Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:28–49
14:28–30Page 259
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ ٢٨
Have you not considered those who exchanged the favor of Allāh for disbelief1 and settled their people [in] the home of ruin?
جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٢٩
[It is] Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the settlement.
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ ٣٠
And they have attributed to Allāh equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy yourselves, for indeed, your destination is the Fire."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨-٣٠] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ [إبراهيم: ٢٩] ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] .
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، أتَتْهم نِعْمَةُ اَللَّهِ، وهي اَلتَّوْحِيدُ والإيمانُ والهِدايَةُ بِبِعْثَةِ رَسُولٍ مِن أنْفُسِهِمْ، فَبَدَّلُوا شُكْرَها كُفْرًا عَظِيمًا وغَمْصًا لَها: ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾ أيْ: مِمَّنْ أضَلُّوهُ وصَدُّوهُ عَنِ اَلْهُدى فَتابَعَهم: ﴿دارَ البَوارِ﴾ أيِ: اَلْهَلاكَ.
﴿جَهَنَّمَ﴾ [إبراهيم: ٢٩] عَطْفُ بَيانٍ لَها: ﴿يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ [إبراهيم: ٢٩] ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [إبراهيم: ٣٠] أيْ: مِنَ اَلْأوْثانِ فَعَبَدُوها: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] أيْ: عَنْ عِبادَتِهِ وحْدَهُ: ﴿قُلْ﴾ [إبراهيم: ٣٠] أيْ: تَهْدِيدًا لِأُولَئِكَ اَلضّالِّينَ اَلْمُضِلِّينَ: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ [إبراهيم: ٣٠] أيْ: بِشَهَواتِ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا: ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠]
(p-٣٧٣٠)
14:31Page 259
قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ ٣١
[O Muḥammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange [i.e., ransom], nor any friendships.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١] ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ .
﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أيْ: لِيُتَدارَكَ بِهِ اَلتَّقْصِيرُ، أوْ يُفْتَدى بِهِ: ﴿ولا خِلالٌ﴾ أيْ: مُخالَّةٌ. مَصْدَرٌ بِمَعْنى اَلْمُصاحَبَةِ؛ أيْ: لا مُفاداةَ فِيهِ ولا خُلَّةَ أحَدٍ بِمُغْنِيَةٍ شَيْئًا مِن شَفاعَةٍ أوْ مُسامَحَةٍ بِمالٍ يَفْتَدِي بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣]
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ طابَقَ اَلْأمْرُ بِالإنْفاقِ وصْفَ اَلْيَوْمِ بِأنَّهُ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ ؟ قُلْتُ: مِن قِبَلِ أنَّ اَلنّاسَ يُخْرِجُونَ أمْوالَهم في عُقُودِ اَلْمُعاوَضاتِ فَيُعْطُونَ بَدَلًا لِيَأْخُذُوا مِثْلَهُ، وفي اَلْمُكارَماتِ ومُهاداةِ اَلْأصْدِقاءِ لِيَسْتَجِرُّوا بِهَداياهم أمْثالَها، أوْ خَيْرًا مِنها. وأمّا اَلْإنْفاقُ لِوَجْهِ اَللَّهِ خالِصًا، فَلا يَفْعَلُهُ إلّا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْخُلَّصُ، فَبُعِثُوا عَلَيْهِ لِيَأْخُذُوا بَدَلَهُ في اَلْيَوْمِ: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ أيْ: لا اِنْتِفاعَ فِيهِ بِمُبايِعَةٍ ولا بِمُخالَّةٍ ولا بِما يُنْفِقُونَ فِيهِ أمْوالَهم مِنَ اَلْمُعاوَضاتِ والمُكارَماتِ، وإنَّما يُنْتَفَعُ فِيهِ بِالإنْفاقِ لِوَجْهِ اَللَّهِ. اِنْتَهى.
قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: والظّاهِرُ أنَّ (مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (أنْفَقُوا) وتَذْكِيرُ إتْيانِ ذَلِكَ اَلْيَوْمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِهِ، مِن حَيْثُ أنَّ كُلًّا مِن فِقْدانِ اَلشَّفاعَةِ وما يُتَدارَكُ بِهِ اَلتَّقْصِيرُ؛ مُعاوَضَةً وتَبَرُّعًا، وانْقِطاعِ آثارِ اَلْبَيْعِ والخِلالِ اَلْواقِعَيْنِ في اَلدُّنْيا وعَدَمِ اَلِانْتِفاعِ بِهِما مِن أقْوى اَلدَّواعِي إلى اَلْإتْيانِ بِما تَبْقى عَوائِدُهُ وتَدُومُ فَوائِدُهُ مِنَ اَلْإنْفاقِ في سَبِيلِهِ تَعالى. أوْ مِن حَيْثُ إنَّ اِدِّخارَ اَلْمالِ وتَرْكَ إنْفاقِهِ، إنَّما يَقَعُ غالِبًا لِلتِّجاراتِ والمُهاداةِ. فَحَيْثُ لا يُمْكِنُ (p-٣٧٣١)ذَلِكَ في اَلْآخِرَةِ، فَلا وجْهَ لِادِّخارِهِ إلى وقْتِ اَلْمَوْتِ.
وتَخْصِيصُ اَلتَّأْكِيدِ بِذَلِكَ لِمَيْلِ اَلطِّباعِ إلى اَلْمالِ، وكَوْنِها مَجْبُولَةً عَلى حُبِّهِ والفِتْنَةِ بِهِ. ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ اَلْأمْرِ بِإقامَةِ اَلصَّلاةِ أيْضًا، مِن حَيْثُ إنَّ تَرْكَها، كَثِيرًا ما يَكُونُ بِالِاشْتِغالِ بِالبُيُوعِ والمُخالّاتِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] ولَمّا ذَكَرَ أحْوالَ اَلْكافِرِينَ لِنِعَمِ اَللَّهِ تَعالى، وأمْرَ اَلْمُؤْمِنِينَ بِإقامَةِ مَراسِمِ اَلطّاعَةِ شُكْرًا لِنِعَمِهِ؛ شَرَعَ في تَفْصِيلِ ما يَسْتَوْجِبُ عَلى كافَّةِ اَلْأنامِ اَلْمُثابَرَةَ عَلى اَلشُّكْرِ والطّاعَةِ مِنَ اَلنِّعَمِ اَلْعِظامِ، حَثًّا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْها وتَقْرِيعًا لِلْكَفَرَةِ اَلْمُخِلِّينَ بِها، اَلْواضِعِينَ مَوْضِعَها اَلْكُفْرَ والمَعاصِيَ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
14:32Page 259
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ ٣٢
It is Allāh who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you1 the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ .
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: اَلْمُزْنِ: ﴿ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ أيْ: تَعِيشُونَ بِهِ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ﴾ أيِ: اَلسُّفُنَ: ﴿لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: بِإرادَتِهِ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ أيْ: فَتَجْرِي حَيْثُ تَشاؤُونَ مِن شُرْبٍ وسَقْيٍ وسِواهُما.
14:33Page 259
وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ٣٣
And He subjected for you the sun and the moon, continuous [in orbit], and subjected for you the night and the day.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣] ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ .
﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ أيْ: يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما ودَرْئِهِما (p-٣٧٣٢)اَلظُّلُماتِ وإصْلاحِهِما ما يُصْلِحانِ مِنَ اَلْأرْضِ والأبْدانِ والنَّباتِ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ أيْ: يَتَعاقَبانِ خَلْفَهُ، لِمَعاشِكم وسُباتِكم.
14:34Page 260
وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ ٣٤
And He gave you from all you asked of Him.1 And if you should count the favor [i.e., blessings] of Allāh, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.2
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤] ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ .
﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أيْ: ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِمّا تَصْلُحُ أحْوالُكم ومَعايِشُكم بِهِ، فَكَأنَّكم سَألْتُمُوهُ أوْ طَلَبْتُمُوهُ بِلِسانِ اَلْحالِ.
وقالَ القاشانِيُّ: ﴿مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ بِألْسِنَةِ اِسْتِعْداداتِكم، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَسْألُهُ بِلِسانِ اِسْتِعْدادِهِ، كَما لا يَفِيضُ عَلَيْهِ مَعَ اَلسُّؤالِ بِلا تَخَلُّفٍ وتَراخٍ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ لِعَدَمِ تَناهِيها: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ﴾ أيْ: بِوَضْعِ نُورِ اَلِاسْتِعْدادِ ومادَّةِ اَلْبَقاءِ في ظُلْمَةِ اَلطَّبِيعَةِ ومَحَلِّ اَلْفَناءِ وصَرْفِهِ فِيها. أوْ بِنَقْصِ حَقِّ اَللَّهِ أوْ حَقِّ نَفْسِهِ بِإبْطالِ اَلِاسْتِعْدادِ ﴿كَفّارٌ﴾ أيْ: بِتِلْكَ اَلنِّعَمِ اَلَّتِي لا تُحْصى، بِاسْتِعْمالِها في غَيْرِ ما يَنْبَغِي أنْ تُسْتَعْمَلَ، وغَفْلَتِهِ عَنِ اَلْمُنْعِمِ عَلَيْهِ بِهِ، واحْتِجابِهِ بِها عَنْهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
14:35Page 260
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ ٣٥
And [mention, O Muḥammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [i.e., Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ .
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ أيِ: اُذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ.
قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: والمَقْصُودُ مِن تَذْكِيرِهِ، تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِن مَقالاتِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ عَلى نَهْجِ اَلتَّفْصِيلِ. والمُرادُ بِهِ تَأْكِيدُ ما سَلَفَ مِن تَعَجُّبِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ بِبَيانِ فَنٍّ آخَرَ مِن جِناياتِهِمْ، حَيْثُ كَفَرُوا بِالنِّعَمِ اَلْخاصَّةِ بِهِمْ، بَعْدَ ما كَفَرُوا بِالنِّعَمِ اَلْعامَّةِ. وعَصَوْا أباهم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ (p-٣٧٣٣)حَيْثُ أسْكَنَهم بِمَكَّةَ شَرَّفَها اَللَّهُ تَعالى لِإقامَةِ اَلصَّلاةِ والِاجْتِنابِ عَنْ عِبادَةِ اَلْأصْنامِ والشُّكْرِ لِنِعَمِ اَللَّهِ تَعالى. وسَألَهُ تَعالى أنْ يَجْعَلَهُ بَلَدًا آمِنًا ويَرْزُقَهم مِنَ اَلثَّمَراتِ، وتَهْوِيَ قُلُوبُ اَلنّاسِ إلَيْهِمْ مِن كُلِّ أوْبٍ سَحِيقٍ. فاسْتَجابَ اَللَّهُ دُعاءَهُ، وجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ. فَكَفَرُوا بِتِلْكَ اَلنِّعَمِ اَلْعِظامِ، واسْتَبْدَلُوا بِالبَلَدِ اَلْحَرامِ دارَ اَلْبَوارِ. وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وفَعَلُوا ما فَعَلُوا.
﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ﴾ يَعْنِي اَلْبَلَدَ اَلْحَرامَ، مَكَّةَ اَلْمُكَرَّمَةَ: ﴿آمِنًا﴾ أيْ: ذا أمْنٍ. أوْ آمِنًا أهْلُهُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ أيْ: بَعِّدْنِي وإيّاهم: ﴿أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾
14:36Page 260
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٦
My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me;1 and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦] ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: كُنْ سَبَبًا في إضْلالِهِمْ. كَما يُقالُ فَتَنَتْهُمُ اَلدُّنْيا وغَرَّتْهم، إشارَةً إلى أنَّهُ اِفْتَتَنَ بِالأصْنامِ خَلائِقَ لا تُحْصى. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ. وإنَّما صَدَّرَهُ بِالنِّداءِ إظْهارًا لِاعْتِنائِهِ بِهِ، ورَغْبَتِهِ في اِسْتِجابَتِهِ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ أيْ: عَلى مِلَّتِي وكانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا مِثْلِي: ﴿فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي﴾ أيْ: فَخالَفَ مِلَّتِي: ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: فَإنَّكَ ذُو اَلْأسْماءِ اَلْحُسْنى، والمَجْدِ اَلْأسْمى، اَلْغَنِيُّ عَنِ اَلنّاسِ أجْمَعِينَ. وتَخْصِيصُ اَلِاسْمَيْنِ إشارَةٌ إلى سَبْقِ اَلرَّحْمَةِ.
14:37Page 260
رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ ٣٧
Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٧] ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ .
﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ: بَعْضِ أوْلادِي. وهم إسْماعِيلُ ومَن وُلِدَ مِنهُ: (p-٣٧٣٤)﴿بِوادٍ﴾ هو وادِي مَكَّةَ: ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ: لا يَكُونُ فِيهِ زَرْعٌ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ: اَلَّذِي حَرَّمْتَ اَلتَّعَرُّضَ لَهُ والتَّهاوُنَ بِهِ: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: لِكَيْ يَأْتُوا بِعِبادَتِكَ مُقَوَّمَةً في ذَلِكَ اَلْمَوْضِعِ. وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ: ﴿أسْكَنْتُ﴾ أيْ: ما أسْكَنْتُهم هَذا اَلْوادِيَ إلّا لِيُقِيمُوا اَلصَّلاةَ عِنْدَ بَيْتِكَ اَلْمُحَرَّمِ ويُعَمِّرُوهُ بِذِكْرِكَ وعِبادَتِكَ وحْدَكَ. وتَكْرِيرُ اَلنِّداءِ وتَوْسِيطُهُ؛ لِإظْهارِ كَمالِ اَلْعِنايَةِ بِإقامَةِ اَلصَّلاةِ.
﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ أيْ: تُسْرِعُ إلَيْهِمْ وتَطِيرُ نَحْوَهم شَوْقًا، فَيَأْنَسُوا ويَتَعارَفُوا فَيَتَآلَفُوا ويَعُودُوا عَلى بَعْضِهِمْ بِالمَنافِعِ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ أيْ: فَتَجْلِبُها إلَيْهِمُ اَلتُّجّارُ: ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ أيْ: نِعْمَةَ إقامَتِهِمْ عِنْدَ بَيْتِكَ اَلْمُحَرَّمِ بِالصَّلاةِ فِيها، عَلى كَمالِ اَلْإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ، مَعَ فَراغِ اَلْقَلْبِ.
14:38Page 260
رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٣٨
Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allāh on the earth or in the heaven.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨] ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ .
﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ لِأنَّ اَلْكُلَّ خَلْقُهُ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: اَلْمَعْنى: إنَّكَ أعْلَمُ بِأحْوالِنا وما يُصْلِحُنا وما يُفْسِدُنا مِنّا. وأنْتَ أرْحَمُ بِنا مِنّا بِأنْفُسِنا ولَها، فَلا حاجَةَ إلى اَلدُّعاءِ والطَّلَبِ. وإنَّما نَدْعُوكَ إظْهارًا لِلْعُبُودِيَّةِ لَكَ، وتَخَشُّعًا لِعَظَمَتِكَ، وتَذَلُّلًا لِعِزَّتِكَ، وافْتِقارًا إلى ما عِنْدَكَ، واسْتِعْجالًا لِنَيْلِ أيادِيكَ، ووَلَهًا إلى رَحْمَتِكَ. وكَما يَتَمَلَّقُ اَلْعَبْدُ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ رَغْبَةً في إصابَةِ مَعْرُوفِهِ، مَعَ تَوَفُّرِ اَلسَّيِّدِ عَلى حُسْنِ اَلْمِلْكَةِ.
(p-٣٧٣٥)وعَنْ بَعْضِهِمْ: أنَّهُ رَفَعَ حاجَتَهُ إلى كِرِيمٍ فَأبْطَأ عَلَيْهِ اَلنَّجْحَ، فَأرادَ أنْ يَذْكُرَهُ فَقالَ: مِثْلُكَ لا يُذْكَرُ اسْتِقْصارًا ولا تَوَهُّمًا لِلْغَفْلَةِ عَنْ حَوائِجِ اَلسّائِلِينَ، ولَكِنَّ ذا اَلْحاجَةِ لا تَدَعُهُ حاجَتُهُ أنْ لا يَتَكَلَّمَ فِيها. اِنْتَهى.
وجُوِّزَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ إلخ، أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ تَعالى، تَصْدِيقًا لِإبْراهِيمَ، أوْ مِن كَلامِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ.
14:39Page 260
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٩
Praise to Allāh, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٩] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ .
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ أيْ: لِيَقُوما مَقامِي في اَلدَّعْوَةِ إلَيْهِ تَعالى وبَثِّ اَلْحَنِيفِيَّةِ وإقامَةِ اَلصَّلاةِ بَعْدَ ذَهابِي: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ: مُجِيبُهُ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما ذَكَرَ حالَ اَلْكِبَرِ، لِأنَّ اَلْمِنَّةَ بِهِبَةِ اَلْوَلَدِ فِيها أعْظَمُ، مِن حَيْثُ إنَّها حالَ وُقُوعِ اَلْيَأْسِ مِنَ اَلْوِلادَةِ، والظَّفَرِ بِالحاجَةِ عَلى عَقِبِ اَلْيَأْسِ، مِن أجَلِّ اَلنِّعَمِ وأحْلاها في نَفْسِ اَلظّافِرِ.
14:40Page 260
رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ ٤٠
My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٠] ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ .
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ أيْ: عِبادَتِي، كَذا في (اَلتَّنْوِيرِ) .
(p-٣٧٣٦)
14:41Page 260
رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ ٤١
Our Lord, forgive me and my parents and the believers the Day the account is established."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١] ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ .
﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ أيْ: مُجازاةِ اَلْعِبادِ عَلى أعْمالِهِمْ. قُرِئَ {ولِوالِدِي } بِالإفْرادِ، وكَأنَّ هَذا قَبْلَ تَبَيُّنِ أمْرِهِ لَهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ.
14:42Page 260
وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٤٢
And never think that Allāh is unaware of what the wrongdoers do. He only delays them [i.e., their account] for a Day when eyes will stare [in horror].
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢] ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ .
﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ. أيْ: لا تَحْسَبُهُ، إذا أنْظَرَهم وأجَّلَهم، أنَّهُ غافِلٌ عَنْهم، مُهْمِلٌ لَهم، لا يُعاقِبُهم عَلى عَمَلِهِمْ، بَلْ هو يُحْصِيهِ عَلَيْهِمْ ويَعُدُّهُ عَلَيْهِمْ عَدًّا. وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ، ووَعْدٌ لَهُ أكِيدٌ، ووَعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ وسائِرِ اَلظّالِمِينَ شَدِيدٌ.
﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أيْ: بِإمْهالِهِمْ مُتَمَتِّعِينَ بِشَهَواتِهِمْ، ولا يُعَجِّلُ عُقُوبَتَهم: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ: تَرْتَفِعُ فِيهِ أبْصارُ أهْلِ اَلْمَوْقِفِ، لِهَوْلِ ما يَرَوْنَ. فَلا تَقَرُّ أعْيُنُهم في أماكِنِها ولا تَطْرِفُ.
14:43Page 261
مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ ٤٣
Racing ahead, their heads raised up, their glance does not come back to them,1 and their hearts are void.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٣] ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ .
﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ: مُسْرِعِينَ إلى اَلدّاعِي اَلَّذِي يَدْعُوهم إلى اَلْمَحْشَرِ. وهَذا بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ قِيامِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ، وعَجَلَتِهِمْ إلى اَلْمَحْشَرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ﴾ [القمر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا﴾ [المعارج: ٤٣]
(p-٣٧٣٧)﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ: رافِعِيها إلى اَلسَّماءِ: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أيْ: لا يَطْرِفُونَ، ولَكِنَّ عُيُونَهم مَفْتُوحَةٌ مَمْدُودَةٌ مِن غَيْرِ تَحْرِيكٍ لِلْأجْفانِ: ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ أيْ: لا قُوَّةَ فِيها ولا ثَباتَ؛ لِشِدَّةِ اَلْفَزَعِ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: اَلْهَواءُ: اَلْخَلاءُ اَلَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ اَلْأجْرامُ، فَوُصِفَ بِهِ. فَقِيلَ: قَلْبُ فُلانٍ هَواءٌ، إذا كانَ جَبانًا لا قُوَّةَ في قَلْبِهِ ولا جَراءَةَ. ويُقالُ لِلْأحْمَقِ أيْضًا: قَلْبُهُ هَواءٌ. والمَعْنى: أنَّ اَلْقُلُوبَ يَوْمَئِذٍ زائِلَةٌ عَنْ أماكِنِها والأبْصارَ شاخِصَةٌ، والرُّؤُوسَ مَرْفُوعَةٌ إلى اَلسَّماءِ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اَلْيَوْمِ وشِدَّتِهِ وخَوْفِ ما يَقَعُ فِيهِ.
14:44Page 261
وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ ٤٤
And, [O Muḥammad], warn the people of a Day when the punishment will come to them and those who did wrong will say, "Our Lord, delay us for a short term; we will answer Your call and follow the messengers." [But it will be said], "Had you not sworn, before, that for you there would be no cessation?1
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤] ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ يَعْنِي يَوْمَ اَلْقِيامَةِ: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا﴾ أيْ: رُدَّنا إلى اَلدُّنْيا وأمْهِلْنا: ﴿إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أيْ: أمَدٍ مِنَ اَلزَّمانِ قَرِيبٍ: ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أيْ: إلى اَلْإقْرارِ بِتَوْحِيدِكَ وأسْمائِكَ اَلْحُسْنى: ﴿ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ أيْ: دَعَوْنا إلَيْهِ مِنَ اَلشَّرائِعِ.
﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ﴾ عَلى إضْمارِ اَلْقَوْلِ. أيْ: فَيُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَبْكِيتًا تَكُونُوا تَحْلِفُونَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي في اَلدُّنْيا: ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ أيْ: مِن دارِ اَلدُّنْيا إلى دارٍ أُخْرى لِلْجَزاءِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]
(p-٣٧٣٨)
14:45Page 261
وَسَكَنتُمۡ فِي مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَتَبَيَّنَ لَكُمۡ كَيۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ ٤٥
And you lived among the dwellings of those who wronged themselves, and it had become clear to you how We dealt with them. And We presented for you [many] examples."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥] ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ .
﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ كَعادٍ وثَمُودَ: ﴿وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ أيْ: بِما تُشاهِدُونَهُ في مَنازِلِهِمْ مِن آثارِ ما نَزَلَ بِهِمْ، وما تَواتَرَ عِنْدَكم مِن أخْبارِهِمْ: ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ أيْ: صِفاتِ ما فَعَلُوا وما فُعِلَ بِهِمْ. أيْ: ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لَكم فِيهِمْ مُعْتَبَرٌ ولا مُزْدَجَرٌ.
14:46Page 261
وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ ٤٦
And they had planned their plan, but with Allāh is [recorded] their plan, even if their plan had been [sufficient] to do away with the mountains.1
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٦] ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ .
﴿وقَدْ مَكَرُوا﴾ أيْ: بِالنَّبِيِّ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ: ﴿مَكْرَهُمْ﴾ أيِ: اَلْعَظِيمَ، أيِ: اَلَّذِي اِسْتَفْرَغُوا فِيهِ جُهْدَهم لِإبْطالِ اَلْحَقِّ وتَقْرِيرِ اَلْباطِلِ: ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ: جَزاءُ مَكْرِهِمْ: ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ: في اَلْعِظَمِ والشِّدَّةِ: ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ أيْ: مُسَوًّى ومُعَدًّا لِإزالَةِ اَلْجِبالِ عَنْ مَقارِّها، لِتَناهِي شِدَّتِهِ.
وجُوِّزَ في {إنْ} كَوْنُها نافِيَةً واللّامُ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ. والمَعْنى: ومَحالٌّ أنْ تَزُولَ اَلْجِبالُ بِمَكْرِهِمْ، عَلى أنَّ اَلْجِبالَ مَثَلٌ (أيِ: اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ) لِآياتِ اَللَّهِ وشَرائِعِهِ؛ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ اَلْجِبالِ اَلرّاسِيَةِ ثَباتًا وتَمَكُّنًا. ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ اِبْنِ مَسْعُودٍ: {وما كانَ مَكْرُهم } وقُرِئَ {لَتَزُولُ} بِلامِ اَلِابْتِداءِ أيْ: هو مِنَ اَلشِّدَّةِ بِحَيْثُ تَزُولُ مِنهُ اَلْجِبالُ وتَنْقَلِعُ مِن أماكِنِها.
(p-٣٧٣٩)
14:47Page 261
فَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخۡلِفَ وَعۡدِهِۦ رُسُلَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٖ ٤٧
So never think that Allāh will fail in His promise to His messengers. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Owner of Retribution.1
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧] ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ .
﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أيْ: مِن نَصْرِهِمُ اَلْمُبَيَّنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] اَلْآيَةَ.
واسْتَظْهَرَ أبُو اَلسُّعُودِ: أنَّ اَلْمَعْنى بِالوَعْدِ هُنا عَذابُهُمُ اَلْأُخْرَوِيُّ اَلْمُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ﴾ [إبراهيم: ٤٢] إلخ، ولا يَخْفى أنَّ اَلْوَعْدَ قَدْ بُيِّنَ في مِثْلِ اَلْآيَةِ اَلْأخِيرَةِ والأُولَيَيْنِ في مَعْناها. والبَيانُ يَرْفَعُ اَللَّبْسَ. وإنَّما أُوثِرَ تَقْدِيمُ اَلْمَفْعُولِ اَلثّانِي، أعْنِي (وعْدَهُ ) عَلى اَلْأوَّلِ وهو (رُسُلَهُ) لِلْإيذانِ بِالعِنايَةِ بِهِ. فَإنَّ اَلْآيَةَ في سِياقِ اَلْإنْذارِ والتَّهْدِيدِ لِلظّالِمِينَ بِما تَوَعَّدَهُمُ اَللَّهُ بِهِ عَلى ألْسِنَةِ اَلرُّسُلِ. فالمُهِمُّ في اَلتَّهْدِيدِ ذِكْرُ اَلْوَعِيدِ. كَذا في (اَلِانْتِصافِ) .
وفِي (اَلْكَشْفِ) تَقْدِيمُهُ لِلِاعْتِناءِ بِهِ وكَوْنِهِ اَلْمَقْصُودَ بِالإفادَةِ. وما ذَكَرَهُ مِمَّنْ وقَعَ اَلْوَعْدُ عَلى لِسانِهِ، إنَّما ذُكِرَ بِطْرِيقِ اَلتَّبَعِ لِلْإيضاحِ، والتَّفْصِيلِ بَعْدَ اَلْإجْمالِ. وهو مِن أُسْلُوبِ اَلتَّرَقِّي كَما في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] و: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أيْ: غالِبٌ لا يُماكَرُ: ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ مِن أعْدائِهِ، نَصْرًا لِأوْلِيائِهِ.
14:48Page 261
يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ ٤٨
[It will be] on the Day the earth will be replaced by another earth, and the heavens [as well], and they [i.e., all creatures] will come out before Allāh, the One, the Prevailing,
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨] ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ .
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ تَسِيرُ عَنِ اَلْأرْضِ جِبالُها وتُفَجَّرُ بِحارُها وتُسَوّى، فَلا يُرى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ. وتُبَدَّلُ اَلسَّماواتُ (p-٣٧٤٠)بِانْتِثارِ كَواكِبِها، وكُسُوفِ شَمْسِها، وخُسُوفِ قَمَرِها، وانْشِقاقِها، وكَوْنِها أبْوابًا و(يَوْمَ) بَدَلٌ مِن (يَوْمَ يَأْتِيهِمْ ) أوْ ظَرْفٌ لِلِانْتِقامِ أوْ مُقَدَّرٌ بِـ (اُذْكُرْ) أوْ ( لا يُخْلِفُ وعْدَهُ) .
﴿وبَرَزُوا﴾ أيِ: اَلْخَلائِقُ أوِ اَلظّالِمُونَ مِن أجْداثِهِمْ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ أيْ: لِحِسابِهِ وجَزائِهِ.
قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: والتَّعَرُّضُ لِلْوَصْفَيْنِ لِتَهْوِيلِ اَلْخَطْبِ وتَرْبِيَةِ اَلْمَهابَةِ وإظْهارِ بُطْلانِ اَلشِّرْكِ وتَحْقِيقِ اَلِانْتِقامِ في ذَلِكَ اَلْيَوْمِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ ظَرْفًا لَهُ. وتَحْقِيقُ إتْيانِ اَلْعَذابِ اَلْمَوْعُودِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بَدَلًا مِن (يَوْمَ يَأْتِيهِمُ اَلْعَذابُ ) فَإنَّ اَلْأمْرَ إذا كانَ لِواحِدٍ غَلّابٌ؛ كانَ في غايَةِ اَلشِّدَّةِ والصُّعُوبَةِ.
14:49Page 261
وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ ٤٩
And you will see the criminals that Day bound together in irons,
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩] ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ .
﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ جَمْعُ (مُقَرَّنٍ) وهو مَن جُمِعَ في قَرَنٍ (بِفَتْحَتَيْنِ) اَلْوِثاقِ اَلَّذِي يُرْبَطُ بِهِ. أيْ: قَرَنَ بَعْضَهم مَعَ بَعْضٍ حَسْبَ اِقْتِرانِهِمْ في اَلْجَرائِمِ والفَسادِ. فَيَجْمَعُ بَيْنَ اَلنُّظَراءِ والأشْكالِ مِنهم، كُلَّ صِنْفٍ إلى صِنْفٍ. كَما قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] وقالَ: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أوْ: قَرَنُوا مَعَ اَلشَّياطِينِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ﴾ [مريم: ٦٨] أوْ قُرِّنَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم إلى رِقابِهِمْ بِالأغْلالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الأصْفادِ﴾ [ص: ٣٨] أيِ: اَلْقُيُودِ أوِ اَلْأغْلالِ، جَمْعُ صَفَدٍ بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنى اَلْقَيْدِ أوِ اَلْغُلِّ. والقَيْدُ هو اَلَّذِي يُوضَعُ في اَلرِّجْلِ. والغُلُّ * بِالضَّمِّ * ما في اَلْيَدِ والعُنُقِ وما يُضَمُّ بِهِ اَلْيَدُ والرِّجْلُ إلى اَلْعُنُقِ. والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ: { مُقَرَّنِينَ } أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ: مُصَفَّدِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٧٤١)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences