Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:22–26
18:22Page 296
سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا ٢٢
They [i.e., people] will say there were three, the fourth of them being their dog; and they will say there were five, the sixth of them being their dog - guessing at the unseen; and they will say there were seven, and the eighth of them was their dog. Say, [O Muḥammad], "My Lord is most knowing of their number. None knows them except a few. So do not argue about them except with an obvious argument1 and do not inquire about them among [the speculators] from anyone."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢] ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾ .
﴿سَيَقُولُونَ﴾ أيِ: الخائِضُونَ في قِصَّتِهِمْ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لا عِلْمَ لَهم بِالحَقِيقَةِ:﴿ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ﴾ أيْ: بَعْضٌ آخَرُ مِنهُمْ: ﴿خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ أيْ: رَمْيًا وتَلَفُّظًا بِالَّذِي غابَ عَنْهم. يَعْنِي ظَنًّا خالِيًا عَنِ اليَقِينِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كالَّذِي يَرْمِي إلى مَكانٍ لا يَعْرِفُهُ، فَإنَّهُ لا يَكادُ يُصِيبُ، وإنْ أصابَ فَبِلا قَصْدٍ: ﴿ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ حِكايَةٌ لِقَوْلِ فَرِيقٍ آخَرَ كانَ يَرى عُدَّتَهم هَذِهِ: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ﴾ أيْ: مِمَّنْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ أيْ: لا تُجادِلْ أهْلَ الكِتابِ في شَأْنِ أصْحابِ الكَهْفِ، إلّا جِدالًا ظاهِرًا لَيِّنًا غَيْرَ مُتَعَمِّقٍ فِيهِ. وذَلِكَ عَلى قَدْرِ ما تَعَرَّضَ لَهُ التَّنْزِيلُ الكَرِيمُ مِن وصْفِهِمْ بِالرَّجْمِ بِالغَيْبِ وعَدَمِ العِلْمِ عَلى الوَجْهِ الإجْمالِيِّ، وتَفْوِيضِ العِلْمِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، مِن غَيْرِ تَجْهِيلٍ لَهُمْ، ولا تَعْنِيفٍ بِهِمْ، في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ كَما قالَ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] فَإنَّ الأمْرَ (p-٤٠٤٠)فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَبِيرُ فائِدَةٍ. قِيلَ: المُماراةُ المُجادَلَةُ. وقِيلَ بِالفَرْقِ. فالمُجادَلَةُ المُحاجَّةُ مُطْلَقًا. والمُماراةُ المُحاجَّةُ فِيما فِيهِ مِرْيَةٌ أيْ: تَرَدُّدٌ، لِأنَّها مِن (مَرَيْتُ النّاقَةَ) إذا مَسَحْتَ ضَرْعَها لِلْحَلِيبِ: ﴿ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾ أيْ: لا تَسْألْ أحَدًا مِنهم عَنْ نَبَئِهِمْ. لِأنَّ السُّؤالَ إمّا لِلِاسْتِرْشادِ، أوْ لِلتَّعَنُّتِ والمُحاوَرَةِ. ولا عِلْمَ لَهم بِذَلِكَ إلّا ما يَقُولُونَهُ رَجْمًا بِالغَيْبِ. مِن غَيْرِ اسْتِنادٍ إلى كَلامٍ مَعْصُومٍ. والتَّعَنُّتُ لِلرَّدِّ عَلى الخَصْمِ وتَزْيِيفِ ما عِنْدَهُ، يُنافِي مَكارِمَ الأخْلاقِ. والمَعْنى: جاءَكَ الحَقُّ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ، فَهو المُقَدَّمُ الحاكِمُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الكُتُبِ والأقْوالِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَ الخائِضِينَ الأخِيرَ، وهو أنَّهم سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ، هو الحَقُّ. لِأنَّهُ لَمْ يُوصَفْ بِكَوْنِهِ رَجْمًا بِالغَيْبِ كَما وُصِفَ الأوَّلانِ.
ولِتَخْصِيصِهِ بِالواوِ في قَوْلِهِ: ﴿وثامِنُهُمْ﴾ وهي الواوُ الدّاخِلَةُ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، لِإفادَةِ تَأْكِيدِ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ. والدَّلالَةُ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِها أمْرٌ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ. وأنَّهُ لا عَدَدَ وراءَهُ. كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حِينَ وقَعَتِ الواوُ انْقَطَعَتِ العُدَّةُ. وأقُولُ: لا يَخْفى ضَعْفُ التَّمَسُّكِ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لِتَقْوِيَةِ القَوْلِ الأخِيرِ. فَإنَّ عَدَمَ وصْفِهِ بِالرَّجْمِ بِالغَيْبِ إنَّما هو لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وفي إعادَتِهِ إخْلالٌ بِالبَلاغَةِ. ومَسْألَةُ الواوِ أوْهى مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ. فَإنَّ مِثْلَ هَذا النِّزاعِ لا يُكْتَفى بِحَسْمِهِ بِمِثْلِ هَذا الإيماءِ الدَّقِيقِ القَرِيبِ مِنَ الإلْغازِ. كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَتَبَّعَ مَواقِعَ حَسْمِ الشُّبَهِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ وكَلامِ البُلَغاءِ. لا سِيَّما والواوُ مِنَ المَحْكِيِّ لا مِنَ الحِكايَةِ. فَيَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ عِنْدَ القائِلِ لا عِنْدَ اللَّهِ، فَلا يَكُونُ مِنَ الإيماءِ في شَيْءٍ. وجَوابُ بَعْضِهِمْ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى قَوْلَهم قَبْلَ أنْ يَقُولُوهُ هَكَذا، لَقَّنَهم أنْ يَقُولُوهُ إذا أخْبَرُوا عَنْهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ، وبِأنَّهُ لا مانِعَ أنْ تَكُونَ مِنَ الحِكايَةِ -بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ، وتَكَلُّفٌ ظاهِرٌ، وإغْرابٌ في القَوْلِ.
ثُمَّ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لا تَتَعَيَّنُ لِلْوَصْفِيَّةِ. لِجَوازِ كَوْنِها حالًا مِنَ النَّكِرَةِ، لِأنَّ اقْتِرانَها بِالواوِ مُسَوِّغٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ. لِأنَّهُ يَجُوزُ في مِثْلِهِ إيرادُ الواوِ (p-٤٠٤١)وتَرْكُها. عَلى أنَّهُ إنَّما يَتِمُّ ما ذَكَرُوهُ لَوْ لَمْ يُتْبِعْ قَوْلَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فَإنَّ في تَأثُّرِهِ لِلْأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ كُلِّها، بُرْهانًا ظاهِرًا عَلى أنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا لِعِدَّتِهِمْ، وإرْشادًا إلى أنَّ الأحْسَنَ في مِثْلِ هَذا المَقامِ، رَدُّ العِلْمِ إلَيْهِ تَعالى.
وإشارَةٌ إلى أنَّهُ لا احْتِياجَ إلى الخَوْضِ في مِثْلِ ذَلِكَ بِلا عِلْمٍ بَيِّنٍ وبُرْهانٍ نَيِّرٍ. وإنَّهُ إذا أوْقَفْنا عَلى الفَيْصَلِ قُلْنا بِهِ، وإلّا وقَفْنا. وقَدْ تَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَهُ: ﴿ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ﴾ فَإنَّ فِيهِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ يَعْلَمُهُمُ البَعْضُ مِمَّنْ لَمْ يَشَأِ الحَقُّ تَعْيِينَهُ. وهو إمّا نَبِيٌّ، أوْ مَن كانَ في مُدَّتِهِمْ، أوْ مَن نَقَّبَ عَنْ نَبَئِهِمْ بِإثارَةٍ صَحِيحَةٍ أوْ تَلَقٍّ عَنِ المَعْصُومِ. وفِيهِ إعْلامٌ بِأنَّهُ لَمْ يَضْرِبْ عَلى النّاسِ بِسَدٍّ مِن جَهالَةِ شَأْنِهِمْ.
وبِالجُمْلَةِ، فالنَّظْمُ الكَرِيمُ، بِأُسْلُوبِهِ هَذا، لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأخِيرَ هو الحَقُّ كَما عَلِمْتُ. وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن قَوْلِهِ: أنا مِنَ القَلِيلِ الَّذِي اسْتَثْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. كانُوا سَبْعَةً -فَهُوَ مِنَ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ. ولَوْ رُفِعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وصَحَّ سَنَدُهُ لَقُلْنا بِهِ عَلى أنَّهُ اخْتُلِفَ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ في عِدَّتِهِمْ. فَرُوِيَ عَنْهُ أنَّهم ثَمانِيَةٌ، حَكاهُ ابْنُ إسْحاقَ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْهُ. ورُوِيَ عَنْهُ سَبْعَةٌ. وهو حِكايَةُ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ عَنْهُ. ثُمَّ رَأيْتُ الرّازِيَّ نَقَلَ عَنِ القاضِي أنَّهُ قالَ: إنْ كانَ - ابْنُ عَبّاسٍ - قَدْ عَرَّفَهُ بِبَيانِ الرَّسُولِ، صَحَّ. وإنْ كانَ قَدْ تَعَلَّقَ بِحَرْفِ الواوِ فَضَعِيفٌ. انْتَهى. هَذا ما ظَهَرَ لِي الآنَ.
وبَعْدَ كِتابَتِي لِما تَقَدَّمَ بِمُدَّةٍ، وقَفْتُ عَلى نَبَئِهِمْ في (طَبَقاتِ الشُّهَداءِ المَسِيحِيِّينَ) وأنَّ عِدَّتَهم سَبْعَةٌ عِنْدَهم كَما سَتَراهُ في آخِرِ الآياتِ فِيهِمْ. فَسَنَحَ لِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ إنَّما جَزَمَ بِما جَزَمَ بِهِ، مِمّا قَوِيَ عِنْدَهُ مِن إشارَةِ الآيَةِ، كَما ذَكَرَهُ أُولَئِكَ الأكْثَرُونَ، ومِن تَواتُرِ عِدَّتِهِمْ مِن قَوْمِهِمْ ومِمَّنْ أُثِرَ عَنْهم. ثُمَّ حَقَّقَهُ وصَدَّقَهُ عَدَمُ النَّكِيرِ فِيهِ. وكَذَلِكَ جَزَمَ بِمِثْلِهِ الإمامُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. حَيْثُ قالَ في (قاعِدَةٍ لَهُ في التَّفْسِيرِ): اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى الأدَبِ في هَذا المَقامِ -مَقامِ حِكايَةِ الأقْوالِ وتَعْلِيمِ ما يَنْبَغِي في مِثْلِ هَذا. فَإنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم بِثَلاثَةِ (p-٤٠٤٢)أقْوالٍ، ضَعَّفَ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ وسَكَتَ عَنِ الثّالِثِ. فَدَلَّ عَلى صِحَّتِهِ. إذْ لَوْ كانَ باطِلًا لَرَدَّهُ كَما رَدَّهُما. ثُمَّ أرْشَدَ إلى أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى عِدَّتِهِمْ لا طائِلَ تَحْتَهُ. فَيُقالُ في مِثْلِ هَذا: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فَإنَّهُ ما يَعْلَمُ بِذَلِكَ إلّا قَلِيلٌ مِنَ النّاسِ مِمَّنْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَبِهَذا قالَ: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ أيْ: لا تُجْهِدْ نَفْسَكَ فِيما لا طائِلَ تَحْتَهُ، ولا تَسْألْهم عَنْ ذَلِكَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ مِن ذَلِكَ إلّا رَجْمَ الغَيْبِ. فَهَذا أحْسَنُ ما يَكُونُ في حِكايَةِ الخِلافِ أنْ تَسْتَوْعِبَ الأقْوالَ في ذَلِكَ المَقامِ وأنْ يُنَبِّهَ عَلى الصَّحِيحِ مِنها ويُبْطِلَ الباطِلَ. ويَذْكُرُ فائِدَةَ الخِلافِ وثَمَرَتَهُ، لِئَلّا يَقَعَ النِّزاعُ والخِلافُ فِيما لا فائِدَةَ تَحْتَهُ، فَيَشْتَغِلُ بِهِ عَنِ الأهَمِّ. فَأمّا مَن حَكى خِلافًا في مَسْألَةٍ ولَمْ يَسْتَوْعِبْ أقْوالَ النّاسِ فِيها، فَهو ناقِصٌ. إذْ قَدْ يَكُونُ الصَّوابُ في الَّذِي تَرَكَهُ. أوْ يَحْكِي الخِلافَ ويُطْلِقُهُ ولا يُنَبِّهُ عَلى الصَّحِيحِ مِنَ الأقْوالِ، فَهو ناقِصٌ أيْضًا. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وهو الفَصْلُ في هَذا المَقامِ.
الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: ذَكَرُوا في فائِدَةِ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿وثامِنُهُمْ﴾ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: ما ذَكَرُوهُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِن سائِرِ الأقْوالِ. وقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِ.
وثانِيها: أنَّ السَّبْعَةَ عِنْدَ العَرَبِ أصْلٌ في المُبالَغَةِ في العَدَدِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ فَإذا وصَلُوا إلى الثَّمانِيَةِ ذَكَرُوا لَفْظًا يَدُلُّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، فَقالُوا: وثَمانِيَةٌ. فَجاءَ هَذا الكَلامُ عَلى هَذا القانُونِ. قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ نَظِيرُهُ في ثَلاثِ آياتٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢] لِأنَّ هَذا هو العَدَدُ الثّامِنُ مِنَ الأعْدادِ المُتَقَدِّمَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ وأبْوابَ النّارِ سَبْعَةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] لِأنَّ قَوْلَهُ: وأبْكارًا هو العَدَدُ الثّامِنُ مِمّا تَقَدَّمَ. والنّاسُ يُسَمُّونَ هَذِهِ الواوَ واوَ الثَّمانِيَةِ ومَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ.
(p-٤٠٤٣)قالَ القَفّالُ: وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] ولَمْ يَذْكُرِ الواوَ في النَّعْتِ الثّامِنِ. انْتَهى.
وقالَ في (الِانْتِصافِ): الصَّوابُ في الواوِ ما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِها لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ. لا كَمَن يَقُولُ إنَّها واوُ الثَّمانِيَةِ. فَإنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا يَسْتَقِرُّ لِمُثْبِتِهِ قَدَمٌ. ويَعُدُّونَ مَعَ هَذِهِ الواوَ في قَوْلِهِ في الجَنَّةِ: ﴿وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] قالُوا لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ وأبْوابَ النّارِ سَبْعَةٌ وهَبْ أنَّ في اللُّغَةِ واوًا تَصْحَبُ الثَّمانِيَةَ فَتَخْتَصُّ بِها، فَأيْنَ ذِكْرُ العَدَدِ في أبْوابِ الجَنَّةِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى الثّامِنِ فَتَصْحَبُهُ الواوُ؟ ورُبَّما عَدُّوا مِن ذَلِكَ: والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ وهو الثّامِنُ مِن قَوْلِهِ: ﴿التّائِبُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] وهَذا أيْضًا مَرْدُودٌ بِأنَّ الواوَ إنَّما اقْتَرَنَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِتَرْبُطَ بَيْنَها وبَيْنَ الأُولى الَّتِي هِيَ: الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّناسُبِ والرَّبْطِ. ألا تَرى اقْتِرانَهُما في جَمِيعِ مَصادِرِهِما ومَوارِدِهِما؟ كَقَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] وكَقَوْلِهِ: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] ورُبَّما عَدَّ بَعْضُهم مِن ذَلِكَ، الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] لِأنَّهُ وجَدَها مَعَ الثّامِنِ. وهَذا غَلَطٌ فاحِشٌ. فَإنَّ هَذِهِ واوُ التَّقْسِيمِ. ولَوْ ذَهَبْتَ تَحْذِفُها فَتَقُولُ: ثَيِّباتٍ أبْكارًا لَمْ يَسْتَدَّ الكَلامُ. فَقَدْ وضَحَ أنَّ الواوَ في جَمِيعِ هَذِهِ المَواضِعِ المَعْدُودَةِ، وارِدَةٌ لِغَيْرِ ما زَعَمَهُ هَؤُلاءِ. واللَّهُ المُوَفِّقُ... انْتَهى.
الثّالِثُ: حُكِيَ في (الإكْلِيلِ) عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ إلّا بِما أظْهَرْنا لَكَ. ومِثْلُهُ قَوْلُ السُّدِّيِّ: إلّا بِما أُوحِيَ إلَيْكَ. وإنَّ فِيهِ تَحْرِيمَ الجَدَلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وبِلا حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ.
18:23–24Page 296
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣
And never say of anything, "Indeed, I will do that tomorrow,"
إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا ٢٤
Except [when adding], "If Allāh wills." And remember your Lord when you forget [it] and say, "Perhaps my Lord will guide me to what is nearer than this to right conduct."
وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٤٠٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣] ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [٢٤] ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٤] .
﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ مِنَ المَعانِي. مِنها أنَّ المَعْنى لا تَقُولَنَّ إلّا وقْتَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ بِأنْ يَأْذَنَ لَكَ في القَوْلِ، فَتَكُونُ قائِلًا بِمَشِيئَتِهِ، فالمَشِيئَةُ عَلى هَذا بِمَعْنى الإذْنِ. لِأنَّ وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ لِشَيْءٍ لا تُعْلَمُ إلّا بِإذْنِهِ فِيهِ أيْ: إعْلامِهِ بِهِ. ومِنها لا تَقُولَنَّ لِما عَزَمْتَ عَلَيْهِ مِن فِعْلٍ، إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا قائِلًا مَعَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَبَرُّؤًا مِن لُزُومِ التَّحَكُّمِ عَلى اللَّهِ، ومِنَ الفِعْلِ بِإرادَتِكَ بَلْ بِإرادَةِ اللَّهِ، فَتَكُونُ فاعِلًا بِمَشِيئَتِهِ. ولِئَلّا يَلْزَمَ الكَذِبُ لَوْ لَمْ يَشَأْهُ اللَّهُ تَعالى. ومِنها أنَّ المَعْنى لا تَقُولَنَّ ذَلِكَ قاطِعًا بِفِعْلِهِ وباتًّا لَهُ. لِأنَّهُ: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] فَلا يَنْبَغِي الجَزْمُ والبَتُّ عَلى فِعْلِ أمْرِ مُسْتَقْبَلٍ مَجْهُولٍ كَوْنُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] أيْ: أنْ تَقُولَ ذَلِكَ القَوْلَ الباتَّ نِسْيانًا فَحِينَئِذٍ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ بِذِكْرِهِ. ولِذا قالَ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] وعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَـ: " لا تَقُولَنَّ " نَهْيٌ مَعْطُوفٌ عَلى النَّهْيَيْنِ قَبْلَهُ. قالَ الجاحِظُ في كِتابِ (الحَيَوانِ): إنَّما ألْزَمَ جَلَّ وعَلا عَبْدَهُ أنْ يَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، لِيُبْقِيَ عادَةً لِلْمُتَألِّي، ولِئَلّا يَكُونَ كَلامُهُ ولَفْظُهُ يُشْبِهُ لَفْظَ المُسْتَبِدِّ والمُسْتَغْنِي، وعَلى أنْ يَكُونَ عَبْدُهُ ذاكِرًا لِلَّهِ. لِأنَّهُ عَبْدٌ مُدَبَّرٌ، ومُقَلَّبٌ مُيَسَّرٌ، ومُصَرَّفٌ مُسَخَّرٌ.
وبَقِيَ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ المَعْنى لا تَقُولَنَّ ذَلِكَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ تَقُولَ هَذا القَوْلَ. والجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ قُصِدَ بِها الإخْبارُ عَنْ سَبْقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِكُلِّ ما يَعْزِمُ عَلَيْهِ ويَقُولُهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٠٤٥)﴿وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] وهَذا المَعْنى هو الظّاهِرُ بِبادِئِ الرَّأْيِ كَما قالَهُ في (الِانْتِصافِ) وفي المَعْنى تَلْوِيحٌ بِأنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ هَمَّ بِأمْرٍ ما في نَبَأِ هَؤُلاءِ الفِتْيَةِ، وعَزَمَ عَلى أمْرٍ في غَدِ المُحاوَرَةِ بِهِ.
ولَعَلَّهُ الِاسْتِفْتاءُ عَنْهم. فَلَمّا نَهى عَنْهُ أخْبَرَ بِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ كائِنٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، لِيَدْخُلَ فِيهِ ما كانَ قالَهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا. أيْ: ما قُلْتَهُ وعَزَمْتَ عَلى فِعْلِهِ كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إذْ شاءَ اللَّهُ أنْ تَقُولَهُ. فالآيَةُ بِمَثابَةِ العِنايَةِ بِهِ والتَّلْطِيفِ بِالخِطابِ، إثْرَ ما يُومِئُ إلَيْهِ النَّهْيُ إلَيْها مِن رَقِيقٍ ولِذَلِكَ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ سابِقِ النَّهْيِ عَنِ اسْتِفْتائِهِمْ، ولاحِقِ الأمْرِ بِذِكْرِهِ تَعالى إذا نَسِيَ، أيْ: نَسِيَ ما وُصِّيَ بِهِ. وبِما ذَكَرْنا يَعْلَمُ أنَّ هَذا المَعْنى لَهُ وجْهٌ وجِيهٌ.
فَدَعْوى النّاصِرِ في (الِانْتِصافِ) أنَّهُ لَيْسَ هو الغَرَضَ، وأنَّ الغَرَضَ النَّهْيُ عَنْ هَذا القَوْلِ إلّا مَقْرُونًا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى- قَصْرٌ لِلْآيَةِ عَلى أحَدِ مَعانِيها، وذَهابٌ إلى ما هو المَشْهُورُ في تَأْوِيلِها، وعَدَمُ تَمَعُّنٍ في مِثْلِ هَذا المَعْنى الدَّقِيقِ، بَلْ وفي بَقِيَّةِ المَعانِي الأُخَرِ الَّتِي اللَّفْظُ الكَرِيمُ يَحْتَمِلُها. وقَدْ ظَهَرَ قُوَّةُ المَعْنى الأخِيرِ لِمُوافَقَتِهِ لِآيَةِ: ﴿وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٤] أيْ: خَيْرًا ومَنفَعَةً. والإشارَةُ لِلنَّبَأِ المُتَحاوَرِ فِيهِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: رُوِيَ «أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ سُئِلَ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ والرُّوحِ وذِي القَرْنَيْنِ، فَقالَ: «أُجِيبُكم عَنْها غَدًا» ولَمْ يَسْتَثْنِ. فاحْتُبِسَ الوَحْيُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿ولا تَقُولَنَّ﴾ الآيَةَ» . وقَدْ زَيَّفَ هَذِهِ الرِّوايَةَ القاضِي -كَما حَكاهُ الرّازِيُّ - مِن أوْجُهٍ. والحَقُّ لَهُ. لِأنَّها مِن مَرْوِيّاتِ ابْنِ إسْحاقَ مَجْهُولٌ. كَما ساقَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّانِي: يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي﴾ [الكهف: ٢٤] الآيَةَ، إلى أنَّ هَذا النَّبَأ لَيْسَ مِمّا تَنْبَغِي العِنايَةُ بِتَحْقِيقِهِ وتَدْقِيقِ أطْرافِهِ، وابْتِغاءُ الرَّشادِ فِيهِ، حَتّى يَتَكَلَّفَ لِفَتْوى أهْلِ (p-٤٠٤٦)الكِتابِ فِيهِ. العَزْمَ عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مِمّا يُلابِسُهُ في المُسْتَقْبَلِ، لِأنَّهُ مِنَ الأُمُورِ الغابِرَةِ الَّتِي حَقُّ الخائِضِ فِيها أنْ يَنْظُرَ مِنها إلى وجْهِ العِبْرَةِ والفَوائِدِ الَّتِي حَوَتْها، كَما أحْكَمَتْهُ آياتُ التَّنْزِيلِ في شَأْنِها.
الثّالِثُ: اعْتَرَضَتْ هَذِهِ الآدابُ أعْنِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُمارِ﴾ [الكهف: ٢٢] إلى هُنا قَبْلَ تَتْمِيمِ نَبَئِهِمْ، مُبادَرَةً إلى الِاهْتِمامِ بِهَذِهِ الآدابِ والِاحْتِفاظِ بِها، لِتَتَمَكَّنَ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، وتَرْسَخَ في النَّفْسِ أشَدَّ رُسُوخٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الرّابِعُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] إذا نَسِيتَ الِاسْتِثْناءَ بِالمَشِيئَةِ ثُمَّ ذَكَرْتَ فاسْتَثْنِ، وذَلِكَ (كَما قالَ القُرْطُبِيُّ) لِتَدارُكِ التَّبَرُّكِ والتَّخَلُّصِ عَنِ الإثْمِ.
وقالَ في (الِانْتِصافِ): أمّا ظاهِرُ الآيَةِ فَمُقْتَضاهُ الأمْرُ بِتَدارُكِ المَشِيئَةِ، مَتى ذَكَرْتَ ولَوْ بَعْدَ الطُّولِ. وأمّا حَلُّها لِلْيَمِينِ حِينَئِذٍ فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنها. انْتَهى.
ودَعْوى أنَّهُ الظّاهِرُ هو أحَدُ الوُجُوهِ فِيها، مُفَرَّعًا عَلى أنَّ المَشِيئَةَ في الآيَةِ قَبْلَها، مَشِيئَةُ القَوْلِ، وهو أحَدُ مَعانِي الآيَةِ. وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَوازُ الِاسْتِثْناءِ وإنْ طالَ الزَّمانُ. ثُمَّ اخْتَلَفَ عَنْهُ فَقِيلَ إلى شَهْرٍ وقِيلَ إلى سَنَةٍ وقِيلَ أبَدًا. وفي (حُصُولِ المَأْمُولِ): ومَن قالَ بِأنَّ هَذِهِ المَقالَةَ لَمْ تَصِحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، لَعَلَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِأنَّها ثابِتَةٌ في (مُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ) وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ بِلَفْظِ: ««إذا حَلَفَ الرَّجُلُ عَلى يَمِينٍ فَلَهُ أنْ يَسْتَثْنِيَ إلى سَنَةٍ»» ومِثْلُهُ عِنْدَ أبِي مُوسى المَدِينِيِّ وسَعِيدِ بْنِ مَنصُورٍ وغَيْرِهِما مِن طُرُقٍ. وبِالجُمْلَةِ فالرِّوايَةُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ صَحَّتْ، لَكِنَّ الصَّوابَ خِلافُ ما قالَهُ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (مَدارِجِ السّالِكِينَ): إنَّ مُرادَهُ أنَّهُ إذا قالَ شَيْئًا ولَمْ يَسْتَثْنِ، فَلَهُ أنْ يَسْتَثْنِيَ عِنْدَ الذِّكْرِ. وقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِ مَن لَمْ يَفْهَمْ كَلامَهُ. انْتَهى.
وهَذا التَّأْوِيلُ يَدْفَعُهُ ما تَقَدَّمَ عَنْهُ. والِاسْتِثْناءُ بَعْدَ الفَصْلِ اليَسِيرِ وعِنْدَ التَّذَكُّرِ، قَدْ دَلَّتْ (p-٤٠٤٧)عَلَيْهِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ. مِنها حَدِيثُ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِ: ««واللَّهِ! لَأغْزُوَنَّ قُرَيْشًا» ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قالَ: «إنْ شاءَ اللَّهُ»» . ومِنها حَدِيثُ ««ولا يُعَضَّدُ شَجَرُها ولا يُخْتَلى خَلاها» فَقالَ العَبّاسُ: (إلّا الإذْخِرَ)». وهو في الصَّحِيحِ. ومِنها «قَوْلُهُ ﷺ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ: «إلّا سَهْلَ ابْنَ بَيْضاءَ»» انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
18:25–26Page 296
وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا ٢٥
And they remained in their cave for three hundred years and exceeded by nine.1
قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٦
Say, "Allāh is most knowing of how long they remained. He has [knowledge of] the unseen [aspects] of the heavens and the earth. How Seeing is He and how Hearing! They have not besides Him any protector, and He shares not His legislation with anyone."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥] ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ [٢٦] ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] .
﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] حِكايَةٌ لِقَوْلِ أهْلِ الكِتابِ في عَهْدِهِ ﷺ، في مُدَّةِ لَبْثِهِمْ نائِمِينَ في كَهْفِهِمُ الَّذِي التَجَأُوا إلَيْهِ، لِيَتَفَرَّغُوا لِذِكْرِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ ومُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وأيَّدَهُ قَتادَةُ بِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (وقالُوا ولَبِثُوا) قِيلَ: وعَلَيْهِ فَيَكُونُ ضَمِيرُ: ﴿وازْدادُوا﴾ لِأهْلِ الكِتابِ. وإنَّهُ يَظْهَرُ فِيهِ وجْهُ العُدُولِ عَنِ المُتَبادِرِ وهو ثَلاثُمِائَةٍ وتِسْعُ سِنِينَ. مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ. وذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَهم (p-٤٠٤٨)قالَ: ثَلاثُمِائَةٍ: وبَعْضُهم قالَ أزْيَدُ بِتِسْعَةٍ. ولا يَخْفى رَكاكَةُ ما ذُكِرَ، فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلْفِتْيَةِ. ووَجْهُ العُدُولِ مُوافَقَةُ رُؤُوسِ الآيِ المَقْطُوعَةِ بِالحَرْفِ المَنصُوبِ. ودَعْوى الأخْصَرِيَّةِ تَدْقِيقٌ نَحْوِيٌّ لا تَنْهَضُ بِمِثْلِهِ البَلاغَةُ. وأمّا الأظْهَرِيَّةُ فَيَأْباها ذَوْقُ الجُمْلَتَيْنِ ذَوْقًا سَلِيمًا. فَإنَّ الوِجْدانَ العَرَبِيَّ يَجِدُ بَيْنَهُما في الطَّلاوَةِ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ. ودَعْوى أنَّ فِيها إشارَةً إلى أنَّها ثَلاثُمِائَةٍ بِحِسابِ أهْلِ الكِتابِ بِالأيّامِ، واعْتِبارِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وثَلاثُمِائَةٍ وتِسْعٌ بِحِسابِ العَرَبِ، واعْتِبارِ القَمَرِيَّةِ، بَيانًا لِلتَّفاوُتِ بَيْنَهُما، إذِ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما في كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ ثَلاثُ سِنِينَ- دَعْوى يَتَوَقَّفُ تَصْحِيحُها عَلى ثُبُوتِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ ازْدادُوا بِالسَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وأنَّهُ قَصَّ عَلَيْنا ما أرادُوهُ بِالسَّنَةِ الهِلالِيَّةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: وازْدادُوا تِسْعًا لِنَقِفَ عَلى تَحْدِيدِ ما عَنَوْهُ، ومِن أيْنَ يَثْبُتُ ذَلِكَ؟ وما الدّاعِي لِهَذا التَّعَمُّقِ المُشَوَّشِ؟ والآيَةُ جَلِيَّةٌ بِنَفْسِها في دَعْواهم مُدَّةَ لَبْثِهِمْ. وقَدْ يُرِيدُونَ السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ أوِ الهِلالِيَّةَ، وبِأيٍّ مِنها قالُوا: فَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: بِمِقْدارِ لَبْثِهِمْ. فَلا تَقْفُوا ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ، وما هو غَيْبٌ يُرَدُّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، كَما قالَ: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: ما غابَ فِيهِما وخَفِيَ مِن أحْوالِ أهْلِهِما، أيْ: أنَّهُ هو وحْدَهُ العالِمُ بِهِ: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: ما أُبْصِرُهُ لِكُلِّ مَوْجُودٍ! وأسْمَعُهُ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَحْجُبُ بَصَرَهُ وسَمْعَهُ شَيْءٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جاءَ بِما دَلَّ عَلى التَّعَجُّبِ مِن إدْراكِهِ المَسْمُوعاتِ والمُبْصِراتِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ أمْرَهُ في الإدْراكِ خارِجٌ عَنْ حَدِّ ما عَلَيْهِ إدْراكُ السّامِعِينَ والمُبْصِرِينَ، لِأنَّهُ يُدْرِكُ ألْطَفَ الأشْياءِ وأصْغَرَها، كَما يُدْرِكُ أكْبَرَها حَجْمًا وأكْثَفَها جُرْمًا، ويُدْرِكُ البَواطِنَ كَما يُدْرِكُ الظَّواهِرَ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦] المُنْتَخَبُ عَلى جَوازِ إطْلاقِ صِيغَةِ التَّعَجُّبِ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِكَ: ما أعْظَمَ اللَّهَ وما أجَلَّهُ. انْتَهى.
يَعْنِي (p-٤٠٤٩)أنْ يُشْتَقَّ مِنَ الصِّفاتِ السَّمْعِيَّةِ صِيغَةُ التَّعَجُّبِ قِياسًا عَلى ما في الآيَةِ، وقَدْ يُقالُ بِالوَقْفِ. يَنْبَغِي التَّأمُّلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهُمْ﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ في خَلْقِهِ: ﴿مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: يَتَوَلّى أُمُورَهُمْ: ﴿ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: قَضائِهِ: ﴿أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: مِن مُكَوِّناتِهِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ. بَلْ هو المُنْفَرِدُ بِالحُكْمِ والقَضاءِ فِيهِمْ، وتَدْبِيرِهِمْ وتَصْرِيفِهِمْ، فِيما شاءَ وأحَبَّ.
قالَ المَهايِمِيُّ: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عِلْمَهم بِهِمْ إمّا مِن قَبِيلِ الغَيْبِ، فَهو مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ. أوْ مِن قَبِيلِ المَسْمُوعِ، فَهو أسْمَعُ. أوْ مِن قَبِيلِ البَصَرِ، فَهو أبْصَرُ. انْتَهى. وهو لَطِيفٌ جِدًّا. وقَوْلُهُ تَعالى:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences