Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:13–27
14:13–14Page 257
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٣
And those who disbelieved said to their messengers, "We will surely drive you out of our land, or you must return to our religion." So their Lord inspired to them, "We will surely destroy the wrongdoers.
وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤
And We will surely cause you to dwell in the land after them. That is for he who fears My position1 and fears My threat."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣ - ١٤ ] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] .
﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] يُخْبِرُ تَعالى عَمّا تَوَعَّدَ بِهِ اَلْكافِرُونَ رُسُلَهم، لَمّا رَأوْهم صابِرِينَ مُتَوَكِّلِينَ، لا يَهُمُّهم شَأْنُهم مِنَ اَلْإخْراجِ مِنَ اَلْأرْضِ، والنَّفْيِ مِن بَيْنِ أظْهَرُهم، أوِ اَلْعَوْدِ في مِلَّتِهِمْ. والمَعْنى: لَيَكُونَنَّ أحَدُ اَلْأمْرَيْنِ.
والسَّبَبُ في هَذا اَلتَّوَعُّدِ - كَما قالَ اَلرّازِيُّ - أنَّ أهْلَ اَلْحَقِّ في كُلِّ زَمانٍ يَكُونُونَ قَلِيلِينَ، وأهْلَ اَلْباطِلِ يَكُونُونَ كَثِيرِينَ. والظَّلَمَةُ والفَسَقَةُ يَكُونُونَ مُتَعاوِنِينَ مُتَعاضِدِينَ. فَلِهَذِهِ اَلْأسْبابِ قَدَرُوا عَلى هَذِهِ اَلسَّفاهَةِ. فَإنْ قِيلَ: يُتَوَهَّمُ مِن لَفْظِ (اَلْعُودِ ) أنَّهم كانُوا في مِلَّةِ اَلْكُفْرِ قَبْلُ ! أُجِيبُ: بِأنَّ ( عادَ) بِمَعْنى صارَ. وهو كَثِيرُ اَلِاسْتِعْمالِ بِهَذا اَلْمَعْنى، أوِ اَلْكَلامُ عَلى ظَنِّهِمْ وزَعْمِهِمْ (p-٣٧١٨)أنَّهم كانُوا مِن أهْلِ مِلَّتِهِمْ قَبْلَ إظْهارِ اَلدَّعْوَةِ. أوِ اَلْخِطابُ لِلرُّسُلِ ولِقَوْمِهِمْ، فَغَلَبُوا عَلَيْهِمْ في نِسْبَةِ اَلْعَوْدِ إلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ إلخ وعْدٌ صادِقٌ لِلرُّسُلِ، وبِشارَةٌ حَقَّةٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] وقالَ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ [الأعراف: ١٣٧] والآياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. والإشارَةُ في (ذَلِكَ) إلى اَلْمُوحى بِهِ وهو إهْلاكُ اَلظّالِمِينَ وإسْكانُ اَلْمُؤْمِنِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿لِمَن خافَ﴾ [إبراهيم: ١٤] إلخ، أيْ: لِلْمُتَّقِينَ؛ لِأنَّهُمُ اَلْمَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] و(اَلْمَقامُ) إمّا مَوْقِفُ اَلْحِسابِ، فَهو اِسْمُ مَكانٍ، وإضافَتُهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِكَوْنِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، بِمَعْنى: حِفْظِي وقِيامِي لِأعْمالِهِمْ لِيُجازَوْا عَلَيْها. أوْ مُقْحَمٌ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما يُقالُ: اَلْمَقامُ اَلْعالِي. وياءُ اَلْمُتَكَلِّمِ في (وعِيدِ) مَحْذُوفَةٌ لِلِاكْتِفاءِ بِالكَسْرَةِ عَنْها في غَيْرِ اَلْوَقْفِ.
قالَ اَلسُّمَيْنُ: أثْبَتَ اَلْياءَ هُنا وفي (ق) في مَوْضِعَيْنِ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] وصْلًا، وحَذَفَها وقْفًا ورْشٌ عَنْ نافِعٍ. وحَذَفَها اَلْباقُونَ وصْلًا ووَقْفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى:
14:15Page 257
وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ١٥
And they requested decision [i.e., victory from Allāh], and disappointed, [therefore], was every obstinate tyrant.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥] ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ .
﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ أيْ: سَألُوا مِنَ اَللَّهِ اَلْفَتْحَ عَلى أعْدائِهِمْ، أوِ اَلْقَضاءُ بَيْنَهم وبَيْنَ أعْدائِهِمْ.
(p-٣٧١٩)مِنَ (اَلْفَتّاحَةِ) وهي اَلْحُكُومَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] فالضَّمِيرُ: لِلرُّسُلِ، وقِيلَ: لِلْكَفَرَةِ، وقِيلَ: لِلْفَرِيقَيْنِ، فَإنَّهم سَألُوا أنْ يَنْصُرَ اَلْمُحِقَّ ويُهْلِكَ اَلْمُبْطِلَ. وقَوْلُهُ: ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ أيْ: فَنُصِرُوا عِنْدَ اِسْتِفْتاحِهِمْ وأفْلَحُوا: ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ وهم قَوْمُهم. أوِ اِسْتَفْتَحَ اَلْكُفّارُ عَلى اَلرُّسُلِ وخابُوا ولَمْ يَفْلَحُوا. وإنَّما قِيلَ: ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ذَمًّا لَهم وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالتَّجَبُّرِ والعِنادِ. أوِ اِسْتَفْتَحُوا جَمِيعًا فَنُصِرَ اَلرُّسُلُ وأُنْجِزَ لَهُمُ اَلْوَعْدُ، وخابَ أعْداؤُهم. و(اَلْجَبّارُ) اَلْمُتَكَبِّرُ عَلى طاعَةِ اَللَّهِ تَعالى وعِبادَتِهِ. و(اَلْعَنِيدُ) اَلْمُعانِدُ لِلْحَقِّ، كَخَلِيطٍ بِمَعْنى مُخالِطٍ.
14:16Page 257
مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ ١٦
Before him1 is Hell, and he will be given a drink of purulent water.2
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦] ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾
﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ جُمْلَةٌ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِـ (جَبّارٍ) كِنايَةٌ عَنْ تَطَلُّبِها لَهُ وتَرَصُّدِها إيّاهُ، ومَن تَطَلَّبَ شَيْئًا وتَرَصَّدَهُ أدْرَكَهُ لا مَحالَةَ. وقِيلَ: عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: مِن وراءِ حَياتِهِ وانْقِضاءِ عُمُرِهِ ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ وهو ما يَسِيلُ مِن جَوْفِ أهْلِ اَلنّارِ، قَدْ خالَطَ اَلْقَيْحَ والدَّمَ.
14:17Page 257
يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ ١٧
He will gulp it but will hardly [be able to] swallow it. And death will come to him from everywhere, but he is not to die. And before him is a massive punishment.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧] ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾
﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ أيْ: يَتَكَلَّفُ تَجَرُّعَهُ لِقَهْرِهِ عَلَيْهِ: ﴿ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ لِخُبْثِهِ: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ أيْ: تُحِيطُ بِهِ أسْبابُهُ مِنَ اَلْأهْوالِ، وما هو بِمُسْتَرِيحٍ مِمّا نَزَلَ بِهِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أيْ: شَدِيدٌ مُتَّصِلٌ لا يَنْقَطِعُ.
(p-٣٧٢٠)
14:18Page 257
مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٨
The example of those who disbelieve in their Lord is [that] their deeds are like ashes which the wind blows forcefully on a stormy day; they are unable [to keep] from what they earned a [single] thing. That is what is extreme error.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ .
[١٨] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾
اَلْمَثَلُ مُسْتَعارٌ لِلصِّفَةِ اَلَّتِي فِيها غَرابَةٌ. شَبَّهَ تَعالى أعْمالَهَمُ اَللّاتِي كانُوا يَعْمَلُونَها لِأوْثانِهِمْ أوْ يُراؤُونَ بِها - كَإنْفاقِ اَلْأمْوالِ وعُقْرِ اَلْإبِلِ لَلضِّيفانِ، في حُبُوطِها؛ لِكَوْنِها عَلى غَيْرِ تَقْوًى وإيمانٍ - بِرَمادٍ طَيَّرَتْهُ اَلرِّيحُ اَلْعاصِفُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ إلخ، مُسْتَأْنَفٌ، فَذَلِكَ لِلتَّمْثِيلِ بِمَعْنى اَلْمَقْصُودِ مِنهُ ومُحَصِّلُ وجْهِهِ، أيْ: لا يَقْدِرُونَ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ مِمّا كَسَبُوا مِن أعْمالِهِمْ عَلى شَيْءٍ مِنها، أيْ: لا يَرَوْنَ لَهُ أثَرًا مِن ثَوابٍ، كَما لا يَقْدِرُ، مِنَ اَلرَّمادِ اَلْمَطِيرِ في اَلرِّيحِ، عَلى شَيْءٍ.
قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: اَلِاكْتِفاءُ بِبَيانِ عَدَمِ رُؤْيَةِ اَلْأثَرِ لِأعْمالِهِمْ لِلْأصْنامِ، مَعَ أنَّ لَها عُقُوباتٍ هائِلَةً؛ لِلتَّصْرِيحِ بِبُطْلانِ اِعْتِقادِهِمْ وزَعْمِهِمْ أنَّها شُفَعاءُ لَهم عِنْدَ اَللَّهِ تَعالى، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ. وفي تَوْصِيفِ اَلضَّلالِ بِالبُعْدِ، إشارَةٌ إلى بُعْدِ ضَلالِهِمْ عَنْ طَرِيقِ اَلْحَقِّ أوْ عَنِ اَلثَّوابِ.
و(اِشْتَدَّ بِهِ) مِن (شَدَّ) بِمَعْنى عَدَّ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ مُلابَسَةٍ. أوْ مِنَ (اَلشِّدَّةِ) بِمَعْنى اَلْقُوَّةِ، أيْ: قَوِيَتْ بِمُلابَسَةِ حَمْلِهِ. و(اَلْعَصْفُ ) قُوَّةُ هُبُوبِ اَلرِّيحِ، وُصِفَ بِهِ زَمانُها عَلى اَلْإسْنادِ اَلْمَجازِيِّ، كَـ (نَهارُهُ صائِمٌ) وخَبَرُ (مَثَلُ) مَحْذُوفٌ أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم. وجُمْلَةُ: ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابًا لِسُؤالِ: كَيْفَ مَثَلُهم ؟ أوْ (أعْمالُهم) بَدَلٌ مِن (مَثَلُ) و( كَرَمادٍ) اَلْخَبَرُ.
وهَذِهِ اَلْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧]
(p-٣٧٢١)وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]
14:19–20Page 258
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٩
Have you not seen [i.e., considered] that Allāh created the heavens and the earth in truth? If He wills, He can do away with you and produce a new creation.
وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٖ ٢٠
And that is not difficult for Allāh.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩ - ٢٠ ] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] .
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] اَلْخِطابُ لِلرَّسُولِ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ. أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ اَلْكَفَرَةِ لِقَوْلِهِ (يُذْهِبْكُمْ) والرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ اَلْقَلْبِ.
وفِي اَلْآيَةِ وجْهانِ مِنَ اَلتَّأْوِيلِ: أحَدُهُما: أنَّها سِيقَتْ لِبَيانِ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى مَعادِ اَلْأبْدانِ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ، بِأنَّهُ خَلَقَ اَلسَّماواتِ والأرْضَ اَلَّتِي هي أكْبَرُ مِن خَلْقِ اَلنّاسِ. أيْ: أفَلَيِسَ اَلَّذِي قَدَرَ عَلى هَذِهِ اَلسَّماواتِ في اِرْتِفاعِها واتِّساعِها وعَظَمَتِها وما فِيها مِنَ اَلْكَواكِبِ اَلثَّوابِتِ والسَّيّاراتِ والآياتِ اَلْباهِراتِ، وهَذِهِ اَلْأرْضُ بِما فِيها مِن مِهادٍ ووِهادٍ وأوْتادٍ وبَرارِي وقِفارٍ وبِحارٍ وأشْجارٍ ونَباتٍ وحَيَوانٍ عَلى اِخْتِلافِ أصْنافِها ومَنافِعِها وأشْكالِها وألْوانِها: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]
وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]
(p-٣٧٢٢)اَلْوَجْهُ اَلثّانِي: تَرْهِيبُ اَلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم غَيْرُ مُعْجِزِينَ، أيْ: إنْ يَشَأْ يُهْلِكْكم إذا خالَفْتُمْ أمْرَهُ ويَخْلُفْ قَوْمًا خَيْرًا مِنكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] وقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣]
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالحِكْمَةِ اَلْمُنَزَّهَةِ عَنِ اَلْعَبَثِ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ [آل عمران: ١٩١] وقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا﴾ [ص: ٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥] وذَلِكَ لِيُتَفَكَّرَ في خَلْقِها ويُسْتَدَلَّ بِها عَلى وُجُودِ بارِئِها وقُدْرَتِهِ ووَحْدَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ تَخاصُمِ اَلْمُجْرِمِينَ في اَلْمَحْشَرِ وتَبَرُّئِهِمْ مِن بَعْضِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
14:21Page 258
وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ ٢١
And they will come out [for judgement] before Allāh all together, and the weak will say to those who were arrogant, "Indeed, we were your followers, so can you avail us anything against the punishment of Allāh?" They will say, "If Allāh had guided us, we would have guided you. It is all the same for us whether we show intolerance or are patient: there is for us no place of escape."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١] ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ .
﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيِ: اجْتَمَعُوا لِحِسابِهِ وقَضائِهِ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ في بِرازٍ مِنَ اَلْأرْضِ، (p-٣٧٢٣)وهُوَ اَلْمَكانُ اَلَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَسْتُرُ أحَدًا، أوْ بَرَزُوا مِن قُبُورِهِمْ، أيْ: ظَهَرُوا لِذَلِكَ: ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾ وهُمُ اَلْأتْباعُ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: عَلى اَلرُّسُلِ وهم قادَتُهم - تَوْبِيخًا لَهم: ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ أيْ: تابِعِينَ، مَهْما أمَرْتُمُونا اِئْتَمَرْنا: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: بَعْضَ اَلْإغْناءِ: ﴿قالُوا﴾ أيِ: اَلْمُسْتَكْبِرُونَ: ﴿لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ إحالَةً لِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ، عَلى مَقامِهِ سُبْحانَهُ، أوْ لَوْ هَدانا بِاهْتِدائِنا، ولَكِنْ زُغْنا فَأزاغَنا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: مَنجًى ومَهْرَبٍ مِنَ اَلْعَذابِ. ونَظِيرُ اَلْآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١]
واسْتَظْهَرَ اِبْنُ كَثِيرٍ هَذِهِ اَلْمُراجَعَةَ في اَلنّارِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ إلَيْها لِآيَةِ: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧]
ولا يَخْفى أنَّ اَلْآيَةَ في هَذِهِ اَلسُّورَةِ تُصَدِّقُ بِالتَّخاصُمِ في اَلْمَوْقِفِ وفي اَلنّارِ؛ لِإفادَتِها أنَّ ذَلِكَ أثَرُ بُرُوزِهِمْ، وهو صادِقٌ بِما ذَكَرْنا، فَلا قَرِينَةَ فِيها؛ لِكَوْنِ ذَلِكَ في اَلنّارِ فَقَطْ، كَما اِدَّعاهُ. ورُبَّما كانَ قَوْلُهُ: ﴿وبَرَزُوا﴾ يَدُلُّ لِلْمَوْقِفِ بِمَعْناهُ اَلْمُتَقَدِّمِ. ثُمَّ إنَّ هَذا اَلتَّخاصُمَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّدَ اَلْمُواطِنِ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبإ: ٣١] وقَوْلِهِ: ﴿فِي النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرَّةً واحِدَةً. والمُرادُ بِالنّارِ اَلْعَذابُ ووُقُوفُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ، واليَأْسُ مُحِيطٌ بِهِمْ، وجَهَنَّمُ تَرْقُبُهم، عَذابٌ وأيُّ عَذابٍ ! .
(p-٣٧٢٤)
14:22Page 258
وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٢
And Satan will say when the matter has been concluded, "Indeed, Allāh had promised you the promise of truth. And I promised you, but I betrayed you. But I had no authority over you except that I invited you, and you responded to me. So do not blame me; but blame yourselves. I cannot be called to your aid, nor can you be called to my aid. Indeed, I deny your association of me [with Allāh] before.1 Indeed, for the wrongdoers is a painful punishment."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢] ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ وهو اَلْحُكْمُ بِنَجاةِ اَلسُّعَداءِ وهَلاكِ اَلْأشْقِياءِ: ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ أيْ: عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ بِأنَّ في إتِّباعِهِمُ اَلنَّجاةَ والسَّلامَةَ، أيْ: فَوَفّى بِهِ وأنْجَزَ: ﴿ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ أيْ: ووَعَدْتُكم وعْدَ اَلْباطِلِ، وهو أنْ لا بَعْثَ ولا جَزاءَ. ولَئِنْ كانَ، فالأصْنامُ شُفَعاؤُكم. ولَمْ يُصَرِّحْ بِبُطْلانِهِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ عَلَيْهِ. والإخْلافُ مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ ما أخْبَرَ بِهِ وكَذِبِهِ، أوْ مُشاكَلَةً. وفي اَلْآيَةِ مِنَ اَلْإيجازِ اَلْبَلِيغِ شِبْهُ اَلِاحْتِباكِ. حَيْثُ حَذَفَ أوَّلًا (فَوَفى بِهِ) لِدَلالَةِ قَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ عَلَيْهِ لِأنَّهُ مُقابِلُهُ، وحَذَفَ ثانِيًا (وعْدَ اَلْباطِلِ) لِدَلالَةِ: ﴿وعْدَ الحَقِّ﴾
﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: حُجَّةٍ وبُرْهانٍ: ﴿إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ أيْ: أسْرَعْتُمْ لِطاعَتِي بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، أيْ: وقَدْ أقامَتْ عَلَيْكُمُ اَلرُّسُلُ اَلْحُجَجَ والأدِلَّةَ اَلصَّحِيحَةَ عَلى صِدْقٍ ما جاؤُوكم بِهِ، فَخالَفْتُمُوهم فَصِرْتُمْ إلى ما أنْتُمْ فِيهِ: ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾ أيْ: بِوَعْدِي إيّاكم، إذْ لَمْ يَكُنْ بِطُرُقِ اَلْقَسْرِ: ﴿ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: حَيْثُ اِسْتَجَبْتُمْ لِي بِاخْتِيارِكم، حِينَ دَعَوْتُكم بِلا حُجَّةٍ ولا دَلِيلٍ. ولَمْ تَسْتَجِيبُوا رَبَّكم، إذْ دَعاكم دَعْوَةَ اَلْحَقِّ اَلْمَقْرُونَةَ بِالبَراهِينِ والحُجَجِ.
قالَ القاشانِيُّ: لَمّا ظَهَرَ سُلْطانُ اَلْحَقِّ عَلى شَيْطانِ اَلْوَهْمِ وتَنَوَّرَ بِنُورِهِ، أسْلَمَ وأطاعَ وصارَ مُحِقًّا، عالِمًا بِأنَّ اَلْحُجَّةَ لِلَّهِ في دَعْوَتِهِ لِلْخَلْقِ إلى اَلْحَقِّ لا لَهُ. ودَعْوَتُهُ إلى اَلْباطِلِ بِتَسْوِيلِ اَلْحُكّامِ (p-٣٧٢٥)وتَزْيِينِ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا عَلَيْهِمْ واهِيَةٌ فارِغَةٌ مِنَ اَلْحُجَّةِ. وأقَرَّ بِأنَّ وعْدَهُ تَعالى بِالبَقاءِ بَعْدَ خَرابِ اَلْبَدَنِ والثَّوابِ والعِقابِ عِنْدَ اَلْبَعْثِ حَقٌّ قَدْ وفّى بِهِ. ووَعْدِي بِأنْ لَيْسَ إلّا اَلْحَياةُ اَلدُّنْيا باطِلٌ اِخْتَلَقْتُهُ. فاسْتِحْقاقُ اَللَّوْمِ لَيْسَ إلّا لِمَن قَبِلَ اَلدَّعْوَةَ اَلْخالِيَةَ عَنِ اَلْحُجَّةِ فاسْتَجابَ لَها وأعْرَضَ عَنِ اَلدَّعْوَةِ اَلْمَقْرُونَةِ بِالبُرْهانِ فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَها. اِنْتَهى.
وحُكِيَ في (اَلْإكْلِيلِ) عَنِ اِبْنِ الفَرْسِ: أنَّ بَعْضَهُمُ اِنْتَزَعَ مِن هَذا إبْطالَ اَلتَّقْلِيدِ في اَلِاعْتِقادِ. قالَ: وهو اِنْتِزاعٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّهُمُ اِتَّبَعُوا اَلشَّيْطانَ بِمُجَرَّدِ دَعْواهُ، ولَمْ يَطْلُبُوا مِنهُ بُرْهانًا. فَحَكى اَللَّهُ تَقْبِيحًا لِذَلِكَ اَلْفِعْلِ مِنهُمُ. اِنْتَهى.
﴿ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أيْ: بِمُغِيثِكم ومُنْجِيكم مِنَ اَلْعَذابِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ أيْ: مِمّا أنا فِيهِ. قالَ اِبْنُ اَلْأعْرابِيِّ: اَلصّارِخُ: اَلْمُسْتَغِيثُ، والمُصْرِخُ: اَلْمُغِيثُ، يُقالُ: صَرَخَ فُلانٌ إذا اِسْتَغاثَ وقالَ: واغَوْثاهُ ! وأصْرَخْتُهُ: أغَثْتُهُ. فالهَمْزَةُ لِلسَّلْبِ، يَعْنِي أزَلْتُ صُراخَهُ، وهو مَدُّ اَلصَّوْتِ ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: كَفَرْتُ اَلْيَوْمَ بِإشْراكِكم إيّايَ مِن قَبْلِ هَذا اَلْيَوْمِ - أيْ: في اَلدُّنْيا - يَعْنِي: جَحَدْتُ أنْ أكُونَ شَرِيكًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَبَرَّأْتُ مِنهُ ومِنكم، فَلَمْ يَبْقَ بَيْنِي وبَيْنَكم عَلاقَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] ﴿إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ اِبْتِداءُ كَلامٍ مِنهُ تَعالى، أوْ تَتِمَّةُ كَلامِ اَلشَّيْطانِ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما حَكى اَللَّهُ عَزَّ وعَلا ما سَيَقُولُهُ في ذَلِكَ اَلْوَقْتِ؛ لِيَكُونَ لُطْفًا لِلسّامِعِينَ في اَلنَّظَرِ لِعاقِبَتِهِمْ والِاسْتِعْدادِ لِما لا بُدَّ لَهم مِنَ اَلْوُصُولِ إلَيْهِ، وأنْ يَتَصَوَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ذَلِكَ اَلْمَقامَ اَلَّذِي يَقُولُ اَلشَّيْطانُ فِيهِ ما يَقُولُ، فَيَخافُوا ويَعْمَلُوا ما يُخَلِّصُهم مِنهُ ويُنْجِيهِمْ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَآلَ اَلْأشْقِياءِ وما صارُوا إلَيْهِ مِنَ اَلْخِزْيِ والنَّكالِ، عَطَفَ بِمَآلِ اَلسُّعَداءِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
(p-٣٧٢٦)
14:23Page 258
وَأُدۡخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡۖ تَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٌ ٢٣
And those who believed and did righteous deeds will be admitted to gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein by permission of their Lord; and their greeting therein will be, "Peace!"
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣] ﴿وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ .
﴿وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِاَللَّهِ ورَسُولِهِ وكِتابِهِ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيِ: اَلطّاعاتِ: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ مَساكِنِها وشَجَرِها، أنْهارُ اَلْخَمْرِ والماءِ والعَسَلِ واللَّبَنِ: ﴿خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (أُدْخِلَ) أيْ: أدْخَلَتْهُمُ اَلْمَلائِكَةُ اَلْجَنَّةَ بِإذْنِ اَللَّهِ وأمْرِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ أيْ: تُحِيِّيهم وتُكْرِمُهُمُ اَلْمَلائِكَةُ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] وقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ما أعَدَّ لِلْمُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ مِنَ اَلْمَآلِ اَلْأُخْرَوِيِّ، ضَرَبَ مَثَلًا لِلشِّرْكِ والإيمانِ - بِأنَّ مَآلَ اَلثّانِي اَلثَّباتُ والِاسْتِقْرارُ؛ لِأنَّهُ اَلَّذِي يَنْفَعُ اَلنّاسَ، ومَآلَ اَلْأوَّلِ إلى اَلدَّمارِ والِانْدِحارِ - فَقالَ سُبْحانَهُ:
14:24–25Page 258
أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٢٤
Have you not considered how Allāh presents an example, [making] a good word like a good tree, whose root is firmly fixed and its branches [high] in the sky?
تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٥
It produces its fruit all the time, by permission of its Lord. And Allāh presents examples for the people that perhaps they will be reminded.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤-٢٥] ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥] .
﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ﴾ يَعْنِي في اَلْأرْضِ ضارِبٌ بِعُرُوقِهِ فِيها: ﴿وفَرْعُها﴾ أيْ: أعْلاها ورَأْسُها: ﴿فِي السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ [إبراهيم: ٢٥] (p-٣٧٢٧)أيْ: ثَمَرُها: ﴿كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ [إبراهيم: ٢٥] أيْ: بِإرادَتِهِ وتَكْوِينِهِ: ﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥] أيْ: لِأنَّ فِيها زِيادَةَ إفْهامٍ وتَذْكِيرٍ وتَصْوِيرٍ لِلْمَعانِي اَلْمَعْقُولَةِ بِالصُّوَرِ اَلْمَحْسُوسَةِ.
14:26Page 259
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ ٢٦
And the example of a bad word is like a bad tree, uprooted from the surface of the earth, not having any stability.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦] ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ .
﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ﴾ أيِ: اسْتُؤْصِلَتْ وأُخِذَتْ جُثَّتُها بِالكُلِّيَّةِ: ﴿مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ أيْ: لِأنَّ عُرُوقَها قَرِيبَةٌ مِنهُ: ﴿ما لَها مِن قَرارٍ﴾ أيِ: اِسْتِقْرارٍ.
تَنْبِيهٌ:
لُحِظَ في اَلْمُمَثَّلِ بِهِ - أعْنِي اَلشَّجَرَةَ - أوْصافٌ جَلِيلَةٌ لِتُلْحَظَ في جانِبِ اَلْمُمَثَّلِ لَهُ. فَمِنها: كَوْنُها طَيِّبَةً، أعَمُّ مِن طِيبِ اَلْمَنظَرِ والصُّورَةِ والشَّكْلِ ومِن طِيبِ اَلرِّيحِ وطِيبِ اَلثَّمَرَةِ وطِيبِ اَلْمَنفَعَةِ. وكَوْنُ أصْلِها ثابِتًا أيْ: راسِخًا باقِيًا في أمْنٍ مِنَ اَلِانْقِلاعِ والِانْقِطاعِ والزَّوالِ والفَناءِ لِيَعْظُمَ اَلْفَرَحُ بِهِ والسُّرُورُ. وكَوْنُ فَرْعِها في اَلسَّماءِ فَدَلَّ عَلى كَمالِ حالِ تِلْكَ اَلشَّجَرَةِ مِن جِهَةِ اِرْتِفاعِ أغْصانِها وقُوَّتِها في اَلتَّصاعُدِ، مِمّا يُبَرْهَنُ عَلى ثَباتِ اَلْأصْلِ ورُسُوخِ اَلْعُرُوقِ، وجِهَةِ بُعْدِها عَنِ العُفُوناتِ والأقْذارِ فَتَكُونُ ثَمَرَتُها نَقِيَّةً طاهِرَةً طَيِّبَةً عَنْ جَمِيعِ اَلشَّوائِبِ، وكَوْنُ ثَمَرَتِها تُجْتَنى كُلَّ حِينٍ فَلا تَنْقَطِعُ بَرَكاتُها وخَيْراتُها. ولا رَيْبَ أنَّ وُجُودَ هَذِهِ اَلْأوْصافِ مِمّا يَدُلُّ عَلى فَخامَةِ اَلْمَوْصُوفِ وإنافَةِ فَضْلِهِ. ولا تَخْفى مُطابَقَةُ هَذا اَلْمُمَثَّلِ بِهِ لِلْمُمَثَّلِ لَهُ - أعْنِي اَلْحَقَّ - وهو اَلْإسْلامُ اَلَّذِي جاءَ بِهِ خاتَمُ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ.
ولَمّا كانَ اَلْمَثَلُ مَضْرُوبًا لِلْحَقِّ والباطِلِ في اَلثَّباتِ وعَدَمِهِ، والقَصْدُ أهْلُهُما؛ صَرَّحَ بِهِما فَذَلِكَ لَهُ، فَقالَ في أهْلِ اَلْمَثَلِ اَلْأوَّلِ:
(p-٣٧٢٨)
14:27Page 259
يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ٢٧
Allāh keeps firm those who believe, with the firm word,1 in worldly life and in the Hereafter.2 And Allāh sends astray the wrongdoers. And Allāh does what He wills.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧] ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ .
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ اَلْقَوْلُ اَلثّابِتُ: هو اَلْكَلِمَةُ اَلطَّيِّبَةُ اَلَّتِي ذُكِرَتْ صِفَتُها اَلْعَجِيبَةُ وهو اَلْحَقُّ. و(بِالقَوْلِ) جَوَّزُوا تَعَلُّقَهُ بِـ (يُثَبِّتُ) و (آمَنُوا ) . والمَعْنى عَلى اَلْأوَّلِ: ثَبَّتَهم بِالبَقاءِ عَلى ذَلِكَ، أوْ ثَبَّتَهم في سُؤالِ اَلْقَبْرِ بِهِ، وعَلى اَلثّانِي فالباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى: آمَنُوا بِالتَّوْحِيدِ اَلْخالِصِ فَوَحَّدُوهُ ونَزَّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ. و(فِي اَلْحَياةِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُثَبِّتُ) أوْ بِـ (اَلثّابِتِ) كَما قالَهُ أبُو اَلْبَقاءِ. واقْتَصَرَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ وأتْباعُهُ عَلى اَلْأوَّلِ حَيْثُ قالَ:
اَلْقَوْلُ اَلثّابِتُ اَلَّذِي ثَبَتَ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ في قَلْبِ صاحِبِهِ وتَمَكَّنَ فِيهِ فاعْتَقَدَهُ واطْمَأنَّتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ. وتَثْبِيتُهم بِهِ في اَلدُّنْيا، أنَّهم إذا فُتِنُوا في دِينِهِمْ لَمْ يَزِلُّوا، كَما ثَبَتَ أصْحابُ اَلْأُخْدُودِ واَلَّذِينَ نُشِرُوا بِالمَناشِيرِ ومُشِّطَتْ لُحُومُهم بِأمْشاطِ اَلْحَدِيدِ، وتَثْبِيتُهم في اَلْآخِرَةِ أنَّهم إذا سُئِلُوا عِنْدَ تَواقُفِ اَلْأشْهادِ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ ودِينِهِمْ لَمْ يَتَلَعْثَمُوا ولِمَ يَبْهَتُوا ولَمْ تُحَيِّرْهم أهْوالُ اَلْحَشْرِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: اَلثَّباتُ عِنْدَ سُؤالِ اَلْقَبْرِ. فَعَنِ اَلْبَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ، أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««اَلْمُسْلِمُ إذا سُئِلَ في اَلْقَبْرِ شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اَللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اَللَّهِ، قالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾»» رَواهُ اَلشَّيْخانِ وأهْلُ اَلسُّنَنِ.
(p-٣٧٢٩)وعَلَيْهِ، فَتَفْسِيرُ اَلْآخِرَةِ بِالقَبْرِ؛ لِكَوْنِ اَلْمَيِّتِ اِنْقَطَعَ بِالمَوْتِ عَنْ أحْكامِ اَلدُّنْيا.
وقالَ في أصْحابِ اَلْمَثَلِ اَلثّانِي:
﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: يَخْلُقُ فِيهِمُ اَلضَّلالَ عَنِ اَلْحَقِّ اَلَّذِي ثَبَّتَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ حَسْبَ إرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِوَضْعِهِمُ اَلشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أوْ لِظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم حَيْثُ بَدَّلُوا فِطْرَةَ اَللَّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنّاسَ عَلَيْها: ﴿ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: مِنَ اَلتَّثْبِيتِ والإضْلالِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ اَلْبالِغَةُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences