Al-QasimiAr‑Ra'd · 13:39–43

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Ar-Ra'd 13:39–43

13:39Page 254

يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ ٣٩

Allāh eliminates what He wills or confirms, and with Him is the Mother of the Book.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٩ ] ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾

﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يَنْسَخُ ما يَشاءُ نَسْخَهُ مِنَ الشَّرائِعِ لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ بِحَسَبِ الوَقْتِ ﴿ويُثْبِتُ﴾ أيْ: بَدَلَهُ ما فِيهِ المَصْلَحَةُ، أوْ يُبْقِيهِ عَلى حالِهِ غَيْرَ مَنسُوخٍ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ أيْ: أصْلُهُ.

قالَ الرّازِيُّ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ ما يَجْرِي مَجْرى الأصْلِ لِلشَّيْءِ أُمًّا لَهُ، ومِنهُ أُمُّ الرَّأْسِ: لِلدِّماغِ، وأُمُّ القُرى لِمَكَّةَ. وكُلُّ مَدِينَةٍ فَهي أُمٌّ لِما حَوْلَها مِنَ القُرى. فَكَذَلِكَ أُمُّ الكِتابِ، هو الَّذِي يَكُونُ أصْلًا لِجَمِيعِ الكُتُبِ. رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ يَقُولُ: يُبَدِّلُ اللَّهُ ما يَشاءُ فَيَنْسَخُهُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَلا يُبَدِّلُهُ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ يَقُولُ: وجُمْلَةُ ذَلِكَ عِنْدَهُ في أُمِّ الكِتابِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ. وما يُبَدِّلُ وما يُثْبِتُ. كُلُّ ذَلِكَ في كِتابٍ. وعَنْ قَتادَةَ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ [البقرة: ١٠٦] الآيَةَ.

تَنْبِيهٌ:

تَمَسَّكَ جَماعَةٌ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ فَقالُوا: إنَّها عامَّةٌ في كُلِّ شَيْءٍ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ. قالُوا: يَمْحُو اللَّهُ مِنَ الرِّزْقِ ويَزِيدُ فِيهِ. وكَذا القَوْلُ في الأجَلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والإيمانِ والكُفْرِ.

قالَ الرّازِيُّ: هو مَذْهَبُ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ. والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ كانُوا يَدْعُونَ ويَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَجْعَلَهم سُعَداءَ لا أشْقِياءَ. انْتَهى.

(p-٣٦٨٩)أشارَ بِذَلِكَ إلى آثارٍ أخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ. ولَيْسَ في الصَّحِيحِ شَيْءٌ مِنها.

ظَهَرَ لِي في دَمَّرَ في ١٢ رَبِيعِ الأوَّلِ سَنَةَ ١٣٢٤:

إنَّ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ الكَثِيرُ مِنَ الآياتِ لِمَطْلَبٍ ما، أنْ يُدَقِّقَ النَّظَرَ فِيهِ تَدْقِيقًا زائِدًا، فَقَدْ يَكُونُ سِياقُ الآيَةِ لِأمْرٍ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، ويَظُنُّ ظانٌّ أنَّهُ يَسْتَدِلُّ بِها في بَحْثٍ آخَرَ، وقَدْ يُؤَكِّدُهُ ما يَراهُ مِن إطْباقِ كَثِيرٍ مِن أرْبابِ التَّصانِيفِ عَلى ذَلِكَ وإنَّما المَدارُ عَلى فَهْمِ الأُسْلُوبِ والسِّياقِ والسِّباقِ.

خُذْ لَكَ مَثَلًا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ فَكَمْ تَرى مَن يَسْتَدِلُّ بِها عَلى العِلْمِ المُعَلَّقِ، ومَحْوِ ما في اللَّوْحِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ (لَوْحَ المَحْوِ والإثْباتِ) ويُورِدُونَ مِنَ الإشْكالاتِ والأجْوِبَةِ ما لا يَجِدُ الواقِفُ عَلَيْهِ مَقْنَعًا ولا مُطْمَأنًّا.

مَعَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ، لَوْ تَمَعَّنَ فِيها القارِئُ؛ لَعَلِمَ أنَّها في مَعْنى غَيْرِ ما يَتَوَهَّمُونَ. وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أوائِلِ البِعْثَةِ، أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ كَآيَةِ مُوسى وعِيسى؛ تَوَهُّمًا أنَّ ذَلِكَ هو أقْصى ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّ دَوْرَ تِلْكَ الآياتِ الحِسِّيَّةِ انْقَضى دَوْرُها، وذَهَبَ عَصْرُها. وقَدِ اسْتَعَدَّ البَشَرُ لِلتَّنَبُّهِ إلى الآيَةِ العَقْلِيَّةِ وهي آيَةُ الِاعْتِبارِ والتَّبَصُّرِ. وإنَّ تِلْكَ الآياتِ مُحِيَتْ كَما مُحِيَ عَصْرُها. وقَدْ أثْبَتَ تَعالى غَيْرَها مِمّا هو أجْلى وأوْضَحُ وأدَلُّ عَلى الدَّعْوَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى قَبْلَها: ﴿وما كانَ (p-٣٦٩٠)لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى:

13:40Page 254

وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ ٤٠

And whether We show you part of what We promise them or take you in death, upon you is only the [duty of] notification, and upon Us is the account.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٠ ] ﴿وإنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾

﴿وإنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أيْ: مِن إنْزالِ العَذابِ في حَياتِكَ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أيْ: قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أيْ: تَبْلِيغُ الوَحْيِ ﴿وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ أيْ: حِسابُهم وجَزاؤُهم. قالَ أبُو حَيّانَ: جَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلِ (فَذَلِكَ شافِيكَ) والثّانِي (فَلا لَوْمَ عَلَيْكَ)، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ﴾ إلَخْ دَلِيلٌ عَلَيْهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى:

13:41Page 254

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٤١

Have they not seen that We set upon the land, reducing it from its borders?1 And Allāh decides; there is no adjuster of His decision. And He is swift in account.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤١ ] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهو سَرِيعُ الحِسابِ﴾

﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ أيْ: أرْضِ الكَفَرَةِ، نَنْقُصُها عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ دِينِ الإسْلامِ في أطْرافِ مَمالِكِهِمْ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَفْتَحُ لِلرَّسُولِ الأرْضَ بَعْدَ الأرْضِ؛ يَعْنِي أنَّ انْتِقاصَ أحْوالِ الكَفَرَةِ وازْدِيادَ قُوَّةِ المُسْلِمِينَ مِن أقْوى العَلاماتِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُنْجِزُ وعْدَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤] (p-٣٦٩١)وقَوْلُهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ﴾ [فصلت: ٥٣]

قالَ الشِّهابُ: هَذا مُرْتَبِطٌ بِما قَبْلَهُ. يَعْنِي لَمْ يُؤَخِّرْ عَذابَهم لِإهْمالِهِمْ، بَلْ لِوَقْتِهِ المُقَدَّرِ، أوَ ما تَرى نَقْصَ ما في أيْدِيهِمْ مِنَ البِلادِ وزِيادَةَ ما لِأهْلِ الإسْلامِ، ولَمْ يُخاطِبِ النَّبِيَّ ﷺ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وخاطَبَهم تَهْوِيلًا وتَنْبِيهًا عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ. ومَعْنى ﴿نَأْتِي الأرْضَ﴾ يَأْتِيها أمْرُنا وعَذابُنا. انْتَهى.

وقِيلَ: نَنْقُصُها مِن أطْرافِها بِمَوْتِ أهْلِها وتَخْرِيبِ دِيارِهِمْ وبِلادِهِمْ. فَهَؤُلاءِ الكَفَرَةُ كَيْفَ أمِنُوا مِن أنْ يَحْدُثَ فِيهِمْ أمْثالُ هَذِهِ الوَقائِعِ؟

تَنْبِيهٌ:

يَذْكُرُونَ -ها هُنا- رِوايَةً عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ: أنَّ نَقْصَها مِن أطْرافِها هو مَوْتُ عُلَمائِها وفُقَهائِها وأهْلِ الخَيْرِ مِنها. ويُؤَيِّدُ مَن يَعْتَمِدُ ذَلِكَ بِأنَّ الجَوْهَرِيَّ حَكى عَنْ ثَعْلَبٍ: أنَّ الأطْرافَ يُطْلَقُ عَلى الأشْرافِ، جَمْعُ طَرَفٍ وهو الرَّجُلُ الكَرِيمُ، وشاهِدُهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:

؎واسْألْ بِنا وبِكم إذا ورَدَتْ مِنًى أطْرافُ كُلِّ قَبِيلَةٍ مَن يَتْبَعُ

يُرِيدُ أشْرافَ كُلِّ قَبِيلَةٍ. فَمَعْنى الآيَةِ: أوَلَمْ يَرَوْا ما يَحْدُثُ في الدُّنْيا مِن الِاخْتِلافاتِ: مَوْتٌ بَعْدَ حَياةٍ، وذُلٌّ بَعْدَ عِزٍّ، ونَقْصٌ بَعْدَ كَمالٍ، وإذا كانَ هَذا مُشاهَدًا مَحْسُوسًا؛ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِن أنْ يَقْلِبَ اللَّهُ الأمْرَ عَلَيْهِمْ فَيُذِلُّهم بَعْدَ العِزَّةِ! ولا يَخْفاكَ أنَّ هَذا المَعْنى لا يَذْكُرُهُ السَّلَفُ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ عَلى أنَّهُ المُرادُ مِنها، وإنَّما يَذْكُرُونَهُ تَهْوِيلًا لِخَطْبِ مَوْتِ العُلَماءِ بِسَبَبِ (p-٣٦٩٢)أنَّهم أرْكانُ الأرْضِ وصَلاحُها وكَمالُها وعُمْرانُها، فَمَوْتُهم نَقْصٌ لَها وخَرابٌ مِنها. كَما قالَ أحْمَدُ بْنُ غَزالٍ:

؎الأرْضُ تَحْيى إذا ما عاشَ عالِمُها ∗∗∗ مَتّى يَمُتْ عالِمٌ مِنها يَمُتْ طَرَفُ

؎كالأرْضِ تَحْيى إذا ما الغَيْثُ حَلَّ بِها ∗∗∗ وإنْ أبى عادَ في أكْنافِها التَّلَفُ

ولِذا قالَ الأزْهَرِيُّ كَما في (لِسانِ العَرَبِ): أطْرافُ الأرْضِ نَواحِيها، الواحِدُ طَرَفٌ، و(نَنْقُصُها مِن أطْرافِها) أيْ نَواحِيها ناحِيَةً ناحِيَةً، وعَلى هَذا مَن فَسَّرَ (نَقْصَها مِن أطْرافِها) فُتُوحَ الأرَضِينَ. وأمّا مَن جَعَلَ (نَقْصَها مِن أطْرافِها) مَوْتَ عُلَمائِها فَهو مِن غَيْرِ هَذا، قالَ: والتَّفْسِيرُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ﴾ أيْ: ما يَشاءُ كَما يَشاءُ، وقَدْ حَكَمَ لِلْإسْلامِ بِالعِزِّ والإقْبالِ، وعَلى الكُفْرِ بِالذُّلِّ والإدْبارِ، حَسْبَما يُشاهَدُ مِنَ المَخايِلِ والآثارِ. وفي الِالتِفاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ، وبِناءِ الحُكْمِ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الفَخامَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الخَبَرِ، بِالإشارَةِ إلى العِلَّةِ، ما لا يَخْفى، وهو جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ جِيءَ بِها لِتَأْكِيدِ فَحْوى ما تَقَدَّمَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ؛ لِبَيانِ عُلُوِّ شَأْنِ حُكْمِهِ تَعالى، وقِيلَ: نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ يَحْكُمُ نافِذًا حُكْمُهُ، كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ لا عِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ، أيْ: حاسِرًا. و(المُعَقِّبُ) مَن يَكِرُّ عَلى الشَّيْءِ فَيُبْطِلُهُ، وحَقِيقَتُهُ مَن يُعَقِّبُهُ ويُقَفِّيهِ بِالرَّدِّ والإبْطالِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿وهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ: فَعَمّا قَلِيلٍ يُحاسِبُهم ويُجازِيهِمْ في الآخِرَةِ بَعْدَ عَذابِ الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ.

13:42Page 254

وَقَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَلِلَّهِ ٱلۡمَكۡرُ جَمِيعٗاۖ يَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٖۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلۡكُفَّٰرُ لِمَنۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٤٢

And those before them had plotted, but to Allāh belongs the plan entirely. He knows what every soul earns, and the disbelievers will know for whom is the final home.

(p-٣٦٩٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٢ ] ﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾

﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مَكَرَ الكُفّارُ الَّذِينَ خَلَوْا، إيقاعَ المَكْرُوهِ بِأنْبِيائِهِمْ والمُؤْمِنِينَ كَما مَكَرَ هَؤُلاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ إشارَةٌ إلى ضَعْفِ مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ لِاضْمِحْلالِهِ وذَهابِ أثَرِهِ، وأنَّهُ مِمّا لا يَسُوءُ، وأنَّ المَكْرَ المَرْهُوبَ هو ما سَيُؤْخَذُونَ بِهِ مِن إيقاعِ فُنُونِ النَّكالِ، وهم نائِمُونَ عَلى فَرْشِ الإمْهالِ، مِمّا لا يَخْطُرُ لَهم عَلى بالٍ، كَما يُومِئُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: فَيُوَفِّيها جَزاءَها المُعَدَّ لَها عَلى ما كَسَبَتْ مِن فُنُونِ المَعاصِي الَّتِي مِنها مَكْرُهُمْ، مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ ﴿وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ أيِ العاقِبَةُ الحَمِيدَةُ، وعَلى مَن تَدُورُ الدّائِرَةُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] الآيَةَ.

13:43Page 255

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسۡتَ مُرۡسَلٗاۚ قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ وَمَنۡ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡكِتَٰبِ ٤٣

And those who have disbelieved say, "You are not a messenger." Say, [O Muḥammad], "Sufficient is Allāh as Witness between me and you, and [the witness of] whoever has knowledge of the Scripture."1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٣ ] ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ أظْهَرُ عَلى رِسالَتِي، مِنَ الحُجَجِ القاطِعَةِ والبَيِّناتِ السّاطِعَةِ، ما فِيهِ مَندُوحَةٌ عَنْ شَهادَةِ شاهِدٍ آخَرَ. قِيلَ: جَعَلَ هَذا شَهادَةً (وهُوَ فِعْلٌ والشَّهادَةُ قَوْلٌ) عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّهُ يُغْنِي عَنِ الشَّهادَةِ بَلْ هو أقْوى. انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ الشَّهادَةَ أعَمُّ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ. عَلى (p-٣٦٩٤)أنَّ المُرادَ مِن تِلْكَ الحُجَجِ هي آياتُ القُرْآنِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ، وهي كَلامُهُ تَعالى، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي﴾ [يونس: ٥٣]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ أيْ: ومَن هو مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ فَإنَّهم يَجِدُونَ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ ونَعْتَهُ في كِتابِهِمْ مِن بِشاراتِ الأنْبِياءِ بِهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧]

ويُرْوى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ عَنى بِـ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ. ونُوقِشَ بِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وإسْلامُهُ كانَ بِالمَدِينَةِ. وأجابَ البَعْضُ بِأنَّ بَعْضَ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ رُبَّما وُجِدَ في مَدَنِيٍّ وبِالعَكْسِ، وكَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن ذَلِكَ.

وقَدْ رَوى الحافِظُ أبُو نَعِيمٍ الأصْفَهانِيُّ في (دَلائِلِ النُّبُوَّةِ): أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ أسْلَمَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، حَيْثُ رَحَلَ إلى مَكَّةَ قَبْلَها، واسْتَيْقَنَ نُبُوَّتَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. ثُمَّ آبَ إلى المَدِينَةِ وكَتَمَ إسْلامَهُ إلى أنْ كانَتِ الهِجْرَةُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском