Al-QasimiAl‑Isra · 17:100–111

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:100–111

17:100Page 292

قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا ١٠٠

Say [to them], "If you possessed the depositories of the mercy of my Lord, then you would withhold out of fear of spending." And ever has man been stingy.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٠] ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ .

﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ أيْ: رِزْقَهُ وسائِرَ نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ: ﴿إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ أيْ: لَبَخِلْتُمْ بِها مَخافَةَ نَفادِها بِالإنْفاقِ، مَعَ أنَّها لا تَفْرَغُ ولا تَنْفَدُ أبَدًا؛ لِأنَّ هَذا مِن طِباعِكم وسَجاياكم. ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ أيْ: بَخِيلًا.

(p-٤٠٠٥)تَنْبِيهاتٌ:

اَلْأوَّلُ: هَذِهِ اَلْآيَةُ بَلَغَتْ بِالمُشْرِكِينَ، مِنَ اَلْوَصْفِ بِالشُّحِّ، اَلْغايَةَ اَلَّتِي لا يَبْلُغُها اَلْوَهْمُ، كَما قالَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.

اَلثّانِي: ما اِقْتَضاهُ آخِرُ اَلْآيَةِ مِن بُخْلِ كُلِّ أحَدٍ، فَأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى اَلْجَوادِ اَلْحَقِيقِيِّ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّ اَلْمَرْءَ إمّا مُمْسِكٌ أوْ مُنْفِقٌ. والثّانِي لا يَكُونُ إلّا لِغَرَضٍ لِلْعاقِلِ، إمّا دُنْيَوِيٌّ كَعِوَضٍ مالِيٍّ، أوْ مَعْنَوِيٍّ كَثَناءٍ جَمِيلٍ أوْ خِدْمَةٍ واسْتِمْتاعٍ، كَما في اَلنَّفَقَةِ عَلى اَلْأهْلِ. وما كانَ لِعِوَضٍ مالِيٍّ كانَ مُبادَلَةً لا مُباذَلَةً. أوْ هو بِالنَّظَرِ إلى اَلْأغْلَبِ، وتَنْزِيلِ غَيْرِهِ مَنزِلَةَ اَلْعَدَمِ كَما قِيلَ:

؎عَدِّنا في زَمانِنا عَنْ حَدِيثِ اَلْمَكارِمِ

؎مَن كَفى اَلنّاسَ شَرَّهُ ∗∗∗ فَهو في جُودِ حاتِمِ

أفادَهُ اَلشِّهابُ.

وقالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: إنَّ اَللَّهَ تَعالى يَصِفُ اَلْإنْسانَ مِن حَيْثُ هُوَ، إلّا مَن وفَّقَهُ اَللَّهُ وهَداهُ، فَإنَّ اَلْبُخْلَ والجَزَعَ والهَلَعَ صِفَةٌ لَهُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] ﴿إلا المُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ٢٢] ولِهَذا نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في اَلْقُرْآنِ اَلْعَزِيزِ.

اَلثّالِثُ: ذَكَرَ هَذِهِ اَلْآيَةَ إثْرَ ما قَبْلَها، لِتَقْرِيرِ اِنْفِرادِهِ تَعالى بِمُلْكِ خَزائِنِ اَلرَّحْمَةِ، وسِعَةِ كَرَمِهِ وجُودِهِ وإحْسانِهِ. كَما اِنْفَرَدَ بِتِلْكَ اَلْقُدْرَةِ اَلْباهِرَةِ مِن خَلْقِ اَلسَّماواتِ والأرْضِ، كَيْ تَنْجَلِيَ لَهم قُدْرَتُهُ اَلْعُظْمى، وسِعَةُ خَزائِنِهِ اَلْمَلْأى، فَيَصِلُوا بِذَلِكَ إلى اَلْيَقِينِ بِصِحَّةِ ما اِدَّعاهُ اَلرَّسُولُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحِقِيَّةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ.

وذَكَرَ هَذا اَلْمَعْنى في أُسْلُوبِ بَيانِ ما فَطَرَ عَلَيْهِ اَلْإنْسانَ، تَذْكِيرًا لَهُ بِنَقْصِهِ وضَعْفِهِ، وإشْفاقِهِ وحِرْصِهِ؛ لِيَعْلَمَ أنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ سُدًى، يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ ما تَتَقاضاهُ بِهِ نَفْسُهُ وهَواهُ. والمَعْنى: أفَلا تَعْتَبِرُونَ بِسِعَةِ رَحْمَتِهِ وعَمِيمِ فَضْلِهِ ومِمّا يُبَرْهِنُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ في أُلُوهِيَّتِهِ، (p-٤٠٠٦)ولا تَرَوْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن أنَّكم لَوْ مَلَكْتُمْ ما لا نَفادَ لَهُ مِن خَزائِنِهِ، لَضَنِنْتُمْ بِها، مِمّا يَدُلُّكم عَلى أنَّهُ هو مالِكُ اَلْمُلْكِ، وأنَّكم مُسَخَّرُونَ لِأمْرِهِ ؟ ! وهَذِهِ اَلْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] أيْ: لَوْ أنَّ لَهم نَصِيبًا في مُلْكِ اَللَّهِ، لَما أعْطَوْا أحَدًا شَيْئًا ولا مِقْدارَ نَقِيرٍ. وقَدْ جاءَ في اَلصَّحِيحَيْنِ: ««يَدُ اَللَّهِ مَلْأى لا يُغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحّاءُ اَللَّيْلِ والنَّهارِ. أرَأيْتُمْ ما أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ اَلسَّماواتِ والأرْضَ فَإنَّهُ لَمْ يَغُضَّ ما في يَمِينِهِ»» .

وقَوْلُهُ تَعالى:

17:101Page 292

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا ١٠١

And We had certainly given Moses nine evident signs, so ask the Children of Israel [about] when he came to them and Pharaoh said to him, "Indeed I think, O Moses, that you are affected by magic."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠١] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ .

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ واضِحاتِ اَلدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ ما أرْسَلَهُ اَللَّهُ بِهِ. وقَدْ مَضى اَلْكَلامُ عَلَيْها في سُورَةِ اَلْأعْرافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] اَلْآيَةَ ﴿فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: عَنْها: فَإنَّهم يَعْلَمُونَها، مِمّا لَدَيْهِمْ مِنَ اَلتَّوْراةِ. فَيَظْهَرُ لِلْمُشْرِكِينَ صِدْقُكَ، ويَزْدادُ اَلْمُؤْمِنُ بِكَ طُمَأْنِينَةَ قَلْبٍ. لِأنَّ اَلْأدِلَّةَ إذا تَظاهَرَتْ، كانَ ذَلِكَ أقْوى وأثْبَتُ: ﴿إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ أيْ: فَذَهَبَ إلى فِرْعَوْنَ وأظْهَرَ آياتِهِ، ودَعاهُ لِلْإيمانِ بِهِ تَعالى ولِإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ. فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ما قالَ. وقَوْلُهُ: ﴿مَسْحُورًا﴾ بِمَعْنى سُحِرْتَ فَخُولِطَ عَقْلُكَ. أوْ بِمَعْنى ساحِرٍ، عَلى اَلنَّسَبِ. أوْ حَقِيقَةً، وهو يُناسِبُ قَلْبَ اَلْعَصا ثُعْبانًا. وعَلى اَلْأوَّلِ هو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]

(p-٤٠٠٧)

17:102Page 292

قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا ١٠٢

[Moses] said, "You have already known that none has sent down these [signs] except the Lord of the heavens and the earth as evidence, and indeed I think,1 O Pharaoh, that you are destroyed."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٢] ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْـزَلَ هَؤُلاءِ إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ .

﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ أيْ: يا فِرْعَوْنُ: ﴿ما أنْـزَلَ هَؤُلاءِ﴾ أيِ: اَلْآياتَ اَلتِّسْعَ: ﴿إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ أيْ: بَيِّناتٍ مَكْشُوفاتٍ لا سِحْرٌ ولا تَخَيُّلٌ. ولَكِنَّكَ مُعانِدٌ مُكابِرٌ، ونَحْوُهُ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] و(اَلْبَصائِرُ) جَمْعُ بَصِيرٍ بِمَعْنى مُبْصِرَةٍ أيْ: بَيِّنَةً. أوِ اَلْمُرادُ اَلْحُجَجُ، بِجَعْلِها كَأنَّها بَصائِرُ اَلْعُقُولِ. وتَكُونُ بِمَعْنى عِبْرَةٍ: ﴿وإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ أيْ: هالِكًا.

17:103–104Page 292

فَأَرَادَ أَن يَسۡتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ فَأَغۡرَقۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعٗا ١٠٣

So he intended to drive them from the land, but We drowned him and those with him all together.

وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا ١٠٤

And We said after him [i.e., Pharaoh] to the Children of Israel, "Dwell in the land, and when there comes the promise [i.e., appointment] of the Hereafter, We will bring you forth in [one] gathering."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٣-١٠٤] ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] .

﴿فَأرادَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ: ﴿أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ: يُفْزِعُهم ويُزْعِجُهم بِما يَحْمِلُهم عَلى خِفَّةِ اَلْهَرَبِ فَرَقًا مِنهُ. أوْ يَنْفِيهِمْ عَنْ ظَهْرِ اَلْأرْضِ بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ. والضَّمِيرُ لِمُوسى وقَوْمِهِ. و(اَلْأرْضُ) أرْضُ مِصْرَ. أوِ اَلْأرْضُ اَلَّتِي أذِنَ لَهم بِالمَسِيرِ إلَيْها وسُكْناها وهي فِلَسْطِينُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ أيْ: فَحاقَ بِهِ مَكْرُهُ، لِأنَّهُ تَعَقَّبَهم بِجُنُودِهِ بَعْدَ ما أذِنَ لَهم بِالسَّفَرِ مِن مِصْرَ إلى فِلَسْطِينَ، لِيُرْجِعَهم إلى عُبُودِيَّتِهِ، فَدَمَّرَهُ اَللَّهُ تَعالى وجُنُودَهُ بِالإغْراقِ.

﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٤] أيْ: مِن بَعْدِ إغْراقِهِ: ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ﴾ [الإسراء: ١٠٤] وهي أرْضُ كَنْعانَ، بَلَدُ أبِيهِمْ إسْرائِيلَ اَلَّتِي وُعِدُوا بِها.

(p-٤٠٠٨)قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: في هَذا بِشارَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِفَتْحِ مَكَّةَ، مَعَ أنَّ اَلسُّورَةَ مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ اَلْهِجْرَةِ. وكَذَلِكَ وقَعَ، فَإنَّ أهْلَ مَكَّةَ هَمُّوا بِإخْراجِ اَلرَّسُولِ مِنها كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها﴾ [الإسراء: ٧٦] ولِهَذا أوْرَثَ اَللَّهُ رَسُولَهُ مَكَّةَ فَدَخَلَها عَنْوَةً، عَلى أشْهَرِ اَلْقَوْلَيْنِ، وقَهَرَ أهْلَها، ثُمَّ أطْلَقَهم حِلْمًا وكَرَمًا. كَما أوْرَثَ اَللَّهُ اَلْقَوْمَ، اَلَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، مَشارِقَ اَلْأرْضِ ومَغارِبَها، وأوْرَثَهم بِلادَ فِرْعَوْنَ وأمْوالَهم وزُرُوعَهم وثِمارَهم وكُنُوزَهم كَما قالَ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقالَ ها هُنا: ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ﴾ [الإسراء: ١٠٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ١٠٤] أيْ: قِيامُ اَلسّاعَةِ: ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] أيْ: جَمْعًا مُخْتَلِطِينَ أنْتُمْ وعَدُّوكم. ثُمَّ يَحْكُمُ بَيْنَكم ويُمَيِّزُ بَيْنَ سُعَدائِكم وأشْقِيائِكم. ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ ساحَةَ اَلْقُرْآنِ أنْ يَكُونَ مُفْتَرى. وبَيَّنَ اِشْتِمالَهُ عَلى ما يُلائِمُ اَلْفِطَرَ ويُطابِقُ اَلْواقِعَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

17:105–106Page 293

وَبِٱلۡحَقِّ أَنزَلۡنَٰهُ وَبِٱلۡحَقِّ نَزَلَۗ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ١٠٥

And with the truth We have sent it [i.e., the Qur’ān] down, and with the truth it has descended. And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.

وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا ١٠٦

And [it is] a Qur’ān which We have separated [by intervals] that you might recite it to the people over a prolonged period. And We have sent it down progressively.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٥-١٠٦] ﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَـزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَـزَّلْناهُ تَنْـزِيلا﴾ [الإسراء: ١٠٦] .

﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ﴾ أيْ: بِالحَقِيقَةِ أنْزَلْناهُ كِتابًا مَن لَدُنّا فَأيْنَ تَذْهَبُونَ ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْـزَلَ إلَيْكَ أنْـزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦] ﴿وبِالحَقِّ نَـزَلَ﴾ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ اَلَّذِي هو ثَباتُ نِظامِ اَلْعالَمِ عَلى أكْمَلِ اَلْوُجُوهِ. وهو ما اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ اَلْعَقائِدِ والأحْكامِ ومَحاسِنِ اَلْأخْلاقِ وكُلِّ ما خالَفَ اَلْباطِلَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ﴾ [الإسراء: ١٠٦] أيْ: نَزَّلْناهُ مُفَرِّقًا مُنَجِّمًا. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ. والقِراءَتانِ (p-٤٠٠٩)بِمَعْنًى: ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] أيْ: عَلى مَهْلٍ وتُؤَدَةٍ وتَثُبُّتٍ، فَإنَّهُ أيْسَرُ لِلْحِفْظِ وأعْوَنُ في اَلْفَهْمِ: ﴿ونَـزَّلْناهُ تَنْـزِيلا﴾ [الإسراء: ١٠٦] أيْ: مِن لَدُنّا عَلى حَسَبِ اَلْأحْوالِ والمَصالِحِ.

17:107–109Page 293

قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ ١٠٧

Say, "Believe in it or do not believe." Indeed, those who were given knowledge before it1 - when it is recited to them, they fall upon their faces in prostration,

وَيَقُولُونَ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولٗا ١٠٨

And they say, "Exalted is our Lord! Indeed, the promise of our Lord has been fulfilled."

وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا۩ ١٠٩

And they fall upon their faces weeping, and it [i.e., the Qur’ān] increases them in humble submission.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٧-١٠٩] ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿ويَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] .

﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿ويَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]

قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: أمْرٌ بِالإعْراضِ عَنْهم واحْتِقارِهِمْ والِازْدِراءِ بِشَأْنِهِمْ، وأنْ لا يَكْتَرِثَ بِهِمْ وبِإيمانِهِمْ وبِامْتِناعِهِمْ عَنْهُ. وإنَّهم إنْ لَمْ يَدْخُلُوا في اَلْإيمانِ ولَمْ يُصَدِّقُوا بِالقُرْآنِ وهم أهْلُ جاهِلِيَّةٍ وشِرْكٍ، فَإنَّ خَيْرًا مِنهم وأفْضَلَ، وهُمُ اَلْعُلَماءُ اَلَّذِينَ قَرَأُوا اَلْكُتُبَ وعَلِمُوا ما اَلْوَحْيُ وما اَلشَّرائِعُ، قَدْ آمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وثَبَتَ عِنْدَهم أنَّهُ اَلنَّبِيُّ اَلْعَرَبِيُّ اَلْمَوْعُودُ في كُتُبِهِمْ. فَإذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا اَللَّهَ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ، ولِإنْجازِهِ ما وعَدَ في اَلْكُتُبِ اَلْمُنَزَّلَةِ، وبَشَّرَ بِهِ مِن بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْزالِ اَلْقُرْآنِ عَلَيْهِ. وهو اَلْمُرادُ بِالوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٨]

فَإنْ قُلْتَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ تَعْلِيلٌ لِماذا ؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ وأنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِـ ) قُلْ ) عَلى سَبِيلِ اَلتَّسْلِيَةِ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَطْيِيبِ نَفْسِهِ. كَأنَّهُ قِيلَ: تَسَلَّ عَنْ إيمانِ اَلْجَهَلَةِ بِإيمانِ اَلْعُلَماءِ. وعَلى اَلْأوَّلِ: إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ (p-٤٠١٠)لَقَدْ آمَنَ بِهِ مَن هو خَيْرٌ مِنكم. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى اَلْخُرُورِ لِلذَّقَنِ ؟ قُلْتُ: اَلسُّقُوطُ عَلى اَلْوَجْهِ. وإنَّما ذُكِرَ اَلذَّقْنُ، وهو مُجْتَمَعُ اَللَّحْيَيْنِ؛ لِأنَّ اَلسّاجِدَ أوَّلُ ما يَلْقى بِهِ اَلْأرْضَ مِن وجْهِهِ اَلذَّقْنُ. فَإنْ قُلْتَ: حَرْفُ اَلِاسْتِعْلاءِ ظاهِرُ اَلْمَعْنى، إذا قُلْتَ خَرَّ عَلى وجْهِهِ وعَلى ذَقْنِهِ، فَما مَعْنى اَللّامُ في (خَرَّ لِذَقْنِهِ ولِوَجْهِهِ) ؟ قالَ:

فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ جَعَلَ ذَقْنَهُ ووَجْهَهُ لِلْخُرُورِ. واخْتَصَّهُ بِهِ لِأنَّ اَللّامَ لِلِاخْتِصاصِ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ كَرَّرَ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ ؟ قُلْتُ: لِاخْتِلافِ اَلْحالَيْنِ، وهُما خَرُورُهم في حالِ كَوْنِهِمْ ساجِدِينَ، وخَرُورُهم في حالِ كَوْنِهِمْ باكِينَ. اِنْتَهى.

تَنْبِيهٌ:

دَلَّ نَعْتُ هَؤُلاءِ ومَدْحُهم بِخَرُورِهِمْ باكِينَ، عَلى اِسْتِحْبابِ اَلْبُكاءِ والتَّخَشُّعِ. فَإنَّ كُلَّ ما حَمِدَ فِيهِ مِنَ اَلنُّعُوتِ والصِّفاتِ اَلَّتِي وصَفَ اَللَّهُ تَعالى بِها مَن أحَبَّهُ مِن عِبادِهِ، يَلْزَمُ اَلِاتِّصافُ بِها. كَما أنَّ ما ذَمَّ مِنها مِن مَقْتِهِ مِنهم، يَجِبُ اِجْتِنابُهُ.

وقَدْ عَدَّ اَلْإمامُ اَلْغَزالِيُّ في " اَلْإحْياءِ " مِن آدابِ ظاهِرِ اَلتِّلاوَةِ اَلْبُكاءُ. قالَ: اَلْبُكاءُ مُسْتَحَبٌّ مَعَ اَلْقِراءَةِ. قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اُتْلُوا اَلْقُرْآنَ وابْكُوا فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكُوا»» . وقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما: إذا قَرَأْتُمْ سَجْدَةَ سُبْحانَ، فَلا تُعَجِّلُوا بِالسُّجُودِ حَتّى تَبْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكِ عَيْنُ أحَدِكم، فَلْيَبْكِ قَلْبُهُ. وإنَّما طَرِيقُ تَكَلُّفِ اَلْبُكاءِ أنْ يَحْضُرَ قَلْبَهُ اَلْحُزْنُ. فَمِنَ اَلْحُزْنِ يَنْشَأُ اَلْبُكاءُ، ووَجْهُ إحْضارِ اَلْحُزْنِ، أنْ يَتَأمَّلَ ما فِيهِ مِنَ اَلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ والمَواثِيقِ والعُهُودِ. ثُمَّ يَتَأمَّلُ تَقْصِيرَهُ في أوامِرِهِ وزَواجِرِهِ، فَيَحْزَنُ لا مَحالَةَ ويَبْكِي. فَإنْ لَمْ يَحْضُرْهُ حُزْنٌ وبُكاءٌ، كَما يَحْضُرُ أرْبابَ اَلْقُلُوبِ اَلصّافِيَةِ، فَلْيَبْكِ عَلى فَقْدِ اَلْحُزْنِ والبُكاءِ. فَإنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ اَلْمَصائِبِ. اِنْتَهى.

وذَكَرَ اَلسُّيُوطِيُّ في (اَلْإكْلِيلِ) أنَّ اَلشّافِعِيَّ اِسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا﴾ [الإسراء: ١٠٨] اَلْآيَةَ، عَلى اِسْتِحْبابِ هَذا اَلذِّكْرِ في سُجُودِ اَلتِّلاوَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

(p-٤٠١١)

17:110–111Page 293

قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلٗا ١١٠

Say, "Call upon Allāh or call upon the Most Merciful [ar-Raḥmān]. Whichever [name] you call - to Him belong the best names." And do not recite [too] loudly in your prayer or [too] quietly but seek between that an [intermediate] way.

وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلِيّٞ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِيرَۢا ١١١

And say, "Praise to Allāh, who has not taken a son and has had no partner in [His] dominion and has no [need of a] protector out of weakness; and glorify Him with [great] glorification."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٠-١١١] ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] .

﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ رَدٌّ لِما أنْكَرَهُ اَلْمُشْرِكُونَ مِن تَسْمِيَةِ اَلرَّحْمَنِ، وإذْنٌ بِتَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ. أيْ: سَمُّوهُ بِهَذا اَلِاسْمِ أوْ بِهَذا. و(أوْ) لِلتَّخْيِيرِ ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ أيْ: أيُّ: هَذَيْنِ اَلِاسْمَيْنِ سَمَّيْتُمْ وذَكَرْتُمْ فَهو حَسَنٌ. وقَدْ وُضِعَ مَوْضِعَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ لِلْمُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى ما هو اَلدَّلِيلُ عَلَيْهِ؛ إذْ حُسْنُ جَمِيعِ أسْمائِهِ يَسْتَدْعِي حُسْنَ ذَيْنِكَ اَلِاسْمَيْنِ. فَأُقِيمُ فِيهِ دَلِيلُ اَلْجَوابِ مَقامَهُ، وهو أبْلَغُ.

ومَعْنى كَوْنِها أحْسَنَ اَلْأسْماءِ، أنَّها مُسْتَقِلَّةٌ بِمَعانِي اَلْحَمْدِ والتَّقْدِيسِ والتَّعْظِيمِ. وهَذِهِ اَلْآيَةُ كَآيَةِ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أيْ: بِقِراءَةِ صَلاتِكَ. بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. أوْ تَسْمِيَةِ اَلْقِراءَةِ صَلاةً؛ لِكَوْنِها مِن أهَمِّ أرْكانِها. كَما تُسَمّى اَلصَّلاةُ رَكْعَةً: ﴿ولا تُخافِتْ بِها﴾ أيْ: تُسِرُّ وتُخْفِي: ﴿وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ أيْ: بَيْنَ اَلْجَهْرِ والمُخافَتَةِ، أمْرًا وسَطًا. فَإنَّ خَيْرَ اَلْأُمُورِ أوْساطُها.

قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالسَّبِيلِ، بِاعْتِبارِ أنَّهُ أمْرٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ اَلْمُتَوَجِّهُونَ، ويَؤُمُّهُ اَلْمُقْتَدُونَ، ويُوَصِّلُهم إلى اَلْمَطْلُوبِ.

رَوى اَلشَّيْخانِ «أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِقِراءَتِهِ. فَإذا سَمِعَها اَلْمُشْرِكُونَ (p-٤٠١٢)لَغَوْا وسَبُّوا، فَأمَرَ بِأنْ يَتَوَسَّطَ في صَوْتِهِ كَيْلا يَسْمَعَ اَلْمُشْرِكُونَ، ولِيَبْلُغَ مَن خَلْفِهِ قِراءَتُهُ» .

ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ اِسْتِحْقاقَهُ لِلْحَمْدِ لِاخْتِصاصِهِ بِنُعُوتِ اَلْكَمالِ وصِفاتِ اَلْجَلالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] أيْ: لَمْ يَكُنْ عِلَّةً لِمَوْجُودٍ مِن جِنْسِهِ؛ لِضَرُورَةِ كَوْنِ اَلْمَعْلُولِ مُحْتاجًا إلَيْهِ، مُمْكِنًا بِالذّاتِ، مَعْدُومًا بِالحَقِيقَةِ. فَكَيْفَ يَكُونُ مِن جِنْسِ اَلْمَوْجُودِ حَقًّا، اَلْواجِبُ بِذاتِهِ مِن جَمِيعِ اَلْوُجُوهِ ؟: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١] أيْ: مَن يُساوِيهِ في قُوَّةِ اَلْقَهْرِ والمَمْلَكَةِ مِنَ اَلشَّرِيكِ في اَلْمِلْكِ. وإلّا لَكانَ مُشْتَرِكَيْنِ في وُجُوبِ اَلْوُجُودِ والحَقِيقَةِ. فامْتِيازُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ اَلْآخَرِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِأمْرٍ غَيْرِ اَلْحَقِيقَةِ اَلْواجِبَةِ. فَلَزِمَ تَرَكُّبُهُما، فَكانا كِلاهُما مُمْكِنَيْنِ لا واجِبَيْنِ. وأيْضًا فَإنْ لَمْ يَسْتَقِلّا بِالتَّأْثِيرِ، لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما إلَهًا. وإنِ اِسْتَقَلَّ أحَدُهُما دُونَ اَلْآخَرِ فَذَلِكَ هو اَلْإلَهُ دُونَهُ، فَلا شَرِيكَ لَهُ. وإنِ اِسْتَقَلّا جَمِيعًا؛ لَزِمَ اِجْتِماعُ اَلْمُؤَثِّرَيْنِ اَلْمُسْتَقِلَّيْنِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ، إنْ فُعِلا مَعًا. وإلّا لَزِمَ إلَهِيَّةُ أحَدِهِما دُونَ اَلْآخَرِ، رَضِيَ بِفِعْلِهِ أوْ لَمْ يَرْضَ. أفادَهُ القاشانِيُّ.

﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١] أيْ: ناصِرٌ مِنَ اَلذُّلِّ ومانِعٌ لَهُ مِنهُ، لِاعْتِزازِهِ بِهِ. أوْ لَمْ يُوالِ أحَدًا مِن أجْلِ مَذَلَّةٍ بِهِ، لِيَدْفَعَها بِمُوالاتِهِ: ﴿وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] أيْ: عَظِّمْهُ عَنْ أنْ يَلْحَقَهُ شَيْءٌ مِن هَذِهِ اَلنَّقائِصِ تَعْظِيمًا جَلِيلًا.

تَمَّ ما عَلَّقْناهُ عَلى هَذِهِ اَلسُّورَةِ اَلْكَرِيمَةِ، ضَحْوَةَ اَلسَّبْتِ في ٢٦ شَوّالٍ سَنَةَ ١٣٢٣ في سُدَّةِ جامِعِ السَّنانِيَّةِ بِدِمَشْقَ اَلشّامِ. يَسَّرَ اَللَّهُ لَنا بِعَوْنِهِ اَلْإتْمامَ، والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском