Al-QasimiAn‑Nahl · 16:41–64

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:41–64

16:41Page 271

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١

And those who emigrated for [the cause of] Allāh after they had been wronged - We will surely settle them in this world in a good place; but the reward of the Hereafter is greater, if only they could know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤١] ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .

﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ﴾ أيْ: مُخْلِصِينَ لِوَجْهِهِ، أوْ في حَقِّهِ، وهم إمّا مُهاجِرَةُ الحَبَشَةِ الَّذِينَ اشْتَدَّ أذى قَوْمِهِمْ بِمَكَّةَ، حَتّى خَرَجُوا مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ إلى بِلادِ الحَبَشِ بِأمْرِهِ ﷺ، وذَلِكَ مَخافَةَ الفِتْنَةِ وفِرارًا إلَيْهِ تَعالى بِدِينِهِمْ، وكانُوا ثَلاثَةً وثَمانِينَ رَجُلًا سِوى صِغارِ أبْنائِهِمْ، وهي أوَّلُ هِجْرَةٍ في الإسْلامِ. ويُؤَيِّدُهُ كَوْنُ السُّورَةِ مَكِّيَّةً.

أوْ هم مُهاجِرَةُ المَدِينَةِ، أخْبَرَ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ أوْ بَعْدَهُ، إلّا أنَّها أُلْحِقَتْ بِالمَكِّيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ أيْ: أُوذُوا، وأُرِيدَ فِتْنَتُهم عَنِ الدِّينِ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ يَعْنِي بِالغَلَبَةِ عَلى مَن ظَلَمَهم، وإيراثِهِمْ أرْضَهم ودِيارَهم: ﴿ولأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي مُضْطَهِدِيهِمْ وظالِمِيهِمْ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كانَ إذا أعْطى الرَّجُلَ مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ، يَقُولُ: " خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ في الدُّنْيا، وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أفْضَلُ " . ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِقَوْلِهِ:

16:42–44Page 271

ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٤٢

[They are] those who endured patiently and upon their Lord relied.

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٤٣

And We sent not before you except men to whom We revealed [Our message]. So ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.

بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤

[We sent them] with clear proofs and written ordinances. And We revealed to you the message [i.e., the Qur’ān] that you may make clear to the people what was sent down to them and that they might give thought.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٢-٤٤] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْـزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُـزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] .

﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ: عَلى ما أُوذُوا في سَبِيلِ اللَّهِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: فَلا (p-٣٨١٢)يَخْشَوْنَ أحَدًا غَيْرَهُ. والوَصْفانِ المَذْكُورانِ: الصَّبْرُ والتَّوَكُّلُ، مِن أُمَّهاتِ الصِّفاتِ الَّتِي يَجِبُ عَلى الدّاعِي إلى الحَقِّ، والمُدافِعِ عَنْهُ، أنْ يَكُونا خُلُقًا لَهُ؛ إذْ لا ظَفَرَ بِغايَةٍ إلّا بِهِما. ولِما عَجِبُوا مِن إيحاءِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، واصْطِفائِهِ بِرِسالَتِهِ؛ قِيلَ في دَرْءِ شُبْهَتِهِمْ.

﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ أوْ عُلَماءَ الأحْبارِ؛ لِيُعَلِّمُوكم أنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ مَلَكٌ مِن أهْلِ السَّماءِ. فالذِّكْرُ: إمّا بِمَعْنى الكِتابِ لِما فِيهِ مِنَ الذِّكْرِ والعِظَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ﴾ [ص: ٨٧] أوْ بِمَعْنى الحِفْظِ لِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الرُّجُوعِ إلى العُلَماءِ فِيما لا يُعْلَمُ. واسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى جَوازِ التَّقْلِيدِ في الفُرُوعِ لِلْعامِّيِّ. وفي ذَلِكَ بَحْثٌ طَوِيلٌ في " إيقاظِ الهِمَمِ " لِلْفُلانِيِّ، فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ شِئْتَ. وأشارَ إلى طَرَفٍ مِنهُ في " فَتْحِ البَيانِ " .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٤] أيْ: بِالآياتِ المُبَرْهِنَةِ عَلى صِدْقِهِمْ والكُتُبِ المُرْشِدَةِ إلى مَصالِحِ الخَلْقِ. والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: أرْسَلْناهم. أوْ بِـ (ما أرْسَلْنا) . أوْ بِـ (نُوحِي) أوْ بِـ (لا تَعْلَمُونَ)، عَلى أنَّ الشَّرْطَ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ: ﴿وأنْـزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: ٤٤] أيِ: القُرْآنَ المُذَكِّرَ والمُوقِظَ مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُـزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] أيْ: مِمّا أُمِرُوا ونُهُوا ووُعِدُوا وأُوعِدُوا: ﴿ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] أيْ: يَنْظُرُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَيَهْتَدُونَ فَيَفُوزُونَ بِالنَّجاةِ في الدّارَيْنِ. أوْ يَتَأمَّلُونَ ما فِيهِ مِنَ العِبَرِ فَيَحْتَرِزُونَ عَمّا أصابَ الأوَّلِينَ. ولِذا تَأثَّرَهُ بِقَوْلِهِ:

16:45Page 272

أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخۡسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٤٥

Then, do those who have planned evil deeds feel secure that Allāh will not cause the earth to swallow them or that the punishment will not come upon them from where they do not perceive?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٥] ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ .

﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: المُسْكِراتِ السَّيِّئاتِ الَّتِي قُصَّتْ عَنْهم. فَهي (p-٣٨١٣)صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ مَفْعُولٍ لـ (مَكَرُوا) بِتَضْمِينِهِ مَعْنى ) عَمِلُوا ): ﴿أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾

أيْ: مِن جِهَةٍ لا يَعْلَمُونَ بِها، كَما لا يَشْعُرُ المَمْكُورُ بِقَصْدِ الماكِرِ.

16:46–48Page 272

أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ فِي تَقَلُّبِهِمۡ فَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٤٦

Or that He would not seize them during their [usual] activity, and they could not cause failure [i.e., escape from Him]?

أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ ٤٧

Or that He would not seize them gradually [in a state of dread]?1 But indeed, your Lord is Kind and Merciful.2

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ ٤٨

Have they not considered what things Allāh has created? Their shadows incline to the right and to the left, prostrating to Allāh, while they [i.e., those creations] are humble.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٦-٤٨] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] .

﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ﴾ أيْ: سَعْيِهِمْ في المَعايِشِ واشْتِغالِهِمْ بِها: ﴿فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: لا يُعْجِزُونَ رَبَّهم عَلى أيِّ حالٍ كانُوا.

﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] أيْ: تَوَقُّعٍ لِلْهَلاكِ ومَخافَةٍ لَهُ، فَإنَّهُ يَكُونُ أبْلَغَ وأشَدَّ. أوْ نَنْقُصُ في أبْدانِهِمْ وأمْوالِهِمْ وثِمارِهِمْ حَتّى يَهْلَكُوا. يُقالُ: تَخَوَّفَهُ: تَنَقَّصَهُ وأخَذَ مِن أطْرافِهِ: ﴿فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] أيْ: حَيْثُ يَحْلُمُ عَنْكم ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ عَظَمَتِهِ وجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ بِانْقِيادِ سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ: جَماداتٍ وحَيَواناتٍ ومُكَلَّفِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ لَهُ سُبْحانَهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: جِسْمٌ قائِمٌ لَهُ ظِلٌّ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: يَرْجِعُ شَيْئًا فَشَيْئًا: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: عَنْ جانِبَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنها، بُكْرَةً وعَشِيًّا: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: مُنْقادَةً لَهُ عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ في الِامْتِدادِ والتَّقَلُّصِ وغَيْرِهِما، غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ فِيما سَخَّرَها لَهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: صاغِرُونَ. وغَلَّبَ في جَمْعِها مَن يَعْقِلُ، فَأتى بِالواوِ. أوْ لِأنَّ الدُّخُورَ مِن أوْصافِ العُقَلاءِ. فَهو إمّا تَغْلِيبٌ أوِ اسْتِعارَةٌ، وكَذا ضَمِيرُ (هم) أيْضًا؛ لِأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالعُقَلاءِ، فَيَجُوزُ أنْ يَعْتَبِرَ ما ذَكَرَ فِيهِ، ويَجْعَلَ ما بَعْدَهُ جارِيًا عَلى المُشاكَلَةِ.

(p-٣٨١٤)لَطِيفَةٌ:

لِابْنِ الصّائِغِ في سِرِّ تَوْحِيدِ اليَمِينِ وجَمْعِ الشَّمائِلِ تَوْجِيهٌ لَطِيفٌ، ومُلَخَّصُهُ: أنَّهُ نَظَرَ إلى الغايَةِ فِيهِما؛ لِأنَّ ظِلَّ الغَداةِ يَضْمَحِلُّ بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ إلّا اليَسِيرُ، فَكَأنَّهُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ. وهو في العَشِيِّ عَلى العَكْسِ، لِاسْتِيلائِهِ عَلى جَمِيعِ الجِهاتِ. فَلُحِظَتِ الغايَتانِ. هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى.

وأمّا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ فَجُمِعَ لِيُطابِقَ (سُجَّدًا) المُجاوِرَ لَهُ، كَما أفْرَدَ الأوَّلَ لِمُجاوَرَةِ ضَمِيرِ (ظِلالَهُ) وقَدَّمَ الإفْرادَ لِأنَّهُ أصْلٌ أخَفُّ. و(عَنِ اليَمِينِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَتَفَيَّأُ) أوْ حالٌ. كَذا في (العِنايَةِ) .

16:49Page 272

وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٩

And to Allāh prostrates whatever is in the heavens and whatever is on the earth of creatures, and the angels [as well], and they are not arrogant.

ثُمَّ بَيَّنَ سُجُودَ سائِرِ المَخْلُوقاتِ سَواءٌ كانَتْ لَها ظِلالٌ أمْ لا، بِقَوْلِهِ تَعالى:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٩] ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ .

﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهُمْ﴾ أيِ: المَلائِكَةُ، مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِمْ: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: عَنْ عِبادَتِهِ والسُّجُودِ لَهُ.

16:50Page 272

يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩ ٥٠

They fear their Lord above them, and they do what they are commanded.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٠] ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ .

﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ أيْ: مِنَ الطّاعاتِ والتَّدْبِيرِ. واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ عَلى ثُبُوتِ الفَوْقِيَّةِ والعُلُوِّ لَهُ تَعالى. وقَدْ صَنَّفَ في ذَلِكَ الحافِظُ الذَّهَبِيُّ كِتابَ (العُلُوُّ) وابْنُ القَيِّمِ كِتابَ (الجُيُوشُ الإسْلامِيَّةُ) وغَيْرُهُما. وأطْنَبَ فِيها الحَكِيمُ ابْنُ رُشْدٍ في (مَناهِجُ الدَّوْلَةِ) فَلْيُرْجِعْ إلَيْها. وكُلُّهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ عُلُوٌّ بِلا تَشْبِيهٍ ولا تَمْثِيلٍ. وانْفَرَدَ السَّلَفُ بِخَطَرِ التَّأْوِيلِ والتَّعْطِيلِ. وقَوْلُهُ:

16:51Page 272

۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٥١

And Allāh has said, "Do not take for yourselves two1 deities. He [i.e., Allāh] is but one God, so fear only Me."

(p-٣٨١٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥١] ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ .

﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ إعْلامٌ بِنَهْيِهِ الصَّرِيحِ عَنِ الإشْراكِ. وبِأمْرِهِ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ، وإنَّما خَصَّصَ هَذا العَدَدَ؛ لِأنَّهُ الأقَلُّ، فَيُعْلَمُ انْتِفاءُ ما فَوْقَهُ بِالدَّلالَةِ. فَإنْ قِيلَ: الواحِدُ والمُثَنّى نَصٌّ في مَعْناهُما، لا يُحْتاجُ مَعَهُما إلى ذِكْرِ العَدَدِ، كَما يُذْكَرُ مَعَ الجَمِيعِ. أيْ: في نَحْوِ رِجالٍ ثَلاثَةٍ، وأفْراسٍ أرْبَعَةٍ؛ لِأنَّ المَعْدُودَ عارٍ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى العَدَدِ الخاصِّ، فَلِمَ ذَكَرَ العَدَدَ فِيهِما ؟ أُجِيبُ بِأنَّ العَدَدَ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ: الجِنْسِيَّةِ والعَدَدِ المَخْصُوصِ. فَلَمّا أُرِيدَ الثّانِي صَرَّحَ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ وتَوَجَّهَ لَهُ النَّهْيُ دُونَ غَيْرِهِ. فَإنَّهُ قَدْ يُرادُ بِالمُفْرَدِ الجِنْسُ، نَحْوَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ. وكَذا المُثَنّى كَقَوْلِهِ:

؎فَإنَّ النّارَ بِالعُودَيْنِ تُذْكى وإنَّ الحَرْبَ أوَّلُها الكَلامُ

وقِيلَ: ذَكَرَ العَدَدَ لِلْإيماءِ بِأنَّ الِاثْنَيْنِيَّةَ تُنافِي الأُلُوهِيَّةَ. فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ (p-٣٨١٦)فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فَلِذا صَرَّحَ بِها، وعُقِّبَتْ بِذِكْرِ الوَحْدَةِ الَّتِي هي مِن لَوازِمِ الأُلُوهِيَّةِ.

قالَ الشِّهابُ: ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ الضَّمِيرِ لِلْمَعْبُودِ بِحَقٍّ المُرادَ مِنَ الجَلالَةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ﴾ [النحل: ٤٩] أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْـزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: ٤٤] وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ﴾ [النحل: ٤٨] عَلى أُسْلُوبِ:

؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا

(p-٣٨١٧)أيْ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ﴾ [النحل: ٤٨] ولَمْ يَسْمَعُوا ما قالَ اللَّهُ ؟ ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ التِفاتٌ عَنِ الغَيْبَةِ، مُبالَغَةً في التَّرْهِيبِ. فَإنَّ تَخْوِيفَ الحاضِرِ مُواجَهَةً، أبْلَغُ مِن تَرْهِيبِ الغائِبِ، لا سِيَّما بَعْدَ وصْفِهِ بِالوَحْدَةِ والأُلُوهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَظَمَةِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى الِانْتِقامِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

16:52–55Page 272

وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢

And to Him belongs whatever is in the heavens and the earth, and to Him is [due] worship constantly. Then is it other than Allāh that you fear?

وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ٥٣

And whatever you have of favor - it is from Allāh. Then when adversity touches you, to Him you cry for help.

ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٥٤

Then when He removes the adversity from you, at once a party of you associates others with their Lord

لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٥٥

So they will deny what We have given them. Then enjoy yourselves, for you are going to know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٢-٥٥] ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥] .

﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] أوْ عَلى الخَبَرِ، أوْ مُسْتَأْنَفٌ ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ أيِ: العِبادَةُ لازِمَةً لَهُ وحْدَهُ. ولُزُومُها لَهُ يُنافِي خَوْفَ الغَيْرِ؛ إذْ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ تَعالى بِالرَّهْبَةِ والخَشْيَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]

﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ أيْ: وهو مالِكُ النَّفْعِ والضُّرِّ. ٥٠ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] أيْ فَمِن فَضْلِهِ وإحْسانِهِ: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] أيْ: لا تَتَضَرَّعُونَ إلّا إلَيْهِ؛ لِعِلْمِكم أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى كَشْفِهِ إلّا هو سُبْحانَهُ. والجُؤارُ: رَفْعُ الصَّوْتِ. يُقالُ: جَأرَ إذا أفْرَطَ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وأصْلُهُ صِياحُ الوَحْشِ.

﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] أيْ: بِنِسْبَةِ النِّعْمَةِ إلى غَيْرِهِ ورُؤْيَتِها مِنهُ. وكَذا بِنِسْبَةِ الضُّرِّ إلى الغَيْرِ، وإحالَةِ الذَّنْبِ في ذَلِكَ عَلَيْهِ، (p-٣٨١٨)والِاسْتِعانَةِ في رَفْعِهِ بِهِ. وذَلِكَ هو كُفْرانُ النِّعْمَةِ، والغَفْلَةُ عَنِ المُنْعِمِ المُشارِ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ:

﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ [النحل: ٥٥] أيْ: مِن نِعْمَةِ الكَشْفِ عَنْهم. واللّامُ لِلْعاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥] أيْ: وبالَ ذَلِكَ الكُفْرِ. وفِيهِ إشْعارٌ بِشِدَّةِ الوَعِيدِ، وأنَّهُ إنَّما يُعْلَمُ بِالمُشاهَدَةِ، ولا يُمْكِنُ وصْفُهُ، فَلِذا أُبْهِمَ.

ولِلْقاشانِيِّ وجْهٌ آخَرُ، قالَ: أوْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، بِظُهُورِ التَّوْحِيدِ، أنْ لا تَأْثِيرَ لِغَيْرِ اللَّهِ في شَيْءٍ.

16:56–57Page 273

وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ ٥٦

And they assign to what they do not know1 [i.e., false deities] a portion of that which We have provided them. By Allāh, you will surely be questioned about what you used to invent.

وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ ٥٧

And they attribute to Allāh daughters1 - exalted is He - and for them is what they desire [i.e., sons].

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مِن مَثالِبِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٦-٥٧] ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] .

﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي لا عِلْمَ لَها؛ لِأنَّها جَمادٌ: ﴿نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الزَّرْعِ والأنْعامِ وغَيْرِهِما تَقَرُّبًا إلَيْها: ﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ أيْ: مِن أنَّها آلِهَةٌ يُتَقَرَّبُ إلَيْها. ومَرَّ نَظِيرُ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] الآيَةَ، فانْظُرْ تَفْصِيلَها ثَمَّةَ.

﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] هَذا بَيانٌ لِعَظِيمَةٍ مِن عَظائِمِهِمْ، وهو جَعْلُهُمُ المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عَبّادُ الرَّحْمَنِ بَناتٍ لِلَّهِ، فَنَسَبُوا لَهُ تَعالى ولَدًا ولا ولَدَ لَهُ. واجْتَرَءُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وعَلى نِسْبَةِ أدْنى القِسْمَيْنِ لَهُ مِنَ الأوْلادِ، وهو البَناتُ، وهم لا يَرْضَوْنَها لِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّهم يَشْتَهُونَ الذُّكُورَ، أيْ: يَخْتارُونَهم لِأنْفُسِهِمْ ويَأْنَفُونَ مِنَ البَناتِ. وقَدْ نَزَّهَ مَقامَهُ الأقْدَسَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧] أيْ: عَنْ إفْكِهِمْ وقَوْلِهِمْ. وفِيهِ تَعَجُّبٌ مِن جَراءَتِهِمْ عَلى التَّفَوُّهِ بِهَذا المُنْكَرِ مِنَ القَوْلِ، ومِن مُقاسَمَتِهِمْ لِجَلالِهِ بِالِاسْتِئْثارِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] ﴿تِلْكَ إذًا (p-٣٨١٩)قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢] وقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ثُمَّ أشارَ إلى شِدَّةِ كَراهَتِهِمْ لِلْإناثِ، بِما يُمَثِّلُ عِظَمَ تِلْكَ النِّسْبَةِ إلى الجَنابِ الأقْدَسِ وفَظاعَتِها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى:

16:58–59Page 273

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ ٥٨

And when one of them is informed of [the birth of] a female, his face becomes dark, and he suppresses grief.

يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٥٩

He hides himself from the people because of the ill of which he has been informed. Should he keep it in humiliation or bury it in the ground? Unquestionably, evil is what they decide.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٨-٥٩] ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٩] .

﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ﴾ أيْ: صارَ أوْ دامَ النَّهارَ كُلَّهُ: ﴿مُسْوَدًّا﴾ أيْ: مُتَغَيِّرًا مِنَ الغَمِّ والحُزْنِ والغَيْظِ والكَراهِيَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ عِنْدَ هَذِهِ البِشارَةِ. وسَوادُ الوَجْهِ وبَياضُهُ يُعَبِّرُ عَنِ المَساءَةِ والمَسَرَّةِ، كِنايَةً أوْ مَجازًا ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ: مُشْتَدُّ الغَيْظِ عَلى امْرَأتِهِ؛ لِأنَّهُ بِزَعْمِهِ، حَصَلَ لَهُ مِنها ما يُوجِبُ أشَدَّ الحَياءِ، حَتّى أنَّهُ: ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ﴾ [النحل: ٥٩] أيْ: يَسْتَخْفِي مِنهم: ﴿مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل: ٥٩] أيْ: مِن أجْلِهِ وخَوْفِ التَّعْيِيرِ بِهِ. ثُمَّ يُفَكِّرُ فِيما يَصْنَعُ بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ﴾ [النحل: ٥٩] أيْ: مُحَدِّثًا نَفْسَهُ مُتَفَكِّرًا في أنْ يَتْرُكَهُ عَلى هَوانٍ وذُلٍّ، لا يُوَرِّثُهُ ولا يَعْتَنِي بِهِ، ويُفَضِّلُ ذُكُورَ ولَدِهِ عَلَيْهِ:﴿أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾ [النحل: ٥٩] أيْ: يُخْفِيهِ ويَدْفِنُهُ فِيهِ حِيًّا: ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٩] أيْ: حَيْثُ يَجْعَلُونَ الوَلَدَ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ مِنَ الحَقارَةِ والهَوْنِ عِنْدَهم، لِلَّهِ تَعالى وتَقَدَّسَ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ مَن هو عَلى عَكْسِ هَذا الوَصْفِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

16:60Page 273

لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوۡءِۖ وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٠

For those who do not believe in the Hereafter is the description [i.e., an attribute] of evil;1 and for Allāh is the highest attribute. And He is Exalted in Might, the Wise.

(p-٣٨٢٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٠] ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .

﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: مِثْلَ مَن ذُكِرَتْ مَساوِئُهم: ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أيْ: صِفاتُ الذُّلِّ مِنَ الحاجَةِ إلى الأوْلادِ وكَراهِيَةِ الإناثِ ووَأْدِهِنَّ، خَشْيَةَ الإمْلاقِ، المُنادى كُلَّ ذَلِكَ بِالعَجْزِ والقُصُورِ والشُّحِّ البالِغِ. ووَضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ؛ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَدارَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ القَبائِحِ هو الكُفْرُ بِالآخِرَةِ: ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ أيِ: الوَصْفُ العالِي الشَّأْنِ، وهو الغَنِيُّ عَنِ العالَمِينَ، والكَمالُ المُطْلَقُ والتَّقَدُّسُ عَنْ سِماتِ المَخْلُوقِينَ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ حِلْمِهِ بِخُلُقِهِ، مَعَ ظُلْمِهِمْ، بِقَوْلِهِ:

16:61–62Page 273

وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٦١

And if Allāh were to impose blame on the people for their wrongdoing, He would not have left upon it [i.e., the earth] any creature, but He defers them for a specified term. And when their term has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].

وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ ٦٢

And they attribute to Allāh that which they dislike [i.e., daughters], and their tongues assert the lie that they will have the best [from Him]. Assuredly, they will have the Fire, and they will be [therein] neglected.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦١-٦٢] ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢] .

﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ: بِكُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمُ الَّتِي مِنها ما عَدَّدَ مِنَ المَساوِئِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى الأرْضِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالنّاسِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ أيْ: لَأهْلَكَها بِالمَرَّةِ بِشُؤْمِ ظُلْمِ الظّالِمِينَ: ﴿ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ (p-٣٨٢١)أيْ: وقْتٍ مُعَيَّنٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ. يَسْتَغْفِرُ مِنهم مَن يَسْتَغْفِرُ فَيَغْفِرُ لَهُ، ويُصِرُّ مَن يُصِرُّ فَيَزْدادُ عَذابًا: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ أيِ: المُسَمّى: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾

﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ﴾ [النحل: ٦٢] أيْ: يَنْسَوْنَ إلَيْهِ: ﴿ما يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] أيْ: مِنَ البَناتِ ومِنَ الشُّرَكاءِ. وهم يَأْنَفُونَ مِنَ الأُولى كَما يَكْرَهُونَ مُشارَكَةَ أحَدٍ لَهم في مالِهِمْ. وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ، تَثْنِيَةً لِلتَّقْرِيعِ وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ تَعالى:

﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ [النحل: ٦٢] أيْ: يَجْعَلُونَ لِلَّهِ ذَلِكَ، مَعَ دَعْواهم أنَّ لَهُمُ العاقِبَةَ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ، إنْ كانَ ثَمَّ مَعادٌ، كَما قَصَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] يَعْنِي جَمَعَ هَؤُلاءِ بَيْنَ عَمَلِ السُّوءِ وتَمَنِّي المُحالِ، بِأنْ يُجازُوا عَلى ذَلِكَ حُسْنًا.

وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ وُجِدَ في أحَدِ أحْجارِ الكَعْبَةِ لَمّا جُدِّدَتْ مَكْتُوبًا ) تَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ وتُجْزَوْنَ الحَسَناتِ. أجَلْ. كَما يُجْتَبى مِنَ الشَّوْكِ العِنَبُ ) و: ﴿أنَّ لَهُمُ﴾ [النحل: ٦٢] إلخ بَدَلٌ مِنَ (الكَذِبَ ) أوْ بِتَقْدِيرِ بِأنَّ لَهم.

قالَ الشِّهابُ: قَوْلُهُ تَعالى: قَوْلُهُ: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢] مِن بَلِيغِ الكَلامِ وبَدِيعِهِ كَقَوْلِهِمْ: (عَيْنُها تَصِفُ السِّحْرَ ) أيْ: ساحِرَةٌ. وقَدُّها يَصِفُ الهَيْفَ، أيْ: هَيْفاءُ.

قالَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّي:

؎سَرى بَرْقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهَنٍ فَباتَ بَرّامَةً يَصِفُ الكَلالا

(p-٣٨٢٢)ثُمَّ رَدَّ كَلامَهم وأثْبَتَ ضِدَّهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢] أيْ: مُعَجَّلُونَ إلَيْها ومُقَدَّمُونَ. مِنَ (الفَرَطِ) وهو السّابِقُ إلى الوِرْدِ. يُقالُ: أفَرَطْتُهُ في طَلَبِ الماءِ إذا قَدَّمْتَهُ. أوْ مَتْرُوكُونَ مَنسِيُّونَ في النّارِ. مِن (أفَرَطْتُهُ) بِمَعْنى تَرَكْتُهُ ونَسِيتُهُ، عَلى ما حَكاهُ الفَرّاءُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ [الأعراف: ٥١] وقَرَأ نافِعٌ (مُفْرِطُونَ ) بِكَسْرِ الرّاءِ. اسْمُ فاعِلٍ مِن (أفْرَطَ) إذا تَجاوَزَ، أيْ: مُتَجاوَزُو الحَدِّ في مَعاصِي اللَّهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ مِن (فَرَّطَ في كَذا) إذا قَصَّرَ. ويَقْرُبُ مِنَ الآيَةِ ما قَصَّ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: ٥٠] وقالَ تَعالى: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٣٥] ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى نِعْمَتَهُ في إرْسالِ الرُّسُلِ وتَكْذِيبِ أُمَمِهِمْ؛ لِيَتَأسّى صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

(p-٣٨٢٣)

16:63–64Page 273

تَٱللَّهِ لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦٣

By Allāh, We did certainly send [messengers] to nations before you, but Satan made their deeds attractive to them. And he is their [i.e., the disbelievers] ally today [as well], and they will have a painful punishment.

وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٦٤

And We have not revealed to you the Book, [O Muḥammad], except for you to make clear to them that wherein they have differed and as guidance and mercy for a people who believe.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٣-٦٤] ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] .

﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ والعِنادِ: ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ أيْ: قَرِينُهم، يُغْوِيهِمْ. أوِ المُرادُ بِاليَوْمِ: يَوْمُ القِيامَةِ. والوَلِيُّ بِمَعْنى النّاصِرِ. وجَعَلَهُ ناصِرًا فِيهِ، مَعَ أنَّهم لا يُنْصَرُونَ؛ مُبالَغَةً في نَفْيِهِ وتَهَكُّمٌ، عَلى حَدِّ (عِتابُهُ السَّيْفُ): ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤] أيْ: فالقُرْآنُ هو الفُرْقانُ الفاصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وكُلِّ ما يُتَنازَعُ فِيهِ: ﴿وهُدًى﴾ [النحل: ٦٤] أيْ: لِلْقُلُوبِ: ﴿ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] ثُمَّ أشارَ إلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ في آياتِهِ الكَوْنِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، إثْرَ قُدْرَتِهِ في إحْياءِ القُلُوبِ المَيِّتَةِ بِالكُفْرِ، بِما أنْزَلَهُ مِن وحْيِهِ وهُداهُ ورَحْمَتِهِ، بِقَوْلِهِ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском