Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:14–32
16:14Page 268
وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٤
And it is He who subjected the sea for you to eat from it tender meat and to extract from it ornaments which you wear. And you see the ships plowing through it, and [He subjected it] that you may seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤] ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .
﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ هو اَلسُّمْكُ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: ووَصَفَهُ بِالطَّراوَةِ؛ لِأنَّ اَلْفَسادَ يُسْرِعُ إلَيْهِ، فَيُسارِعُ إلى أكْلِهِ، خِيفَةَ اَلْفَسادِ عَلَيْهِ.
قالَ اَلنّاصِرُ: فَكَأنَّ ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لِأكْلِهِ، وإرْشادٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَناوَلَ إلّا طَرِيًّا. والأطِبّاءُ يَقُولُونَ: إنَّ تَناوُلَهُ بَعْدَ ذَهابِ طَراوَتِهِ أضَرُّ شَيْءٍ يَكُونُ. واَللَّهُ أعْلَمُ. اِنْتَهى.
(p-٣٧٨٨)قالَ اَلشِّهابُ: فَفِيهِ إدْماجٌ لِحُكْمٍ طِبِّيٍّ. وهَذا لا يُنافِي تَقْدِيدَهُ وأكْلَهُ مُخَلَّلًا، كَما تُوُهِّمَ. اِنْتَهى.
أقُولُ: اَلْأظْهَرُ في سِرِّ وصْفِهِ بِالطَّراوَةِ: هو اَلتَّنْبِيهُ عَلى حُسْنِهِ ولُطْفِهِ، وعَلى اَلتَّفْكِيرِ في باهِرِ قُدْرَتِهِ وعَجِيبِ صُنْعِهِ سُبْحانَهُ، في خَلْقِهِ إيّاهُ، عَلى كَيْفِيَّةِ تَبايُنِ لُحُومِ حَيَواناتِ اَلْبَرِّ، مَعَ اِشْتِراكِهِما في اَلْحَيَوانِيَّةِ.
﴿وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً﴾ كاللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ: ﴿تَلْبَسُونَها﴾ أيْ: تَلْبَسُها نِساؤُكم، والإسْنادُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُنَّ مِن جُمْلَتِهِمْ في اَلْخُلْطَةِ والتّابِعِيَّةِ، ولِأنَّهُنَّ إنَّما يَتَزَيَّنَّ بِها مِن أجْلِهِمْ، فَكَأنَّها زِينَتُهم ولِباسُهم. أوْ مَعْنى (تَلْبَسُونَ) تَتَمَتَّعُونَ وتَلْتَذُّونَ، عَلى طَرِيقِ اَلِاسْتِعارَةِ والمَجازِ. ولَوْ جُعِلَ مِن مَجازِ اَلْبَعْضِ لَصَحَّ. أيْ: تَلْبَسُها نِساؤُكم.
قالَ اَلنّاصِرُ: ولِلَّهِ دَرُّ مالِكٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ، حَيْثُ جَعَلَ لِلزَّوْجِ اَلْحَجْرَ عَلى زَوْجَتِهِ فِيما لَهُ بالٌ مِن مالِها. وذَلِكَ مُقَدَّرٌ بِالزّائِدِ عَلى اَلثُّلُثِ؛ لِحَقِّهِ فِيهِ بِالتَّجَمُّلِ. فانْظُرْ إلى مَكانَةِ حَظِّ اَلرِّجالِ مِن مالِ اَلنِّساءِ ومِن زِينَتِهِنَّ، حَتّى جَعَلَ حَظَّ اَلْمَرْأةِ مِن مالِها وزِينَتِها حِلْيَةً لَهُ. فَعَبَّرَ عَنْ حَظِّهِ في لَبْسِها بِلَبْسِهِ، كَما يُعَبِّرُ عَنْ حَظِّها سَواءٌ.
قالَ اَلشِّهابُ: فَإنْ قُلْتَ: اَلظّاهِرُ أنْ يُقالَ تَحُلُّونَهُنَّ، أوْ تُقَلِّدُونَهُنَّ كَما قالَ:
؎تَرُوعُ حَصاهُ حالِيَةَ اَلْعَذارى فَتَلْمَسُ جانِبَ اَلْعِقْدِ اَلنَّظِيمِ
وهِيَ لِلنِّساءِ دُونَ اَلرِّجالِ. قُلْتُ: أمّا اَلْأوَّلُ فَسَهُلَ؛ لِأنَّ اَلْمُرادَ لازَمَهُ. أيْ: تَحُلُّونَهُنَّ. والثّانِي عَلى فَرْضِ تَسْلِيمِهِ: هم يَتَمَتَّعُونَ بِزِينَةِ اَلنِّساءِ، فَكَأنَّهم لابِسُونَ. وإذا لَمْ يَكُنْ تَغْلِيبًا، فَهو مَجازٌ، بِمَعْنى: تَجْعَلُونَها لِباسًا لِبَناتِكم ونِسائِكم.
ونُكْتَةُ اَلْعُدُولِ: أنَّ اَلنِّساءَ (p-٣٧٨٩)مَأْمُوراتٌ بِالحِجابِ وإخْفاءِ اَلزِّينَةِ عَنْ غَيْرِ اَلْمَحارِمِ. فَأُخْفِيَ اَلتَّصْرِيحُ بِهِ لِيَكُونَ اَللَّفْظُ كالمَعْنى. اِنْتَهى.
وناقَشَ صاحِبُ (فَتْحِ اَلْبَيانِ) ما قَدَّرُوهُ في اَلْآيَةِ حَيْثُ قالَ: وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَلْبَسُونَها﴾ أنَّهُ يَجُوزُ لِلرِّجالِ أنْ يَلْبَسُوا اَللُّؤْلُؤَ والمَرْجانَ، أيْ: يَجْعَلُونَهُما حِلْيَةً لَهم كَما يَجُوزُ لِلنِّساءِ. ولا حاجَةَ لِما تَكَلَّفَهُ جَماعَةٌ مِنَ اَلْمُفَسِّرِينَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿تَلْبَسُونَها﴾ بِقَوْلِهِمْ: تَلْبَسُها نِساؤُهم. لِأنَّهُنَّ مِن جُمْلَتِهِمْ، أوْ لِكَوْنِهِنَّ يَلْبَسْنَها لِأجْلِهِمْ. ولَيْسَ في اَلشَّرِيعَةِ اَلْمُطَهَّرَةِ ما يَقْتَضِي مَنعَ اَلرِّجالِ مِنَ اَلتَّحَلِّي بِاللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ، ما لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ عَلى صِفَةٍ لا يَسْتَعْمِلُهُ عَلَيْها إلّا اَلنِّساءُ خاصَّةً. فَإنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ، ورَدَّ اَلشَّرْعُ بِمَنعِهِ، مِن جِهَةِ كَوْنِهِ تَشَبُّهًا بِهِنَّ، لا مِن جِهَةِ كَوْنِهِ حِلْيَةَ لُؤْلُؤٍ أوْ مَرْجانٍ. اِنْتَهى.
قالَ اَلسُّيُوطِيُّ في (اَلْإكْلِيلِ): في اَلْآيَةِ دَلِيلٌ عَلى إباحَةِ لَبْسِ اَلرِّجالِ اَلْجَواهِرَ ونَحْوَها. واسْتَدَلَّ بِها مَن قالَ بِحِنْثِ اَلْحالِفِ لا يَلْبَسُ حُلِيًّا بِلَبْسِ اَللُّؤْلُؤِ؛ لِأنَّهُ تَعالى سَمّاهُ (حُلِيًّا) واسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى أنَّهُ لا زَكاةَ في حُلِيِّ اَلنِّساءِ. فَأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، أنَّهُ سُئِلَ: هَلْ في حُلِيِّ اَلنِّساءِ صَدَقَةٌ ؟ قالَ: لا، هي كَما قالَ: ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ اِنْتَهى.
قالَ في (فَتْحِ اَلْبَيانِ): وفي هَذا اَلِاسْتِدْلالِ نَظَرٌ. واَلَّذِي يَنْبَغِي اَلتَّعْوِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ اَلْأصْلَ اَلْبَراءَةُ مِنَ اَلزَّكاةِ حَتّى يَرِدَ اَلدَّلِيلُ بِوُجُوبِها في شَيْءٍ مِن أنْواعِ اَلْمالِ فَتُلْزَمُ. وقَدْ ورَدَ في اَلذَّهَبِ والفِضَّةِ ما هو مَعْرُوفٌ. ولَمْ يَرِدْ في اَلْجَواهِرِ، عَلى اِخْتِلافِ أصْنافِها ما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ اَلزَّكاةِ فِيها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الفُلْكَ﴾ أيِ: اَلسُّفُنَ: ﴿مَواخِرَ فِيهِ﴾ أيْ: جَوارِيَ جَمْعُ (ماخِرَةٍ) بِمَعْنى جارِيَةٍ. وأصْلُ مَعْنى (اَلْمَخْرِ): اَلشَّقُّ؛ لِأنَّها تَشُقُّ اَلْماءَ بِمَقْدِمِها: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، أيْ: لِتَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: مِن سَعَةِ رِزْقِهِ، بِرُكُوبِها لِلتِّجارَةِ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: فَتَصْرِفُونَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم إلى ما خَلَقَ لِأجْلِهِ.
(p-٣٧٩٠)قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: ولَعَلَّ تَخْصِيصَ هَذِهِ اَلنِّعْمَةِ بِالتَّعْقِيبِ بِالشُّكْرِ، مِن حَيْثُ إنَّ فِيها قَطْعًا لِمَسافَةٍ طَوِيلَةٍ، مَعَ أحْمالٍ ثَقِيلَةٍ، في مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، مِن غَيْرِ مُزاوَلَةِ أسْبابِ اَلسَّفَرِ. بَلْ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ أصْلًا. مَعَ أنَّها في تَضاعِيفِ اَلْمَهالِكِ. وعَدَمُ تَوْسِيطِ اَلْفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ بَيْنَ اَلِابْتِغاءِ والشُّكْرِ؛ لِلْإيذانِ بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ اَلتَّصْرِيحِ بِهِ وبِحُصُولِهِما مَعًا.
وقَوْلُهُ تَعالى:
16:15–16Page 269
وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَٰرٗا وَسُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥
And He has cast into the earth firmly set mountains, lest it shift with you, and [made] rivers and roads, that you may be guided,
وَعَلَٰمَٰتٖۚ وَبِٱلنَّجۡمِ هُمۡ يَهۡتَدُونَ ١٦
And landmarks. And by the stars they are [also] guided.1
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥-١٦] ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] .
﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ: ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أيْ: تَضْطَرِبَ: ﴿وأنْهارًا﴾ أيْ: جَعَلَ فِيها أنْهارًا تَجْرِي مِن مَكانٍ إلى آخَرَ، رِزْقًا لِلْعِبادِ: ﴿وسُبُلا﴾ أيْ: طُرُقًا يَسْلُكُ فِيها مِن بِلادٍ إلى غَيْرِها، حَتّى في اَلْجِبالِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلا﴾ [الأنبياء: ٣١] ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ أيْ: بِها إلى مَآرِبِكم.
﴿وعَلاماتٍ﴾ [النحل: ١٦] أيْ: دَلائِلَ يَسْتَدِلُّ بِها اَلْمُسافِرُونَ مِن جَبَلٍ ومَنهَلٍ ورِيحٍ، بَرًّا وبَحْرًا، إذا ضَلُّوا اَلطَّرِيقَ: ﴿وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] أيْ: في اَلظَّلامِ بَرًّا وبَحْرًا. والعُدُولُ عَنْ سُنَنِ اَلْخِطابِ إلى اَلْغَيْبَةِ؛ لِلِالتِفاتِ. وتَقْدِيمُ (بِالنَّجْمِ) لِلْفاصِلَةِ، وتَقْدِيمُ اَلضَّمِيرِ لِلتَّقَوِّي. وهَذا أوْلى مِن دَعْوى اَلزَّمَخْشَرِيِّ؛ أنَّ اَلتَّقْدِيمَ لِلتَّخْصِيصِ بِقَوْمٍ هم قُرَيْشٌ لِكَوْنِهِمْ أصْحابَ رِحْلَةٍ وسَفَرٍ، وذَلِكَ لِأنَّ اَلْخِطابَ في اَلْآياتِ اَلسّابِقَةِ عامًّا فَكَذا يَكُونُ في لاحِقِها.
تَنْبِيهٌ:
قالَ في (اَلْإكْلِيلِ): هَذِهِ اَلْآيَةُ أصْلٌ لِمُراعاةِ اَلنُّجُومِ لِمَعْرِفَةِ اَلْأوْقاتِ والقِبْلَةِ والطُّرُقِ.
(p-٣٧٩١)
16:17–18Page 269
أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٧
Then is He who creates like one who does not create? So will you not be reminded?
وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨
And if you should count the favors of Allāh, you could not enumerate them. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧-١٨] ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] .
﴿أفَمَن يَخْلُقُ﴾ أيْ: كُلَّ شَيْءٍ، لا سِيَّما تِلْكَ اَلْمَصْنُوعاتُ اَلْعَظِيمَةُ اَلْمَذْكُورَةُ، وهو اَللَّهُ اَلْواحِدُ اَلْأحَدُ: ﴿كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ أيْ: شَيْئًا ما، وهو ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ، وهَذا تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وإبْطالٌ لِإشْراكِهِمْ بِإنْكارِ أنْ يُساوِيَهُ ويَسْتَحِقَّ مُشارَكَتَهُ ما لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، بَلْ عَلى إيجادِ شَيْءٍ ما.
وزَعَمَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ؛ أنَّ قَضِيَّةَ اَلْإلْزامِ أنْ يُقالَ: (أفَمَن لا يَخْلُقُ كَمَن يَخْلُقُ) ثُمَّ تَكَلَّمُوا في سِرِّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ اَلْكَلامُ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ [آل عمران: ٣٦] فَجَدَّدَ بِهِ عَهْدًا: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: فَتَعْرِفُوا فَسادَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ لِوُضُوحِهِ لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ سِوى اَلتَّذَكُّرِ.
ثُمَّ نَبَّهَ، سُبْحانَهُ وتَعالى، عَلى كَثْرَةِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وإحْسانِهِ بِما لا يُحْصى؛ إشارَةً إلى أنَّ حَقَّ عِبادَتِهِ غَيْرُ مَقْدُورٍ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [النحل: ١٨] أيْ: لا تَضْبُطُوا عَدَدَها ولا تَبْلُغُهُ طاقَتُكم، فَضْلًا أنْ تُطِيقُوا اَلْقِيامَ بِحَقِّها مِن أداءِ اَلشُّكْرِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] أيْ: حَيْثُ يَتَجاوَزُ عَنِ اَلتَّقْصِيرِ في أداءِ شُكْرِها، ولا يَقْطَعُها عَنْكم لِتَفْرِيطِكم، ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى كُفْرانِها. قالَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.
ولاحَظَ اِبْنُ جَرِيرٍ؛ أنَّ مَغْفِرَتَهُ تَعالى ورَحْمَتَهُ لَهم، إذا تابُوا وأنابُوا. أيْ: فَيَتَجاوَزُ عَنْ تَقْصِيرِهِمْ بِشُكْرِها اَلْحَقِيقِيِّ، ولا يُعَذِّبُهم بَعْدَ تَوْبَتِهِمْ وإنابَتِهِمْ إلى طاعَتِهِ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: كانَ اَلظّاهِرُ إيرادَ هَذِهِ اَلْآيَةِ عُقَيْبَ ما تَقَدَّمَ مِنَ اَلنِّعَمِ اَلْمُعَدَّدَةِ، تَكْمِلَةً (p-٣٧٩٢)لَها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] ولَعَلَّ فَصْلَ ما بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ﴾ لِلْمُبادَرَةِ إلى إلْزامِ اَلْحُجَّةِ، وإلْقاءِ اَلْحَجَرِ، إثْرَ تَفْصِيلِ ما فَصَّلَ مِنَ اَلْأفاعِيلِ، اَلَّتِي هي أدِلَّةُ اَلْوَحْدانِيَّةِ.
16:19–21Page 269
وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ١٩
And Allāh knows what you conceal and what you declare.
وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ٢٠
And those they invoke other than Allāh create nothing, and they [themselves] are created.
أَمۡوَٰتٌ غَيۡرُ أَحۡيَآءٖۖ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ ٢١
They are [in fact] dead,1 not alive, and they do not perceive when they will be resurrected.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩-٢١] ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] .
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ أيْ: مِن أعْمالِكم وسَيَجْزِيكم عَلَيْهِ.
﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] أيْ: فَأنّى تَسْتَحِقُّ اَلْأُلُوهِيَّةَ، وقَدْ نُفِيَ عَنْها أخَصُّ صِفاتِها ؟ فَإنَّها ذَواتٌ مُفْتَقِرَةٌ إلى اَلْإيجادِ. أوِ اَلْمَعْنى: أنَّ اَلنّاسَ يَخْلُقُونَها بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ. وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، فَهم أعْجَزُ مِن عَبَدَتِهِمْ. كَما قالَ اَلْخَلِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ أثْبَتَ لَهم ما يُنافِي اَلْأُلُوهِيَّةَ بِقَوْلِهِ:
﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١] أيْ: هي جَماداتٌ لا أرْواحَ فِيها، فَلا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَعْقِلُ. وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١] تَأْكِيدٌ أوْ تَأْسِيسٌ، لِأنَّ بَعْضَ اَلْأمْواتِ مِمّا يَعْتَرِيهِ اَلْحَياةُ، سابِقًا أوْ لاحِقًا، كَأجْسادِ اَلْحَيَوانِ، والنُّطَفِ اَلَّتِي يُنْشِئُها اَللَّهُ تَعالى حَيَوانًا. فَلِذا اِحْتَرَزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١] أيْ: لا يَعْتَرِيها اَلْحَياةُ أصْلًا. فَهي أمْواتٌ عَلى اَلْإطْلاقِ، حالًا ومَآلًا: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢١] أيْ: تِلْكَ اَلْأصْنامُ اَلْمَعْبُودَةُ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] أيْ: مَتى يَكُونُ (p-٣٧٩٣)بَعْثُها. وقَدْ رُوِيَ أنَّها تُبْعَثُ، ويُجْعَلُ فِيها حَياةٌ، فَتَبْرَأُ مِن عابِدِيها، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِها وبِهِمْ جَمِيعًا إلى اَلنّارِ.
وجُوِّزَ عَوْدُ اَلضَّمِيرِ إلى عابِدِيها. أيْ: وما تَشْعُرُ اَلْأصْنامُ مَتى يُبْعَثُ عَبَدَتُهم تَهَكُّمًا بِحالِها؛ لِأنَّ شُعُورَ اَلْجَمادِ مُحالٌ. فَكَيْفَ بِشُعُورِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اَللَّهُ ؟ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَعْرِفَتَهُ وقْتَ اَلْبَعْثِ مِن لَوازِمِ اَلْأُلُوهِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
16:22–23Page 269
إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٞ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ ٢٢
Your god is one God. But those who do not believe in the Hereafter - their hearts are disapproving, and they are arrogant.
لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِينَ ٢٣
Assuredly, Allāh knows what they conceal and what they declare. Indeed, He does not like the arrogant.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢-٢٣] ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] .
﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ تَصْرِيحٌ بِالمُدَّعى، وتَمْحِيضٌ لِلنَّتِيجَةِ، غَبَّ إقامَةَ اَلدَّلِيلِ. كَما أفادَهُ أبُو اَلسُّعُودِ: ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾ أيْ: لِوَحْدانِيَّتِهِ تَعالى، جاحِدَةٌ لَها، كَما أُخْبِرَ عَنْهم، مُتَعَجِّبِينَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] وقالَ تَعالى: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى.
﴿لا جَرَمَ﴾ [النحل: ٢٣] أيْ: حَقًّا: ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] أيْ: عَنِ اَلتَّوْحِيدِ، وهُمُ اَلْمُشْرِكُونَ، أوْ عَنِ اَلْحَقِّ مُطْلَقًا فَيَتَناوَلُ هَؤُلاءِ. وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]
(p-٣٧٩٤)
16:24–25Page 269
وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡ قَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤
And when it is said to them, "What has your Lord sent down?" they say, "Legends of the former peoples,"
لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٢٥
That they may bear their own burdens [i.e., sins] in full on the Day of Resurrection and some of the burdens of those whom they misguide without [i.e., by lack of] knowledge. Unquestionably, evil is that which they bear.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤-٢٥] ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْـزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] .
﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْـزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْ شَيْئًا. إنَّما هَذا اَلَّذِي يُتْلى عَلَيْنا أحادِيثُ اَلْأوَّلِينَ، اِسْتَمَدَّها مِنها. كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ [الفرقان: ٥]
﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] أيْ: قالُوا ذَلِكَ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهُمُ اَلْخاصَّةُ بِهِمْ، وهي أوْزارُ ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وبَعْضُ أوْزارِ مَن أضَلُّوهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣] فاللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ [النحل: ٢٥] لامُ اَلْعاقِبَةِ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ مُتَرَتِّبٌ عَلى فِعْلِهِمْ. ولا باعِثًا إمّا مَجازًا، وإمّا حَقِيقَةً، عَلى مَعْنى أنَّهُ قُدِّرَ صُدُورُهُ مِنهم لِيَحْمِلُوا. وقَدْ قِيلَ: إنَّها لِلتَّعْلِيلِ وإنَّها لامُ أمْرٍ جازِمَةٌ. والمَعْنى: إنَّ ذَلِكَ مُتَحَتِّمٌ عَلَيْهِمْ. فَيَتِمُّ اَلْكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ كَذا في (اَلْعِنايَةِ) . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: حالٌ مِنَ اَلْمَفْعُولِ: أيْ: مَن لا يَعْلَمُ أنَّهم ضُلّالٌ. وإنَّما وصَفَ بِالضَّلالِ واحْتِمالِ اَلْوِزْرِ مَن أضَلُّوهُ، وإنْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأنَّهُ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَبْحَثَ ويَنْظُرَ بِعَقْلِهِ حَتّى يُمَيِّزَ بَيْنَ اَلْمُحِقِّ والمُبْطِلِ. فَجَهْلُهُ لا يَعْذُرُهُ: ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] أيْ: ألا بِئْسَ ما يَحْمِلُونَ. فَفِيهِ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ.
(p-٣٧٩٥)
16:26Page 269
قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٦
Those before them had already plotted, but Allāh came at [i.e., uprooted] their building from the foundations, so the roof fell upon them from above them,1 and the punishment came to them from where they did not perceive.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦] ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ .
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: بِأنْبِيائِهِمْ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ أيْ: قَلَعَ بُنْيانَهم مِن قَواعِدِهِ وأُسُسِهِ فَهَدَمَهُ عَلَيْهِمْ حَتّى أهْلَكَهم و(اَلْإتْيانُ) يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ (اَلْإهْلاكِ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] ويُقالُ: أُتِيَ فُلانٌ مِن مَأْمَنِهِ، أيْ: جاءَهُ اَلْهَلاكُ مِن جِهَةِ أمْنِهِ. وأتى عَلَيْهِ اَلدَّهْرُ: أهْلَكَهُ وأفْناهُ. ومِنهُ الأُتُوُّ وهو اَلْمَوْتُ والبَلاءُ. يُقالُ أتى عَلى فُلانٍ أُتُوٌّ، أيْ: مَوْتٌ أوْ بَلاءٌ يُصِيبُهُ. وقَدْ جُوِّزَ في اَلْآيَةِ إرادَةُ حَقِيقَةِ هَلاكِهِمْ. كالمَحْكِيِّ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ وصالِحٍ عَلَيْهِما اَلسَّلامُ، فِيما تَقَدَّمَ. أوْ مَجازُهُ عَلى طَرِيقِ اَلتَّمْثِيلِ؛ لِإفْسادِ ما أبْرَمُوهُ مِن هَدْمِ دِينِهِ تَعالى. شُبِّهَتْ حالُ أُولَئِكَ اَلْماكِرِينَ في تَسْوِيَتِهِمُ اَلْمَكايِدَ، لِلْإيقاعِ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ. وفي إبْطالِهِ تَعالى تِلْكَ اَلْحِيَلَ، وجَعْلُهُ إيّاها أسْبابًا لِهَلاكِهِمْ، بِحالِ قَوْمٍ بَنَوْا بُنْيانًا وعَمَدُوهُ بِالأساطِينِ. فَأتى ذَلِكَ مِن قِبَلِ أساطِينِهِ بِأنْ ضُعْضِعَتْ، فَسَقَطَ عَلَيْهِمُ اَلسَّقْفُ فَهَلَكُوا. ووَجْهُ اَلشَّبَهِ: أنَّ ما عَدُّوهُ سَبَبَ بَقائِهِمْ، عادَ سَبَبَ اِسْتِئْصالِهِمْ وفَنائِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: مَن حَفَرَ لِأخِيهِ جُبًّا وقَعَ فِيهِ مُنْكَبًّا. وقَوْلُهُ: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَرَّ) . و(مِن) لِابْتِداءِ اَلْغايَةِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ (اَلسَّقْفُ) مُؤَكِّدَةٌ. وقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ بِتَأْكِيدٍ؛ لِأنَّ اَلْعَرَبَ تَقُولُ: خَرَّ عَلَيْنا سَقْفٌ ووَقَعَ عَلَيْنا حائِطٌ، إذا اِنْهَدَمَ في مِلْكِهِ وإنْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ: ﴿وأتاهُمُ العَذابُ﴾ أيِ: اَلْهَلاكُ والدَّمارُ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: لا يَحْتَسِبُونَ.
(p-٣٧٩٦)
16:27Page 270
ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُخۡزِيهِمۡ وَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ إِنَّ ٱلۡخِزۡيَ ٱلۡيَوۡمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٧
Then on the Day of Resurrection He will disgrace them and say, "Where are My 'partners' for whom you used to oppose [the believers]?" Those who were given knowledge will say, "Indeed disgrace, this Day, and evil are upon the disbelievers" -
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧] ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ .
﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ أيْ: يُذِلُّهم ويُهِينُهم بِعَذابِ اَلْخِزْيِ. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] ﴿ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أيْ: تُعادُونَ وتُخاصِمُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ في شَأْنِهِمْ. وفِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ بِالقَوْلِ، واسْتِهْزاءٌ بِهِمْ؛ إذْ أضافَ اَلشُّرَكاءَ إلى نَفْسِهِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ، مَعَ اَلْإهانَةِ بِالفِعْلِ اَلْمَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿يُخْزِيهِمْ﴾ أيْ: ما لَهم لا يَحْضُرُونَكم لِيَدْفَعُوا عَنْكم ! لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنْ صَحَّ ما تَقُولُ فالأصْنامُ تَشْفَعُ لَنا. فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] وقِيلَ: حُكِيَ عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ زِيادَةً في تَوْبِيخِهِمْ ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ وهُمُ اَلْأنْبِياءُ أوِ اَلْعُلَماءُ، اَلَّذِينَ كانُوا يَدْعُونَهم إلى اَلْحَقِّ فَيُشاقُّونَهم: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ﴾ أيِ: اَلْفَضِيحَةَ والعَذابَ: ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ أيِ: اَلْمُشْرِكِينَ بِهِ تَعالى. ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم. وإنَّما قالَ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ هَذا شَماتَةً بِهِمْ، وزِيادَةَ إهانَةٍ بِالتَّوْبِيخِ بِالقَوْلِ، وتَقْرِيرًا لِما كانُوا يَعِظُونَهم، وتَحْقِيقًا لِما أوْعَدُوهم بِهِ.
16:28–29Page 270
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلۡقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوٓءِۭۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٨
The ones whom the angels take in death [while] wronging themselves,1 and [who] then offer submission, [saying], "We were not doing any evil." But, yes! Indeed, Allāh is Knowing of what you used to do.
فَٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٢٩
So enter the gates of Hell to abide eternally therein, and how wretched is the residence of the arrogant.
(p-٣٧٩٧)اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨-٢٩] ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩] .
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩] هَذا إخْبارٌ عَنْ حالِ اَلْمُشْرِكِينَ اَلظّالِمِي أنْفُسَهم بِتَبْدِيلِ فِطْرَةِ اَللَّهِ، عِنْدَ اِحْتِضارِهِمْ ومَجِيءِ اَلْمَلائِكَةِ إلَيْهِمْ لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ، بِأنَّهم يُلْقُونَ اَلسَّلَمَ، أيْ: يَنْقادُونَ ويُسالِمُونَ ويَتْرُكُونَ اَلْمُشاقَّةَ. والعُدُولُ إلى صِيغَةِ اَلْماضِي؛ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ اَلْوُقُوعِ. وأصْلُ اَلْإلْقاءِ في اَلْأجْسامِ فاسْتُعْمِلَ في إظْهارِ اَلِانْقِيادِ؛ إشْعارًا بِغايَةِ خُضُوعِهِمْ واسْتِكانَتِهِمْ. وجُعِلَ ذَلِكَ كالشَّيْءِ اَلْمُلْقى بَيْنَ يَدَيِ اَلْقاهِرِ اَلْغالِبِ عَلى اَلِاسْتِعارَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلٍ مُضْمَرٍ، حالٌ. أيْ: قائِلِينَ ذَلِكَ. أوْ هو تَفْسِيرٌ (لِلسَّلَمِ) اَلَّذِي ألْقَوْهُ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى اَلْقَوْلِ؛ بِدَلِيلِ اَلْآيَةِ اَلْأُخْرى: ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ﴾ [النحل: ٨٦] كَما يَقُولُونَ يَوْمَ اَلْمَعادِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ اَلْمَلائِكَةَ تُجِيبُهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: فَلا يُفِيدُ اَلْإنْكارُ والكَذِبُ عَلى اَلْأنْفُسِ: ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ [النحل: ٢٩] أيْ: مُقَدًّرًا خُلُودُكم.
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: وهم يَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ مِن يَوْمِ مَماتِهِمْ بِأرْواحِهِمْ، ويَنالُ أجْسادَهم في قُبُورِها، (p-٣٧٩٨)مِن حَرِّها وسُمُومِها. فَإذا كانَ يَوْمُ اَلْقِيامَةِ سَلَكَتْ أرْواحُهم في أجْسادِهِمْ، وخَلَدَتْ في نارِ جَهَنَّمَ ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ [فاطر: ٣٦] كَما قالَ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] وقَوْلُهُ: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩] أيْ: بِئْسَ اَلْمَقِيلُ والمَقامُ لِمَن كانَ مُتَكَبِّرًا عَنْ آياتِ اَللَّهِ واتِّباعِ رُسُلِهِ. فَذَكَّرَهم بِعُنْوانِ اَلتَّكَبُّرِ؛ لِلْإشْعارِ بِعِلْيَتِهِ لِثَوائِهِمْ فِيها. ولِما أخْبَرَ عَنِ اَلْأشْقِياءِ بِأنَّهم قالُوا في جَوابِ: ﴿ماذا أنْـزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤] هو: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] فَجَحَدُوا رَحْمَتَهُ وكَفَرُوا نِعْمَتَهُ؛ تَأثَّرَهُ بِالإخْبارِ عَنِ اَلسُّعَداءِ اَلَّذِينَ اِعْتَرَفُوا بِخَيْرِهِ ورَحْمَتِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
16:30Page 270
۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٠
And it will be said to those who feared Allāh, "What did your Lord send down?" They will say, "[That which is] good." For those who do good in this world is good; and the home of the Hereafter is better. And how excellent is the home of the righteous -
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠] ﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْـزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ .
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وهُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ: ﴿ماذا أنْـزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا، أيْ: رَحْمَةً وبَرَكَةً لِمَنِ اِتَّبَعَهُ وآمَنَ بِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَمّا وعَدَ بِهِ عِبادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ أيْ: لِمَن أحْسَنَ عَمَلَهُ، مُكافَأةً في اَلدُّنْيا بِإحْسانِهِمْ، ولَهم في اَلْآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ مِنها. فَقَوْلُهُ: { في هَذِهِ اَلدُّنْيا } مُتَعَلِّقٌ بِـ: { حَسَنَةٌ } كَتَعَلُّقِهِ بِـ: { أحْسَنُوا } . قالَ اَلشِّهابُ: والحَسَنَةُ اَلَّتِي في اَلدُّنْيا: اَلظَّفَرُ وحُسْنُ اَلسِّيرَةِ وغَيْرُ ذَلِكَ. وهَذِهِ اَلْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] وقالَ تَعالى: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] (p-٣٧٩٩)وقالَ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ثُمَّ وصَفَ تَعالى اَلدّارَ اَلْآخِرَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾
16:31–32Page 270
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ لَهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَۚ كَذَٰلِكَ يَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣١
Gardens of perpetual residence, which they will enter, beneath which rivers flow. They will have therein whatever they wish. Thus does Allāh reward the righteous -
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٢
The ones whom the angels take in death, [being] good and pure; [the angels] will say, "Peace be upon you. Enter Paradise for what you used to do."
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١-٣٢] ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] .
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِهِمْ عِنْدَ اَلِاحْتِضارِ، في مُقابَلَةِ أُولَئِكَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] أيْ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي وكُلِّ سُوءٍ: ﴿يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] أيْ: لَتَدْخُلْ أرْواحُكُمُ اَلْجَنَّةَ، فَإنَّها في نَعِيمٍ بَرْزَخِيٍّ إلى اَلْبَعْثِ. أوِ اَلْمُرادُ بِشارَتُهم بِأنَّهم يَدْخُلُونَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] اَلْآياتِ.
ثُمَّ أشارَ إلى تَقْرِيعِ اَلْمُشْرِكِينَ، وتَهْدِيدِهِمْ عَلى تَمادِيهِمْ في اَلْباطِلِ واغْتِرارِهِمْ بِالدُّنْيا بِقَوْلِهِ تَعالى:
(p-٣٨٠٠)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences