Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:27–38
18:27Page 296
وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا ٢٧
And recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book of your Lord. There is no changer of His words, and never will you find in other than Him a refuge.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧] ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ .
﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ أيْ: بِتَبْلِيغِ ما فِيهِ. ومِنهُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن نَبَأِ الفِتْيَةِ، فَإنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى اسْتِفْتاءٍ فِيهِ.
قالَ القاشانِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ. و(الكِتابُ) هو اللَّوْحُ الأوَّلُ المُشْتَمِلُ عَلى كُلِّ العُلُومِ الَّذِي مِنهُ أُوحِيَ إلى مَن أُوحِيَ إلَيْهِ، وأنْ تَكُونَ بَيانًا لِما أُوحِيَ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أيْ: لا مُغَيَّرَ لَها ولا مُحَرِّفَ ولا مُزِيلَ.
قالَ القاشانِيُّ: (كَلِماتُهُ) الَّتِي هي أُصُولُ التَّوْحِيدِ والعَدِّ وأنْواعِهِما.
وقَصْدُهُ دَفْعُ ما يَرِدُ مِن وُقُوعِ نَسْخِ بَعْضِ الشَّرائِعِ السّابِقَةِ بِاللّاحِقَةِ وتَبْدِيلِها بِها. فَأشارَ إلى أنَّ النَّسْخَ إنَّما هو في الفُرُوعِ لا الأُصُولُ.
والأظْهَرُ في مَعْنى الآيَةِ؛ أنَّهُ لا أحَدَ سِواهُ يُبَدِّلُ حُكْمَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] وأمّا هو سُبْحانَهُ فَهو فَعّالٌ لِما يُرِيدُ: ﴿ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أيْ: مَلْجَأً.
(p-٤٠٥٠)وذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مَذْهَبًا قالَ: يَقُولُ تَعالى لِنَبِيِّهِ واتَّبِعْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ هَذا، ولا تَتْرُكُنَّ تِلاوَتَهُ واتِّباعَ ما فِيهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ والعَمَلِ بِحَلالِهِ وحَرامِهِ. فَتَكُونُ مِنَ الهالِكِينَ. وذَلِكَ أنَّ مَصِيرَ مَن خالَفَهُ وتَرَكَ اتِّباعَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، إلى جَهَنَّمَ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ يَقُولُ لا مُغَيِّرَ لِما أوْعَدَ بِكَلِماتِهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلَيْكَ، أهْلَ مَعاصِيهِ والعامِلِينَ بِخِلافِ هَذا الكِتابِ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ يَقُولُ: وإنْ أنْتَ لَمْ تَتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ فَتَتْبَعُهُ وتَأْتَمُّ بِهِ، فَنالَكَ وعِيدُ اللَّهِ الَّذِي أوْعَدَ فِيهِ المُخالِفِينَ حُدُودَهُ، لَنْ تَجِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مَوْئِلًا تَئِلُ إلَيْهِ، ومَعْدِلًا تَعْدِلُ عَنْهُ إلَيْهِ. لِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ مُحِيطَةٌ بِكَ وبِجَمِيعِ خَلْقِهِ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنهم عَلى الهَرَبِ مِن أمْرٍ أرادَ بِهِ. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
لِهَؤُلاءِ الفِتْيَةِ أصْحابِ الكَهْفِ ذِكْرٌ في تَوارِيخِ المَسِيحِيِّينَ، وعِيدٌ سَنَوِيٌّ يُقامُ تِذْكارًا لَهُمْ، في اليَوْمِ السّابِعِ والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ تَمُوزَ. لِكَوْنِهِمُ اضْطُهِدُوا مِن قِبَلِ الأُمَراءِ اليُونانِيِّينَ، لِإيمانِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وحْدَهُ ودُخُولِهِمْ في المِلَّةِ المَسِيحِيَّةِ ورَفْضِهِمُ الوَثَنِيَّةَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها اليُونانُ. وقَدْ رَأيْتُ في كِتابِ (الكَنْزُ الثَّمِينُ في أخْبارِ القِدِّيسِينَ) تَرْجَمَةً عَنْ أحْوالِهِمْ واسِعَةً تَحْتَ عُنْوانِ (فِيما يَخُصُّ السَّبْعَةَ القِدِّيسِينَ الشُّهَداءَ الَّذِينَ مِن أُفْسَسَ ) نَقْتَطِفُ مِنها ما يَأْتِي، دَحْضًا لِدَعْوى مَن يَفْتَرِي أنَّ نَبَأهم لا يُعْرَفُ أصْلًا، كَما قَرَأْتُهُ في بَعْضِ كُتُبِ المُلْحِدِينَ.
قالَ صاحِبُ التَّرْجَمَةِ: هَؤُلاءِ الشُّهَداءُ السَّبْعَةُ كانُوا إخْوَةً بِالجَسَدِ. وأسْماؤُهُمْ: مِكْسَيَمَيانُوسُ ومالَخُوسُ. ومَرْتِينَيانُوسُ. ودِيُونِيسَيُوسُ. ويُوحَنّا. وسارابِيُونُ. ثُمَّ قُسْطَنْطِينُ. هَؤُلاءِ الشَّبابُ قَرَّبُوا حَياتَهم ضَحِيَّةً مِن أجْلِ المَسِيحِ، بِالقُرْبِ مِن مَدِينَةِ أفْسَسَ نَحْوَ سَنَةِ (٢٥٢) مَسِيحِيَّةً. في زَمَنِ الِاضْطِهادِ القاسِي الَّذِي صَنَعَهُ ضِدَّ المَسِيحِيِّينَ، المَلِكُ داكِيُوسُ.
(p-٤٠٥١)وقَدْ أجَلَّهُمُ المَسِيحِيُّونَ كَشُهَداءَ حَقِيقِيِّينَ. فَيُقامُ لَهم في الكَنائِسِ مَدائِحُ تُنْشَرُ فِيها صِفاتُهُمُ الفاضِلَةُ يَوْمَ اسْتِشْهادِهِمْ ثَمَّةَ، في اليَوْمِ الرّابِعِ مِن شَهْرِ آبَ، المُخْتَصِّ بِتِذْكارِ الأُعْجُوبَةِ الَّتِي بِواسِطَتِها قَدْ ظَهَرَتْ أجْسادُهُمُ المُقَدَّسَةُ في المَغارَةِ الغَرْبِيَّةِ مِن مَدِينَةِ أفْسِسَ.
ثُمَّ قالَ: وأمّا نَوْعُ اسْتِشْهادِهِمْ فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ. لِأنَّ أعْمالَهُمُ الجِهادِيَّةَ في سَبِيلِ الإيمانِ لَمْ تُوجَدْ مُدَوَّنَةً في التَّوارِيخِ الكَنائِسِيَّةِ المُدَقِّقَةِ. بَلْ إنَّ المُؤَكَّدَ عَنْهم أنَّ اسْتِشْهادَهم كانَ زَمَنَ المَلِكِ داكِيُوسَ، حِذاءَ مَدِينَةِ أفْسِسَ. حَيْثُ وُجِدَتْ فِيما بَعْدُ أجْسادُهم في مَغارَةٍ لَيْسَتْ بَعِيدَةً مِن أهْلِ هَذِهِ المَدِينَةِ.
ثُمَّ قالَ: فالبَعْضُ مِنَ الكَتَبَةِ الكَنائِسِيِّينَ يَرْتَؤُونَ بِأنَّهُ لَمّا اخْتَفى هَؤُلاءِ الفِتْيَةُ في تِلْكَ المَغارَةِ هَرَبًا مِن الِاضْطِهادِ، عُرِفَ أمْرُهم فَأُغْلِقَ عَلَيْهِمْ بابُ المَغارَةِ بِصُخُورٍ عَظِيمَةٍ. وهَكَذا ماتُوا فِيها. وغَيْرُهم يَرْوُونَ أنَّهم قُتِلُوا مِن أجْلِ الإيمانِ في مَدِينَةِ أفْسِسَ. وبَعْدَ مَوْتِهِمْ نُقِلَتْ أجْسادُهم ودُفِنَتْ في المَغارَةِ المَذْكُورَةِ. وآخَرُونَ يَظُنُّونَ أنَّهم حَبَسُوا أنْفُسَهم أحْياءً بِاخْتِبائِهِمْ في المَغارَةِ المَذْكُورَةِ، لِيَمُوتُوا بِرِضاهُمْ، هَرَبًا مِن خَطَرِ أنْواعِ العَذابِ القاسِيَةِ الَّتِي كانَ يَتَكَبَّدُها المَسِيحِيُّونَ في ذاكَ الِاضْطِهادِ الوَحْشِيِّ.
ثُمَّ قالَ: فَكَيْفَما كانَ نَوْعُ اسْتِشْهادِ هَؤُلاءِ السَّبْعَةِ، فَقَدْ تَحَقَّقَ أنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يُكْرِمَهم بِإظْهارِ أجْسادِهِمْ بِواسِطَةِ رُؤْيا سَماوِيَّةٍ. وذَلِكَ في ٤ آبَ سَنَةَ ٤٤٧ في زَمَنِ وِلايَةِ المَلِكِ (ثاوُضُوسِيُوشَ الصَّغِيرِ).
ثُمَّ قالَ: ودَرَجَ عَلى أفْواهِ الشُّعُوبِ؛ أنَّ هَؤُلاءِ الفِتْيَةَ، بَعْدَ أنْ أُغْلِقَ عَلَيْهِمْ بابُ المَغارَةِ بِأمْرِ داكِيُوسَ المَلِكِ، لَمْ يَمُوتُوا ضِمْنَها، لا مَوْتًا طَبِيعِيًّا ولا قَسْرِيًّا. بَلْ رَقَدُوا رُقادَ النَّوْمِ مُدَّةً، نَحْوَ مِائَتَيْ سَنَةٍ. ثُمَّ نَهَضُوا مِن نَوْمِهِمُ الطَّبِيعِيِّ سَنَةَ (٤٤٧).
ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ إلى تَأْوِيلِ ما رُوِيَ مِن رُقادِهِمُ الطَّوِيلِ، بِأنَّهُ لَمّا ظَهَرَتْ أجْسادُهم سالِمَةً مِنَ البِلى، بَعْدَ أنْ دُفِنُوا في ذَلِكَ الغارِ أحْياءً أوْ أمْواتًا، بِواسِطَةِ خارِقَةٍ ما، (p-٤٠٥٢)ونُقِلَتْ مِن مَدْفِنِهِمُ الَّذِي كانُوا فِيهِ، اعْتُبِرَتْ تِلْكَ الأجْسادُ كَأنَّها صُودِفَتْ مُسْتَيْقِظَةً مِن نَوْمٍ لَذِيذٍ كانَتْ راقِدَةً فِيهِ. إلّا أنَّ الَّذِي يُبْطِلُ هَذا التَّأْوِيلَ ما نَقَلَهُ بَعْدُ عَنِ القَنْداقِ، مِن أنَّهم نَهَضُوا بَعْدَ أنْ رَقَدُوا عِدَّةً مِنَ السِّنِينَ وانْتَصَرُوا عَلى ضَلالِ أُولَئِكَ الوَثَنِيِّينَ. وبِظُهُورِهِمْ كَذَلِكَ أيَّدُوا حَقِّيَّةَ إيمانِهِمْ ووَطَّدُوا المُؤْمِنِينَ في رَجاءِ القِيامَةِ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ.
هَذا ما اقْتَطَفْناهُ مِن كِتابِ (الكَنْزِ الثَّمِينِ) وبِهِ تَعْلَمُ ما لَدى أهْلِ الكِتابِ المَسِيحِيِّينَ مِن الِاخْتِلافِ فِيهِمُ، الَّذِي أشارَ لَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ. وقَدْ جاءَ في (تارِيخِ الكَنِيسَةِ): إنَّ أقْوالَ وأعْمالَ الشُّهَداءِ في المَسِيحِيَّةِ لَمْ يُنْقَلْ مِنها إلّا القَلِيلُ. لِأنَّ أكْثَرَها أُحْرِقَ بِالنّارِ مُدَّةَ العَشْرِ سَنَواتٍ. مِن سَنَةِ (٢٩٣ إلى ٣٠٣) وإنَّ مِنَ القَرْنِ الثّامِنِ فَصاعِدًا، اعْتَنى الرُّومُ واللّاتِيُّونُ بِجَمْعِ حَياةِ الشُّهَداءِ الأوَّلِينَ. غَيْرَ أنَّ الأكْثَرَ حَذاقَةً، حَتّى الَّذِينَ في حِضْنِ الكَنِيسَةِ الرُّومانِيَّةِ، يُسَلِّمُونَ الآنَ بِأنَّ أكْثَرَ الأخْبارِ أحادِيثُ مُلَفَّقَةٌ، غَرامًا بِالبَلاغَةِ. وجَداوِلُ القِدِّيسِينَ المُسَمّاةُ (أقْوالَ الشُّهَداءِ) لَيْسَتْ بِأكْثَرَ ثِقَةً. الَّتِي ألَّفَها أُناسٌ جُهَلاءُ غَيْرُ قادِرِينَ، أوْ دَخَلَها مُنْذُئِذٍ أكاذِيبُ. فَهَذا القِسْمُ مِن تارِيخِ الكَنِيسَةِ إذْ ذاكَ مُظْلِمٌ خالٍ مِنَ النُّورِ. انْتَهى كَلامُهُ بِالحَرْفِ.
وفِيهِ مَيْلٌ إلى النَّصَفَةِ مِن عَدَمِ الثِّقَةِ بِما لَدَيْهِمْ مِن هَذا الخِلافِ الَّذِي حَسَمَ مادَّتَهُ، واقْتَلَعَهُ مِن جُذُورِهِ، القُرْآنُ الكَرِيمُ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ "، الآيَةَ الآتِيَةَ، مُعْتَذِرًا عَمّا نَقَلَهُ، ما مِثالُهُ: رُوِيَ في هَذا آثارٌ كَثِيرَةٌ عَنِ السَّلَفِ. وغالِبُها مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ الَّتِي تُنْقَلُ لِيُنْظَرَ فِيها. واللَّهُ أعْلَمُ بِحالِ كَثِيرٍ مِنها. ومِنها ما قَدْ يَقْطَعُ بِكَذِبِهِ، لِمُخالَفَتِهِ لِلْحَقِّ الَّذِي بِأيْدِينا. وفي القُرْآنِ غَنِيَّةٌ عَنْ كُلِّ ما عَداهُ مِنَ الأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ. لِأنَّها لا تَكادُ تَخْلُو مِن تَبْدِيلٍ وزِيادَةٍ ونُقْصانٍ. وقَدْ وضَعَ فِيها أشْياءَ كَثِيرَةً. ولَيْسَ لَهم مِنَ الحُفّاظِ المُتْقِنِينَ الَّذِينَ يَنْفُونَ عَنْها (p-٤٠٥٣)تَحْرِيفَ الغالِينَ وانْتِحالَ المُبْطِلِينَ. كَما لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الأئِمَّةِ والعُلَماءِ، والسّادَةِ والأتْقِياءِ، والجَهابِذَةِ النُّقّادِ، والحُفّاظِ الَّذِي دَوَّنُوا الحَدِيثَ وحَرَّرُوهُ، وبَيَّنُوا صَحِيحَهُ مِن حُسْنِهِ ومُنْكَرِهِ ومَوْضُوعِهِ ومَتْرُوكِهِ. وعَرَفُوا الوَضّاعِينَ والكَذّابِينَ والمَجْهُولِينَ مِن أصْنافِ الرِّجالِ. كُلُّ ذَلِكَ صِيانَةً لِلْجَنابِ النَّبَوِيِّ والمَقامِ المُحَمَّدِيِّ خاتَمِ الرُّسُلِ وسَيِّدِ البَشَرِ، أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ كَذِبٌ أوْ يُحَدَّثُ عَنْهُ بِما لَيْسَ مِنهُ. فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وأرْضاهم. وجَعَلَ جَنّاتِ الفِرْدَوْسِ مَأْواهم. وقَدْ فَعَلَ. وقَوْلُهُ تَعالى:
18:28Page 297
وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨
And keep yourself patient [by being] with those who call upon their Lord in the morning and the evening, seeking His face [i.e., acceptance]. And let not your eyes pass beyond them, desiring adornments of the worldly life, and do not obey one whose heart We have made heedless of Our remembrance and who follows his desire and whose affair is ever [in] neglect.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨] ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ .
﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ أيِ: احْبِسْها وثَبِّتْها: ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ أيْ: مَعَ أصْحابِكَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَهُ سُبْحانَهُ طَرَفَيِ النَّهارِ، بِمُلازَمَةِ الصَّلاةِ فِيهِما: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ أيْ: ذاتَهُ طَلَبًا لِمَرْضاتِهِ وطاعَتِهِ، لا عَرَضًا مِن أعْراضِ الدُّنْيا: ﴿ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لا تُجاوِزْ نَظَرَكَ إلى غَيْرِهِمْ بِالإعْراضِ عَنْهُمْ: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: تَطْلُبُ مُجالَسَةَ الأشْرافِ والأغْنِياءِ تَألُّفًا لِقُلُوبِهِمْ: ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا أيْ: جَعَلْناهُ غافِلًا لِبُطْلانِ اسْتِعْدادِهِ لِلذِّكْرِ بِالمَرَّةِ. أوْ وجَدْناهُ غافِلًا عَنْهُ. وذَلِكَ لِئَلّا يُؤَدِيَكَ إلى الغَفْلَةِ عَنْهُ: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ أيْ: مَتْرُوكًا مُتَهاوَنًا بِهِ مُضَيَّعًا. أوْ نَدَمًا أوْ سَرَفًا. وفي التَّعْبِيرِ عَنِ المَأْمُورِ بِالصَّبْرِ مَعَهم والمَنهِيِّ عَنْ إطاعَتِهِمْ، بِالمَوْصُولِ، لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: «إنَّ قَوْمًا مِن أشْرافِ المُشْرِكِينَ رَأوُا النَّبِيَّ ﷺ جالِسًا مَعَ خَبّابٍ (p-٤٠٥٤)وصُهَيْبٍ وبِلالٍ. فَسَألُوهُ أنْ يُقِيمَهم عَنْهُ إذا حَضَرُوا. وفي رِوايَةِ ابْنِ زَيْدٍ: أنَّهم قالُوا لَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: إنّا نَسْتَحِي أنْ نُجالِسَ فُلانًا وفُلانًا وفُلانًا، فَجانِبْهم وجالِسْ أشْرافَ العَرَبِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾» ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ. فَقالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اطْرُدْ هَؤُلاءِ لا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنا. قالَ: وكُنْتُ أنا وابْنُ مَسْعُودٍ ورَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ وبِلالٌ ورَجُلانِ نَسِيتُ اسْمَيْهِما فَوَقَعَ في نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقَعَ. فَحَدَّثَ نَفْسَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ».
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ دُونَ البُخارِيِّ. وقَوْلُهُ تَعالى:
18:29Page 297
وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩
And say, "The truth is from your Lord, so whoever wills - let him believe; and whoever wills - let him disbelieve." Indeed, We have prepared for the wrongdoers a fire whose walls will surround them. And if they call for relief, they will be relieved with water like murky oil, which scalds [their] faces. Wretched is the drink, and evil is the resting place.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٩] ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ .
﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: جاءَ بِالحَقِّ وهو ما أُوحِيَ إلَيَّ مِنهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ إمّا مِن تَمامِ المَقُولِ المَأْمُورِ بِهِ، والفاءُ لِتَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، بِطَرِيقِ التَّهْدِيدِ. أيْ: عَقِيبَ تَحَقُّقِ أنَّ ما أُوحِيَ إلَيَّ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهِ، وأنَّ ذَلِكَ الحَقَّ مِن جِهَةِ رَبِّكم. فَمَن شاءَ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، فَلْيُؤْمِن كَسائِرِ المُؤْمِنِينَ. ولا يَتَعَلَّلُ بِما لا يَكادُ يَصْلُحُ لِلتَّعَلُّلِ. ومَن شاءَ أنْ يَكْفُرَ بِهِ فَلْيَفْعَلْ. وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ وإظْهارِ الِاسْتِغْناءِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وبِإيمانِهِمْ، وُجُودًا وعَدَمًا- ما لا يَخْفى. وإمّا تَهْدِيدٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، (p-٤٠٥٥)والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ التَّهْدِيدِ عَلى الأمْرِ. والمَعْنى: قُلْ لَهم ذَلِكَ. وبَعْدَ ذَلِكَ مَن شاءَ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ أوْ أنْ يُصَدِّقَكَ فِيهِ فَلْيُؤْمِن. ومَن شاءَ أنْ يَكْفُرَ بِهِ أوْ يُكَذِّبَكَ فِيهِ فَلْيَفْعَلْ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. وفي (العِنايَةِ): الأمْرُ والتَّخْيِيرُ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ. فَهو مَجازٌ عَنْ عَدَمِ المُبالاةِ والِاعْتِناءِ بِهِ. والأمْرُ بِالكُفْرِ غَيْرُ مُرادٍ. فَهو اسْتِعارَةٌ لِلْخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ، بِتَشْبِيهِ حالِ مَن هو كَذَلِكَ بِحالِ المَأْمُورِ بِالمُخالَفَةِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ عَدَمُ المُبالاةِ والِاعْتِناءِ بِهِ فِيهِما. وهَذا كَقَوْلِهِ: (أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةَ) وهَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ إلى طَرْدِ الفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ لِيُجالِسُوهُ ويَتَّبِعُوهُ. فَقِيلَ لَهُمْ: إيمانُكم إنَّما يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَيْكُمْ، فَلا نُبالِي بِهِ حَتّى نَطْرُدَهم لِذَلِكَ، بَعْدَ ما تَبَيَّنَ الحَقُّ وظَهَرَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وتَأْكِيدٌ لِلتَّهْدِيدِ وتَعْلِيلٌ لِما يُفِيدُهُ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ. أوْ لِما يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ التَّخْيِيرِ، مِن عَدَمِ المُبالاةِ بِكُفْرِهِمْ وقِلَّةِ الِاهْتِمامِ بِزَجْرِهِمْ عَنْهُ. فَإنَّ إعْدادَ جَزائِهِ مِن دَواعِي الإمْلاءِ والإمْهالِ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، هو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِما ذُكِرَ مِنَ التَّخْيِيرِ التَّهْدِيدِيِّ. أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: هَيَّأْنا لِلْكافِرِينَ بِالحَقِّ، بَعْدَ ما جاءَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِــ(الظّالِمِينَ) لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَشِيئَةَ الكُفْرِ واخْتِيارَهُ، تَجاوُزٌ عَنِ الحَدِّ ووَضْعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ أيْ: فُسْطاطُها. وهي الخَيْمَةُ. شَبَّهَ بِهِ ما يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ النّارِ. فَإنَّ انْتِشارَ لَهَبِ النّارِ في الجِهاتِ شَبِيهٌ بِالسُّرادِقِ. ويُطْلَقُ السُّرادِقُ عَلى الحَظِيرَةِ حَوْلَ الفُسْطاطِ لِلْمَنعِ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ. شَبَّهَ ما يُحِيطُ بِهِمْ مِن جَهَنَّمَ، بِها. يُقالُ بَيْتٌ مُسَرْدَقٌ، ذُو سُرادِقٍ: وإنْ يَسْتَغِيثُوا أيْ: مِنَ الظَّمَأِ لِاحْتِراقِ أفْئِدَتِهِمْ: يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ أيْ: كالحَدِيدِ المُذابِ وكَعَكِرِ الزَّيْتِ، وقالَ القاشانِيُّ: مِن جِنْسِ الغَسّاقِ والغِسْلِينَ، أيِ: المِياهُ المُتَعَفِّنَةُ الَّتِي تَسِيلُ مِن أبْدانِ أهْلِ النّارِ، مُسْوَدَّةٌ يُغاثُونَ بِها. أوْ غُسالاتُهُمُ القَذِرَةُ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧] ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ أيْ: إذا قُدِّمَ إلَيْهِ لِيَشْرَبَ، مِن فَرْطِ حَرارَتِهِ.
(p-٤٠٥٦)﴿وساءَتْ﴾ أيِ النّارُ: ﴿مُرْتَفَقًا﴾ أيْ: مُتَّكَأً. وأصْلُ الِارْتِفاقِ نَصْبُ المِرْفَقِ تَحْتَ الخَدِّ. وذِكْرُهُ لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١] وإلّا فَلا ارْتِفاقَ لِأهْلِ النّارِ ولا اتِّكاءَ. وقَدْ يَكُونُ تَهَكُّمًا، كَقَوْلِهِ:
؎إنِّي أرِقْتُ فَبِتُّ اللَّيْلَ مُرْتَفَقًا كَأنَّ عَيْنِيَّ فِيها الصّابُ مَذْبُوحُ
والصّابُ: شَجَرٌ مُرٌّ يَحْرِقُ ماؤُهُ العَيْنَ. ومَذْبُوحٌ: مَشْقُوقٌ. وفي كِتابِ (تَنْزِيلِ الآياتِ) في الصِّحاحِ: باتَ فُلانٌ مُرْتَفَقًا، أيْ: مُتَّكِئًا عَلى مِرْفَقِ يَدِهِ. وهو هَيْئَةُ المُتَحَزِّنِينَ المُتَحَسِّرِينَ. فَعَلى هَذا لا يَكُونُ مِنَ المُشاكَلَةِ ولا لِلتَّهَكُّمِ، بَلْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ. كَما يَكُونُ لِلتَّنَعُّمِ يَكُونُ لِلتَّحَزُّنِ. وتَعَقَّبُهُ في (العِنايَةِ) فَقالَ: وأمّا وضْعُ اليَدِ تَحْتَ الخَدِّ لِلتَّحَزُّنِ والتَّحَسُّرِ، فالظّاهِرُ أنَّ العَذابَ يَشْغَلُهم عَنْهُ. فَلا يَتَأتّى مِنهم حَتّى يَكُونَ هَذا حَقِيقَةً لا مُشاكَلَةً، فَلِذا لَمْ يُعَرِّجُوا عَلَيْهِ. ثُمَّ عَلَّلَ الحَثَّ عَلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِنَ التَّخْيِيرِ المُتَقَدِّمِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
18:30–31Page 297
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - indeed, We will not allow to be lost the reward of any who did well in deeds.
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا ٣١
Those will have gardens of perpetual residence; beneath them rivers will flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and will wear green garments of fine silk and brocade, reclining therein on adorned couches. Excellent is the reward, and good is the resting place.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ [٣١] ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١] .
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ (p-٤٠٥٧)ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ﴾ [الكهف: ٣١] وهو ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ: ﴿وإسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] وهو ما كَثَفَ مِنهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ [الكهف: ٣١] أيِ: السُّرُرِ عَلى هَيْئَةِ المُتَنَعِّمِينَ: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ﴾ [الكهف: ٣١] أيِ: الجَنّاتُ المَذْكُورَةُ: ﴿وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١] أيْ: مُتَّكَأً. وقِيلَ المُرْتَفِقُ المَنزِلُ والمُسْتَقَرُّ، لِآيَةِ: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] وآيَةِ ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٧٦]
18:32Page 297
۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢
And present to them an example of two men: We granted to one of them two gardens of grapevines, and We bordered them with palm trees and placed between them [fields of] crops.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢] ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ .
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا﴾ أيْ: لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ: ﴿رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ وهي أعَزُّ ما يُؤْثِرُهُ أُولَئِكَ في تَأْزِيرِ كَرُومِهِمْ بِالأشْجارِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، أوْ بَيْنَ النَّخِيلِ والأعْنابِ: ﴿زَرْعًا﴾ أيْ: فَحَصَلَ مِنهُما الفَواكِهُ والأقْواتُ، فَكانَتا مَنشَأ الثَّرْوَةِ والجاهِ.
18:33Page 297
كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣
Each of the two gardens produced its fruit and did not fall short thereof in anything. And We caused to gush forth within them a river.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣] ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ .
﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أيْ: ثَمَرَها كامِلَةً: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ﴾ أيْ: لَمْ تَنْقُصْ: ﴿مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما﴾ أيْ: فِيما بَيْنَهُما: ﴿نَهَرًا﴾ أيْ: يَسْقِي الأشْجارَ والزُّرُوعَ، ويَزِيدُ في بَهْجَةِ مَرْآهِما، تَتْمِيمًا لِحُسْنِهِما.
18:34Page 297
وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤
And he had fruit, so he said to his companion while he was conversing with him, "I am greater than you in wealth and mightier in [numbers of] men."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤] ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ .
﴿وكانَ لَهُ﴾ أيْ: لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ: ﴿ثَمَرٌ﴾ أيْ: أنْواعٌ مِنَ المالِ غَيْرُ الجَنَّتَيْنِ. مِن (p-٤٠٥٨)(ثَمَّرَ مالَهُ) إذا كَثَّرَهُ: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ﴾ أيْ: يُراجِعُهُ الكَلامَ، تَعْيِيرًا لَهُ بِالفَقْرِ، وفَخْرًا عَلَيْهِ بِالمالِ والجاهِ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ أيْ: أنْصارًا وحَشَمًا.
18:35Page 298
وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ٣٥
And he entered his garden while he was unjust to himself.1 He said, "I do not think that this will perish - ever.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥] ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ .
﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ أيْ: بِصاحِبِهِ يَطُوفُ بِهِ فِيها ويُفاخِرُهُ بِها. كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ ومُحاوَرَتُهُ لَهُ. وإفْرادُ الجَنَّةِ هُنا مَعَ أنَّ لَهُ جَنَّتَيْنِ كَما مَرَّ، إمّا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِتَعَدُّدِها، وإمّا لِاتِّصالِ إحْداهُما بِالأُخْرى، وإمّا لِأنَّ الدُّخُولَ يَكُونُ في واحِدَةٍ فَواحِدَةٍ. قِيلَ: الإضافَةُ تَأْتِي لِمَعْنى اللّامِ. فالمُرادُ بِها العُمُومُ والِاسْتِغْراقُ. أيْ: كُلُّ ما هو جَنَّةٌ لَهُ يَتَمَتَّعُ بِها. فَيُفِيدُ ما أفادَتْهُ التَّثْنِيَةُ مَعَ زِيادَةٍ. وهي الإشارَةُ إلى أنَّهُ لا جَنَّةَ لَهُ غَيْرَ هَذِهِ: ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أيْ: بِما يُوجِبُ سَلْبَ النِّعْمَةِ، وهو الكُفْرُ والعَجَبُ. وفي (العِنايَةِ) ظُلْمُهُ لَها إمّا بِمَعْنى تَنْقِيصِها وضَرَرِها، لِتَعْرِيضِ نِعْمَتِهِ لِلزَّوالِ ونَفْسِهِ لِلْهَلاكِ، أوْ بِمَعْنى وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. لِأنَّ مُقْتَضى ما شاهَدَهُ التَّواضُعُ المُبْكِي، لا العَجَبُ بِها وظَنُّها أنَّها لا تَبِيدُ أبَدًا. والكُفْرُ بِإنْكارِ البَعْثِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ﴾ أيْ: تَهْلَكُ وتَفْنى: ﴿هَذِهِ﴾ أيِ: الجَنَّةُ: ﴿أبَدًا﴾ لِاعْتِقادِهِ أبَدِيَّةَ الدَّهْرِ، وأنْ لا كَوْنَ سِوى ما تَقَعُ عَلَيْهِ مَشاعِرُهُ. ولِذا قالَ:
18:36Page 298
وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦
And I do not think the Hour will occur. And even if I should be brought back to my Lord, I will surely find better than this as a return."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦] ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ .
﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أيْ: كائِنَةً، وقَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ إقْسامٌ مِنهُ عَلى أنَّهُ، إنَّ رُدَّ إلى رَبِّهِ، عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، كَما يَزْعُمُ صاحِبُهُ، لَيَجِدَنَّ في الآخِرَةِ خَيْرًا مِن جَنَّتِهِ في الدُّنْيا، تَطَمُّعًا وتَمَنِّيًا عَلى اللَّهِ، وادِّعاءً لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ ومَكانَتِهِ عِنْدَهُ. وإنَّهُ ما أوْلاهُ الجَنَّتَيْنِ إلّا لِاسْتِحْقاقِهِ واسْتِئْهالِهِ. (p-٤٠٥٩)وأنَّ مَعَهُ هَذا الِاسْتِحْقاقَ أيْنَما تَوَجَّهَ. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] ﴿لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] و: ﴿مُنْقَلَبًا﴾ أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ المَهايِمِيُّ: فَكَفَرَ بِالقَوْلِ بِقِدَمِ العالَمِ ونَفْيِ حَشْرِ الأجْسادِ واعْتَقَدَ عَكْسَ الجَزاءِ إذْ قالَ: ﴿لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ والقَوْلُ بِقِدَمِ العالَمِ يَنْفِي اخْتِيارَ الصّانِعِ وإرادَتَهُ. وبِإنْكارِ حَشْرِ الأجْسادِ يَنْفِي قُدْرَتَهُ عَلى الإعادَةِ. وبِعَكْسِ الجَزاءِ يَنْفِي الحِكْمَةَ الإلَهِيَّةَ.
18:37Page 298
قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا ٣٧
His companion said to him while he was conversing with him, "Have you disbelieved in He who created you from dust and then from a sperm-drop and then proportioned you [as] a man?
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما أجابَهُ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ واعِظًا لَهُ، وزاجِرًا عَمّا هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ والِاغْتِرارِ، بِقَوْلِهِ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٧] ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ .
﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ أيِ: الَّذِي عَيَّرَهُ بِالفَقْرِ، تَعْيِيرًا لَهُ عَلى كُفْرِهِ: ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ أيْ: يُراجِعُهُ كَلامَ التَّعْيِيرِ عَلى الكُفْرِ، مُحاوَرَتَهُ كَلامَ التَّعْيِيرِ عَلى الفَقْرِ، في ضِمْنِ النُّكْرِ عَلَيْهِ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ: يَجْعَلُ التُّرابَ نَباتًا ثُمَّ جَعَلَهُ غِذاءً يَتَوَلَّدُ مِنهُ النُّطْفَةُ: ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ أيْ: عَدَّلَكَ وكَمَّلَكَ إنْسانًا ذَكَرًا بالِغًا مَبْلَغَ الرِّجالِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعْبِيرُ عَنْهُ تَعالى بِالمَوْصُولِ، لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، لِإنْكارِ الكُفْرِ. والتَّلْوِيحِ بِدَلِيلِ البَعْثِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى عَزَّ مَن قائِلٌ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥] وكَما قالَ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: كَيْفَ تَجْحَدُونَ رَبَّكُمْ، ودَلالَتُهُ عَلَيْكم ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ، كُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُها مِن نَفْسِهِ. فَإنَّهُ ما مِن أحَدٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ إلّا ويَعْلَمُ أنَّهُ كانَ مَعْدُومًا ثُمَّ وُجِدَ. ولَيْسَ وُجُودُهُ مِن نَفْسِهِ ولا مُسْتَنِدًا إلى شَيْءٍ. (p-٤٠٦٠)مِنَ المَخْلُوقاتِ، لِأنَّهُ بِمَثابَتِهِ. فَعَلِمَ إسْنادَ إيجادِهِ إلى خالِقِهِ، وهو اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ. ولِهَذا قالَ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ:
18:38Page 298
لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٣٨
But as for me, He is Allāh, my Lord, and I do not associate with my Lord anyone.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨] ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ .
﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ أيْ: لَكِنَّ أنا لا أقُولُ بِمَقالَتِكَ، بَلْ أعْتَرِفُ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ. ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا مَعَهُ مِنَ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ((لَكِنّا) بِإثْباتِ الألِفِ وصْلًا ووَقْفًا. الباقُونَ بِحَذْفِها وصْلًا، وبِإثْباتِها وقْفًا، فالوَقْفُ وِفاقٌ. وأصْلُهُ لَكِنَّ أنا. وقُرِئَ كَذَلِكَ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ ثُمَّ أُدْغِمَتِ النُّونُ في مِثْلِها فَصارَ (لَكِنَّ) ثُمَّ ألْحَقَ الألِفَ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. لِأنَّ الوَقْفَ عَلى (أنا) بِالألِفِ، ولِأنَّ الألِفَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ (لَكِنَّ أنا) وبِغَيْرِها يَلْزَمُ الإلْباسُ بَيْنَهُ وبَيْنَ (لَكِنَّ) المُشَدِّدَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَحْوَهُ قَوْلُ القائِلِ:
؎وتَرْمِينَنِي بِالطَّرَفِ أيْ: أنْتَ مُذْنِبٌ وتُقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكِ لا أقْلِي
أيْ لَكِنَّ أنا لا أقْلِيكِ. ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ولَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرابَتِي ∗∗∗ ولَكِنَّ زَنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافِرِ
أيْ ولَكِنَّكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences