Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:67–77
17:67Page 289
وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا ٦٧
And when adversity touches you at sea, lost are [all] those you invoke except for Him. But when He delivers you to the land, you turn away [from Him]. And ever is man ungrateful.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٧] ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ .
﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ﴾ أيْ: خَوْفُ اَلْغَرَقِ: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ﴾ أيْ: ذَهَبَ عَنْ أوْهامِكم وخَواطِرِكم كُلُّ مَن تَدْعُونَهُ وتَعْبُدُونَهُ، إلّا إيّاهُ وحْدَهُ. فَإنَّكم لا تَذْكُرُونَ سِواهُ. فِطْرَةٌ فَطَرَ اَللَّهُ اَلْخَلْقَ عَلَيْها.
وهَذِهِ اَلْآيَةُ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِها عَلى اَلرُّجُوعِ إلى اَلْفِطْرَةِ اَلصَّحِيحَةِ. وقَدِ اِسْتَدَلَّ لِكَثِيرٍ مِنَ اَلْأُصُولِ بِها، كَما يُعْلَمُ ذَلِكَ مِن كَلامِ اَلْأئِمَّةِ في مَسائِلَ شَتّى. كَمَسْألَةِ وُجُودِ اَلْخالِقِ وعُلُوِّهِ، والمَعادِ وغَيْرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾ أيْ: مِنَ اَلْغَرَقِ: ﴿إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ أيْ: عَنِ اَلتَّوْحِيدِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ أيْ: بِأنْعُمِ اَللَّهِ. والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِلْإعْراضِ. قالَ اَلشِّهابُ: وفِيهِ لُطْفٌ، حَيْثُ أعْرَضَ عَنْ خِطابِهِمْ بِخُصُوصِهِمْ. وذَكَرَ أنَّ جِنْسَ (p-٣٩٥٠)اَلْإنْسانِ مَجْبُولٌ عَلى هَذا. فَلَمّا أعْرَضُوا أعْرَضَ اَللَّهُ عَنْهم. ثُمَّ خَوَّفَهم تَعالى بِقُدْرَتِهِ اَلْعَظِيمَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
17:68–69Page 289
أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا ٦٨
Then do you feel secure that [instead] He will not cause a part of the land to swallow you or send against you a storm of stones? Then you would not find for yourselves an advocate.
أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا ٦٩
Or do you feel secure that He will not send you back into it [i.e., the sea] another time and send upon you a hurricane of wind and drown you for what you denied?1 Then you would not find for yourselves against Us an avenger.2
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨-٦٩] ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] .
﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ أيْ: يُغَوِّرُهُ بِكم: ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ أيْ: رِيحًا تَرْمِي بِالحَصْباءِ يَرْجُمُكم بِها، فَيَكُونُ أشَدَّ عَلَيْكم مِنَ اَلْغَرَقِ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا﴾ أيْ: مَن يَتَوَكَّلُ بِصَرْفِ ذَلِكَ عَنْكُمْ
﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ﴾ [الإسراء: ٦٩] أيْ: يُقَوِّي دَواعِيكم لِرُكُوبِ اَلْبَحْرِ: ﴿تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ [الإسراء: ٦٩] أيْ: رِيحًا شَدِيدَةً لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا قَصَفَتْهُ، فَتَكْسِرُ اَلسَّفِينَةَ وسَطَ اَلْبَحْرِ: ﴿فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] أيْ: مُطالِبًا بِما فَعَلْنا. مِثْلَ مَن يُطالِبُ عَلى مُغْرِقٍ سِوانا. وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٥]
17:70Page 289
۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠
And We have certainly honored the children of Adam and carried them on the land and sea and provided for them of the good things and preferred them over much of what We have created, with [definite] preference.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٠] ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا﴾ .
﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ أيْ: بِالنُّطْقِ والتَّمْيِيزِ والعَقْلِ والمَعْرِفَةِ والصُّورَةِ والتَّسَلُّطِ عَلى ما في اَلْأرْضِ والتَّمَتُّعِ بِهِ: ﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: يَسَّرْنا لَهم أسْبابَ اَلْمَعاشِ والمَعادِ (p-٣٩٥١)بِالسَّيْرِ في طَلَبِها فِيهِما، وتَحْصِيلِها: ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيْ: فُنُونِ اَلْمُسْتَلَذّاتِ اَلَّتِي لَمْ يُرْزَقْها غَيْرُهم مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ: ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا﴾ أيْ: عَظِيمًا، فَحَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَشْكُرُوا هَذِهِ اَلنِّعَمَ، بِأنْ يَعْبُدُوا اَلْمُتَفَضِّلَ بِها وحْدَهُ ويُقِيمُوا شَرائِعَهُ وحُدُودَهُ.
تَنْبِيهٌ:
ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: (عَلى كَثِيرٍ) أنَّ ثَمَّةَ مَن لَمْ يُفَضَّلِ اَلْبَشَرُ عَلَيْهِ. قِيلَ: وهُمُ اَلذَّواتُ اَلْمُقَدَّسَةُ مِنَ اَلْمَلَأِ اَلْأعْلى. أعْنِي اَلْمَلائِكَةَ.
قالَ القاشانِيُّ: وأمّا أفْضَلِيَّةُ بَعْضِ اَلنّاسِ، كالأنْبِياءِ عَلى اَلْمَلائِكَةِ اَلْمُقَرَّبِينَ، فَلَيْسَتْ مِن جِهَةِ كَوْنِهِمْ بَنِي آدَمَ. بَلْ مِن جِهَةِ اَلسِّرِّ اَلْمُودَعِ فِيهِمُ، اَلْمُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] وهو ما أعَدَّ لِذَلِكَ اَلْبَعْضِ مِنَ اَلْمَعْرِفَةِ اَلْإلَهِيَّةِ اَلتّامَّةِ. وحِينَئِذٍ لَيْسَ هو بِهَذا اَلِاعْتِبارِ مِن بَنِي آدَمَ كَما قِيلَ:
؎وإنِّي وإنْ كُنْتُ اِبْنَ آدَمَ صُورَةً فَلِي فِيهِ مَعْنًى شاهِدٌ بِأُبُوَّتِي
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى تَأْوِيلِ (اَلْكَثِيرِ) بِـ (اَلْكُلِّ) كَمّا أوَّلَ (اَلْقَلِيلَ) بِمَعْنى (اَلْعَدَمِ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] والمَعْنى: وفَضَّلْناهم عَلى اَلْجَمِّ اَلْغَفِيرِ مِن خَلْقِنا، أيْ: جَمِيعِ اَلْمَخْلُوقاتِ.
قالَ القاشانِيُّ: عَلى أنْ تَكُونَ (مِن) لِلْبَيانِ والمُبالَغَةِ في تَعْظِيمِهِ، بِوَصْفِ اَلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِمْ بِالكَثْرَةِ وتَنْكِيرِ اَلْوَصْفِ وتَقْدِيمِهِ عَلى اَلْمَوْصُوفِ. أيْ: كَثِيرٌ، وأيُّ كَثِيرٍ، وهو جَمِيعُ (p-٣٩٥٢)مَخْلُوقاتِنا لِدَلالَةِ (مِن) عَلى اَلْعُمُومِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَفْضِيلِ جِنْسٍ عَلى جِنْسٍ آخَرَ تَفْضِيلُ كُلِّ فَرْدٍ مِنهُ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنَ اَلْآخَرِ. والمَسْألَةُ مَعْرُوفَةٌ في كُتُبِ اَلْكَلامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
17:71–72Page 289
يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا ٧١
[Mention, O Muḥammad], the Day We will call forth every people with their record [of deeds].1 Then whoever is given his record in his right hand - those will read their records, and injustice will not be done to them, [even] as much as a thread [inside the date seed].
وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٧٢
And whoever is blind1 in this [life] will be blind in the Hereafter and more astray in way.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧١-٧٢] ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٧٢] .
﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ أيْ: بِمَنِ اِئْتَمُّوا بِهِ مِن نَبِيٍّ أوْ مُقَدَّمٍ في اَلدِّينِ أوْ كِتابٍ أوْ دِينٍ. فَيُقالُ: يا أتْباعَ فُلانٍ ! يا أهْلَ دِينِ كَذا وكِتابِ كَذا. وقِيلَ: بِكِتابِ أعْمالِهِمْ، فَيُقالُ: يا أصْحابَ كِتابِ اَلْخَيْرِ ! ويا أصْحابَ كِتابِ اَلشَّرِّ ! قالُوا: وفِيهِ شَرَفٌ لِأصْحابِ اَلْحَدِيثِ؛ لِأنَّ إمامَهُمُ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: نَحْضُرُ كُلَّ طائِفَةٍ مِنَ اَلْأُمَمِ مَعَ شاهِدِهِمُ اَلَّذِي يَحْضُرُهم ويَتَوَجَّهُونَ إلَيْهِ ويَعْرِفُونَهُ، سَواءٌ كانَ صُورَةَ نَبِيٍّ آمَنُوا بِهِ، أوْ إمامٍ اِقْتَدَوْا بِهِ، أوْ دِينٍ أوْ كِتابٍ، أوْ ما شِئْتَ. عَلى أنْ تَكُونَ (اَلْباءُ) بِمَعْنى (مَعَ) . أوْ نَنْسِبُهم إلى إمامِهِمْ ونَدْعُوهم بِاسْمِهِ؛ لِكَوْنِهِ هو اَلْغالِبَ عَلَيْهِمْ وعَلى أمْرِهِمُ، اَلْمُسْتَعْلِي مَحَبَّتَهم إيّاهُ عَلى سائِرِ مُحِبّاتِهِمْ.
ورَجَّحَ اِبْنُ كَثِيرٍ، رَحِمَهُ اَللَّهُ، اَلْقَوْلَ بِأنَّ اَلْإمامَ هو كِتابُ اَلْأعْمالِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] وقالَ تَعالى: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩] اَلْآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨] ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] (p-٣٩٥٣)وما رَجَّحَهُ رَحِمَهُ اَللَّهُ هو اَلصَّوابُ؛ لِأنَّ اَلْقُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وأوَّلُ ما يَنْبَغِي اَلِاهْتِمامُ بِهِ في مَعانِي اَلْآياتِ، هو اَلرُّجُوعُ إلى نَظائِرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أُوتِيَ﴾ أيْ: مِن هَؤُلاءِ اَلْمَدْعُوِّينَ: ﴿كِتابَهُ﴾ أيْ: كِتابَ أعْمالِهِ: ﴿بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ﴾ أيْ: فَرَحًا وابْتِهاجًا بِما فِيهِ مِنَ اَلْعَمَلِ اَلصّالِحِ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ أيْ: لا يَنْقُصُوهُ مِن أُجُورِهِمْ قَدْرَ فَتِيلٍ، وهو ما في شِقِّ اَلنَّواةِ، أوْ ما تَفْتِلُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ، أوْ هو أدْنى شَيْءٍ، فَإنَّ اَلْفَتِيلَ مَثَلٌ في اَلْقِلَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٠]
﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٧٢] أيْ: ومَن كانَ في هَذِهِ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا أعْمى عَنِ اَلِاهْتِداءِ إلى اَلْحَقِّ، فَهو في اَلْآخِرَةِ أعْمى لا يَرى طَرِيقَ اَلنَّجاةِ، وأضَلُّ سَبِيلًا مِنهُ في اَلدُّنْيا؛ لِأنَّ لَهُ في هَذِهِ اَلْحَياةِ آلاتٍ وأدَواتٍ وأسْبابًا يُمْكِنُهُ اَلِاهْتِداءُ بِها. وهو في مَقامِ اَلْكَسْبِ باقِي اَلِاسْتِعْدادِ. ولَمْ يَبْقَ هُناكَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. قِيلَ: اَلْعَمى حَقِيقَةٌ فِيمَن لا يُدْرِكُ اَلْمُبْصِراتِ؛ لِفَسادِ حاسَّتِهِ، مَجازٌ في عَمى اَلْبَصِيرَةِ وهو عَدَمُ اَلِاهْتِداءِ إلى طَرِيقِ اَلنَّجاةِ. وقِيلَ: هو حَقِيقَةٌ فِيهِما. وعَلَيْهِ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ (أعْمى) اَلثّانِي أفْعَلَ تَفْضِيلٍ؛ لِأنَّهُ مِن عَمى اَلْقَلْبِ لا عَمى اَلْبَصَرِ. ويَجُوزُ أنْ يُصاغَ مِنَ اَلْعُيُوبِ اَلْباطِنَةِ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ كالأحْمَقِ والأبْلَهِ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ اَلنّاصِرُ: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اَلْآيَةُ قَسِيمَةَ اَلْأُولى. أيْ: فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَهو اَلَّذِي يُبْصِرُهُ ويَقْرَؤُهُ. ومَن كانَ في اَلدُّنْيا أعْمى غَيْرَ مُبْصِرٍ في نَفْسِهِ، ولا ناظِرٍ في مَعادِهِ، فَهو في اَلْآخِرَةِ كَذَلِكَ، غَيْرُ مُبْصِرٍ في كِتابِهِ، بَلْ أعْمى عَنْهُ، أوْ أشَدُّ عَمًى مِمّا كانَ في اَلدُّنْيا، عَلى اِخْتِلافِ اَلتَّأْوِيلَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٩٥٤)
17:73–74Page 289
وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا ٧٣
And indeed, they were about to tempt you away from that which We revealed to you in order to [make] you invent about Us something else; and then they would have taken you as a friend.
وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا ٧٤
And if We had not strengthened you, you would have almost inclined to them a little.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٣-٧٤] ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] .
﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] إخْبارٌ عَنْ تَأْيِيدِهِ تَعالى رَسُولَهُ، صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ، وتَثْبِيتِهِ وعِصْمَتِهِ وتَوَلِّي أمْرِهِ وحِفْظِهِ. فَإنَّ اَلْمُشْرِكِينَ، لِكَثْرَةِ تَفَنُّنِهِمْ في ضُرُوبِ اَلْأذى وشِدَّةِ تَعَنُّتِهِمْ وقُوَّةِ شَكِيمَتِهِمْ، كادُوا أنْ يَفْتِنُوهُ. ولَكِنَّ عِنايَةَ اَللَّهِ وحِفْظَهُ، هو اَلَّذِي ثَبَّتَ قَدَمَهُ في مِثْلِ مَقامِهِ في اَلدَّعْوَةِ إلى اَللَّهِ اَلَّذِي لا يَثْبُتُ فِيهِ أحَدٌ غَيْرَهُ. وقَدْ رُوِيَ أنْ ثَقِيفًا قالُوا: لا نُؤْمِنُ حَتّى تُعْطِيَنا خِصالًا نَفْتَخِرُ بِها عَلى اَلْعَرَبِ: لا نَنْحَنِي في اَلصَّلاةِ، ولا نَكْسِرُ أصْنامَنا بِأيْدِينا، وأنْ تُمْتِعْنا بِاَللّاتِ سَنَةً مِن غَيْرِ أنْ نَعْبُدَها، فَإنْ خَشِيتَ أنْ يَسْمَعَ اَلْعَرَبُ: (لِمَ أعْطَيْتَهم ما لَمْ تُعْطِنا) فَقُلِ: اَللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ.
ورُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: لا نَدَعُكَ يا مُحَمَّدُ أنْ تَسْتَلِمَ اَلْحَجَرَ اَلْأسْوَدَ حَتّى تَمَسَّ آلِهَتَنا. وقالُوا أيْضًا: نُؤْمِنُ بِكَ أنْ تَمَسَّ آلِهَتَنا.
قالَ اَلْإمامُ اَلطَّبَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اَلْفِتْنَةُ فَما ذُكِرَ. وأنْ تَكُونَ غَيْرَ ذَلِكَ. ولا بَيانَ في اَلْكِتابِ ولا في خَبَرٍ يَقْطَعُ اَلْعُذْرَ أيَّ ذَلِكَ كانَ. فالأصْوَبُ: اَلْإيمانُ بِظاهِرِهِ حَتّى يَأْتِيَ ما يَجِبُ اَلتَّسْلِيمُ لَهُ، بِبَيانِ ما عُنِيَ بِذَلِكَ مِنهُ.
قالَ اَلزَّجّاجُ: مَعْنى اَلْكَلامِ: كادُوا يَفْتِنُونَكَ. ودَخَلَتْ (أنِ) اَلْمُخَفَّفَةُ مِنَ اَلثَّقِيلَةِ و(اَللّامُ) لِلتَّأْكِيدِ. والمَعْنى: أنَّ اَلشَّأْنَ قارَبُوا أنْ يَفْتِنُوكَ، أيْ: يَخْدَعُوكَ. ويَصْرِفُوكَ عَنِ اَلْقُرْآنِ، أيْ: عَنْ حُكْمِهِ. وذَلِكَ لِأنَّ في إعْطائِهِمْ ما سَألُوا مُخالَفَةً لِحُكْمِ اَلْقُرْآنِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ أيْ: غَيْرَ ما أوْحَيْنا إلَيْكَ وهو قَوْلُهم: قُلِ اَللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ: (p-٣٩٥٥)﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ أيْ: لَوْ فَعَلْتَ ما أرادُوا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وأظْهَرُوا لِلنّاسِ أنَّكَ مُوافِقٌ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ، وراضٍ بِشِرْكِهِمْ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ [الإسراء: ٧٤] أيْ: عَلى اَلْحَقِّ بِعِصْمَتِنا إيّاكَ: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٧٤] أيْ: تَمِيلُ إلَيْهِمْ: ﴿شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] وقَوْلُهُ: ﴿شَيْئًا﴾ [الإسراء: ٧٤] عِبارَةٌ عَنِ اَلْمَصْدَرِ، أوْ رُكُونًا قَلِيلًا.
وعَنْ قَتادَةَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ. قالَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اَللَّهُمَّ لا تَكِلُنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ»» .
ثُمَّ تَوَعَّدَهُ في ذَلِكَ أشَدَّ اَلتَّوَعُّدِ، فَقالَ:
17:75Page 289
إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا ٧٥
Then [if you had], We would have made you taste double [punishment in] life and double [after] death. Then you would not find for yourself against Us a helper.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٥] ﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ .
﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ: ضِعْفَ عَذابِ اَلْحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ اَلْمَماتِ، يُرِيدُ عَذابَ اَلدُّنْيا وعَذابَ اَلْآخِرَةِ. و(اَلضِّعْفُ) عِبارَةٌ عَنْ أنْ يُضَمَّ إلى اَلشَّيْءِ مِثْلُهُ، ودَلَّ عَلى إضْمارِ اَلْعَذابِ وصْفُ اَلْعَذابِ بِالضِّعْفِ في كَثِيرٍ مِنَ اَلْآياتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ [ص: ٦١] وقالَ: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]
والسَّبَبُ في تَضْعِيفِ اَلْعَذابِ؛ أنَّ أقْسامَ نِعَمِ اَللَّهِ عَلى اَلْأنْبِياءِ أكْثَرُ. فَكانَتْ ذُنُوبُهم أعْظَمَ. فَكانَتِ اَلْعُقُوبَةُ اَلْمُسْتَحَقَّةُ عَلَيْها أكْثَرَ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]
تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ: قالَ اَلْقَفّالُ رَحِمَهُ اَللَّهُ ) بَعْدَ ذِكْرِهِ ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها مِمّا قَدَّمْناهُ): ويُمْكِنُ أيْضًا تَأْوِيلُها مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِسَبَبٍ يُضافُ نُزُولُها فِيهِ؛ لِأنَّ مِنَ اَلْمَعْلُومِ أنَّ اَلْمُشْرِكِينَ كانُوا يَسْعَوْنَ في إبْطالِ أمْرِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأقْصى ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ. فَتارَةً كانُوا يَقُولُونَ: (p-٣٩٥٦)إنْ عَبَدْتَ آلِهَتَنا عَبَدْنا إلَهَكَ، فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] وقَوْلَهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] وعَرَضُوا عَلَيْهِ اَلْأمْوالَ اَلْكَثِيرَةَ والنِّساءَ اَلْجَمِيلَةَ لِيَتْرُكَ اِدِّعاءَ اَلنُّبُوَّةِ، فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] ودَعُوهُ إلى طَرْدِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَنْ نَفْسِهِ فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اَلْآياتُ نَزَلَتْ في هَذا اَلْبابِ. وذَلِكَ أنَّهم قَصَدُوا أنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ دِينِهِ، وأنْ يُزِيلُوهُ عَنْ مَنهَجِهِ. فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُثَبِّتُهُ عَلى اَلدِّينِ اَلْقَوِيمِ والمَنهَجِ اَلْمُسْتَقِيمِ. وعَلى هَذا اَلطَّرِيقِ. فَلا حاجَةَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ اَلْآياتِ، إلى شَيْءٍ مِن تِلْكَ اَلرِّواياتِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
اَلثّانِي: قالَ اَلْقاضِي: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ [الإسراء: ٧٤] اَلْآيَةَ، إنَّكَ كُنْتَ عَلى صَدَدِ اَلرُّكُونَ إلَيْهِمْ، لِقُوَّةِ خِداعِهِمْ وشِدَّةِ اِحْتِيالِهِمْ. لَكِنْ أدْرَكَتْكَ عِصْمَتُنا فَمُنِعْتَ أنْ تَقْرَبَ مِنَ اَلرُّكُونِ، فَضْلًا عَنْ أنْ تَرْكَنَ عَلَيْهِمْ. وهو صَرِيحٌ في أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ما هَمَّ بِإجابَتِهِمْ، مَعَ قُوَّةِ اَلدّاعِي إلَيْها، ودَلِيلٌ عَلى أنَّ اَلْعِصْمَةَ بِتَوْفِيقِ اَللَّهِ وحِفْظِهِ.
اَلثّالِثُ: قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: في ذِكْرِ الكَيْدُودَةِ وتَقْلِيلِها، مَعَ إتْباعِها اَلْوَعِيدَ اَلشَّدِيدَ بِالعَذابِ اَلْمُضاعَفِ في اَلدّارَيْنِ؛ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ اَلْقَبِيحَ يَعْظُمُ قُبْحُهُ بِمِقْدارِ عِظَمِ شَأْنِ فاعِلِهِ وارْتِفاعِ مَنزِلَتِهِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أدْنى مُداهَنَةٍ لِلْغُواةِ، مُضادَّةٌ لِلَّهِ وخُرُوجٌ عَنْ وِلايَتِهِ، وسَبَبٌ مُوجِبٌ لِغَضَبِهِ ونَكالِهِ. فَعَلى اَلْمُؤْمِنِ، إذا تَلا هَذِهِ اَلْآيَةَ أنْ يَجْثُوَ عِنْدَها ويَتَدَبَّرَها فَهي جَدِيرَةٌ بِالتَّدَبُّرِ. وبِأنْ يَسْتَشْعِرَ اَلنّاظِرُ فِيها اَلْخَشْيَةَ وازْدِيادَ اَلتَّصَلُّبِ في دِينِ اَللَّهِ.
اَلرّابِعُ: جاءَ في (حَواشِي جامِعِ اَلْبَيانِ) ما مِثالُهُ بِالحَرْفِ: مِنَ اَلْفَوائِدِ اَلْجَلِيلَةِ في هَذِهِ اَلْآيَةِ، أنَّهُ لا يَجُوزُ إبْقاءُ مَواضِعِ اَلشِّرْكِ، بَعْدَ اَلْقُدْرَةِ عَلى هَدْمِها وإبْطالِها يَوْمًا. فَإنَّها شَعائِرُ (p-٣٩٥٧)اَلْكُفْرِ والشِّرْكِ. وهي أعْظَمُ اَلْمُنْكِراتِ، فَلا يَجُوزُ اَلْإقْرارُ عَلَيْها مَعَ اَلْقُدْرَةِ اَلْبَتَّةَ. وهَكَذا حُكْمُ اَلْمَشاهِدِ اَلَّتِي بُنِيَتْ عَلى اَلْقُبُورِ اَلَّتِي اُتُّخِذَتْ أوْثانًا وطَواغِيتَ تُعْبَدُ مِن دُونِ اَللَّهِ. والأحْجارُ اَلَّتِي تُقْصَدُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّبَرُّكِ والنُّذُورِ والتَّقْبِيلِ، لا يَجُوزُ إبْقاءُ شَيْءٍ مِنها عَلى وجْهِ اَلْأرْضِ، مَعَ اَلْقُدْرَةِ عَلى إزالَتِهِ. وكَثِيرٌ مِنها بِمَنزِلَةِ اَللّاتِ والعُزّى ومَناةَ اَلثّالِثَةِ اَلْأُخْرى، وأعْظَمُ شِرْكٍ عِنْدِها وبِها. فَإنَّ اَللّاتَ - عَلى ما نَقَلَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ مُجاهِدٍ - رَجُلٌ كانَ يَلُتُّ لَهُمُ اَلسَّوِيقَ فَماتَ. فَعَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ يَعْبُدُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ. ولَمْ يَقُولُوا: إنَّ اَللّاتَ خَلَقَتِ اَلسَّماواتِ والأرْضَ، بَلْ كانَ شِرْكُهم بِاَللّاتِ والعُزّى ومَناةَ اَلثّالِثَةِ اَلْأُخْرى كَشِرْكِ أهْلِ اَلشِّرْكِ مِن أرْبابِ اَلْمُشاهِدِ بِعَيْنِهِ، مِنَ اَلنُّذُورِ لَها، والشَّرَكِ بِها، والتَّمَسُّحِ بِها، وتَقْبِيلِها، واسْتِلامِها. وما طَلَبُوا مِن رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا مُجَرَّدَ مَسِّ آلِهَتِهِمْ، كَما قالُوا نُؤْمِنُ بِكَ إنْ تَمَسَّ آلِهَتَنا، وما اِلْتَمَسُوا مِنهُ إلّا اَلتَّمْتِيعَ بِاَللّاتَ سَنَةً مِن غَيْرِ عِبادَةٍ، فَتُوعِّدَ بِهَذا اَلْوَعِيدِ اَلشَّدِيدِ والتَّهْدِيدِ اَلْأكِيدِ أنْ لَوْ رَكَنَ إلَيْهِمْ. فالرَّزِيَّةُ كُلَّ اَلرَّزِيَّةِ ما اُبْتُلِيَ بِهِ القُبُورِيُّونَ مِن أهْلِ هَذا اَلزَّمانِ. فَإنَّهم لَمْ يَدْعُوا شَيْئًا مِمّا كانَتِ اَلْجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ بِالأصْنامِ، إلّا فَعَلُوهُ بِالقُبُورِ. فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. بَلْ كَثِيرٌ مِنهم، إذا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ مِن جِهَةِ خَصْمِهِ، حَلَفَ بِاَللَّهِ فاجِرًا، فَإذا قِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: اِحْلِفْ بِشَيْخِكَ، أوْ بِمُعْتَقَدِكَ اَلْوَلِيِّ اَلْفُلانِيِّ، تَلَكَّأ وأبى واعْتَرَفَ بِالحَقِّ. وهَذا مِن أبْيَنِ اَلْأدِلَّةِ اَلدّالَّةِ عَلى أنَّ شِرْكَهم قَدْ بَلَغَ فَوْقَ شِرْكِ مَن قالَ: (ثالِثُ ثَلاثَةٍ) فَيا عُلَماءَ اَلدِّينِ ! ويا مُلُوكَ اَلْمُسْلِمِينَ ! أيْ: رِزْءٌ لِلْإسْلامِ أشَدُّ مِنَ اَلْكُفْرِ ؟ وأيُّ بَلاءٍ لِهَذا اَلدِّينِ أضَرُّ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اَللَّهِ ؟ وأيُّ مُصِيبَةٍ يُصابُ بِها اَلْمُسْلِمُونَ تَعْدِلُ هَذِهِ ؟ وأيُّ مُنْكَرٍ يَجِبُ إنْكارُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ إنْكارُ هَذا اَلشِّرْكِ اَلْبَيِّنِ واجِبًا ؟
فاَللَّهُمَّ ! اُنْصُرْ مَن نَصَرَ اَلْحَقَّ واهْدِنا إلى سَواءِ اَلسَّبِيلِ. اِنْتَهى.
(p-٣٩٥٨)
17:76–77Page 290
وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا ٧٦
And indeed, they were about to provoke [i.e., drive] you from the land [i.e., Makkah] to evict you therefrom. And then [when they do], they will not remain [there] after you, except for a little.1
سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا ٧٧
[That is Our] established way for those We had sent before you of Our messengers; and you will not find in Our way any alteration.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٦-٧٧] ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا﴾ [الإسراء: ٧٧]
﴿وإنْ كادُوا﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ: ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ: لَيُزْعِجُونَكَ بِمُعاداتِهِمْ مِن مَكَّةَ: ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾ أيْ: ولَوْ خَرَجْتَ لا يَبْقُونَ بَعْدَ خُرُوجِكَ: ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ: زَمانًا قَلِيلًا.
﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] يَعْنِي أنَّ كُلَّ قَوْمٍ أخْرَجُوا رَسُولَهم مِن بَيْنِ ظَهْرانَيْهِمْ، فَسُنَّةُ اَللَّهِ أنْ يُهْلِكَهم. ونُصِبَتْ نَصْبَ اَلْمَصْدَرِ اَلْمُؤَكِّدِ. أيْ: سَنَّ اَللَّهُ ذَلِكَ سُنَّةً: ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا﴾ [الإسراء: ٧٧] أيْ: تَغْيِيرًا. ولا يَخْفى أنَّ اَلْمُرادَ بِعَدَمِ لَبْثِهِمْ، إهْلاكُهم. سَواءٌ كانَ بِالِاسْتِئْصالِ أوْ لا. قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: وكَذَلِكَ وقَعَ، فَإنَّهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ هِجْرَتِهِ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ بَعْدَ ما اِشْتَدَّ أذاهم لَهُ إلّا سَنَةٌ ونَصِفٌ، حَتّى جَمَعَهُمُ اَللَّهُ وإيّاهُ بِبَدْرٍ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ. فَأمْكَنَهُ مِنهم، وسَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ، وأظْفَرَهُ بِهِمْ. فَقَتَلَ أشْرافَهم وسَبى سَراتِهِمْ. ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ [الإسراء: ٧٧] أيْ: هَكَذا عادَتُنا في اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرُسُلِنا وآذُوهم. يَخْرُجُ اَلرَّسُولُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ ويَأْتِيهِمُ اَلْعَذابُ. ولَوْلا أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَسُولُ اَلرَّحْمَةِ، لَجاءَهم مِنَ اَلنِّقَمِ في اَلدُّنْيا ما لا قِبَلَ لِأحَدٍ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]
وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٩٥٩)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences