Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:14–24
13:14Page 251
لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ١٤
To Him [alone] is the supplication of truth. And those they call upon besides Him do not respond to them with a thing, except as one who stretches his hands toward water [from afar, calling it] to reach his mouth, but it will not reach it [thus].1 And the supplication of the disbelievers is not but in error [i.e., futility].
(p-٣٦٦٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ ] ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وما هو بِبالِغِهِ وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾
﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ أيِ" الدُّعاءُ الحَقُّ بِالعِبادَةِ والتَّضَرُّعِ والإنابَةِ؛ وتَوْجِيهُ الوَجْهِ ثابِتٌ لَهُ تَعالى لا لِغَيْرِهِ. لِأنَّهُ الَّذِي يُجِيبُ المُضْطَرَّ ويَكْشِفُ السُّوءَ فَهو الحَقِيقُ بِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ بِالدُّعاءِ والِالتِجاءِ. فَإضافَةُ الدَّعْوَةِ لِلْحَقِّ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ لِلصِّفَةِ.
وفِيها إيذانٌ بِمُلابَسَتِها لِلْحَقِّ، واخْتِصاصِها بِهِ، وكَوْنِها بِمَعْزِلٍ مِن شائِبَةِ البُطْلانِ والضَّياعِ والضَّلالِ، كَما يُقالُ: كَلِمَةُ الحَقِّ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مِثالَ مَن يَعْبُدُ مِنَ الأصْنامِ ويَدَّعِي في عَدَمِ النَّفْعِ والجَدْوى بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ أيِ: الأصْنامَ الَّذِينَ يَدْعُوهُمُ المُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ تَعالى ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ﴾ أيْ: مِن مَطْلُوباتِهِمْ ﴿إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وما هو بِبالِغِهِ﴾ أيْ: إلّا اسْتِجابَةً كاسْتِجابَةِ باسِطِ كَفَّيْهِ، أيْ كاسْتِجابَةِ الماءِ لِمَن مَدَّ يَدَيْهِ إلَيْهِ يَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَبْلُغَ فاهُ، والماءُ جَمادٌ لا يَشْعُرُ بِبَسْطِ كَفَّيْهِ ولا بِظَمَئِهِ وحاجَتِهِ إلَيْهِ، فَلا يَقْدِرُ أنْ يُجِيبَ دُعاءَهُ ويَبْلُغَ فاهُ، وكَذَلِكَ ما يَدْعُونَهُ، جَمادٌ لا يَحِسُّ بِدُعائِهِمْ ولا يَسْتَطِيعُ إجابَتَهم ولا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِهِمْ!. والغَرَضُ نَفْيُ الِاسْتِجابَةِ عَلى القَطْعِ بِتَصْوِيرِ أنَّهم أحْوَجُ ما يَكُونُونَ إلَيْها لِتَحْصِيلِ مَباغِيهِمْ؛ أخْيَبُ ما يَكُونُ أحَدٌ في سَعْيِهِ لِما هو مُضْطَرٌّ إلَيْهِ فَضْلًا عَنْ مُجَرَّدِ الحاجَةِ. وحاصِلُهُ: أنَّهُ شَبَّهَ آلِهَتَهم حِينَ اسْتِكْفائِهِمْ إيّاهم ما أهَمَّهم بِلِسانِ الِاضْطِرارِ في عَدَمِ الشُّعُورِ فَضْلًا عَنْ الِاسْتِطاعَةِ لِلِاسْتِجابَةِ، وبَقائِهِمْ لِذَلِكَ في الخُسْرانِ- بِحالِ ماءٍ بِمَرْأى مِن عَطْشانَ باسِطٍ كَفَّيْهِ إلَيْهِ يُنادِيهِ عِبارَةً وإشارَةً. فَهو لِذَلِكَ في زِيادَةِ ظَمَأٍ وشِدَّةِ خُسْرانٍ! والتَّشْبِيهُ عَلى هَذا مِنَ المُرَكَّبِ التَّمْثِيلِيِّ في الأصْلِ، أبْرَزُ في مَعْرِضِ التَّهَكُّمِ، حَيْثُ أثْبَتَ (p-٣٦٦٣)لِلْماءِ اسْتِجابَةً، زِيادَةً في التَّخْسِيرِ والتَّحْسِيرِ. فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ عامِّ المَصْدَرِ، أيْ: لا يَسْتَجِيبُونَ شَيْئًا مِن الِاسْتِجابَةِ، والضَّمِيرُ في (هُوَ) لِلْماءِ و(بالِغُهُ) لِلْفَمِ، وقِيلَ: الأوَّلُ لِلْباسِطِ والثّانِي لِلْماءِ. وبَسَطَ الكَفَّ: نَشَرَ الأصابِعَ مَمْدُودَةً كَما في قَوْلِهِ:
؎تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حَتّى لَوْ أنَّهُ أرادَ انْقِباضًا لَمْ تُطِعْهُ أنامِلُهُ
﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ﴾ أيْ: عِبادَتُهم والتِجاؤُهم لِآلِهَتِهِمْ ﴿إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في ضَياعٍ لا مَنفَعَةَ فِيهِ لِعَدَمِ إمْكانِ إجابَتِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
13:15Page 251
وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ۩ ١٥
And to Allāh prostrates whoever is within the heavens and the earth, willingly or by compulsion, and their shadows [as well] in the mornings and the afternoons.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ ] ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾
﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ إخْبارٌ عَنْ عَظَمَتِهِ تَعالى وسُلْطانِهِ الَّذِي قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ، بِأنَّهُ يَنْقادُ لِجَلالِهِ وإرادَتِهِ وتَصْرِيفِهِ المُكَوِّناتِ بِأسْرِها مِن أهْلِ المَلَأِ الأعْلى والأسْفَلِ، طائِعِينَ وكارِهِينَ لا يَقْدِرُونَ أنْ يَمْتَنِعُوا عَلَيْهِ، وكَذا تَنْقادُ لَهُ تَعالى ظِلالُهم حَيْثُ تَتَّصِفُ عَلى مَشِيئَتِهِ في الِامْتِدادِ والتَّقَلُّصِ والفَيْءِ (p-٣٦٦٤)والزَّوالِ!. وقَوْلُهُ ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ إمّا ظَرْفٌ لِـ (يَسْجُدُ) والباءُ بِمَعْنى (فِي) والمُرادُ بِهِما الدَّوامُ؛ لِأنَّهُ يَذْكُرُ مِثْلَهُ لِلتَّأْيِيدِ، وإمّا حالٌ مِنَ (الظِّلالِ) والمُرادُ ما ذُكِرَ. أوْ يُقالُ التَّخْصِيصُ؛ لِأنَّ امْتِدادَها وتَقَلُّصَها فِيهِما أظْهَرُ. هَذا ما جَرى عَلَيْهِ الأكْثَرُ في مَعْنى (السُّجُودِ) فَيَكُونُ اسْتِعارَةً لِلِانْقِيادِ المَذْكُورِ، أوْ مَجازًا مُرْسَلًا لِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِ مَعْناهُ؛ لِأنَّ الِانْقِيادَ مُطْلَقًا لازِمُ لِلسُّجُودِ.
وفِي (تَنْوِيرِ الِاقْتِباسِ): تَأْوِيلُ السُّجُودِ بِالصَّلاةِ والعِبادَةِ وجَعَلَ (طَوْعًا وكَرْهًا) نَشْرًا عَلى تَرْتِيبِ اللَّفِّ. قالَ (طَوْعًا) أهْلُ السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ لِأنَّ عِبادَتَهم بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ و(كَرْهًا) أهْلُ الأرْضِ؛ لِأنَّ عِبادَتَهم بِالمَشَقَّةِ، ثُمَّ قالَ: ويُقالُ (طَوْعًا) لِأهْلِ الإخْلاصِ و(كَرْهًا) لِأهْلِ النِّفاقِ. ثُمَّ قالَ: (وظِلالُهُمْ) يَعْنِي وظِلالُ مَن يَسْجُدُ لِلَّهِ أيْضًا، وتَسْجُدُ غَدْوَةً عَنْ أيْمانِهِمْ، وعَشِيَّةً عَنْ شَمائِلِهِمْ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ السُّجُودِ، فَإنَّ الكَفَرَةَ حالَ الِاضْطِرارِ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى (وكَرْهًا) يَخُصُّونَ السُّجُودَ بِهِ سُبْحانَهُ. قالَ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] ولا يَبْعُدُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في الظِّلالِ أفْهامًا وعُقُولًا بِها تَسْجُدُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، كَما خَلَقَها لِلْجِبالِ حَتّى اشْتَغَلَتْ بِالتَّسْبِيحِ وظَهَرَ فِيها آثارُ التَّجَلِّي كَما قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِسُجُودِها: ما يُشاهَدُ فِيها مِن هَيْئَةِ السُّجُودِ تَبَعًا لِأصْحابِها. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ اخْتِصاصَ سُجُودِ الكافِرِ، حالَةَ الضَّرُورَةِ والشِّدَّةِ، بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لا يُجْدِي، فَإنَّ سُجُودَهم لِأصْنامِهِمْ حالَةَ الرَّخاءِ مُخِلٌّ بِالقَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ، فالوَجْهُ حَمْلُ السُّجُودِ عَلى الِانْقِيادِ، ولِأنَّ تَحْقِيقَ انْقِيادِ الكُلِّ في الإبْداعِ، والإعْدامِ لَهُ تَعالى، أدْخَلُ في التَّوْبِيخِ عَلى اتِّخاذِ أوْلِياءَ مِن دُونِهِ مَعَ تَحْقِيقِ سُجُودِهِمْ لَهُ تَعالى. وتَخْصِيصُ انْقِيادِ العُقَلاءِ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِ غَيْرِهِمْ أيْضًا كَذَلِكَ لِأنَّهُمُ العُمْدَةُ. وانْقِيادُهم دَلِيلُ انْقِيادِ غَيْرِهِمُ. انْتَهى.
(p-٣٦٦٥)وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ٨٣] وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ [النحل: ٤٨] الآيَةَ.
تَنْبِيهٌ:
هَذِهِ السَّجْدَةُ مِن عَزائِمِ سُجُودِ التِّلاوَةِ، فَيُسَنُّ لِلْقارِئِ والمُسْتَمِعِ أنْ يَسْجُدَ عَقِبَ قِراءَتِهِ واسْتِماعِهِ لِهَذِهِ السَّجْدَةِ. كَذا في (اللُّبابِ).
13:16Page 251
قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ ١٦
Say, "Who is Lord of the heavens and earth?" Say, "Allāh." Say, "Have you then taken besides Him allies not possessing [even] for themselves any benefit or any harm?" Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Or is darkness equivalent to light? Or have they attributed to Allāh partners who created like His creation so that the creation [of each] seemed similar to them?"1 Say, "Allāh is the Creator of all things, and He is the One, the Prevailing."2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦ ] ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾
﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ خالِقُهُما ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أمْرٌ بِالجَوابِ مِن قِبَلِهِ ﷺ؛ إشْعارًا بِتَعَيُّنِهِ لِلْجَوابِ، فَهو والخَصْمُ في تَقْرِيرِهِ سَواءٌ. أوْ أمَرَهُ بِحِكايَةِ اعْتِرافِهِمْ؛ إيذانًا بِأنَّهُ أمْرٌ لا بُدَّ لَهم مِنهُ. كَأنَّهُ قِيلَ: احْكِ اعْتِرافَهُمْ، فَبَكَّتَهم بِما يَلْزَمُهم مِنَ الحُجَّةِ ﴿قُلْ﴾ أيْ: إلْزامًا لَهم وتَبْكِيتًا: ﴿أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ أيْ: أبَعْدَ أنْ عَلِمْتُمُوهُ رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ، عَبَدْتُمْ مِن دُونِهِ غَيْرَهُ، فَجَعَلْتُمْ ما كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ سَبَبَ التَّوْحِيدِ مِن عِلْمِكم وإقْرارِكم سَبَبَ الإشْراكِ؟ أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
﴿لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى نَفْعِ أنْفُسِهِمْ ولا عَلى دَفْعِ الضُّرِّ عَنْها، فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَهُ لِغَيْرِهِمْ؟! فَإذَنْ عِبادَتُهم مَحْضُ العَبَثِ والسَّفَهِ! ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ لِما بَيَّنَ ضَلالَهم وفَسادَ (p-٣٦٦٦)رَأْيِهِمْ في الحُجَّةِ المَذْكُورَةِ؛ بَيَّنَ أنَّ الجاهِلَ بِها يَكُونُ كالأعْمى، والعالِمَ بِها كالبَصِيرِ، والجَهْلَ بِمِثْلِها كالظُّلُماتِ، والعِلْمَ بِها كالنُّورِ. وكَما أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الأعْمى لا يُساوِي البَصِيرَ، والظُّلْمَةَ لا تُساوِي النُّورَ، كَذَلِكَ كُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الجاهِلَ بِهَذِهِ الحُجَّةِ لا يُساوِي العالِمَ بِها ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ أيْ: بَلْ أجَعَلُوا، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ صِفَةٌ لِـ (شُرَكاءَ) داخِلَةً في حُكْمِ الإنْكارِ ﴿فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: خَلْقُ اللَّهِ وخَلْقُهم. والمَعْنى: أنَّهم ما اتَّخَذُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خالِقِينَ مِثْلَهُ حَتّى يَتَشابَهَ عَلَيْهِمُ الخَلْقُ، فَيَقُولُوا هَؤُلاءِ خَلَقُوا كَما خَلَقَ اللَّهُ فاسْتَحَقُّوا العِبادَةَ كَما اسْتَحَقَّها، ولَكِنَّهُمُ اتَّخَذُوا شُرَكاءَ عاجِزِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الخَلْقُ، فَضْلًا عَمّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الخالِقُ.
قالَ النّاصِرُ: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ في سِياقِ الإنْكارِ، تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّ غَيْرَ اللَّهِ لا يَخْلُقُ خَلْقًا البَتَّةَ، لا بِطَرِيقِ المُشابَهَةِ والمُساواةِ لِلَّهِ، تَقَدَّسَ عَنِ التَّشْبِيهِ، ولا بِطَرِيقِ الِانْحِطاطِ والقُصُورِ، فَقَدْ كانَ يَكْفِي في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أنَّ الشُّرَكاءَ الَّتِي اتَّخَذُوها لا تَخْلُقُ مُطْلَقًا، ولَكِنْ جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَخَلْقِهِ﴾ تَهَكُّمٌ يَزِيدُ الإنْكارَ تَأْكِيدًا!.
﴿قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: لا خالِقَ غَيْرُ اللَّهِ، ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ في الخَلْقِ، فَلا يَكُونُ لَهُ شَرِيكٌ في العِبادَةِ! ﴿وهُوَ الواحِدُ﴾ أيِ: المُتَوَحِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ ﴿القَهّارُ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ، وما عَداهُ مَرْبُوبٌ ومَقْهُورٌ!.
ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى مَثَلَيْنِ لِلْحَقِّ في ثَباتِهِ وبَقائِهِ، والباطِلِ في اضْمِحْلالِهِ وفَنائِهِ بِقَوْلِهِ:
13:17Page 251
أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ ١٧
He sends down from the sky, rain, and valleys flow according to their capacity, and the torrent carries a rising foam. And from that [ore] which they heat in the fire, desiring adornments and utensils, is a foam like it. Thus Allāh presents [the example of] truth and falsehood. As for the foam, it vanishes, [being] cast off; but as for that which benefits the people, it remains on the earth. Thus does Allāh present examples.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧ ] ﴿أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾
﴿أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ المُزْنِ ﴿ماءً﴾ أيْ مَطَرًا ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ أيْ: (p-٣٦٦٧)بِمِقْدارِ مَلْئِها في الصِّغَرِ والكِبَرِ، أيْ: أخَذَ كُلُّ واحِدٍ بِحَسَبِهِ، فَهَذا كَبِيرٌ وسِعَ كَثِيرًا مِنَ الماءِ، وهَذا صَغِيرٌ وسِعَ بِقَدْرِهِ ﴿فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا﴾ أيْ: فَحَمَلَ ورَفَعَ، مِن قُوَّةِ الجَيَشانِ، زَبَدًا عالِيًا عَلى وجْهِ الماءِ: ﴿ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ﴾ أيْ: مِن نَحْوِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والنُّحاسِ، مِمّا يُسْبَكُ في النّارِ ﴿ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾ أيْ: طَلَبَ زِينَةٍ ﴿أوْ مَتاعٍ﴾ كالآوانِي وآلاتِ الحَرْبِ والحَرْثِ ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أيْ: مِثْلَ زَبَدِ السَّيْلِ. وهو خَبَثُهُ الَّذِي يَنْفِيهِ الكِيرُ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ أيْ مِثْلُهُما، أيْ: إذا اجْتَمَعا لا ثَباتَ لِلْباطِلِ ولا دَوامَ، كَما أنَّ الزَّبَدَ لا يَثْبُتُ مَعَ الماءِ ولا مَعَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ونَحْوِهِما، مِمّا يُسْبَكُ في النّارِ، بَلْ يَذْهَبُ ويَضْمَحِلُّ. وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ أيْ مَقْذُوفًا مَرْمِيًّا بِهِ، أيْ: فَلا يَنْتَفِعُ بِهِ، بَلْ يَتَفَرَّقُ ويَتَمَزَّقُ ويَذْهَبُ في جانِبَيِ الوادِي ويَعْلُقُ بِالشَّجَرِ وتَنْسِفُهُ الرِّياحُ. وكَذَلِكَ خَبَثُ ما يُوقَدُ عَلَيْهِ مِنَ المَعادِنِ يَذْهَبُ ولا يَرْجِعُ مِنهُ شَيْءٌ، ولا يَبْقى إلّا ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الماءِ والمَعْدِنِ كَما قالَ: ﴿وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَبْقى فِيها مُنْتَفَعًا بِهِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ أيْ: يُبَيِّنُ أمْثالَ الحَقِّ والباطِلِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قَدَّمْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ وأهْلِهِ، والباطِلِ وحِزْبِهِ، كَما ضَرَبَ الأعْمى والبَصِيرَ والظُّلُماتِ والنُّورَ مَثَلًا لَهُما. فَمَثَّلَ الحَقَّ وأهْلَهُ بِالماءِ الَّذِي يُنْزِلُهُ مِنَ السَّماءِ فَتَسِيلُ بِهِ أوْدِيَةُ النّاسِ، فَيَحْيَوْنَ بِهِ ويَنْفَعُهم بِأنْواعِ المَنافِعِ. وبِالمَعْدِنِ الَّذِي يَنْتَفِعُونَ بِهِ في صَوْغِ الحُلِيِّ مِنهُ واتِّخاذِ الأوانِي والآلاتِ المُخْتَلِفَةِ، وأنَّ ذَلِكَ ماكِثٌ في الأرْضِ باقٍ بَقاءً ظاهِرًا، يَثْبُتُ الماءُ في مَناقِعِهِ ويَسْلُكُ بَعْضُهُ في عُرُوقِ الأرْضِ إلى العُيُونِ والقِنى والآبارِ. وكَذَلِكَ المَعْدِنُ يَبْقى أزْمِنَةً مُتَطاوِلَةً. وشَبَّهَ الباطِلَ في سُرْعَةِ اضْمِحْلالِهِ ووَشْكِ زَوالِهِ وانْسِلاخِهِ عَنِ المَنفَعَةِ، بِزَبَدِ السَّيْلِ وخَبَثِ المَعْدِنِ، فَإنَّهُ -وإنْ عَلا وارْتَفَعَ وانْتَفَخَ- إلّا أنَّهُ أخِيرًا يَضْمَحِلُّ. (p-٣٦٦٨)وكَذَلِكَ الشُّبَهاتُ والتَّمْوِيهاتُ الزّائِفَةُ قَدْ تَقْوى وتَعْظُمُ، إلّا أنَّها في الآخِرَةِ تَبْطُلُ وتَضْمَحِلُّ وتَزُولُ، ويَبْقى الحَقُّ ظاهِرًا لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الشُّبَهاتِ؛ لِأنَّهُ لا بَقاءَ إلّا لِلنّافِعِ، وما تَصارَعَ الحَقُّ والباطِلُ، إلّا وفازَ الحَقُّ بِقَرْنِهِ...!
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى ﴿بِقَدَرِها﴾ صِفَةُ (أوْدِيَةٌ)، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ (سالَتْ) أوْ (أنْزَلَ). وقَرَأ عامَّةُ القُرّاءِ بِفَتْحِ الدّالِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأشْهَبُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، بِسُكُونِها.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿احْتَمَلَ﴾ [النساء: ١١٢] بِمَعْنى حَمَلَ، فالمَزِيدُ بِمَعْنى المُجَرَّدِ- كَذا قِيلَ. ويَظْهَرُ لِي: أنَّ إيثارَهُ عَلَيْهِ لِزِيادَةٍ في مَعْناهُ، وقُوَّةٍ في مَبْناهُ!.
الرّابِعُ: الأوْدِيَةُ جَمْعُ وادٍ، وهو مَفْرَجٌ بَيْنَ جِبالٍ أوْ تِلالٍ أوْ آكامٍ. والإسْنادُ إلَيْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، كَما في (جَرى النَّهْرُ).
قالَ السَّمِينُ: وإنَّما نَكَّرَ الأوْدِيَةَ وعَرَّفَ السَّيْلَ؛ لِأنَّ المَطَرَ يَنْزِلُ في البِقاعِ عَلى المُناوَبَةِ فَيَسِيلُ في بَعْضِ أوْدِيَةِ الأرْضِ دُونَ بَعْضٍ. وتَعْرِيفُ السَّيْلِ لِأنَّهُ قَدْ فُهِمَ مِنَ الفِعْلِ قَبْلَهُ وهو (فَسالَتْ)، وهو لَوْ ذُكِرَ لَكانَ نَكِرَةً. فَلَمّا أُعِيدَ أُعِيدَ بِلَفْظِ التَّعْرِيفَ نَحْوَ: رَأيْتُ رَجُلًا فَأكْرَمْتُ الرَّجُلَ. انْتَهى.
وأصْلُهُ لِأبِي حَيّانَ حَيْثُ قالَ: عَرَّفَ السَّيْلَ لِأنَّهُ عَنى بِهِ ما فُهِمَ مِنَ الفِعْلِ. والَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الفِعْلُ مِنَ المَصْدَرِ وإنْ كانَ نَكِرَةً، إلّا أنَّهُ إذا عادَ في الظّاهِرِ كانَ مَعْرِفَةً، كَما كانَ لَوْ صَرَّحَ بِهِ نَكِرَةً. وكَذا يُضْمَرُ إذا عادَ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ مِنَ المَصْدَرِ نَحْوَ: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ، أيِ الكَذِبُ. ولَوْ جاءَ هُنا مُضْمَرًا لَكانَ جائِزًا عائِدًا عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن (فَسالَتْ). وأوْرَدَ عَلَيْهِ: أنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَعْنِيَ بِهِ ما فُهِمَ مِنَ الفِعْلِ وهو حَدَثٌ، والمَذْكُورُ المُعَرَّفُ عَيْنٌ، فَإنَّ المُرادَ بِهِ الماءُ السّائِلُ؟ وأُجِيبَ: بِأنَّهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ.
قالَ الشِّهابُ: وهو غَيْرُ صَحِيحٍ، لا تَكَلُّفَ -كَما قِيلَ- لِأنَّ الِاسْتِخْدامَ أنْ يُذْكَرَ لَفْظٌ بِمَعْنًى ويُعادُ عَلَيْهِ ضَمِيرٌ بِمَعْنًى آخَرَ. سَواءٌ كانَ حَقِيقِيًّا أوْ مَجازِيًّا، وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأنَّ الأوَّلَ (p-٣٦٦٩)مَصْدَرٌ، أيْ حَدَثَ في ضِمْنِ الفِعْلِ، وهَذا اسْمُ عَيْنٍ ظاهِرٌ يَتَّصِفُ بِذَلِكَ الحَدَثِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ الِاسْتِخْدامُ؟ نَعَمْ، ما ذَكَرُوهُ أغْلَبِيٌّ لا مُخْتَصٌّ بِما ذُكِرَ، فَإنَّ مِثْلَ الضَّمِيرِ اسْمُ الإشارَةِ، وكَذا اسْمُ الظّاهِرِ كَما في قَوْلِ بَعْضِهِمْ:
؎أُخْتُ الغَزالَةِ إشْرافًا ومُلْتَفِتًا
فالحَقُّ أنَّهُ إنَّما عُرِّفَ لِكَوْنِهِ مَعْهُودًا مَذْكُورًا بِقَوْلِهِ ﴿أوْدِيَةٌ﴾ وإنَّما لَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِحَسَبِ الأصْلِ.
الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ﴾ جُمْلَةٌ أُخْرى مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى، لِضَرْبِ مَثَلٍ آخَرَ. و(زَبَدٌ) مُبْتَدَأٌ قُدِّمَ عَلَيْهِ خَبَرُهُ، (مِن) في (مِمّا) لِلِابْتِداءِ أيْ: نَشَأ مِنهُ، وجُوِّزَ كَوْنُها لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: هو بَعْضُهُ؛ ورَدَّهُ أبُو السُّعُودِ بِأنَّهُ يُخِلُّ بِالتَّمْثِيلِ. وقَوْلُهُ ﴿فِي النّارِ﴾ صِفَةٌ مُؤَسِّسَةٌ؛ لِأنَّ المُوقَدَ عَلَيْهِ يَكُونُ في النّارِ ومُلاصِقًا لَها، وقِيلَ: إنَّها مُؤَكِّدَةٌ. وقالَ أبُو السُّعُودِ: في زِيادَةِ النّارِ إشْعارٌ بِالمُبالَغَةِ في الِاعْتِمالِ لِلْإذابَةِ وحُصُولِ الزَّبَدِ. وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِإخْراجِهِ مِنَ الأرْضِ لِعَدَمِ دَخْلِ ذَلِكَ العُنْوانِ في التَّمْثِيلِ، كَما أنَّ لِعُنْوانِ إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ دَخَلًا فِيهِ حَسْبَما فُصِّلَ فِيما سَلَفَ، بَلْ لَهُ إخْلالٌ بِذَلِكَ. وسِرُّ التَّعْبِيرِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿ومِمّا يُوقِدُونَ﴾ إلَخِ، الإيجازُ بِجَمْعِهِ لِأنْواعِ المَعادِنِ مَعَ إظْهارِ الكِبْرِياءِ بِالتَّهاوُنِ بِها، كَأنَّ أشْرَفَ الجَواهِرِ خَسِيسٌ عِنْدَهُ تَعالى؛ إذا عَبَّرَ عَنْ سَبْكِهِ بِإيقادِ النّارِ بِهِ، المُشْعِرِ بِأنَّهُ كالحَطَبِ الخَسِيسِ، وصَوَّرَهُ بِحالَةٍ هي أحَطُّ حالاتِهِ. وهَذا لا يُنافِي كَوْنَهُ ضَرَبَ مَثَلًا لِلْحَقِّ. لِأنَّ مَقامَ الكِبْرِياءِ يَقْتَضِي التَّهاوُنَ بِهِ، مَعَ الإشارَةِ إلى كَوْنِهِ مَرْغُوبًا فِيهِ مُنْتَفَعًا بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ﴾ فَوَفّى كُلًّا مِنَ المَقامَيْنِ حَقَّهُ.
السّادِسُ: قَدَّمْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مَثَّلَهُما، وسِرُّ الحَذْفِ الإنْباءُ عَنْ إكْمالِ التَّماثُلِ بَيْنَ المُمَثِّلِ والمُمَثَّلِ بِهِ، كَأنَّ المَثَلَ المَضْرُوبَ عَيْنُ الحَقِّ والباطِلِ.
(p-٣٦٧٠)السّابِعُ: بَدَأ بِالزَّبَدِ في البَيانِ في قَوْلِهِ ﴿فَأمّا الزَّبَدُ﴾ وهو مُتَأخِّرٌ في الكَلامِ السّابِقِ؛ لِأنَّ في التَّقْسِيمِ يَبْدَأُ بِالمُؤَخَّرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] إلَخْ، وقَدْ راعى التَّرْتِيبَ فِيهِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ النُّكْتَةُ فِيهِ أنَّ الزَّبَدَ هو الظّاهِرُ المَنظُورُ أوَّلًا، وغَيْرُهُ باقٍ مُتَأخِّرٌ في الوُجُودِ لِاسْتِمْرارِهِ. والآيَةُ مِنَ الجَمْعِ والتَّقْسِيمِ عَلى ما فَصَّلَهُ الطِّيبِيُّ. كَذا في (العِنايَةِ).
الثّامِنُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ هَذا التَّمْثِيلِ وتَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ إمّا بِاعْتِبارِ ابْتِناءِ هَذا عَلى التَّمْثِيلِ الأوَّلِ؛ أوْ بِجَعْلِ ذَلِكَ إشارَةً إلَيْهِما. كَذا في أبِي السُّعُودِ.
التّاسِعُ: أشارَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ إلى كَثْرَةِ ضَرْبِ الأمْثالِ النّارِيَّةِ والمائِيَّةِ في التَّنْزِيلِ والسُّنَّةِ، قالَ:
وقَدْ ضَرَبَ سُبْحانَهُ وتَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ لِلْمُنافِقِينَ مَثَلَيْنِ -نارِيٌّ ومائِيٌّ- وهو قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩] الآيَةَ، وهَكَذا ضَرَبَ لِلْكافِرِينَ في سُورَةِ النُّورِ مَثَلَيْنِ أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ﴾ [النور: ٣٩] الآيَةَ، والسَّرابُ إنَّما يَكُونُ في شِدَّةِ الحَرِّ، ولِهَذا جاءَ في (الصَّحِيحَيْنِ): ««فَيُقالُ لِلْيَهُودِ يَوْمَ القِيامَةِ: فَما تُرِيدُونَ؟ فَيَقُولُونَ؟ أيْ رَبَّنا! عَطِشْنا فاسْقِنا. فَيُقالُ: ألا تَرِدُونَ؟ فَيَرِدُونَ (p-٣٦٧١)النّارَ، فَإذا هي كَسَرابٍ يُحَطِّمُ بَعْضُها بَعْضًا»» . ثُمَّ قالَ تَعالى في المَثَلِ الآخَرِ ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠] الآيَةَ، وفي (الصَّحِيحَيْنِ) عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ مَثَلَ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أصابَ أرْضًا، فَكانَ مِنها طائِفَةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ. وكانَتْ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا ورَعَوْا وسَقَوْا وزَرَعُوا. وأصابَتْ طائِفَةٌ مِنها أُخْرى، إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً! فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ اللَّهُ بِما بَعَثَنِي، ونَفَعَ بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، فَهَذا مَثَلُ الماءِ»» . وفي (مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««مَثَلِي ومَثَلُكم كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نارًا، فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ جَعَلَ الفِراشَ وهَذِهِ الدَّوابُّ الَّتِي يَقَعْنَ في النّارِ، يَقَعْنَ فِيها، وجَعَلَ يَحْجِزُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيها. قالَ: فَذَلِكم مَثَلِي ومَثَلُكم. أنا آخِذٌ بِحِجْزِكم عَنِ النّارِ، هَلُمَّ عَنِ النّارِ! فَتَغْلِبُونِي فَتَتَقَحَّمُونَ فِيها...»» وأخْرَجاهُ في (الصَّحِيحَيْنِ) أيْضًا. فَهَذا مَثَلٌ نارِيٌّ. انْتَهى.
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ شَأْنَ كُلٍّ مِنَ الحَقِّ والباطِلِ حالًا ومَآلًا، تَأثُّرَهُ بِبَيانِ حالِ أهْلِ كُلٍّ مِنهُما مَآلًا، تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، بِقَوْلِهِ:
13:18Page 251
لِلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُۥ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡحِسَابِ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٨
For those who have responded to their Lord is the best [reward], but those who did not respond to Him - if they had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby. Those will have the worst account, and their refuge is Hell, and wretched is the resting place.
(p-٣٦٧٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨ ] ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾ أيْ: لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ بِطاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، المَثُوبَةُ الحُسْنى كَما قالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فالحُسْنى مُبْتَدَأٌ قُدِّمَ عَلَيْهِ خَبَرُهُ المَوْصُولُ ﴿والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ وهُمُ الكَفَرَةُ ﴿لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ أيْ: بِما في الأرْضِ ومِثْلَهُ مَعَهُ مِن أصْنافِ الأمْوالِ؛ لِيَتَخَلَّصُوا عَمّا بِهِمْ. وفِيهِ مِن تَهْوِيلِ ما يَلْقاهم ما لا يُحِيطُ بِهِ البَيانُ، ولِأجْلِهِ عَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: ولِلَّذِينِ لَمْ يَسْتَجِيبُوا السُّوأى، كَما تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ﴾ أيْ: في الدّارِ الآخِرَةِ، فَيُناقَشُونَ عَلى الجَلِيلِ والحَقِيرِ ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ أيِ: المُسْتَقَرُّ. وفي قَوْلِهِ ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ إشْعارٌ بِتَفْسِيرِ الحُسْنى بِالجَنَّةِ؛ لِانْفِهامِها مِن مُقابَلَتِها.
13:19Page 252
۞ أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩
Then is he who knows that what has been revealed to you from your Lord is the truth like one who is blind? They will only be reminded who are people of understanding -
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩ ] ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾
﴿أفَمَن يَعْلَمُ﴾ أيْ يُصَدِّقُ ﴿أنَّما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ أيْ: كَمَن لا يَعْلَمُ ذَلِكَ، إلّا أنَّهُ أُرِيدَ تَقْبِيحُ حالِهِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالأعْمى ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ أيِ: العُقُولِ المُبَرَّأةِ عَنْ مُشايَعَةِ الإلْفِ ومُتابَعَةِ الوَهْمِ.
13:20Page 252
ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ ٢٠
Those who fulfill the covenant of Allāh and do not break the contract,
(p-٣٦٧٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠ ] ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِمّا كَلَّفَهم بِهِ ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ أيْ: ما وثَّقُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ وقَبِلُوهُ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ وغَيْرِهِ مِنَ المَواثِيقِ بَيْنَهم وبَيْنَ العِبادِ، وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلِاسْتِمْرارِ المَفْهُومِ مِن صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
13:21Page 252
وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلۡحِسَابِ ٢١
And those who join that which Allāh has ordered to be joined1 and fear their Lord and are afraid of the evil of [their] account,
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ ] ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾
﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ أيْ: مِن أرْحامِهِمْ وقَراباتِهِمْ وإخْوانِهِمُ المُؤْمِنِينَ، بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ عَلى حَسَبِ الطّاقَةِ، ونُصْرَتِهِمْ، والذَّبِّ عَنْهُمْ، والشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، والنَّصِيحَةِ لَهُمْ، وكَفِّ الأذى عَنْهم ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ لَهُ أوْ يَخافُونَ وعِيدَهُ فَلا يَعْصُونَهُ فِيما أمَرَ ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾
13:22Page 252
وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٢
And those who are patient, seeking the face [i.e., acceptance] of their Lord, and establish prayer and spend from what We have provided for them secretly and publicly and prevent evil with good - those will have the good consequence of [this] home1 -
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٢ ] ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾
﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أيْ: يَدْفَعُونَ بِالكَلامِ الحَسَنِ الكَلامَ السَّيِّئَ إذا خاطَبَهم بِهِ الجاهِلُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] الآيَةَ، أوْ يُتْبِعُونَ (p-٣٦٧٤)السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ لِتَمْحُوَها ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ أيْ: عاقِبَةُ الدُّنْيا وهي الجَنَّةُ لِأنَّها مَرْجِعُ أهْلِها. فَتَعْرِيفُ الدّارِ لِلْعَهْدِ.
13:23–24Page 252
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ ٢٣
Gardens of perpetual residence; they will enter them with whoever were righteous among their forefathers, their spouses and their descendants. And the angels will enter upon them from every gate, [saying],
سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٤
"Peace [i.e., security] be upon you for what you patiently endured." And excellent is the final home.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣ ] ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [ ٢٤ ] ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أيْ: آمَنَ ووَحَّدَ وعَمِلَ صالِحًا مِن هَؤُلاءِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي التَّقْيِيدِ بِالصَّلاحِ قَطْعٌ لِلْأطْماعِ الفارِغَةِ لِمَن يَتَمَسَّكُ بِمُجَرَّدِ حَبْلِ الأنْسابِ.
وأصْلُهُ لِلزَّجّاجِ حَيْثُ قالَ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ الأنْسابَ لا تَنْفَعُ إذا لَمْ يَحْصُلْ مَعَها أعْمالٌ صالِحَةٌ، بَلِ الآباءُ والأزْواجُ والذُّرِّيّاتُ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إلّا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وقُرِئَ -شاذًّا- بِضَمِّ لامِ (صَلُحَ). قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفَتْحُ أفْصَحُ.
﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences