨ ] ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: سَوْفَ أدْعُوهُ لَكُمْ، فَإنَّهُ المُتَجاوِزُ عَنِ السَّيِّئاتِ، الرَّحِيمُ لِمَن تابَ.

قالَ المَهايِمِيُّ: صَرَّحُوا بِالذُّنُوبِ دُونَ اللَّهِ؛ لِمَزِيدِ اهْتِمامِهِمْ بِها، وكَأنَّهم غَلَبَ عَلَيْهِمُ النَّظَرُ إلى قَهْرِهِ. وصَرَّحَ يَعْقُوبُ بِذِكْرِ الرَّبِّ دُونَ الذُّنُوبِ، إذْ لا مِقْدارَ لَها بِالنَّظَرِ إلى رَحْمَتِهِ الَّتِي رَبّى بِها الكُلَّ. انْتَهى.

وهَذا مِن دَقائِقِ لَطائِفِ التَّنْزِيلِ ومَحاسِنِها فِيهِ.

تَنْبِيهٌ:

قِيلَ: في هَذِهِ الآياتِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ التَّبْشِيرِ بِبَشائِرِ الدُّنْيا واسْتِحْبابِهِ، وجَوازِ السُّرُورِ بِحُصُولِ النِّعَمِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا. وفِيها دَلالَةٌ عَلى إرْجاءِ الِاسْتِغْفارِ والدُّعاءِ لِوَقْتٍ يَرى أنَّهُ أحْضَرَ فِيهِ قَلْبًا مِن غَيْرِهِ أوْ أنَّهُ أفْضَلُ وأقْرَبُ لِلْإجابَةِ.

وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ إلى السَّحَرِ. وتَخْصِيصُ الأوْقاتِ الفاضِلَةِ بِالِاسْتِغْفارِ والدُّعاءِ مَعْرُوفٌ في السُّنَّةِ، ومِنهُ شُرِعَ الِاسْتِغْفارُ في السَّحَرِ، وعَقِبَ الصَّلَواتِ، وقَضاءِ الحَجِّ. وكانَ الدُّعاءُ في السُّجُودِ، وعِنْدَ الأذانِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الإقامَةِ، والإفْطارِ مِنَ الصِّيامِ أقْرَبُ لِلْإجابَةِ مِمّا عَداهُ.

12:99Page 247

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَبَوَيۡهِ وَقَالَ ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ٩٩

And when they entered upon Joseph, he took his parents to himself [i.e., embraced them] and said, "Enter Egypt, Allāh willing, safe [and secure]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٩ ] ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ﴾ إشارَةٌ إلى وُرُودِ يَعْقُوبَ وآلِهِ عَلى يُوسُفَ. (p-٣٥٩٥)وذَلِكَ أنَّهم تَخَلَّوْا عَنْ آخِرِهِمْ، وتَرَحَّلُوا مِن بِلادِ كَنْعانَ، وأرْكَبُوا أطْفالَهم ونِساءَهم عَلى العَجَلِ الَّتِي بَعَثَ بِها فِرْعَوْنُ، وصَحِبُوا ماشِيَتَهم وسَرْحَهُمْ، وهَبَطُوا أرْضَ مِصْرَ -ورُوِيَ أنَّهم كانُوا سَبْعِينَ نَفْسًا- وتَقَدَّمَهم يَهُوذا إلى يُوسُفَ لِيَدُلَّهُ عَلى أرْضِ (جاسانَ) فَيَنْزِلُوها. ثُمَّ خَرَجَ يُوسُفُ في مَرْكَبَتِهِ، فَتَلَقّى أباهُ في (جاسانَ) ولَمّا ظَهَرَ لَهُ ألْقى بِنَفْسِهِ عَلى عُنُقِهِ وبَكى طَوِيلًا. والمُرادُ بِدُخُولِهِمْ عَلى يُوسُفَ وُصُولُهم لِمُلْتَقاهُ خارِجَ البَلَدِ، وبِإيواءِ أبَوَيْهِ ضَمَّهُما إلَيْهِ، واعْتِناقِهِما واصْطِحابِهِ لَهُما في مَرْكَبِهِ. قالُوا: عَنى بِأبَوَيْهِ والِدَهُ وخالَتَهُ؛ لِأنَّ أُمَّهُ راحِيلَ تُوُفِّيَتْ وهي نُفَساءُ بِأخِيهِ بِنْيامِينَ، وتَنْزِيلُ الخالَةِ مَنزِلَةَ الأُمِّ؛ لِكَوْنِها مِثْلَها في زَوْجَةِ الأبِ، وقِيامِها مَقامَها وتَوْقِيرِها، كَتَنْزِيلِ العَمِّ مَنزِلَةَ الأبِ في قَوْلِهِ: ﴿وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]

﴿وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ أيْ مِنَ القَحْطِ وأصْنافِ المَكارِهِ.

12:100Page 247

وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ١٠٠

And he raised his parents upon the throne, and they bowed to him in prostration.1 And he said, "O my father, this is the explanation of my vision of before. My Lord has made it reality. And He was certainly good to me when He took me out of prison and brought you [here] from bedouin life after Satan had induced [estrangement] between me and my brothers. Indeed, my Lord is Subtle2 in what He wills. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٠ ] ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَـزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾

﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ أيْ: أجْلَسَهُما مَعَهُ عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ تَكْرِيمًا لَهُما ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أيْ سَجَدَ لَهُ أبُوهُ وإخْوَتُهُ الباقُونَ، وكانُوا أحَدَ عَشَرَ، تَحِيَّةً وتَكْرِمَةً لَهُ. وكانَ السُّجُودُ عِنْدَهم لِلْكَبِيرِ يَجْرِي مَجْرى التَّحِيَّةِ عِنْدَنا.

﴿وقالَ يا أبَتِ هَذا﴾ أيِ السُّجُودُ ﴿تَأْوِيلُ﴾ أيْ تَعْبِيرُ ﴿رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ أيِ (p-٣٥٩٦)الَّتِي رَأيْتُها أيّامَ الصِّبا، وهي سُجُودُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسِ والقَمَرِ ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ أيْ: صِدْقًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ في الحِسِّ، ﴿وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ أيْ نَجّانِي مِنَ العُبُودِيَّةِ، وجَعَلَ المَلِكَ مُطِيعًا لِي مُفَوِّضًا إلَيَّ خَزائِنَ الأرْضِ. وفي الِاقْتِصارِ عَلى التَّحَدُّثِ بِالخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ عَلى جَلالَةِ مُلْكِهِ، وفَخامَةِ شَأْنِهِ مِنَ التَّواضُعِ، وتَذْكُرُ ما سَلَفَ مِنَ الضَّرّاءِ، اسْتِدامَةً لِلشُّكْرِ، ما فِيهِ مِن أدَبِ النَّفْسِ الباهِرِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ في الِانْطِلاقِ مِنَ الحَبْسِ؛ لِأنَّهُ كَما قالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، لَمّا كانَ في حَبْسِ الرَّشِيدِ:

؎ومَحِلَّةٍ شَمِلَ المَكارِهُ أهْلَها وتَقَلَّدُوا مَشْنُوءَةَ الأسْماءِ

؎دارٌ يُهابُ بِها اللِّئامُ وتُتَّقى ∗∗∗ وتَقِلُّ فِيها هَيْبَةُ الكُرَماءِ

؎ويَقُولُ عِلْجٌ ما أرادَ ولا تَرى ∗∗∗ حَرًّا يَقُولُ بِرِقَّةٍ وحَياءِ

؎ويَرِقُّ عَنْ مَسِّ المَلاحَةِ وجْهُهُ ∗∗∗ فَيَصُونُهُ بِالصَّمْتِ والإغْضاءِ

وقالَ شاعِرٌ مِنَ المَسْجُونِينَ:

؎خَرَجْنا مِنَ الدُّنْيا ونَحْنُ مِن أهْلِها ∗∗∗ فَلَسْنا مِنَ الأحْياءِ فِيها ولا المَوْتى

؎إذا جاءَنا السَّجّانُ يَوْمًا لِحاجَةٍ ∗∗∗ عَجِبْنا وقُلْنا: جاءَ هَذا مِنَ الدُّنْيا

ويُؤْثَرُ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كَتَبَ عَلى بابِ السِّجْنِ: هَذِهِ مَنازِلُ البَلاءِ، وتَجْرِبَةُ الأصْدِقاءِ، وشَماتَةُ الأعْداءِ، وقُبُورُ الأحْياءِ.

هَذا وقَدْ حاوَلَ كَثِيرٌ مِنَ الأُدَباءِ مَدْحَ السِّجْنِ بِسِحْرِ بَيانِهِمْ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ الجَهْمِ:

؎قالُوا حُبِسْتَ فَقُلْتُ لَيْسَ بِضائِرِي ∗∗∗ حَبْسِي وأيُّ مُهَنَّدٍ لا يُغْمَدُ؟

؎أوَ ما رَأيْتَ اللَّيْثَ يَأْلَفُ غابَهُ ∗∗∗ كِبْرًا وأوْباشُ السِّباعِ تَرَدَّدُ

؎والبَدْرُ يُدْرِكُهُ المِحاقُ فَتَنْجَلِي ∗∗∗ أيّامُهُ وكَأنَّهُ مُتَجَدِّدُ

؎ولِكُلِّ حالٍ مُعْقِبٌ ولَرُبَّما ∗∗∗ أجْلى لَكَ المَكْرُوهُ عَمّا تَحْمَدُ

؎والسِّجْنُ ما لَمْ تَغْشَهُ لِدَنِيَّةٍ ∗∗∗ شَنْعاءَ نِعْمَ المَنزِلُ المُتَوَرِّدُ

؎بَيْتٌ يُجَدِّدُ لِلْكَرِيمِ كَرامَةً ∗∗∗ فَيُزارُ فِيهِ ولا يَزُورُ ويُحْفَدُ

(p-٣٥٩٧)وأحْسَنُ ما قِيلَ في تَسْلِيَةِ المَسْجُونِينَ قَوْلُ البُحْتُرِيِّ:

؎أما في رَسُولِ اللَّهِ يُوسُفَ أُسْوَةٌ ∗∗∗ لِمِثْلِكَ مَحْبُوسًا عَلى الجَوْرِ والإفْكِ

؎أقامَ جَمِيلَ الصَّبْرِ في السِّجْنِ بُرْهَةً ∗∗∗ فَآلَ بِهِ الصَّبْرُ الجَمِيلُ إلى المُلْكِ

نَقَلَهُ الثَّعالِبِيُّ في (اللَّطائِفِ واليَواقِيتِ).

﴿وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ أيِ البادِيَةِ، وقَدْ كانُوا أصْحابَ مَواشٍ، ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَـزَغَ﴾ أيْ أفْسَدَ ﴿الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ أيْ بِالحَسَدِ. وأسْنَدَهُ إلى الشَّيْطانِ، لِأنَّهُ بِوَسْوَسَتِهِ وإلْقائِهِ. وفِيهِ تَفادٍ عَنْ تَثْرِيبِهِمْ أيْضًا. وإنَّما ذَكَرَهُ لِأنَّ النِّعْمَةَ بَعْدَ البَلاءِ أحْسَنُ مَوْقِعًا.

﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ أيْ لَطِيفُ التَّدْبِيرِ لَهُ، والرِّفْقِ بِهِ، ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِوُجُوهِ المَصالِحِ، ﴿الحَكِيمُ﴾ في أفْعالِهِ وأقْضِيَتِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском