Al-QasimiAl‑Isra · 17:85–99

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:85–99, continued

قِيلَ: مِثْلُ هَذا اَلْإسْنادِ لا يُحْتَجُّ بِهِ. فَإنَّهُ مِن تَفْسِيرِ اَلسُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ. وفِيهِ أشْياءُ مُنْكَرَةٌ. وسِياقُ هَذِهِ اَلْقِصَّةِ في اَلسُّؤالِ، مِنَ اَلصِّحاحِ والمَسانِيدِ، كُلُّها تُخالِفُ سِياقَ اَلسُّدِّيِّ. وقَدْ رَواها اَلْأعْمَشُ والمُغِيرَةُ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ قالَ: «مَرَّ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَلَأٍ مِنَ اَلْيَهُودِ، وأنا أمْشِي مَعَهُ، فَسَألُوهُ عَنِ اَلرُّوحِ، قالَ: فَسَكَتَ، فَظَنَنْتُ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾» يَعْنِي اَلْيَهُودَ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ اَلْآيَةَ. وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ عَبْدِ اَللَّهِ. فَقالُوا: كَذَلِكَ نَجِدُ مِثْلَهُ في اَلتَّوْراةِ أنَّ اَلرُّوحَ مِن أمْرِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. رَواهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اَلْحَمِيدِ وغَيْرُهُ عَنِ اَلْمُغِيرَةِ. ورَوى يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا بْنِ أبِي زائِدَةَ، عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتَتِ اَلْيَهُودُ إلى اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَألُوهُ عَنِ اَلرُّوحِ. فَلَمْ يُجِبْهُمُ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِشَيْءٍ. فَأنْزَلَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ اَلْآيَةَ» . فَهَذا يَدُلُّ عَلى ضَعْفِ حَدِيثِ اَلسُّدِّيِّ، وأنَّ اَلسُّؤالَ كانَ بِمَكَّةَ، فَإنَّ هَذا اَلْحَدِيثَ وحَدِيثَ اِبْنِ مَسْعُودٍ صَرِيحٌ أنَّ اَلسُّؤالَ كانَ بِالمَدِينَةِ مُباشَرَةً مِنَ اَلْيَهُودِ. ولَوْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ اَلسُّؤالُ والجَوابُ بِمَكَّةَ، لَمْ يَسْكُتِ (p-٣٩٩٣)اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَبادَرَ عَلى جَوابِهِمْ بِما تَقَدَّمَ مِن إعْلامِ اَللَّهِ لَهُ، وما أنْزَلَ اَللَّهُ عَلَيْهِ. وقَدِ اِضْطَرَبَتِ اَلرِّواياتُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ اَلْآيَةِ أعْظَمَ اِضْطِرابٍ. فَإمّا أنْ تَكُونَ مِن قِبَلِ اَلرُّواةِ، أوْ تَكُونَ أقْوالُهُ قَدِ اِضْطَرَبَتْ فِيها. ثُمَّ ساقَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ اَلرِّواياتِ عَنْهُ مُسْنَدَةً، ثُمَّ قالَ: والرُّوحُ في اَلْقُرْآنِ عَلى عِدَّةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: اَلْوَحْيُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] وسَمّى اَلْوَحْيَ رُوحًا لِما يَحْصُلُ بِهِ مِن حَياةِ اَلْقُلُوبِ والأرْواحِ.

اَلثّانِي: اَلْقُوَّةُ والثَّباتُ والنُّصْرَةُ اَلَّتِي يُؤَيِّدُ بِها مَن شاءَ مِن عِبادِهِ اَلْمُؤْمِنِينَ، كَما قالَ: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]

اَلثّالِثُ: جِبْرِيلُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] وهو رُوحُ اَلْقُدُسِ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢]

اَلرّابِعُ: اَلرُّوحُ اَلَّتِي سَألَ عَنْها اَلْيَهُودُ فَأُجِيبُوا بِأنَّها مِن أمْرِ اَللَّهِ. وقَدْ قِيلَ إنَّها اَلرُّوحُ اَلْمَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ [النبإ: ٣٨] وإنَّها اَلرُّوحُ اَلْمَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر: ٤]

اَلْخامِسُ: اَلْمَسِيحُ عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ (p-٣٩٩٤)رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١] أمّا أرْواحُ بَنِي آدَمَ فَلَمْ تَقَعْ تَسْمِيَتُها بِالقُرْآنِ إلّا بِالنَّفْسِ، قالَ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] وقالَ: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] وقالَ: ﴿إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] وقالَ: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] وقالَ: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] وقالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [العنكبوت: ٥٧]

وأمّا في اَلسُّنَّةِ فَجاءَتْ بِلَفْظِ اَلنَّفْسِ والرُّوحِ. اِنْتَهى.

قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: رِوايَةُ عَبْدِ اَللَّهِ في اَلصَّحِيحِ اَلْمُتَقَدِّمَةُ، تَقْتَضِي فِيما يَظْهَرُ بِبادِئِ اَلرَّأْيِ، أنَّ هَذِهِ اَلْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ. وأنَّها إنَّما أُنْزِلَتْ حِينَ سَألَهُ اَلْيَهُودُ عَنْ ذَلِكَ في اَلْمَدِينَةِ. مَعَ أنَّ اَلسُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ. وقَدْ يُجابُ عَنْ هَذا بِأنَّهُ قَدْ تَكُونُ نَزَلَتْ عَلَيْهِ بِالمَدِينَةِ مَرَّةً ثانِيَةً. كَما نَزَلَتْ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ. أوْ إنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ اَلْوَحْيُ بِأنَّهُ يُجِيبُهم عَمّا سَألُوهُ بِالآيَةِ اَلْمُتَقَدِّمِ إنْزالُها عَلَيْهِ، وهي هَذِهِ اَلْآيَةُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ اِنْتَهى.

وقَدْ رَوى اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ: أنَّ اَلرُّوحَ في اَلْآيَةِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وحَكاهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ.

أقُولُ: اَلَّذِي أراهُ مُتَعَيِّنًا في اَلْآيَةِ، لِسابِقِها ولاحِقِها، أنَّ اَلْمُرادَ بِالرُّوحِ اَلْوَحْيُ بِالقُرْآنِ، وهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِ قَتادَةَ. ووَجْهُ تَعَيُّنِهِ أنَّ هَذِهِ اَلْآيَةَ في سِياقِ ذِكْرِ اَلْقُرْآنِ وتَنْزِيلِهِ والمِنَّةِ بِكَوْنِهِ شِفاءً ورَحْمَةً، وقَدْ سَمّى تَعالى اَلْوَحْيَ بِالقُرْآنِ رُوحًا. قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا (p-٣٩٩٥)إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقالَ تَعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] فَكانُوا إذا سَمِعُوا اَلرُّوحَ، وصَدَعُوا بِالإيمانِ بِهِ، يَتَعَنَّتُونَ في اَلسُّؤالِ عَنْهُ؛ اسْتِبَعادًا لِأنْ يَكُونَ مِن لَدُنْهُ سُبْحانَهُ، ولِأنْ يَكُونُ بَشَرٌ مِثْلُهُ مَبْعُوثًا بِأمْرِهِ تَعالى أنْ يُبَيِّنَ لَهم أنَّهُ وحْيٌ أوْحاهُ اَللَّهُ، وأنَّهُ رُوحٌ مِن لَدُنْهُ، وإلْقاءٌ مِن أمْرِهِ. ونَظِيرُ هَذِهِ اَلْآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي﴾ [يونس: ٥٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبإ: ٣] أيْ: بَعْضُهم يُنْكِرُهُ وبَعْضُهم يَتَرَدَّدُ في صِحَّتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم قَوْمٌ جاهِلِيُّونَ، لا عَهْدَ لَهم بِالعُلُومِ والمَعارِفِ، فَضْلًا عَنِ اَلْوَحْيِ وخَصائِصِ اَلنُّبُوَّةِ؛ لِلْأُمِّيَّةِ والجَهالَةِ اَلْفاشِيَتَيْنِ فِيهِمْ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ أيْ: مِمّا تَنالُهُ مَشاعِرُكم وتَصِلُ إلَيْهِ فِطَنُكم. وما هو في جَنْبِ مَعْلُوماتٍ لا تُحْصى، إلّا كالقَطْرَةِ مِنَ اَلْبَحْرِ والذَّرَّةِ مِنَ اَلْكَثِيبِ، والقاعِدَةُ أنَّ اَلْقُرْآنَ مُتَجاوِبُ اَلْأطْرافِ، يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

وجَمِيعُ ما ذَكَرَهُ اَلْمُتَقَدِّمُونَ، غَيْرَ ما ذَكَرْناهُ، جَرى مَعَ ما يَحْتَمِلُهُ نَظْمُ اَلْآيَةِ اَلْكَرِيمَةِ. وكَذا رِوايَةُ اِبْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ أُجِيبَ بِها اَلْيَهُودُ؛ لِأنَّها لَمّا كانَ لَها وُجُوهٌ مِنَ اَلْمَعانِي، ومِنها ما سَألُوا عَنْهُ، أُلْقِمُوا بِها، واَللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى نِعْمَتِهِ فِيما أوْحاهُ مِن هَذا اَلتَّنْزِيلِ والهِدايَةِ بِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

17:86Page 290

وَلَئِن شِئۡنَا لَنَذۡهَبَنَّ بِٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيۡنَا وَكِيلًا ٨٦

And if We willed, We could surely do away with that which We revealed to you. Then you would not find for yourself concerning it an advocate against Us.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٦] ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا﴾ .

﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: مِنَ اَلْقُرْآنِ اَلَّذِي هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ، تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ. ووَصْفًا لَهُ بِما هو في حَيِّزِ اَلصِّلَةِ، وإعْلامًا بِأنَّهُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ كَلامِ اَلْمَخْلُوقِ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا﴾ أيْ: مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْنا بِرَدِّهِ.

17:87Page 291

إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّ فَضۡلَهُۥ كَانَ عَلَيۡكَ كَبِيرٗا ٨٧

Except [We have left it with you] as a mercy from your Lord. Indeed, His favor upon you has ever been great.

(p-٣٩٩٦)اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٧] ﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ .

﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: ولَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ تَرَكَتْهُ غَيْرَ مُشاءِ اَلذَّهابِ بِهِ بَلْ تَوَلَّتْ حِفْظَهُ.

قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا اِمْتِنانٌ مِنَ اَللَّهِ تَعالى بِبَقاءِ اَلْقُرْآنِ مَحْفُوظًا، بَعْدَ اَلْمِنَّةِ اَلْعَظِيمَةِ في تَنْزِيلِهِ وتَحْفِيظِهِ. فَعَلى كُلِّ ذِي عِلْمٍ أنْ لا يَغْفَلَ عَنْ هاتَيْنِ اَلْمِنَّتَيْنِ والقِيامِ بِشُكْرِهِما. وهُما مِنَّةُ اَللَّهِ عَلَيْهِ بِحِفْظِهِ اَلْعِلْمَ ورُسُوخِهِ في صَدْرِهِ، ومِنَّتُهُ عَلَيْهِ في بَقاءِ اَلْمَحْفُوظِ ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ أيْ: تَفَضُّلُهُ بِالإيحاءِ والتَّعْلِيمِ اَلرَّبّانِيِّ، والِاصْطِفاءِ لِلرِّسالَةِ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخاطِبَ أُولَئِكَ اَلْمُشْرِكِينَ اَلَّذِينَ لَمْ يَفْقَهُوا قَدْرَ اَلتَّنْزِيلِ، وأنَّهُ وحْيٌّ رَبّانِيٌّ، بِقَوْلِهِ:

17:88Page 291

قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا ٨٨

Say, "If mankind and the jinn gathered in order to produce the like of this Qur’ān, they could not produce the like of it, even if they were to each other assistants."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٨] ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ أيِ: اِتَّفَقَتْ: ﴿عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ أيْ: مُعِينًا. وفي تَقاصُرِ قُوى هَؤُلاءِ جَمِيعِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، مَعَ طُولِ اَلزَّمَنِ، دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِمّا اُعْتِيدَ صُدُورُهُ عَنِ اَلْبَشَرِ، بَلْ هو كَلامُ عالِمِ اَلْغَيْبِ والشَّهادَةِ.

17:89Page 291

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٨٩

And We have certainly diversified for the people in this Qur’ān from every [kind of] example, but most of the people refused except disbelief.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٩] ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ .

﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ أيْ: رَدَدْنا وكَرَّرْنا وبَيَّنّا: ﴿لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ (p-٣٩٩٧)أيْ: مِن كُلِّ مَعْنًى، هو كالمَثَلِ في غَرابَتِهِ وحُسْنِهِ، لِيَتَقَرَّرَ ويُرَسَّخَ في نُفُوسِهِمْ، ويَزْدادُوا تَدَبُّرًا وإذْعانًا. فَكانَ حالُهم عَلى اَلْعَكْسِ، إذْ لَمْ يَزْدادُوا إلّا كُفْرًا، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ أيْ: جُحُودًا.

ولَمّا تَبَيَّنَ إعْجازُ اَلْقُرْآنِ، وأنَّهُ اَلْآيَةُ اَلْكُبْرى، ولَزِمَتْهُمُ اَلْحُجَّةُ وغُلِبُوا، أخَذُوا يَتَعَلَّلُونَ بِاقْتِراحِ اَلْآياتِ، فِعْلَ اَلْمَبْهُوتِ اَلْمَحْجُوجِ اَلْمُتَعَثِّرِ في أذْيالِ اَلْحَيْرَةِ، فِيما حَكاهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ:

17:90–93Page 291

وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا ٩٠

And they say, "We will not believe you until you break open for us from the ground a spring

أَوۡ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَعِنَبٖ فَتُفَجِّرَ ٱلۡأَنۡهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفۡجِيرًا ٩١

Or [until] you have a garden of palm trees and grapes and make rivers gush forth within them in force [and abundance]

أَوۡ تُسۡقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمۡتَ عَلَيۡنَا كِسَفًا أَوۡ تَأۡتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا ٩٢

Or you make the heaven fall upon us in fragments as you have claimed or you bring Allāh and the angels before [us]

أَوۡ يَكُونَ لَكَ بَيۡتٞ مِّن زُخۡرُفٍ أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٣

Or you have a house of ornament [i.e., gold] or you ascend into the sky. And [even then], we will not believe in your ascension until you bring down to us a book we may read." Say, "Exalted is my Lord! Was I ever but a human messenger?"

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٠-٩٣] ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] .

﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ أيْ: تُشَقِّقَ لَنا مِن أرْضِ مَكَّةَ عُيُونًا.

﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ﴾ [الإسراء: ٩١] أيْ: بُسْتانٍ مِنهُما: ﴿فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] وإنَّما قَدَّمُوا في عُنَّتِهِمْ هَذا اَلْمُقْتَرَحَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَرِدُونَ بِلادَ اَلشّامِ والعِراقِ، ويَرَوْنَ ما فِيها مِنَ اَلْبَساتِينِ والأنْهارِ.

(p-٣٩٩٨)قالَ اِبْنُ جَرِيرٍ فِيما رَواهُ، إنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ اَلنّاسِ أضْيَقَ مِنّا بِلادًا، ولا أقَلَّ مالًا، ولا أشَدَّ عَيْشًا مِنّا. فاسْألْ لَنا رَبَّكَ اَلَّذِي بَعَثَكَ بِما بَعَثَكَ بِهِ، فَلْيُسَيِّرْ عَنّا هَذِهِ اَلْجِبالَ اَلَّتِي قَدْ ضَيَّقَتْ عَلَيْنا، ولْيُبْسِطْ لَنا بِلادَنا، ولْيُفَجِّرْ فِيها أنْهارًا كَأنْهارِ اَلشّامِ والعِراقِ. ثُمَّ زادُوا في اَلِاقْتِراحِ فَقالُوا:

﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ: قِطَعًا بِالعَذابِ: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ: كَفِيلًا بِما تَقُولُ، شاهِدًا بِصِحَّتِهِ.

﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: ذَهَبٍ: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: وحْدَهُ: ﴿حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: كِتابًا مِنَ اَلسَّماءِ، فِيهِ تَصْدِيقُكَ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ. والمُرادُ بِهِ اَلتَّعَجُّبُ مِنِ اِقْتِراحاتِهِمْ: ﴿هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: كَسائِرِ اَلرُّسُلِ. وكانُوا لا يَأْتُونَ قَوْمَهم إلّا بِما يُظْهِرُهُ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلْآياتِ، حَسْبَما يُلائِمُ حالَ قَوْمِهِمْ. ولَمْ يُمَكِّنْ أمْرَ اَلْآياتِ إلَيْهِمْ، ولا لَهم أنْ يَتَحَكَّمُوا عَلى اَللَّهِ بِشَيْءٍ مِنها.

تَنْبِيهٌ:

لا يَخْفى ما في اِقْتِراحِ هَذِهِ اَلْآياتِ مِنَ اَلْجَهْلِ اَلْكَبِيرِ بِسُنَّةِ اَللَّهِ في خَلْقِهِ، وبِحِكْمَتِهِ وجَلالِهِ. وبَيانُ ذَلِكَ - كَما في كِتابِ (لِسانِ اَلصِّدْقِ) - أنَّ ما اِقْتَرَحَتْهُ قُرَيْشٌ فِيها (مِنهُ) ما أرادُوا بِهِ مَصْلَحَتَهم دُونَ مَصْلَحَةِ اَلْعِبادِ مِمّا يُخالِفُ حِكْمَةَ اَللَّهِ تَعالى اَلْمُقْتَضِيَةَ لِإخْلاءِ بَعْضِ اَلْبِقاعِ مِنَ اَلْعُيُونِ اَلنّابِعَةِ والأنْهارِ اَلْجارِيَةِ والجِنانِ اَلنّاضِرَةِ دُونَ بَعْضٍ. وإرْساءِ اَلْجِبالِ اَلشُّمِّ في مَوْضِعٍ دُونَ آخَرَ؛ لِمَصالِحَ يَعْلَمُها هو جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، ولا يَعْلَمُها اَلْخَلْقُ. فَلَيْسَ مُقْتَرَحُهم هَذا مِنَ اَلْعَجْزِ في شَيْءٍ. مَعَ أنَّ مِثْلَهُ لا تَثْبُتُ بِهِ اَلنُّبُوَّةُ. فَإنَّنا نَعْلَمُ أنَّ أُناسًا قَدِ اِسْتَنْبَطُوا اَلْعُيُونَ وغَرَسُوا اَلْجِنانَ مِنَ اَلنَّخِيلِ والأعْنابِ ونَحَتُوا اَلْجِبالَ ولَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ أنْبِياءَ. (ومِنهُ) ما يُناقِضُ إرادَةَ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] فَإنَّ إنْزالَ اَلسَّماءِ (p-٣٩٩٩)قِطَعًا مُقْتَضٍ لِهَلاكِ اَلْعالَمِ بِحَذافِيرِهِ. واَللَّهُ يُرِيدُ إبْقاءَهُ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ. (ومِنهُ) ما هو مُسْتَحِيلٌ في نَفْسِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وُقُوعُهُ أصْلًا وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] فَإنَّ اَلْإتْيانَ بِاَللَّهِ والمَلائِكَةِ حَتّى يُشاهِدَهُمُ اَلْمُشْرِكُونَ أوْ غَيْرُهم مِمّا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ. فَلا يَجُوزُ طَلَبُهُ، ولَيْسَ مِن أنْواعِ اَلْمُعْجِزِ. (ومِنهُ) ما لا يَصْلُحُ لِلْأنْبِياءِ، ولَوْ حَصَلَ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣] فَإنَّ هَذا غَيْرُ صالِحٍ لِلْأنْبِياءِ. ولَيْسَ بِمُعَجِّزٍ، لِحُصُولِ مِثْلِهِ عِنْدَ أشْباهِ فِرْعَوْنَ. (ومِنهُ) ما وعَدُوا بِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِ لَوْ حَصَلَ، وأرْدَفُوهُ بِما لا يَجُوزُ وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] فِيهِ - عَلى ما ذُكِرَ في اَلرِّوايَةِ - مِنَ اَللَّهِ اَلْعَظِيمِ إلى فُلانٍ وفُلانٍ وفُلانٍ، لِقَوْمٍ مِن قُرَيْشٍ بِأسْمائِهِمْ. أمّا بَعْدُ: فَإنَّ مُحَمَّدًا رَسُولِي فَآمِنُوا بِهِ. والصُّعُودُ في اَلسَّماءِ لا مِرْيَةَ فِيهِ، لِأنَّهم قالُوا: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣] فَلَوْ كانَ، لَكانَ عَبَثًا. وإنْزالُ كِتابٍ عَلَيْهِمْ عَلى اَلْمَعْنى اَلْمَذْكُورِ يَسْتَلْزِمُ جَعْلَهم أنْبِياءَ، لِأنَّ ذَلِكَ وحْيٌ مِثْلَ اَلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والوَحْيُ مُخْتَصٌّ بِالأنْبِياءِ، والكُفّارُ عَنْهُ مَعْزُولُونَ. فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمّا اِقْتَرَحُوهُ في اَلْآياتِ مُعْجِزًا، وإنَّما هي أُمُورٌ مُسْتَحِيلَةٌ في نَفْسِها، أوْ لِأمْرٍ آخَرَ اِقْتَرَحُوها تَكَبُّرًا وتَعَنُّتًا وجَهْلًا، عَلى أنَّهم بَعْدَ تِلْكَ اَلْأقْوالِ كُلِّها، قالَ قائِلٌ مِنهم: وأيْمُ اَللَّهِ ! لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَظَنَنْتُ أنِّي لا أُصَدِّقُكَ. وقَدْ قالَ تَعالى:﴿ولَوْ أنَّنا نَـزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١] فَكانَ اَلْأوْلى في جَوابِهِمْ عَمّا اِقْتَرَحُوهُ، هو ما أجابَ بِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: تَنَزُّهُ رَبِّي عَنْ فِعْلِ ما اِقْتَرَحْتُمُوهُ مِنَ اَلْمُحالِ وما يُناقِضُ حِكْمَتَهُ. وما أنا إلّا بَشَرٌ رَسُولٌ. عَلَيَّ أنْ أُبَلِّغَكم رِسالاتٍ رَبِّي وأنْصَحَ لَكم. وقَدْ أتَيْتُكم بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِ رِسالَتِي مِمّا أوْحاهُ إلَيَّ. وذَلِكَ ما تَحَدَّيْتُكم بِالإتْيانِ (p-٤٠٠٠)بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في اَلْهِدايَةِ والإصْلاحِ، كَما أمَرَنِي رَبِّي. ولا أقْتَرِحُ عَلَيْهِ، سُبْحانَهُ، ما لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أوْ ما يَكُونُ فِعْلُهُ عَبَثًا، لِخُلُوِّهِ عَنِ اَلْفائِدَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

17:94Page 291

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٤

And what prevented the people from believing when guidance came to them except that they said, "Has Allāh sent a human messenger?"

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٤] ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ .

﴿وما مَنَعَ النّاسَ﴾ أيِ: اَلَّذِينَ حَكى تَعَنُّتَهم: ﴿أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ أيْ: إلّا تَعَجُّبُهم مِن بَعْثَةِ إنْسانٍ رَسُولًا. بِمَعْنى إنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ اَلرَّسُولُ مِن جِنْسِ اَلْبَشَرِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] والآياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى لُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ، أنَّهُ يَبْعَثُ إلَيْهِمُ اَلرَّسُولَ مِن جِنْسِهِمْ لِيَفْقَهُوا عَنْهُ ويَفْهَمُوا مِنهُ، ويُمْكِنُهم مُخاطَبَتَهُ ومُكالَمَتَهُ. حَتّى لَوْ كانَتِ اَلْأرْضُ مُسْتَقَرًّا لِمَلائِكَتِهِ، لَكانَتْ رُسُلُهم مِنهم، جَرْيًا عَلى قَضِيَّةِ اَلْحِكْمَةِ.

فَقالَ سُبْحانَهُ:

17:95Page 291

قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا ٩٥

Say, "If there were upon the earth angels walking securely,1 We would have sent down to them from the heaven an angel [as a] messenger."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٥] ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَـزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ .

﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ﴾ أيْ: عَلى أقْدامِهِمْ كَما يَمْشِي اَلْإنْسُ: ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾ أيْ: ساكِنِينَ في اَلْأرْضِ قارِّينَ: ﴿لَنَـزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ أيْ: مِن جِنْسِهِمْ، لِيُعَلِّمَهُمُ اَلْخَيْرَ ويَهْدِيَهُمُ اَلْمَراشِدَ. ولَمّا كُنْتُمْ أنْتُمْ بَشَرًا، بَعَثْنا (p-٤٠٠١)فِيكم رُسُلًا مِنكم، كَما قالَ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١]

تَنْبِيهٌ:

فِي اَلْآيَةِ إشارَةٌ إلى حاجَةِ مَن يَسْتَقِرُّ في اَلْأرْضِ إلى اَلرِّسالَةِ، وقَدْ قَضَتْ رَحْمَةُ اَلْبارِي تَعالى وعِنايَتُهُ بِذَلِكَ، فَمَنَّ عَلى اَلْخَلْقِ بِالرُّسُلِ، وأتَمَّ حاجَتَهم بِخاتَمِ أنْبِيائِهِ فَأنْقَذَهم مِنَ اَلْحَيْرَةِ، وخَلَّصَهم مِنَ اَلتَّخَبُّطِ، وأخْرَجَهم مِنَ اَلظُّلُماتِ إلى اَلنُّورِ.

17:96Page 291

قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٩٦

Say, "Sufficient is Allāh as Witness between me and you. Indeed He is ever, concerning His servants, Aware and Seeing."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٦] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ .

﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ: عَلى أنِّي بَلَّغْتُ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم، وإنَّكم كَذَّبْتُمْ وعانَدْتُمْ. وقَرَّرَ اَلرّازِيُّ أنَّ اَلْمَعْنِيَّ بِالشَّهادَةِ هو اَلشَّهادَةُ عَلى رِسالَتِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ بِإعْجازِ اَلْقُرْآنِ. أيْ: كَفى بِما أكْرَمَنِي بِهِ تَعالى مِن هَذا اَلْمُعْجِزِ، شاهِدًا عَلى صِدْقِي. ومَن شَهِدَ تَعالى عَلى صِدْقِهِ فَهو صادِقٌ. فَقَوْلُكم، مَعْشَرَ اَلْمُشْرِكِينَ، بَعْدَ هَذا، يَجِبُ أنْ يَكُونَ اَلرَّسُولُ مَلَكًا، تَحَكُّمٌ فاسِدٌ.

وناقَشَهُ أبُو اَلسُّعُودِ بِأنَّ ما قَرَّرَهُ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ مِنَ اَلتَّعْلِيلِ. ثُمَّ قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ بَيْنَنا تَحْقِيقًا لِلْمُفارَقَةِ، وإبانَةً لِلْمُبايَنَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أيْ: عالِمًا بِأحْوالِهِمْ. فَهو مُجازِيهِمْ. وهَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ووَعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ.

(p-٤٠٠٢)

17:97Page 292

وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا ٩٧

And whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - you will never find for them protectors besides Him, and We will gather them on the Day of Resurrection [fallen] on their faces - blind, dumb and deaf. Their refuge is Hell; every time it subsides, We increase [for] them blazing fire.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٧] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ .

﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ أيْ: إلى اَلْحَقِّ بِما جاءَ مِن قِبَلِهِ إلى اَلْهُدى: ﴿فَهُوَ المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ﴾ [الكهف: ١٧] أيْ: يَخْلُقُ فِيهِ اَلضَّلالَ بِسُوءِ اِخْتِيارِهِ، كَهَؤُلاءِ اَلْمُعانِدِينَ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ﴾ أيْ: أنْصارًا يَهْدُونَهم ويَحْفَظُونَهم مِن قَهْرِهِ، وإنَّما أُوثِرَ ضَمِيرُ اَلْجَماعَةِ في (لَهُمْ) حَمْلًا عَلى مَعْنى (مَن) وأُوثِرَ في ما قَبْلَهُ اَلْإفْرادُ، حَمْلًا عَلى اَللَّفْظِ. وسِرُّ اَلِاخْتِلافِ في اَلْمُتَقابِلَيْنِ اَلْإشارَةُ إلى وحْدَةِ طَرِيقِ اَلْحَقِّ، وقِلَّةِ سالِكِيهِ، وتَعَدُّدِ سُبُلِ اَلضَّلالِ وكَثْرَةِ اَلضُّلّالِ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ أيْ: يُسْحَبُونَ عَلَيْها كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨]

وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: ناكِسِي الرُّؤُوسِ لِانْجِذابِهِمْ إلى اَلْجِهَةِ اَلسُّفْلِيَّةِ ! وعَلى وُجُوداتِهِمْ وذَواتِهِمُ اَلَّتِي كانُوا عَلَيْها في اَلدُّنْيا. كَقَوْلِهِ: (كَما تَعِيشُونَ تَمُوتُونَ وكَما تَمُوتُونَ تُبْعَثُونَ) إذِ (اَلْوَجْهُ) يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ اَلذّاتِ اَلْمَوْجُودَةِ مَعَ جَمِيعِ عَوارِضِها ولَوازِمِها. أيْ: عَلى اَلْحالَةِ اَلْأُولى مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ونُقْصانٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ أيْ: كَما كانُوا في اَلدُّنْيا لا يَسْتَبْصِرُونَ ولا يَنْطِقُونَ بِالحَقِّ، ويَتَصامُّونَ عَنِ اِسْتِماعِهِ؛ فَهم في اَلْآخِرَةِ كَذَلِكَ لا يُبْصِرُونَ ما يَقَرُّ أعْيُنَهم، ولا يَسْمَعُونَ ما يَلَذُّ مَسامِعَهم، ولا يَنْطِقُونَ بِما يُقْبَلُ مِنهم: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ [الإسراء: ٧٢] كَذا في (اَلْكَشّافِ) .

﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ﴾ أيْ: سَكَنَ لَهِيبُها، بِأنْ أكَلَتْ جُلُودَهم ولُحُومَهم: ﴿زِدْناهم سَعِيرًا﴾ أيْ: تَوَقُّدًا. بِأنْ نُبَدِّلَ جُلُودَهم ولُحُومَهم، فَتَعُودُ مُلْتَهِبَةً مُسْتَعِرَةً.

(p-٤٠٠٣)قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهم لَمّا كَذَّبُوا بِالإعادَةِ بَعْدَ اَلْإفْناءِ، جَعَلَ اَللَّهُ جَزاءَهم أنْ سَلَّطَ اَلنّارَ عَلى أجْزائِهِمْ تَأْكُلُها وتُفْنِيها، ثُمَّ يُعِيدُها. لا يَزالُونَ عَلى اَلْإفْناءِ والإعادَةِ لِيَزِيدَ ذَلِكَ في تَحَسُّرِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمُ اَلْبَعْثَ. ولِأنَّهُ أدْخَلَ في اَلِانْتِقامِ مِنَ اَلْجاحِدِ.

وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

17:98Page 292

ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدًا ٩٨

That is their recompense because they disbelieved in Our verses and said, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected [in] a new creation?"

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٨] ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ .

﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أيْ: لَمُحْيَوْنَ خَلْقًا جَدِيدًا، بِإعادَةِ اَلرُّوحِ فِينا، إذا تَلِفَ لَحْمُنا وبَقِينا عِظامًا. بَلْ رَقَّتْ عِظامُنا فَصارَتْ رُفاتًا. ثُمَّ اِحْتَجَّ تَعالى عَلَيْهِمْ، ونَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

17:99Page 292

۞ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ وَجَعَلَ لَهُمۡ أَجَلٗا لَّا رَيۡبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورٗا ٩٩

Do they not see that Allāh, who created the heavens and earth, is [the one] Able to create the likes of them? And He has appointed for them a term, about which there is no doubt. But the wrongdoers refuse except disbelief.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٩] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلا كُفُورًا﴾ .

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: يَعْلَمُوا: ﴿أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أيْ: يَوْمَ اَلْقِيامَةِ. يُنْشِئُهم نَشْأةً أُخْرى ويُعِيدُهم كَما بَدَأهم. والمَعْنى: قَدْ عَلِمُوا بِدَلِيلِ اَلْعَقْلِ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ اَلسَّماواتِ والأرْضِ، فَهو قادِرٌ عَلى خَلْقِ أمْثالِهِمْ مِنَ اَلْإنْسِ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا بِأشَدَّ خَلْقًا مِنهُنَّ. كَما قالَ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] ولا اَلْإعادَةُ أصْعَبُ عَلَيْهِ مِنَ اَلْإبْداءِ، بَلْ هي أهْوَنُ.

قالَ اَلشِّهابُ: ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ (مِثْلَ) هُنا كِنايَةً عَنْهم. كَقَوْلِهِ: ( مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ) مَعَ أنَّهُ صَحِيحٌ. ولَوْ جُعِلَ خَلْقُ مِثْلِهِمْ عِبارَةً عَنِ اَلْإعادَةِ، كانَ أحْسَنَ: ﴿وجَعَلَ لَهم أجَلا (p-٤٠٠٤)لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: جَعَلَ لِإعادَتِهِمْ وإقامَتِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ أجَلًا مَضْرُوبًا ومُدَّةً مُقَدَّرَةً لا بُدَّ مِنِ اِنْقِضائِها. كَما قالَ تَعالى: ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] ﴿فَأبى الظّالِمُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ قِيامِ اَلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ووُضُوحِ اَلدَّلِيلِ: ﴿إلا كُفُورًا﴾ أيْ: جُحُودًا وتَمادِيًا في باطِلِهِمْ وضَلالِهِمْ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ اَلشِّهابُ: هَذِهِ اَلْجُمْلَةُ - جُمْلَةُ وجَعَلَ إلخ - مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ لِأنَّها وإنْ كانَتْ إنْشائِيَّةً، فَهي مُؤَوَّلَةٌ بِخَبَرِيَّةٍ - كَما في " شَرْحِ اَلْكَشّافِ " إذْ مَعْناها: قَدْ عَلِمُوا بِدَلالَةِ اَلْعَقْلِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى اَلْبَعْثِ والإعادَةِ: ﴿وجَعَلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِإعادَتِهِمْ: ﴿أجَلا﴾ وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ، يَعْنِي أنَّهم عَلِمُوا إمْكانَها وإخْبارَ اَلصّادِقِ بِها وضَرْبَهُ لَها أجَلًا. فَيَجِبُ اَلتَّصْدِيقُ بِهِ. أوْ جَعَلَ لَهم أجَلًا، وهو اَلْمَوْتُ والِانْسِلاخُ عَنِ اَلْحَياةِ. ولا يَخْفى عَلى عاقِلٍ أنَّهُ لَمْ يُخْلُقْ عَبَثًا. فَلا بُدَّ أنْ يُجْزى بِما عَمِلَهُ في هَذِهِ اَلدّارِ. فَلا مَعْنى لِلْإنْكارِ. فَظَهَرَ اِرْتِباطُ اَلْمُتَعاطِفَيْنِ، لَفْظًا ومَعْنًى، و: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ظاهِرٌ عَلى اَلثّانِي. وعَلى اَلْأوَّلِ مَعْناهُ: لا يَنْبَغِي إنْكارُهُ لِمَن تَدَبَّرَ. وقِيلَ: إنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَخْلُقَ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском