Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:25–38
13:25Page 252
وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٢٥
But those who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and spread corruption on earth - for them is the curse, and they will have the worst home.1
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مَآلَ مُقابِلِ الفَرِيقِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٥ ] ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾
﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهِ بِهِ أنْ يُوصَلَ (p-٣٦٧٥)ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ أيْ: عَذابُ جَهَنَّمَ.
13:26Page 252
ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ ٢٦
Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]. And they rejoice in the worldly life, while the worldly life is not, compared to the Hereafter, except [brief] enjoyment.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦ ] ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلا مَتاعٌ﴾
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلا مَتاعٌ﴾ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] وتَنْكِيرُ (مَتاعٍ) لِلتَّقْلِيلِ كَما في آيَةِ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: ٧٧] وقالَ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧]
13:27Page 252
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ ٢٧
And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, [O Muḥammad], "Indeed, Allāh leaves astray whom He wills and guides to Himself whoever turns back [to Him] -
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٧ ] ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ كَقَوْلِهِمْ: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا غَيْرَ مَرَّةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ جُمْلَةٌ جَرَتْ مَجْرى التَّعَجُّبِ مِن قَوْلِهِمْ، مُشِيرَةً إلى أنَّهُ مِن بابِ العِنادِ والِاقْتِراحِ لِما لا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ الآياتِ المَحْسُوسَةِ الَّتِي لا يُمْهَلُ أحَدٌ بَعْدَ مَجِيئِها، لا مِن بابِ طَلَبِ الهِدايَةِ. وإلّا فَلَوْ كانَ بُغْيَتُهم طَلَبَ الهِدايَةِ بِآيَةٍ لَكَفاهم إنْزالُ هَذا الكِتابِ مِن مِثْلِهِ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، آيَةً، فَإنَّهُ آيَةُ الآياتِ...!. ولَكِنَّهم قَوْمٌ (p-٣٦٧٦)آثَرُوا الضَّلالَ عَلى الهُدى، زاغُوا عَنْهُ فَأزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم. فَطَوى ما دَلَّ عَلَيْهِ هَذِهِ الجُمْلَةُ؛ إيجازًا لِلْعِلْمِ بِها.
قالَ أبُو السُّعُودِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ إضْلالُهُ مَشِيئَةٌ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْها، أيْ يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ لِصَرْفِهِ اخْتِيارَهُ إلى تَحْصِيلِهِ، ويَدَعُهُ مُنْهَمِكًا فِيهِ؛ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يَنْجَعُ فِيهِ اللُّطْفُ ولا يَنْفَعُهُ الإرْشادُ، كَمَن كانَ عَلى صِفَتِكم في المُكابَرَةِ والعِنادِ، والغُلُوِّ في الفَسادِ. فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى الِاهْتِداءِ، ولَوْ جاءَتْهُ كُلُّ آيَةٍ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ أيْ: أقْبَلَ إلى الحَقِّ، وتَأمَّلَ في تَضاعِيفِ ما نَزَلَ مِن دَلائِلِهِ الواضِحَةِ. وحَقِيقَةُ الإنابَةِ الدُّخُولُ في نَوْبَةِ الخَيْرِ. وإيثارُ إيرادِها في الصِّلَةِ عَلى إيرادِ المَشِيئَةِ، كَما في الصِّلَةِ الأُولى؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الدّاعِي إلى الهِدايَةِ بَلْ إلى مَشِيئَتِها، والإشْعارِ بِما دَعا إلى المَشِيئَةِ الأُولى المُكابَرَةِ. وفِيهِ حَثٌّ لِلْكَفَرَةِ عَلى الإقْلاعِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ والعِنادِ. وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلْإيماءِ إلى اسْتِدْعاءِ الهِدايَةِ لِسابِقَةِ الإنابَةِ، كَما أنَّ إيثارَ صِيغَةِ المُضارِعِ في الصِّلَةِ الأُولى لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ المَشِيئَةِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ مُكابَرَتِهِمُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى:
13:28Page 252
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ ٢٨
Those who have believed and whose hearts are assured by the remembrance of Allāh. Unquestionably, by the remembrance of Allāh hearts are assured."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨ ] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَدَلٌ مِن (مَن أنابَ) أيْ: آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وكِتابِهِ ﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ تَسْكُنُ وتَخْشى عِنْدَ ذِكْرِهِ، وتَرْضى بِهِ مَوْلًى ونَصِيرًا. والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ دَوامِ الِاطْمِئْنانِ واسْتِمْرارِهِ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ أيْ: بِذِكْرِهِ دُونَ غَيْرِهِ تَسْكُنُ القُلُوبُ أُنْسًا بِهِ، واعْتِمادًا عَلَيْهِ، ورَجاءً مِنهُ. وقَدَّرَ بَعْضُهم مُضافًا، أيْ بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ ومَغْفِرَتِهِ، أوْ بِذِكْرِ دَلائِلِهِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ. ورَأى آخَرُونَ أنَّ المُرادَ (p-٣٦٧٧)﴿بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يُسَمّى ذِكْرًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْـزَلْناهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠] وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَـزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] لِأنَّهُ آيَةٌ بَيِّنَةٌ تُسْكِنُ القُلُوبَ، وتُثَبِّتُ اليَقِينَ فِيها. وهَذا المَعْنى يُناسِبُ قَوْلَهُ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧] أيْ: هَؤُلاءِ يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ آيَةً، والمُؤْمِنُونَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ أعْظَمُ آيَةٍ تَطْمَئِنُّ لَها قُلُوبُهم بِبَرْدِ اليَقِينِ. قالَ الشِّهابُ: وهو أنْسَبُ الوُجُوهِ.
13:29Page 253
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمۡ وَحُسۡنُ مَـَٔابٖ ٢٩
Those who have believed and done righteous deeds - a good state is theirs and a good return.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩ ] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾ المَوْصُولُ إمّا مُبْتَدَأٌ، و﴿طُوبى لَهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ ثانٍ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ الأوَّلِ، وإمّا خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ هُمْ، وإمّا بَدَلٌ مِن ﴿أنابَ﴾ [الرعد: ٢٧] وجُمْلَةُ ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ دُعائِيَّةٌ أوْ خَبَرِيَّةٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (طُوبى) مَصْدَرٌ مِن (طابَ) كَبُشْرى وزُلْفى. ومَعْنى (طُوبى لَكَ) أصَبْتَ خَيْرًا وطَيِّبًا، ومَحَلُّها النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ.كَقَوْلِكَ: طَيِّبًا لَكَ، وطَيِّبٌ لَكَ، وسَلامًا لَكَ وسَلامٌ لَكَ. والقِراءَةُ في قَوْلِهِ " وحُسْنُ مَآبٍ" بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ تَدُلُّكَ عَلى مَحَلَّيْها. واللّامُ في ﴿لَهُمْ﴾ لِلْبَيانِ مِثْلَها في (سُقْيًا لَكَ)، والواوُ في (طُوبى) مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ، لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. قالَ ثَعْلَبٌ: قُرِئَ ((طُوبًى لَهُمْ)) بِالتَّنْوِينِ.
قالَ الفاسِيُّ: ومَن نَوَّنَ ﴿طُوبى﴾ جَعَلَهُ مَصْدَرًا بِغَيْرِ ألِفٍ، كَسُقْيا. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها كَلِمَةٌ أعْجَمِيَّةٌ، وفي (لِسانِ العَرَبِ) عَنْ قَتادَةَ، أنَّها كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ، تَقُولُ العَرَبُ: طُوبى لَكَ إنْ فَعَلْتْ كَذا وكَذا، وأنْشَدَ:
؎طُوبى لِمَن يَسْتَبْدِلُ الطَّوْدَ بِالقُرى ورِسْلًا بِيَقْطِينِ العِراقِ وفُومِها
الرِّسْلُ: اللَّبَنُ، والطَّوْدُ: الجَبَلُ، والفُومُ: الخُبْزُ والحِنْطَةُ. كَذا في (تاجِ العَرُوسِ).
13:30Page 253
كَذَٰلِكَ أَرۡسَلۡنَٰكَ فِيٓ أُمَّةٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهَآ أُمَمٞ لِّتَتۡلُوَاْ عَلَيۡهِمُ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ قُلۡ هُوَ رَبِّي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ مَتَابِ ٣٠
Thus have We sent you to a community before which [other] communities have passed on so you might recite to them that which We revealed to you, while they disbelieve in the Most Merciful. Say, "He is my Lord; there is no deity except Him. Upon Him I rely, and to Him is my return."
(p-٣٦٧٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠ ] ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾
﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: لِتُبَلِّغَهم هَذا الوَحْيَ العَظِيمَ والذِّكْرَ الحَكِيمَ، كَما بَلَّغَ مَن خَلا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ أُمَمَهم. وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، أيْ: يَكْفُرُونَ بِالبَلِيغِ الرَّحْمَةَ، الَّذِي وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، والعُدُولُ إلى المَظْهَرِ الدّالِّ عَلى الرَّحْمَةِ، إشارَةٌ إلى أنَّ الإرْسالَ ناشِئٌ مِنها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وإلى أنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا نِعْمَةَ هَذا الوَحْيِ الَّذِي هو مَدارُ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، وإلى أنَّ الرَّحْمَنَ مِن أسْمائِهِ الحُسْنى ونُعُوتِهِ العُلْيا، وقَدْ كانُوا يَتَجافَوْنَ هَذا الِاسْمَ الكَرِيمَ. ولِهَذا لَمْ يَرْضَوْا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أنْ يَكْتُبُوا (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وقالُوا: ما نَدْرِي ما الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ؟ كَما في الصَّحِيحِ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] وفي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: ««أحَبُّ الأسْماءِ إلى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ»» .
﴿قُلْ هُوَ﴾ أيِ: الرَّحْمَنُ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ وأنْكَرْتُمْ مَعْرِفَتَهُ: ﴿رَبِّي لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾ أيْ: تَوْبَتِي وإنابَتِي. فَإنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ غَيْرُهُ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى عَظَمَةِ هَذا الوَحْيِ وتَفْضِيلِهِ عَلى ما سِواهُ بِقَوْلِهِ:
13:31Page 253
وَلَوۡ أَنَّ قُرۡءَانٗا سُيِّرَتۡ بِهِ ٱلۡجِبَالُ أَوۡ قُطِّعَتۡ بِهِ ٱلۡأَرۡضُ أَوۡ كُلِّمَ بِهِ ٱلۡمَوۡتَىٰۗ بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ أَفَلَمۡ يَاْيۡـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوۡ تَحُلُّ قَرِيبٗا مِّن دَارِهِمۡ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ وَعۡدُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٣١
And if there was any Qur’ān [i.e., recitation] by which the mountains would be removed or the earth would be broken apart or the dead would be made to speak,1 [it would be this Qur’ān], but to Allāh belongs the affair entirely. Then have those who believed not accepted that had Allāh willed, He would have guided the people, all of them? And those who disbelieve do not cease to be struck, for what they have done, by calamity - or it will descend near their home - until there comes the promise of Allāh. Indeed, Allāh does not fail in [His] promise.
(p-٣٦٧٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١ ] ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾
﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا﴾ أيْ قُرْآنًا ما ﴿سُيِّرَتْ بِهِ﴾ أيْ: بِإنْزالِهِ أوْ بِتِلاوَتِهِ ﴿الجِبالُ﴾ أيْ أذْهَبَتْ عَنْ مَقارِّها، وزَعْزَعَتْ عَنْ أماكِنِها ﴿أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ أيْ: شُقِّقَتْ حَتّى تَتَصَدَّعَ وتَصِيرَ قِطَعًا ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ أيْ خُوطِبَتْ بَعْدَ أنْ أُحْيِيَتْ بِتِلاوَتِهِ عَلَيْها، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ؛ لِكَوْنِهِ غايَةً في الهِدايَةِ والتَّذْكِيرِ، ونِهايَةً في الإنْذارِ والتَّخْوِيفِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فالقَصْدُ بَيانُ عِظَمِ شَأْنِ القُرْآنِ وفَسادِ رَأْيِ الكَفَرَةِ حَيْثُ لَمْ يَقْدِرُوا قَدْرَهُ العَلِيَّ ولَمْ يَعُدُّوهُ مِن قَبِيلِ الآياتِ، فاقْتَرَحُوا غَيْرَهُ مِمّا أُوتِيَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ. وقَدَّرَ الزَّجّاجُ الجَوابَ (لَمّا آمَنُوا بِهِ) كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّنا نَـزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ [الأنعام: ١١١] الآيَةَ، وعَلَيْهِ فالقَصْدُ بَيانُ غُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ وتَمادِيهِمْ في الضَّلالِ والفَسادِ.
ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ؛ أنَّ الجَوابَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وفِيهِ بُعْدٌ وتَكَلُّفٌ. وأشارَ بَعْضُهم إلى أنَّ مُرادَهُ أنَّها دَلِيلُ الجَوابِ، والتَّذْكِيرُ في (كَلَّمَ) لِتَغْلِيبِ المُذَكَّرِ مِنَ المَوْتى عَلى غَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ أيْ: لَهُ الأمْرُ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ فَلَكُ الأكْوانِ وُجُودًا وعَدَمًا، يَفْعَلُ ما يَشاءُ، ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ لِما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ، وهو إضْرابٌ عَمّا تَضَمَّنَتْهُ (لَوْ) مِن مَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لَوْ أنَّ قُرْآنًا فُعِلَ بِهِ ما ذَكَرَ لَكانَ هَذا القُرْآنَ، (p-٣٦٨٠)ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ، بَلْ فَعَلَ ما عَلَيْهِ الشَّأْنُ الآنَ؛ لِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لَهُ وحْدَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ الزَّجّاجِ السّالِفِ، فالإضْرابُ مُتَوَجِّهٌ إلى ما سَلَفَ مِنِ اقْتِراحِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ في العِنادِ عَلى ما شَرَحَ. أيْ: فَلَيْسَ لَهم ذَلِكَ بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا، إنْ شاءَ أتى بِما اقْتَرَحُوا وإنْ شاءَ لَمْ يَأْتِ بِهِ حَسْبَما تَسْتَدْعِيهِ الحِكْمَةُ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ تَحَكُّمٌ أوِ اقْتِراحٌ. كَذا في أبِي السُّعُودِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ أيْ: أفَلَمْ يَعْلَمْ ويَتَبَيَّنْ كَقَوْلِهِ:
؎ألَمْ يَيْأسِ الأقْوامُ أنِّي أنا ابْنُهُ وإنْ كُنْتُ عَنْ أرْضِ العَشِيرَةِ نائِيًا
وقَوْلِهِ:
؎أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ
أيْ: ألَمْ تَعْلَمُوا! ويُيَسِّرُونَنِي مِن إيسارِ الجَزُورِ، أيْ يَقْسِمُونَنِي، ويُرْوى: يَأْسِرُونَنِي مِنَ (الأسْرِ). أيْ: أفَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ هِدايَتَهم لَهَداهم؛ لِأنَّ الأمْرَ لَهُ. ولَكِنْ قَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ يَكُونَ بِناءَ التَّكْلِيفِ عَلى الِاخْتِيارِ.
﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مِن أهْلِ مَكَّةَ ﴿تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما صَنَعُوهُ مِنَ الكُفْرِ والتَّمادِي فِيهِ، وعَدَمِ بَيانِهِ لِتَهْوِيلِهِ أوِ اسْتِهْجانِهِ. والقارِعَةُ: الدّاهِيَةُ الَّتِي تَقْرَعُ وتُقْلِقُ، يَعْنِي: ما كانَ يُصِيبُهم مِن أنْواعِ البَلايا والمَصائِبِ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ (p-٣٦٨١)والنَّهْبِ والسَّلْبِ ﴿أوْ تَحُلُّ﴾ أيْ: تِلْكَ القارِعَةُ ﴿قَرِيبًا﴾ أيْ: مَكانًا قَرِيبًا ﴿مِن دارِهِمْ﴾ فَيَفْزَعُونَ مِنها ويَتَطايَرُ إلَيْهِمْ شَرَرُها ﴿حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾ أيْ: فَتْحُ مَكَّةَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ أيْ: لا يَنْقُضُ وعْدَهُ لِرُسُلِهِ بِالنُّصْرَةِ لَهم ولِأتْباعِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو حَمْلُ " الَّذِينَ كَفَرُوا" عَلى جَمِيعِ الكُفّارِ، أيْ: لا يَزالُونَ، بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، تُصِيبُهُمُ القَوارِعُ في الدُّنْيا، أوْ تُصِيبُ مَن حَوْلَهم لِيَعْتَبِرُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤]
13:32Page 253
وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَمۡلَيۡتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢
And already were [other] messengers ridiculed before you, and I extended the time of those who disbelieved; then I seized them, and how [terrible] was My penalty.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٢ ] ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾
﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أمْهَلْتُهم وتَرَكْتُهم مِلاوَةً مِنَ الزَّمَنِ، في أمْنٍ ودَعَةٍ، كَما يُمْلى لِلْبَهِيمَةِ في المَرْعى: ﴿ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ: عِقابِي إيّاهم. وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَظاعَتِهِ ما لا يَخْفى. والآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا لَقِيَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاقْتِراحِ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ، ووَعِيدٌ لَهم.
13:33Page 253
أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣
Then is He who is a maintainer of every soul, [knowing] what it has earned, [like any other]? But to Allāh they have attributed partners. Say, "Name them. Or do you inform Him of that1 which He knows not upon the earth or of what is apparent [i.e., alleged] of speech?"2 Rather, their [own] plan has been made attractive to those who disbelieve, and they have been averted from the way. And whomever Allāh sends astray - there will be for him no guide.
(p-٣٦٨٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ ] ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾
﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ أيْ: مُراقِبٌ لِأحْوالِها ومُشاهِدٌ لَها، لا يَخْفى عَلَيْهِ ما تَكْسِبُهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. فَهو مُجازٍ؛ لِأنَّ القائِمَ عَلى الشَّيْءِ عالِمٌ بِهِ، ولِذا يُقالُ: وقَفَ عَلَيْهِ، إذا عَلِمَهُ فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ. وإنَّما حُذِفَ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ أيْ: عَبَدُوها مَعَهُ مِن أصْنامٍ وأنْدادٍ وأوْثانٍ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ تَبْكِيتٌ لَهم إثْرَ تَبْكِيتٍ، أيْ: سَمُّوهم مَن هُمْ، وماذا أسْماؤُهُمْ؟ فَإنَّهم لا حَقِيقَةَ لَهُمْ! أوْ صِفُوهم وانْظُرُوا هَلْ لَهم ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ العِبادَةَ ويَسْتَأْهِلُونَ الشَّرِكَةَ؟
وقالَ الرّازِيُّ: إنَّما يُقالُ ذَلِكَ في الأمْرِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي بَلَغَ في الحَقارَةِ إلى ألّا يُذْكَرَ ولا يُوضَعَ لَهُ اسْمٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقالُ: سَمِّهِ إنْ شِئْتَ، يَعْنِي: أنَّهُ أخَسُّ مَن يُسَمّى ويُذْكَرُ، ولَكِنَّكَ إنْ شِئْتَ أنْ تَضَعَ لَهُ اسْمًا فافْعَلْ. فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: سَمُّوهم بِالآلِهَةِ، عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والمَعْنى: سَواءٌ سَمَّيْتُمُوهم بِهَذا الِاسْمِ أوْ لَمْ تُسَمُّوهم بِهِ، فَإنَّها في الحَقارَةِ بِحَيْثُ لا تَسْتَحِقُّ أنْ يَلْتَفِتَ العاقِلُ إلَيْها.
﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِشُرَكاءَ لا يَعْلَمُهم سُبْحانَهُ. وإذا كانَ لا يَعْلَمُهُمْ، وهو عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا كانَ ومِمّا يَكُونُ، فَهم لا حَقِيقَةَ لَهم. فَهو نَفْيٌ لَهم بِنَفْيٍ لازَمَهم عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ.
قالَ النّاصِرُ: وحَقِيقَةُ هَذا النَّفْيِ أنَّهم لَيْسُوا بِشُرَكاءَ وأنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُهم كَذَلِكَ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ، وإنْ كانَتْ لَهم ذَواتٌ ثابِتَةٌ يَعْلَمُها اللَّهُ، إلّا أنَّها مَرْبُوبَةٌ حادِثَةٌ لا آلِهَةٌ مَعْبُودَةٌ. ولَكِنَّ (p-٣٦٨٣)مَجِيءَ النَّفْيِ عَلى هَذا السَّنَنِ المَتْلُوِّ بَدِيعٌ لا تَكْتَنِهُ بَلاغَتُهُ وبَراعَتُهُ. ولَوْ أتى الكَلامُ عَلى الأصْلِ غَيْرَ مُحَلًّى بِهَذا التَّصْرِيفِ البَدِيعِ لَكانَ: وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ وما هم بِشُرَكاءَ. فَلَمْ يَكُنْ بِهَذا المَوْقِعِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ التِّلاوَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ: بَلْ أتُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِذَلِكَ حَقِيقَةٌ، كَتَسْمِيَةِ الزِّنْجِيِّ كافُورًا مِن غَيْرِ بَياضٍ فِيهِ ولا رائِحَةٍ طَيِّبَةٍ، لِفَرْطِ الجَهْلِ وسَخافَةِ العَقْلِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ [يوسف: ٤٠] وعَنِ الضَّحّاكِ: إنَّ الظّاهِرَ بِمَعْنى الباطِلِ، كَقَوْلِهِ:
؎وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ
تَنْبِيهٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا الِاحْتِجاجُ وأسالِيبُهُ العَجِيبَةُ الَّتِي ورَدَ عَلَيْها، مُنادٍ عَلى نَفْسِهِ بِلِسانٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ؛ أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ لِمَن عَرَفَ وأنْصَفَ مِن نَفْسِهِ.
قالَ شارِحُوهُ: فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ لِما كانَ كافِيًا في هَدْمِ قاعِدَةِ الإشْراكِ مَعَ السّابِقِ واللّاحِقِ وما ضَمِنَ مِن زِياداتِ النُّكَتِ، وكانَ إبْطالًا مِن طَرِيقِ حَقٍّ، مُذَيَّلًا بِإبْطالٍ مِن طَرَفِ النَّقِيضِ عَلى مَعْنى: لَيْتَهم إذْ أشْرَكُوا بِمَن لا يَجُوزُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، أشْرَكُوا مَن يُتَوَهَّمُ فِيهِ ذَلِكَ أدْنى تَوَهُّمٍ، ورُوعِيَ فِيهِ أنَّهُ لا أسْماءَ لِلشُّرَكاءِ ولا حَقِيقَةَ لَها فَضْلًا عَنِ المُسَمّى عَلى الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ. ثُمَّ بُولِغَ بِأنَّها لا تَسْتَأْهِلُ أنْ يُسْألَ عَنْها عَلى الكِنايَةِ التَّلْوِيحِيَّةِ اسْتِدْلالًا بِنَفْيِ العِلْمِ عَنْ نَفْيِ المَعْلُومِ. ثُمَّ مِنهُ إلى عَدَمِ الِاسْتِئْهالِ مَعَ التَّوْبِيخِ، وتَقْدِيرِ أنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يُنْبِئُوا عالِمَ السِّرِّ والخَفِيّاتِ بِما لا يَعْلَمُهُ وهو مُحالٌ عَلى مُحالٍ وفي جَعْلِ اتِّخاذِهِمْ شُرَكاءَ، (p-٣٦٨٤)ومُجادِلَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنْباءً لَهُ تَعالى؛ نُكْتَةٌ بَلْ نُكَتٌ سِرِّيَّةٌ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: قَدْ بَيَّنَ الشَّمْسَ لِذِي عَيْنَيْنِ، وما تِلْكَ التَّسْمِيَةُ إلّا بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ لا طائِلَ تَحْتَهُ بَلْ هو صَوْتٌ فارِغٌ.
فَمَن تَأمَّلَ حَقَّ التَّأمُّلِ، اعْتَرَفَ بِأنَّهُ كَلامُ خالِقِ القُوى والقُدَرِ، الَّذِي تَقِفُ دُونَ أسْتارِ أسْرارِهِ أفْهامُ البَشَرِ...!
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ إضْرابٌ عَنْ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ. كَأنَّهُ قِيلَ: دَعْ ذِكْرَ ما كُنّا فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ؛ لِأنَّهُ زَيَّنَ لَهم كُفْرَهم ومَكْرَهُمْ، فَلا يَنْتَفِعُونَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ أيْ: عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وقُرِئَ: بِفَتْحِ الصّادِ أيْ: صَدُّوا النّاسَ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ: يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، أوْ يَخْذُلُهُ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ أيْ: مِن أحَدٍ يَهْدِيهِ.
13:34Page 253
لَّهُمۡ عَذَابٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَقُّۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٣٤
For them will be punishment in the life of [this] world, and the punishment of the Hereafter is more severe. And they will not have from Allāh any protector.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٤ ] ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾
﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو ما نالَهم عَلى أيْدِي المُؤْمِنِينَ، أوْ ما فِيهِ مِن عَذابِ الحِيرَةِ والضِّلَّةِ. فَإنَّ نَفْسَ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ في نَكَدٍ مُسْتَمِرٍّ وداءٍ دَوِيٍّ لا بُرْءَ لَهُ إلّا الإيمانُ، كَما فَصَّلَ في مَوْضِعٍ آخَرَ. ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ أيْ: مِن عَذابِ الدُّنْيا كَمًّا وكَيْفًا ﴿وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أيْ: حافِظٍ يَعْصِمُهم مِن عَذابِهِ.
13:35Page 254
۞ مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ٣٥
The example [i.e., description] of Paradise, which the righteous have been promised, is [that] beneath it rivers flow. Its fruit is lasting, and its shade. That is the consequence for the righteous, and the consequence for the disbelievers is the Fire.
(p-٣٦٨٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٥ ] ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾
﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾
فِي الآيَةِ وُجُوهٌ مِنَ الإعْرابِ:
(الأوَّلُ): أنَّ (مَثَلُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيما يُقَصُّ ويُتْلى عَلَيْكم صِفَةُ الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ (تَجْرِي) مُفَسِّرَةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (وُعِدَ) أيْ: وعَدَها مُقَدِّرًا جَرَيانَ أنْهارِها. وهَذا الوَجْهُ سالِمٌ مِنَ التَّكَلُّفِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيجازِ والإجْمالِ والتَّفْصِيلِ. وقُدِّرَ الخَبَرُ فِيهِ مُقَدَّمًا لِطُولِ ذَيْلِ المُبْتَدَأِ، أوْ لِئَلّا يَفْصِلَ بِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُفَسِّرُهُ، أوْ ما هو كالمُفَسِّرِ لَهُ.
(الثّانِي): أنَّ خَبَرَهُ (تَجْرِي) -عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ: صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ- قِيلَ: هو غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ مَعْنًى؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الأنْهارَ في صِفَةِ الجَنَّةِ، وهي فِيها، لا في صِفَتِها. مَعَ تَأْنِيثِ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المَثَلِ حَمْلًا عَلى المَعْنى.
(الثّالِثُ): أنَّ ثَمَّةَ مَوْصُوفًا مَحْذُوفًا، أيْ: مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وقَوْلُهُ (وظِلُّها) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ: كَذَلِكَ.
13:36Page 254
وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَۖ وَمِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ مَن يُنكِرُ بَعۡضَهُۥۚ قُلۡ إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشۡرِكَ بِهِۦٓۚ إِلَيۡهِ أَدۡعُواْ وَإِلَيۡهِ مَـَٔابِ ٣٦
And [the believers among] those to whom We have given the [previous] Scripture rejoice at what has been revealed to you, [O Muḥammad], but among the [opposing] factions are those who deny part of it [i.e., the Qur’ān]. Say, "I have only been commanded to worship Allāh and not associate [anything] with Him. To Him I invite, and to Him is my return."
(p-٣٦٨٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦ ] ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ﴾
﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ لِأنَّهُ يَحْصُلُ لَهم بِهِ مِنَ المَعانِي والدَّلائِلِ وكَشْفِ الشُّبُهاتِ ما لَمْ يَحْصُلْ لَهم مِن تِلْكَ الكُتُبِ السّالِفَةِ. قِيلَ: عَنى بِهِمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، فَإنَّهم يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ؛ لِما يَرَوْنَ فِيهِ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى حَقِّيَّتِهِ الَّتِي لا يُمْتَرى فِيها، ومِنَ المَعارِفِ والمَزايا الباهِرَةِ الَّتِي لا تُحْصى، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] ﴿ومِنَ الأحْزابِ﴾ يَعْنِي بَقِيَّةَ أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ ﴿مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ وهو ما يُخالِفُ مُعْتَقَدَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ (بِالمَوْصُولِ) مَن يَفْرَحُ بِهِ مِنهم لِمُجَرَّدِ تَصْدِيقِهِ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وتَعْظِيمِهِ لَهُ وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا. وبِـ (الأحْزابِ) المُشْرِكُونَ، خاصَّةً المُنْكِرِينَ لِما فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ. ولِذا أمَرَ بِرَدِّ إنْكارِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو﴾ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ ﴿وإلَيْهِ مَآبِ﴾ أيْ: مَرْجِعِي لِلْجَزاءِ، لا إلى غَيْرِهِ.
13:37Page 254
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا وَاقٖ ٣٧
And thus We have revealed it as an Arabic legislation.1 And if you should follow their inclinations after what has come to you of knowledge, you would not have against Allāh any ally or any protector.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٧ ] ﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾
﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ أيْ: حاكِمًا بِالحَقِّ، أوْ حِكْمَةً عَرَبِيَّةً: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ (p-٣٦٨٧)أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ أيْ: لَئِنْ تابَعْتَهم عَلى دِينٍ، ما هو إلّا أهْواءٌ بَعْدَ ثُبُوتِ العِلْمِ عِنْدَكَ بِالبَراهِينِ والحُجَجِ؛ فَلا يَنْصُرُكَ ناصِرٌ ولا يَقِيكَ واقٍ. وهَذا مِن بابِ الإلْهابِ والتَّهْيِيجِ والبَعْثِ لِلسّامِعِينَ عَلى الثَّباتِ في الدِّينِ والتَّصَلُّبِ، وأنْ لا يَزِلَّ زالٌّ عِنْدَ الشُّبْهَةِ بَعْدَ اسْتِمْساكِهِ بِالحُجَّةِ. وإلّا فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن شِدَّةِ الشَّكِيمَةِ بِمَكانٍ -كَذا في (الكَشّافِ).
13:38Page 254
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ ٣٨
And We have already sent messengers before you and assigned to them wives and descendants. And it was not for a messenger to come with a sign except by permission of Allāh. For every term is a decree.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨ ] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ أيْ: مِثْلَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ وغَيْرِهِمْ، وهو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَكانَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ كَما قالُوا: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧] وإعْلامٌ بِأنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ كَثِيرٍ مِنَ الرُّسُلِ، فَما جازَ في حَقِّهِمْ لِمَ لا يَجُوزُ في حَقِّهِ؟ وقَدْ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما صَحَّ لَهُ ولا اسْتَقامَ ولَمْ يَكُنْ في وُسْعِهِ أنْ يَأْتِيَ بِما يُقْتَرَحُ عَلَيْهِ، إلّا بِإرادَتِهِ تَعالى في وقْتِهِ؛ لِأنَّ الآياتِ مُعَيَّنَةٌ بِإزاءِ الأوْقاتِ الَّتِي تَحْدُثُ فِيها، مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ وتَبَدُّلٍ وتَقَدُّمٍ وتَأخُّرٍ. فَأمْرُها مَنُوطٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ أمْرُ الكائِناتِ ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ أيْ لِكُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أمْرٌ مَكْتُوبٌ، مُقَدَّرٌ مُعَيَّنٌ أوْ مَفْرُوضٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى الخَلْقِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، فالشَّرائِعُ مُعَيَّنَةٌ عِنْدَ اللَّهِ بِحَسَبِ الأوْقاتِ، في كُلِّ وقْتٍ يَأْتِي، بِما هو صَلاحُ ذَلِكَ الوَقْتِ، رَسُولٌ مِن عِنْدِهِ. وكَذا جَمِيعُ الحَوادِثِ مِنَ الآياتِ (p-٣٦٨٨)وغَيْرِها، فَلَيْسَ الأمْرُ عَلى إرادَةِ الكُفّارِ واقْتِراحاتِهِمْ، بَلْ عَلى حَسَبِ ما يَشاؤُهُ تَعالى ويَخْتارُهُ، وفِيهِ رَدٌّ لِاسْتِعْجالِهِمُ الآجالَ وإتْيانِ الخَوارِقِ والعَذابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences