Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:1–5, continued
ونَظِيرُهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ ذَلِكَ كانَ أمْرًا إعْجازِيًّا. والحَقِيقَةُ أنَّهُ كَشْفٌ رُوحانِيٌّ. وقَدْ قَرَّرُوا في عَدَمِ اسْتِحالَةِ كَوْنِهِ يَقَظَةً بِالرُّوحِ والجِسْمِ؛ أنَّ خالِقَ العالَمِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ. وحُصُولُ الحَرَكَةِ البالِغَةِ في السُّرْعَةِ إلى هَذا الحَدِّ في جَسَدِهِ ﷺ مُمْكِنٌ. فَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلَيْهِ. وغايَةُ ما في البابِ أنَّهُ خِلافُ العادَةِ. والمُعْجِزاتُ كُلُّها كَذَلِكَ. وفي (العَقائِدِ النَّسَفِيَّةِ وحَواشِيها): الخَرْقُ والِالتِئامُ عَلى السَّماواتِ جائِزٌ؛ لِأنَّ الأجْسامَ كُلَّها مُتَماثِلَةٌ في تَرَكُّبِها مِنَ الجَواهِرِ الفَرْدَةِ، فَيَصِحُّ عَلى كُلِّ ما يَصِحُّ عَلى الآخَرِ. فالأجْسامُ العُنْصُرِيَّةُ قابِلَةٌ لِلْخَرْقِ والِالتِئامِ. وكَذا الأجْسامُ الفَلَكِيَّةُ. واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى المُمْكِناتِ كُلِّها. فَيَكُونُ قادِرًا عَلى الخَرْقِ في السَّماواتِ؛ لِأنَّهُ مُمْكِنٌ فِيها. وفي الرّازِيِّ بَراهِينُ أُخَرَ. فانْظُرْها.
(p-٣٨٩٥)جاءَ في كِتابِ (إظْهارُ الحَقِّ): أنَّ بَعْضَ أهْلِ الكِتابِ مارى في المِعْراجِ، فَبُكِّتَ بِأنَّ صُعُودَ الجِسْمِ العُنْصُرِيِّ إلى الأفْلاكِ صَرَّحَتْ بِهِ التَّوْراةُ المَوْجُودَةُ لَدَيْهِمْ في (أخْنُوخَ) . وأنَّهُ نُقِلَ حَيًّا إلى السَّماءِ لِئَلّا يَرى المَوْتَ. كَما في الفَصْلِ الخامِسِ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ. وصَرَّحَتْ في صُعُودِ (إيلِيا) في الفَصْلِ الثّانِي مِن سِفْرِ المُلُوكِ. وفي إنْجِيلِ مُرْقُسَ في الفَصْلِ السّادِسَ عَشَرَ التَّصْرِيحُ بِرَفْعِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى السَّماءِ. انْتَهى.
أقُولُ: أخْنُوخُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، المُنَوَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] وإيلِيا: نَبِيٌّ أُرْسِلَ إلى آحابَ أحَدِ مُلُوكِ اليَهُودِ الكَفَرَةِ، الَّذِينَ شَهَّرُوا عِبادَةَ بَعْلٍ وغَيْرِهِ مِنَ الأصْنامِ بِالسّامِرَةِ. وتُسَمّى الآنَ: سِبِسْطِيَّةَ: مِن قِسْمِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، زَعَمُوا أنَّهُ ظَهَرَتْ عَلى يَدِ إيلِيا خَوارِقُ باهِرَةٌ. وأنَّهُ قَتَلَ سَدَنَةَ بَعْلٍ وهَدَمَ مَذْبَحَهُ، إلى أنِ ارْتَفَعَ في مَرْكَبَةٍ نارِيَّةٍ وخَيْلٍ نارِيَّةٍ نَحْوَ السَّماءِ، جانِبِ نَهْرِ الأُرْدُنِّ في بِطاحِ أرِيحا، شاهَدَهُ خَلِيفَتُهُ اليَشاعُ النَّبِيُّ بَعْدَهُ. كَذا في تارِيخِ الكِتابِ المُقَدَّسِ. و(إيلِيا): هو إلْياسُ، و(اليَشاعُ): هو اليَسَعُ المَذْكُورانِ في القُرْآنِ المَجِيدِ.
وقَدْ نَوَّهَ بِالأوَّلِ في سُورَةِ الصّافّاتِ بِقَوْلِهِ تَعالى: { ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] } .
السّادِسُ: قِيلَ: إنَّ المَسْجِدَ الأقْصى في زَمَنِ الإسْراءِ كانَ خَرابًا بِشَهادَةِ التّارِيخِ. وذَلِكَ لِأنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَناهُ عَلى مَكانِ الصَّخْرَةِ. ثُمَّ خَرِبَ وأُلْقِيَتْ عَلى الصَّخْرَةِ زُبالَةُ البَلَدِ عِنادًا لِلْيَهُودِ. وبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى فَتَحَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ القُدْسَ. انْظُرْ (تارِيخُ أبِي الفِداءِ) وغَيْرَهُ. فَكَيْفَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ المَسْجِدِ ؟ وأُجِيبُ: بِأنَّ المَسْجِدَ في حالِ هَدْمِهِ يُسَمّى مَسْجِدًا، بِاعْتِبارِ ما كانَ عَلَيْهِ وما وُضِعَ لَهُ، كَما أُطْلِقَ المَسْجِدُ عَلى حَرَمِ مَكَّةَ، وهو لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مَسْجِدًا. وإنَّما كانَ بَيْتًا لِلْأصْنامِ.
(p-٣٨٩٦)لَكِنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ، لَمّا بَنَيا الكَعْبَةَ لِلْعِبادَةِ الصَّحِيحَةِ، كَما بَنى سُلَيْمانُ هَيْكَلَهُ هَذا لَها، سُمِّيَ مَسْجِدًا بِهَذا الِاعْتِبارِ. أوْ يُقالُ: إنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِما اسْمُ المَسْجِدِ لِلْإشارَةِ إلى ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُما. وهو كَوْنُهُما مَسْجِدَيْنِ لِلْمُسْلِمِينَ.
السّابِعُ: في التَّفاضُلِ بَيْنَ لَيْلَةِ القَدْرِ ولَيْلَةِ الإسْراءِ. سُئِلَ الإمامُ تَقِيُّ الدِّينِ أحْمَدُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَجُلٍ قالَ: لَيْلَةُ الإسْراءِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، وقالَ آخَرُ: بَلْ لَيْلَةُ القَدْرِ أفْضَلُ، فَأيُّهُما المُصِيبُ ؟ .
فَأجابَ: أمّا القائِلُ بِأنَّ لَيْلَةَ الإسْراءِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ. إنْ أرادَ بِهِ أنْ تَكُونَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ فِيها بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ ونَظائِرُها مِن كُلِّ عامٍ أفْضَلَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، بِحَيْثُ يَكُونُ قِيامُها والدُّعاءُ فِيها أفْضَلَ مِنهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ. فَهَذا باطِلٌ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهو مَعْلُومُ الفَسادِ بِالِاضْطِرارِ مِن دِينِ الإسْلامِ. هَذا إذا كانَتْ لَيْلَةُ الإسْراءَ يُعْرَفُ عَيْنُها. فَكَيْفَ ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ مَعْلُومٌ لا عَلى شَهْرِها ولا عُشْرِها ولا عَلى عَيْنِها ؟ بَلِ النُّقُولُ في ذَلِكَ مُنْقَطِعَةٌ مُخْتَلِفَةٌ، لَيْسَ فِيها ما يُقْطَعُ بِهِ، ولا شُرِعَ لِلْمُسْلِمِينَ تَخْصِيصُ اللَّيْلَةِ، الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لَيْلَةُ الإسْراءِ، بِقِيامٍ ولا غَيْرِهِ. بِخِلافِ لَيْلَةِ القَدْرِ فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ»» وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ: (p-٣٨٩٧)««تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ»» . وقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ فَإنَّهُ نَزَلَ فِيها القُرْآنُ.
وإنْ أرادَ أنَّ اللَّيْلَةَ المُعَيَّنَةَ الَّتِي أُسْرِيَ فِيها بِالنَّبِيِّ ﷺ، وحَصَلَ لَهُ فِيها ما لَمْ يَحْصُلْ لَهُ في غَيْرِها، مِن غَيْرِ أنْ يُشْرَعَ تَخْصِيصُها بِقِيامٍ ولا عِبادَةٍ، فَهَذا صَحِيحٌ. ولَيْسَ إذا أعْطى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ فَضِيلَةً في مَكانٍ أوْ زَمانٍ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الزَّمانُ والمَكانُ أفْضَلَ مِن جَمِيعِ الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ. هَذا إذا قُدِّرَ أنَّهُ قامَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إنْعامَ اللَّهِ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ لَيْلَةَ الإسْراءِ كانَ أعْظَمَ مِن إنْعامِهِ عَلَيْهِ بِإنْزالِ القُرْآنِ لَيْلَةَ القَدْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ عَلَيْهِ. والكَلامُ في مِثْلِ هَذا يَحْتاجُ إلى عِلْمٍ بِحَقائِقِ الأمْرِ ومَقادِيرِ النِّعَمِ الَّتِي لا تُعْرَفُ إلّا بِوَحْيٍ. ولا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَتَكَلَّمَ فِيها بِلا عِلْمٍ.
ولا يُعْرَفُ عَنْ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّهُ نَقَلَ لِلَيْلَةِ الإسْراءِ فَضِيلَةً عَلى غَيْرِها. لا سِيَّما عَلى لَيْلَةِ القَدْرِ. ولا كانَ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ يَقْصِدُونَ تَخْصِيصَ لَيْلَةِ الإسْراءِ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ولا يَذْكُرُونَها. ولِهَذا لا يَعْرِفُ أيَّ لَيْلَةٍ كانَتْ. وإنْ كانَ الإسْراءُ مِن أعْظَمِ فَضائِلِهِ ﷺ، ومَعَ هَذا لَمْ يُشْرَعْ تَخْصِيصُ ذَلِكَ الزَّمانِ ولا ذَلِكَ المَكانِ بِعِبادَةٍ شَرْعِيَّةٍ. بَلْ غارُ حِراءٍ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ بِنُزُولِ الوَحْيِ، وكانَ يَتَحَرّاهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، لَمْ يَقْصِدْهُ هو ولا أحَدٌ مِن أصْحابِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مُدَّةَ مُقامِهِ بِمَكَّةَ. ولا خُصَّ اليَوْمُ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الوَحْيُ بِعِبادَةٍ ولا غَيْرِها. ولا خُصَّ المَكانُ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ الوَحْيُ ولا الزَّمانُ بِشَيْءٍ. ومَن خَصَّ الأمْكِنَةَ والأزْمِنَةَ مِن عِنْدِهِ بِعِباداتٍ لِأجْلِ هَذا وأمْثالِهِ، كانَ مِن جِنْسِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ جَعَلُوا زَمانَ أحْوالِ المَسِيحِ مَراسِمَ وعِباداتٍ. كَيَوْمِ المِيلادِ، ويَوْمِ التَّعْمِيدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِهِ. وقَدْ رَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ جَماعَةً يَتَبادَرُونَ مَكانًا يُصَلُّونَ فِيهِ. فَقالَ: ما هَذا ؟ قالُوا: مَكانٌ صَلّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: أتُرِيدُونَ أنْ تَتَّخِذُوا آثارَ أنْبِيائِكم مَساجِدَ ؟ إنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِهَذا، فَمَن أدْرَكَتْهُ فِيهِ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وإلّا فَلْيَمْضِ. وقَدْ قالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّ لَيْلَةَ الإسْراءِ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ. ولَيْلَةُ القَدْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَّةِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ الإسْراءِ. فَهَذِهِ (p-٣٨٩٨)اللَّيْلَةُ في حَقِّ الأُمَّةِ أفْضَلُ لَهم. ولَيْلَةُ الإسْراءِ في حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أفْضَلُ لَهُ. انْتَهى. نَقَلَهُ الشَّمْسُ ابْنُ القَيِّمِ (في زادُ المَعادِ) .
الثّامِنُ: قالَ الشَّمْسُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادُ المَعادِ): اخْتَلَفَ الصَّحابَةُ: هَلْ رَأى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أمْ لا ؟ فَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَأى رَبَّهُ. وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: رَآهُ بِفُؤادِهِ. وصَحَّ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ إنْكارُ ذَلِكَ وقالا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ [النجم: ١٣] ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] إنَّما هو جِبْرِيلُ. وصَحَّ «عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ سَألَهُ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ ؟ قالَ: «نُورٌ، أنّى أراهُ ؟ !»» . أيْ: حالَ بَيْنِي وبَيْنَ رُؤْيَةِ النُّورِ. كَما قالَ في لَفْظٍ آخَرَ: ««رَأيْتُ نُورًا»» . وقَدْ حَكى عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ اتِّفاقَ الصَّحابَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَهُ. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: ولَيْسَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَآهُ مُناقِضًا لِهَذا. ولا قَوْلُهُ رَآهُ بِفُؤادِهِ. وقَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««رَأيْتُ رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى»» . ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذا في الإسْراءِ، ولَكِنْ كانَ في المَدِينَةِ لَمّا احْتَبَسَ عَنْهم في صَلاةِ الصُّبْحِ. ثُمَّ أخْبَرَهم عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى تِلْكَ اللَّيْلَةَ في مَنامِهِ. وعَلى هَذا بَنى الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ وقالَ: نَعَمْ، رَآهُ حَقًّا. فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ ولا بُدَّ. ولَكِنْ لَمْ يَقُلْ أحْمَدُ: إنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ. ومَن حَكى عَنْهُ ذَلِكَ فَقَدْ وهِمَ عَلَيْهِ. ولَكِنْ قالَ مَرَّةً: رَآهُ، ومَرَّةً قالَ: رَآهُ بِفُؤادِهِ. فَحُكِيَتْ عَنْهُ رِوايَتانِ وحُكِيَتْ عَنْهُ الثّالِثَةُ. مِن تَصَرُّفِ بَعْضِ أصْحابِهِ أنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ. وهَذِهِ نُصُوصُ أحْمَدَ مَوْجُودَةٌ لَيْسَ فِيها ذَلِكَ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ. فَإنْ كانَ اسْتِنادُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ [النجم: ١٣] والظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَنَدُهُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّ هَذا المَرْئِيَّ جِبْرِيلُ. رَآهُ مَرَّتَيْنِ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا. هو مُسْتَنَدُ الإمامِ أحْمَدَ في قَوْلِهِ: رَآهُ بِفُؤادِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٣٨٩٩)التّاسِعُ: قالَ الحافِظُ أبُو الخَطّابِ عُمَرُ بْنُ دِحْيَةَ في كِتابِهِ " التَّنْوِيرُ في مَوْلِدِ السِّراجِ المُنِيرِ " بَعْدَ ذِكْرِهِ حَدِيثَ الإسْراءِ مِن طَرِيقِ أنَسٍ: وقَدْ تَواتَرَتِ الرِّواياتُ في حَدِيثِ الإسْراءِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي ذَرٍّ ومالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي سَعِيدٍ وابْنِ عَبّاسٍ وشَدّادِ بْنِ أوْسٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ وأبِي حَبَّةَ وأبِي لَيْلى الأنْصارِيَّيْنِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وجابِرٍ وحُذَيْفَةَ وبُرَيْدَةَ وأبِي أيُّوبَ وأبِي أُمامَةَ وسَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ وأبِي الحَمْراءِ وصُهَيْبٍ الرُّومِيِّ وأُمِّ هانِئٍ وعائِشَةَ وأسْماءَ ابْنَتِي أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، مِنهم مَن ساقَهُ بِطُولِهِ ومِنهم مَنِ اخْتَصَرَهُ، عَلى ما وقَعَ في المَسانِيدِ. وإنْ لَمْ تَكُنْ رِوايَةُ بَعْضِهِمْ عَلى شَرْطِ الصِّحَّةِ؛، فَحَدِيثُ الإسْراءِ أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ. وأعْرَضَ عَنْهُ الزَّنادِقَةُ والمُلْحِدُونَ. انْتَهى.
وقَدْ نَقَلَ الرّازِيُّ عَنْ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ رَدَّهُ لِجُمَلٍ فِيهِ - ساقَها - صَعُبَ عَلَيْهِمْ دَرْكُها. ولا إشْكالَ فِيها في الحَقِيقَةِ بِحَمْدِهِ تَعالى. ولَكِنْ هم وأمْثالُهم مِمَّنْ ضَعُفَتْ عِنايَتُهم بِفَنِّ الحَدِيثِ وغَلَبَ عَلَيْهِمْ فَنُّ المَعْقُولِ. ولَقَدْ فاتَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ. ولَيْسَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ ما يُناقِضُ المَفْعُولَ أوِ الواقِعَ، بِوَجْهٍ ما، يَعْلَمُ ذَلِكَ الرّاسِخُونَ. وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
وقَدْ بَقِيَ مِمَّنْ رَواهُ مِنَ الصَّحابَةِ. غَيْرُ مَن تَقَدَّمَ؛ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَوالَةَ الأزْدِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ وأبُو الدَّرْداءِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. وأمّا مَن رَواهُ مِنَ التّابِعِينَ مُرْسَلًا فَكَثِيرٌ، مِنهُمُ: الحَسَنُ بْنُ الحُسَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ وكَعْبٌ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ وعُرْوَةُ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ والوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى وآخَرُونَ. كَما يُعْلَمُ مِن مُراجَعَةِ (الدُّرِّ المَنثُورِ) لِلْحافِظِ السُّيُوطِيِّ.
وأمّا طُرُقُهُ في الصَّحِيحَيْنِ. فَقالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحُ): إنَّها تَدُورُ عَلى أنَسِ بْنِ مالِكٍ مَعَ اخْتِلافِ أصْحابِهِ عَنْهُ. فَرَواهُ قَتادَةُ عَنْهُ عَنْ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ. ولَيْسَ في أحادِيثِ المِعْراجِ أصَحُّ مِنهُ. ورَواهُ الزُّهْرِيُّ عَنْهُ عَنْ أبِي ذَرٍّ. ورَواهُ شَرِيكُ بْنُ أبِي نَمِرٍ وثابِتٌ البُنانِيُّ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِلا واسِطَةٍ. وفي سِياقِ كُلٍّ مِنهم عَنْهُ ما لَيْسَ عِنْدَ الآخَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٩٠٠)
17:2–3Page 282
وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا ٢
And We gave Moses the Scripture and made it a guidance for the Children of Israel that you not take other than Me as Disposer of affairs,1
ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا ٣
O descendants of those We carried [in the ship] with Noah. Indeed, he was a grateful servant.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢-٣] ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] .
﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أسْرى بِعَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَطَفَ بِذِكْرِ مُوسى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ وكَلِيمِهِ. فَإنَّهُ تَعالى كَثِيرًا ما يَقْرِنُ بَيْنَ ذِكْرِ مُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وبَيْنَ ذِكْرِ التَّوْراةِ والقُرْآنِ. وقالَ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأوْلى إكْرامَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ أسْرى بِهِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أكْرَمَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَهُ بِالكِتابِ الَّذِي آتاهُ. وقالَ الشِّهابُ في (العِنايَةُ): عُقِّبَتْ آيَةُ الإسْراءِ بِهَذِهِ؛ اسْتِطْرادًا، بِجامِعِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُعْطِيَ التَّوْراةَ بِمَسِيرِهِ إلى الطُّورِ وهو بِمَنزِلَةِ مِعْراجِهِ؛ لِأنَّهُ صَحَّ ثَمَّةَ التَّكْلِيمُ، وشَرُفَ بِاسْمِ الكَلِيمِ مُدْمَجًا فِيهِ تَفاوُتُ ما بَيْنَ الكِتابَيْنِ ومَن أُنْزِلا عَلَيْهِ. وإنْ شِئْتَ فَوازِنْ بَيْنَ: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] و: ﴿وآتَيْنا مُوسى﴾ وبَيْنَ: ﴿هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ و: ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] و(الواوُ) اسْتِئْنافِيَّةٌ أوْ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ (سُبْحانَ الَّذِي أسْرى) إلخ لا عَلى (أسْرى) لِبُعْدِهِ، وتَكَلُّفِهِ. وضَمِيرُ (وجَعَلْناهُ) لِلْكِتابِ أوْ لِمُوسى و(لِبَنِي إسْرائِيلَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (هُدًى) أوْ بِـ (جَعَلْناهُ)، وهي تَعْلِيلِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ أيْ: ولِيًّا ومَعْبُودًا تَكِلُونَ إلَيْهِ أُمُورَكم؛ لِأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ أرْسَلَهُ، أنْ يَعْبُدَهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وقَدْ قُرِئَ: { ألّا يَتَّخِذُوا } (p-٣٩٠١)بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ. والتَّقْدِيرُ: جَعَلْناهُ هُدًى لِئَلّا يَتَّخِذُوا. وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ (أنْ) بِمَعْنى أيْ. وهي مُفَسِّرَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ.
الثّانِي: أنَّ (أنْ) زائِدَةٌ، أيْ: قُلْنا: لا تَتَّخِذُوا.
الثّالِثُ: أنَّ (لا) زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: مَخافَةَ أنْ تَتَّخِذُوا. والوَكِيلُ والمَوْكُولُ إلَيْهِ. أيِ: المُفَوَّضُ إلَيْهِ الأُمُورُ. وهو الرَّبُّ. فَـ (فَعِيلٌ) بِمَعْنى مَفْعُولٍ. و(دُونَ) بِمَعْنى غَيْرَ. و(مِن) زائِدَةٌ. أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ أوِ النِّداءِ. وفِيهِ تَهْيِيجٌ وتَنْبِيهٌ عَلى المِنَّةِ. والإنْعامِ عَلَيْهِمْ في إنْجاءِ آبائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ بِحَمْلِهِمْ مَعَ نُوحٍ في السَّفِينَةِ. وإيماءٌ إلى عِلَّةِ النَّهْيِ. كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُشْرِكُوا بِهِ، فَإنَّهُ المُنْعِمُ عَلَيْكم والمُنْجِي لَكم مِنَ الشَّدائِدِ. وأنَّهم ضُعَفاءُ مُحْتاجُونَ إلى لُطْفِهِ. وفي التَّعْبِيرِ بِـ (الذُّرِّيَّةِ) الغالِبِ إطْلاقُها عَلى الأطْفالِ والنِّساءِ، مُناسَبَةٌ تامَّةٌ لِما ذُكِرَ. وذَكَرَ حَمْلَهم في السَّفِينَةِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم حِينَئِذٍ وكِيلٌ يَتَّكِلُونَ عَلَيْهِ سِواهُ. وقَوْلُهُ: ﴿عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] أيْ: لِمَعْرِفَتِهِ بِنِعَمِ اللَّهِ واسْتِعْمالِها عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي. وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّ إنْجاءَهُ ومِن مَعَهُ كانَ بِبَرَكَةِ شُكْرِهِ، وحَثٌّ لِلذَّرِّيَّةِ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ. وقِيلَ: إنَّهُ اسْتِطْرادٌ. وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٩٠٢)
17:4–5Page 282
وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤
And We conveyed1 to the Children of Israel in the Scripture that, "You will surely cause corruption on the earth twice, and you will surely reach [a degree of] great haughtiness."
فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا ٥
So when the [time of] promise came for the first of them,1 We sent against you servants of Ours - those of great military might, and they probed [even] into the homes,2 and it was a promise fulfilled.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤-٥] ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولا﴾ [الإسراء: ٥] .
﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ أيْ: كِتابِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أيْ: حَكَمْنا فِيهِ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ يَعْنِي أرْضَ فِلَسْطِينَ بَيْتِ المَقْدِسِ الَّتِي بارَكَ اللَّهُ حَوْلَها. والإفْسادُ بِالكُفْرِ والمَعاصِي.
قالَ السَّمِينُ: في تَعْدِيَةِ (قَضَيْنا) بِـ (إلى) تَضْمِينُهُ مَعْنى أنْفَذْنا. أيْ: أنْفَذْنا إلَيْهِمْ بِالقَضاءِ المَحْتُومِ. ومُتَعَلِّقُ القَضاءِ مَحْذُوفٌ. أيْ: بِفَسادِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ مُؤَكِّدٍ لِمَعْنى القَضاءِ، أوْ جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا﴾ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى القَسَمِ. ومِنهُ قَوْلُهم: (قَضاءِ اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ كَذا) فَيُجْرُونَ القَضاءَ والقَدَرَ مَجْرى القَسَمِ، فَيُتَلَقَّيانِ بِما يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ. و(مَرَّتَيْنِ) أيْ: إفْسادَتَيْنِ. مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ (لِتُفْسِدُنَّ) مِن غَيْرِ لَفْظِهِ. وعَدَلَ عَنْهُ؛ لِأنَّ تَثْنِيَةَ المَصْدَرِ وجَمْعَهُ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ ﴿ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ أيْ: ولَتَسْتَكْبِرُنَّ وتَتَعَظَّمُنَّ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ لَتَظْلِمُنَّ النّاسَ
﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ [الإسراء: ٥] أيْ: مَوْعُودُ أُولى المَرَّتَيْنِ، أيْ: وما وُعِدُوا بِهِ في المَرَّةِ الأُولى، يَعْنِي وعْدَ المُؤاخَذَةِ عَلى أُولى المَفْسَدَتَيْنِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] أيْ: ذَوِي قُوَّةٍ وبَطْشٍ في الحَرْبِ، شَدِيدٍ: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ [الإسراء: ٥] تَرَدَّدُوا خِلالَ أماكِنِكم ومَحالِّكم لِلْقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ: ﴿وكانَ وعْدًا مَفْعُولا﴾ [الإسراء: ٥] أيْ: مَقْضِيًّا لا صارِفَ لَهُ.
(p-٣٩٠٣)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences