Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:55–81
18:55Page 300
وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ قُبُلٗا ٥٥
And nothing has prevented the people from believing when guidance came to them and from asking forgiveness of their Lord except that there [must] befall them the [accustomed] precedent of the former peoples1 or that the punishment should come [directly] before them.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٥] ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلا﴾ .
﴿وما مَنَعَ النّاسَ﴾ أيْ: أهْلَ مَكَّةَ الَّذِينَ حُكِيَتْ أباطِيلُهم وكُلَّ مَن شاكَلَهُمْ: ﴿أنْ يُؤْمِنُوا﴾ أيْ: مِن أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ تَعالى ويَتْرُكُوا الشِّرْكَ: ﴿إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ أيِ: القُرْآنُ والحَقُّ الواضِحُ النَّيِّرُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيْ: عَنِ المَعاصِي السّالِفَةِ: ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: طَلَبُ إتْيانِها، أوِ انْتِظارُ إتْيانِها، وهي عَذابُ الِاسْتِئْصالِ: ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلا﴾ أيْ: يَرَوْنَهُ عَيانًا ومُواجَهَةً، وهو عَذابُ الآخِرَةِ. أوْ أعَمُّ. والقُبُلُ بِضَمَّتَيْنِ بِمَعْنى العِيانِ كَما في قِراءَةِ (قِبَلًا) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ. أوْ (قُبُلًا) بِمَعْنى: أنْواعًا مُتَنَوِّعَةً جَمْعُ (قُبَيْلٍ) وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ أيْ: مُسْتَقْبَلًا. وقَوْلُهُ تَعالى:
18:56Page 300
وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا ٥٦
And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. And those who disbelieve dispute by [using] falsehood to [attempt to] invalidate thereby the truth and have taken My verses, and that of which they are warned, in ridicule.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٦] ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا (p-٤٠٧٤)بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ .
﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ أيْ: وما نُرْسِلُهُمْ، قَبْلَ إنْزالِ العَذابِ، إلّا لِتُبَشِّرَ مَن آمَنَ بِالزُّلْفى والكَرامَةِ، وإنْذارِ مَن كَفَرَ بِأنْ تَأْتِيَهُ سُنَّةُ مَن مَضى: ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ كاقْتِراحِ الآياتِ: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ: لِيُزِيلُوا بِالجِدالِ، الحَقَّ الثّابِتَ عَنْ مَقَرِّهِ. ولَيْسَ ذَلِكَ بِحاصِلٍ لَهم. وأصْلُ الإدْحاضِ: إزْلاقُ القَدَمِ وإزالَتُها عَنْ مَوْطِئِها. فاسْتُعِيرَ مِن زَلَلِ القَدَمِ المَحْسُوسِ، لِإزالَةِ الحَقِّ المَعْقُولِ.
قالَ الشِّهابُ ولَكَ أنْ تَقُولَ: فِيهِ تَشْبِيهُ كَلامِهِمْ بِالوَحْلِ المُسْتَكْرَهِ. ثُمَّ أنْشَدَ لِنَفْسِهِ:
؎أتانا بِوَحْلٍ لِإنْكارِهِ لِيُزْلِقَ أقْدامَ هَذِي الحُجَجْ
﴿واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا﴾ أيْ: وإنْذارُهم. أوْ والَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ مِنَ العِقابِ: هُزُوًا أيِ: اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً وهو أشَدُّ التَّكْذِيبِ. وُصِفَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً.
18:57Page 300
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُۚ إِنَّا جَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۖ وَإِن تَدۡعُهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ فَلَن يَهۡتَدُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٥٧
And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord but turns away from them and forgets what his hands have put forth? Indeed, We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if you invite them to guidance - they will never be guided, then - ever.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٧] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ .
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها﴾ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ تَدَبُّرِها والِاتِّعاظِ بِها، بِأبْلَغِ أُسْلُوبٍ: ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ أيْ: ما عَمِلَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وصَرَفَ ما أنْعَمَ بِهِ، إلى غَيْرِ ما خُلِقَتْ لَهُ، فَلَمْ يَتَفَكَّرْ في عاقِبَةِ ذَلِكَ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: جَعَلْنا عَلَيْها حُجُبًا وأغْطِيَةً كَثِيرَةً، كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ، أيْ: يَقِفُوا عَلى كُنْهِ ما خُلِقَتِ النِّعَمُ مِن أجْلِهِ: ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا فِيها ثِقَلًا يَمْنَعُهم مِنِ (p-٤٠٧٥)اسْتِماعِهِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِإعْراضِهِمْ ونِسْيانِهِمْ، بِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ. وذَلِكَ لِإيثارِهِمُ الضَّلالَ عَلى الهُدى كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]
﴿وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ أيْ: فَلا يَكُونُ مِنهُمُ اهْتِداءٌ البَتَّةَ.
18:58Page 300
وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا ٥٨
And your Lord is the Forgiving, the possessor of mercy. If He were to impose blame upon them for what they earned, He would have hastened for them the punishment. Rather, for them is an appointment from which they will never find an escape.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٨] ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا﴾ .
﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا﴾ الآياتُ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] و: " رَبُّكَ " مُبْتَدَأٌ و: ﴿الغَفُورُ﴾ خَبَرُهُ وتَقْدِيمُ الوَصْفِ بِالمَغْفِرَةِ عَلى الرَّحْمَةِ، لِأنَّهُ أهَمُّ بِحَسَبِ الحالِ. إذِ المَقامُ مَقامُ بَيانِ تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ عَنْهُمْ، بَعْدَ اسْتِيجابِهِمْ لَها. كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا﴾ والمَوْعِدُ المَذْكُورُ هو يَوْمُ بَدْرٍ. أوِ الفَتْحُ المُشارُ إلَيْهِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ. أوْ يَوْمُ القِيامَةِ. والكُلُّ لاحِقٌ بِهِمْ. و(المَوْئِلُ) المَلْجَأُ والمَنجى. أيْ: لَيْسَ لَهم عَنْهُ مَحِيصٌ ولا مَفَرٌّ. وقَوْلُهُ تَعالى:
18:59Page 300
وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا ٥٩
And those cities - We destroyed them when they wronged, and We made for their destruction an appointed time.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٩] ﴿وتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ .
﴿وتِلْكَ القُرى﴾ أيْ: قُرى عادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ: ﴿أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا﴾ (p-٤٠٧٦)بِالكُفْرِ والطُّغْيانِ: ﴿وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أيْ: وقْتًا مُعَيَّنًا لا مَحِيدَ لَهم عَنْهُ. وهَذا اسْتِشْهادٌ عَلى ما فَعَلَ بِقُرَيْشٍ مِن تَعْيِينِ المَوْعِدِ، لِيَتَنَبَّهُوا لِذَلِكَ، ولا يَغْتَرُّوا بِتَأخُّرِ العَذابِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى نَبَأِ مُوسى مَعَ الخِضْرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، ذَلِكَ النَّبَأُ الَّذِي تَضَمَّنَ مِنَ الفَوائِدِ والحِكَمِ وأعْلامِ النُّبُوَّةِ، ما لا يَخْفى عَلى مُتَبَصِّرٍ. كَما سَتَقِفُ عَلى شَذَراتٍ مِن ذَلِكَ. فَقالَ سُبْحانَهُ:
18:60Page 300
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا ٦٠
And [mention] when Moses said to his boy [i.e., servant], "I will not cease [traveling] until I reach the junction of the two seas or continue for a long period."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٠] ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ .
﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ أيِ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِ مُوسى لِفَتاهُ، لا أبْرَحُ، أيْ: لا أزالُ أسِيرُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ. أيِ: المَكانَ الَّذِي فِيهِ مُلْتَقى البَحْرَيْنِ. فَأجِدُ فِيهِ الخِضْرَ. أوْ أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا إنْ لَمْ أجِدْهُ ثَمَّةَ، فَأتَيَقَّنُ فَواتَ المَطْلَبِ.
قالَ المَهايِمِيُّ: أيِ: اذْكُرْ لِلَّذِينِ إنْ تَدَعْهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا، لِتَكَبُّرِهِمْ عَلَيْكَ، إنَّكم لَسْتُمْ بِأعْلَمَ مِن مُوسى ولا أرْشَدَ مِنهُ. ولَسْتَ أقَلَّ مِنَ الخِضْرِ في الهِدايَةِ بَلْ أعْظَمُ. لِأنَّها هِدايَةٌ في الظّاهِرِ والباطِنِ. وهِدايَةُ الخِضْرِ إنَّما هي في الباطِنِ. ولا تَحْتاجُونَ في تَحْصِيلِهِ إلى تَحَمُّلِ المَشاقِّ، واحْتاجَ إلَيْهِ مُوسى. و(الفَتى) الشّابُّ. قالَ الشِّهابُ: العَرَبُ تُسَمِّي الخادِمَ فَتًى، لِأنَّ الغالِبَ اسْتِخْدامُ مَن هو في سِنِّ الفُتُوَّةِ، وكانَ يُوشِعُ خادِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومُحِبًّا لَهُ، وذا غَيْرَةٍ عَلى كَرامَتِهِ. ولِذَلِكَ اخْتَصَّهُ مُوسى رَفِيقًا لَهُ وخادِمًا. وصارَ خَلِيفَةً مِن بَعْدِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. وفَتَحَ عَلَيْهِ تَعالى بَيْتَ المَقْدِسِ ونَصَرَهُ عَلى الجَبّارِينَ.
18:61Page 300
فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَيۡنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ سَرَبٗا ٦١
But when they reached the junction between them, they forgot their fish, and it took its course into the sea, slipping away.
وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٤٠٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦١] ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ .
﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ أيِ: البَحْرَيْنِ: ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ أيْ: خَبَرَ حُوتِهِما، وتَفَقَّدَ أمْرَهُ، وكانا تَزَوَّداهُ.
﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ أيْ: طَرِيقَهُ: ﴿فِي البَحْرِ سَرَبًا﴾ أيْ: مِثْلَ السِّرْبِ في الأرْضِ، واضِحُ المَسْلَكِ، مُعْجِزَةٌ جُعِلَتْ عَلامَةً لِلْمَطْلُوبِ.
18:62Page 301
فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا ٦٢
So when they had passed beyond it, [Moses] said to his boy, "Bring us our morning meal. We have certainly suffered in this, our journey, [much] fatigue."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٢] ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ .
﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ أيْ: مَجْمَعَ بَيْنِهِما، وهو المَكانُ الَّذِي نَسِيا فِيهِ الحُوتَ: ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا﴾ أيْ: ما نَتَغَدّى بِهِ: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ أيْ: تَعَبًا ومَشَقَّةً.
18:63Page 301
قَالَ أَرَءَيۡتَ إِذۡ أَوَيۡنَآ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا ٦٣
He said, "Did you see when we retired to the rock? Indeed, I forgot [there] the fish. And none made me forget it except Satan - that I should mention it. And it took its course into the sea amazingly."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٣] ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ .
﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ أيْ: خَبَرَ الحُوتِ. وإسْنادُ النِّسْيانِ إلَيْهِما، أوَّلًا، إمّا بِمَعْنى نِسْيانِ طَلَبِهِ، والذُّهُولِ عَنْ تَفَقُّدِهِ، لِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ. وإمّا لِلتَّغْلِيبِ، بِناءً عَلى أنَّ النّاسِيَ إنَّما كانَ يُوشِعَ وحْدَهُ. فَإنَّهُ نَسِيَ أنْ يُخْبِرَ مُوسى بِشَأْنِهِ العَجِيبِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المالِحِ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ أيْ: لَكَ. و(أنْ أذْكُرَهُ) بَدَلٌ مِنَ الهاءِ في (أنْسانِيهِ) أيْ: وما أنْسانِي ذِكْرَهُ إلّا الشَّيْطانُ. وقَدْ قَرَأ حَفْصٌ بِضَمِّ الهاءِ مِن غَيْرِ صِلَةٍ وصْلًا، (p-٤٠٧٨)والباقُونَ بِكَسْرِها: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ أيْ: أمْرًا عَجِيبًا، إذْ صارَ الماءُ عَلَيْهِ سَرَبًا.
18:64Page 301
قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا ٦٤
[Moses] said, "That is what we were seeking." So they returned, following their footprints.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٤] ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ .
﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: المَكانُ الَّذِي اتَّخَذَ فِيهِ سَبِيلَهُ هَرَبًا: ﴿ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ: نَطْلُبُ فِيهِ الخِضْرَ. لِأنَّهُ أمارَةُ المَطْلُوبِ. وقُرِئَ في السَّبْعِ بِإثْباتِ الياءِ بَعْدَ الغَيْنِ، وصْلًا لا وقْفًا. وبِإثْباتِها في الحالَيْنِ. وبِحَذْفِها كَذَلِكَ: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما﴾ أيْ: رَجَعا ماشِيَيْنِ عَلى آثارِ أقْدامِهِما يَتْبَعانِها: ﴿قَصَصًا﴾ أيِ: اتِّباعًا لِئَلّا يَفُوتَهُما المَوْضِعُ ثانِيًا.
18:65Page 301
فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا ٦٥
And they found a servant from among Our servants [i.e., al-Khiḍr] to whom We had given mercy from Us and had taught him from Us a [certain] knowledge.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٥] ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ .
﴿فَوَجَدا﴾ أيْ: فَأتَيا المَوْضِعَ المَنسِيَّ فِيهِ الحُوتُ، فَوَجَدا: ﴿عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ التَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، والإضافَةُ فِيهِ لِلتَّشْرِيفِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الخِضْرُ. وسَنَتَكَلَّمُ عَلى جُمْلَةٍ مِن نَبَئِهِ، بِعَوْنِهِ تَعالى، بَعْدَ تَمامِ القِصَّةِ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ أيْ: آتَيْناهُ رَحْمَةً لَدُنِّيَّةً، اخْتَصَصْناهُ بِها: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ أيْ: عِلْمًا جَلِيلًا آثَرْناهُ. وهو عِلْمٌ لَدُنِّيٌّ يَكُونُ بِتَأْيِيدٍ رَبّانِيٍّ. وسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى العِلْمَ اللَّدُنِّيَّ في آخِرِ هَذا النَّبَأِ.
18:66Page 301
قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا ٦٦
Moses said to him, "May I follow you on [the condition] that you teach me from what you have been taught of sound judgement?"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٦] ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ .
﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ أيْ: أصْحَبُكَ: ﴿عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ﴾ أيْ: مِن لَدُنْ رَبِّكَ: ﴿رُشْدًا﴾ أيْ: عِلْمًا ذا رُشْدٍ. أيْ: هُدًى وإصابَةَ خَيْرٍ.
قالَ القاضِي: وقَدْ راعى في ذَلِكَ غايَةَ التَّواضُعِ والأدَبِ. فاسْتَجْهَلَ نَفْسَهُ، واسْتَأْذَنَ (p-٤٠٧٩)أنْ يَكُونَ تابِعًا لَهُ، وسَألَ مِنهُ أنْ يُرْشِدَهُ ويُنْعِمَ عَلَيْهِ، بِتَعْلِيمِ بَعْضِ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ. أيْ: وهَكَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ سُؤالُ المُتَعَلِّمِ مِنَ العالِمِ.
18:67–68Page 301
قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٦٧
He said, "Indeed, with me you will never be able to have patience.
وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا ٦٨
And how can you have patience for what you do not encompass in knowledge?"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٧ - ٦٨] ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨] .
﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ثُمَّ عَلَّلَ مُعْتَذِرًا بِقَوْلِهِ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨] أيْ: مِن أُمُورٍ سَتَراها. إنْ صَحِبْتَنِي، ظَواهِرُها مَناكِيرُ وبَواطِنُها لَمْ يُحِطْ بِها خَبَرُكَ.
18:69Page 301
قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا ٦٩
[Moses] said, "You will find me, if Allāh wills, patient, and I will not disobey you in [any] order."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٩] ﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ .
﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ أيْ: لا أُخالِفُكَ في شَيْءٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَجا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِحِرْصِهِ عَلى العِلْمِ وازْدِيادِهِ، أنْ يَسْتَطِيعَ مَعَهُ صَبْرًا، بَعْدَ إفْصاحِ الخِضْرِ عَنْ حَقِيقَةِ الأمْرِ. فَوَعَدَهُ بِالصَّبْرِ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ. عِلْمًا مِنهُ بِشِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَتِهِ، وإنَّ الحَمِيَّةَ الَّتِي تَأْخُذُ المُصْلِحَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الفَسادِ شَيْءٌ لا يُطاقُ. هَذا مَعَ عِلْمِهِ أنَّ النَّبِيَّ المَعْصُومَ، الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِالمُسافَرَةِ إلَيْهِ واتِّباعِهِ واقْتِباسِهِ العِلْمَ مِنهُ، بَرِيءٌ مِن أنْ يُباشِرَ ما فِيهِ غَمِيزَةٌ في الدِّينِ. وأنَّهُ لا بُدَّ، لِما يَسْتَسْمِجُ ظاهِرُهُ، مِن باطِنٍ حَسَنٍ جَمِيلٍ. فَكَيْفَ إذا لَمْ يَعْلَمِ؟ انْتَهى.
18:70Page 301
قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا ٧٠
He said, "Then if you follow me, do not ask me about anything until I make to you about it mention [i.e., explanation]."
(p-٤٠٨٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٠] ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ .
﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: لا تُفاتِحْنِي بِالسُّؤالِ عَنْ شَيْءٍ أنْكَرْتَهُ مِنِّي، ولَمْ تَعْلَمْ وجْهَ صِحَّتِهِ، حَتّى أبْتَدِئَكَ بِبَيانِهِ. وهَذا مِن آدابِ المُتَعَلِّمِ مَعَ العالِمِ والمَتْبُوعِ مَعَ التّابِعِ.
18:71Page 301
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا ٧١
So they set out, until when they had embarked on the ship, he [i.e., al-Khiḍr] tore it open. [Moses] said, "Have you torn it open to drown its people? You have certainly done a grave thing."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧١] ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ .
﴿فانْطَلَقا﴾ أيْ: عَلى ساحِلِ البَحْرِ يَطْلُبانِ سَفِينَةً: ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: عَظِيمًا مِن إتْلافِ السَّفِينَةِ وقَتْلِ الجَماعَةِ الكَثِيرَةِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، وكُفْرانِ نِعْمَةِ الحَمْلِ بِغَيْرِ نَوْلٍ.
18:72Page 301
قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٢
[Al-Khiḍr] said, "Did I not say that with me you would never be able to have patience?"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٢] ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ .
﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ذَكَّرَهُ الخِضْرُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الشَّرْطِ.
يَعْنِي هَذا الصَّنِيعُ فَعَلْتُهُ قَصْدًا. وهو مِنَ الأُمُورِ الَّتِي اشْتَرَطْتُ مَعَكَ أنْ لا تُنْكِرَ عَلَيَّ فِيها. لِأنَّكَ لَمْ تُحِطْ بِها خَبَرًا إذْ لَها سِرٌّ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ.
18:73Page 301
قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا ٧٣
[Moses] said, "Do not blame me for what I forgot and do not overwhelm me in my matter with difficulty."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٣] ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ .
﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ مِنَ الشَّرْطِ. فَإنَّ المُؤاخَذَةَ بِهِ تُفْضِي (p-٤٠٨١)إلى العُسْرِ. والمُرادُ التِماسُ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ لِقِيامِ المانِعِ وهو النِّسْيانُ: ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ أيْ: لا تَحْمِلْ عَلَيَّ مِن أمْرِي، في تَحْصِيلِ العِلْمِ مِنكَ، عُسْرًا، لِئَلّا يُلْجِئَنِي إلى تَرْكِهِ. أيْ: لا تُعَسِّرْ عَلَيَّ مُتابَعَتَكَ، بَلْ يَسِّرْها عَلَيَّ، بِالإغْضاءِ وتَرْكِ المُناقَشَةِ.
18:74Page 301
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا ٧٤
So they set out, until when they met a boy, he [i.e., al-Khiḍr] killed him. [Moses] said, "Have you killed a pure soul for other than [having killed] a soul? You have certainly done a deplorable thing."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٤] ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ .
﴿فانْطَلَقا﴾ أيْ: بَعْدَ أنْ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ إلى السّاحِلِ: ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أيْ: أنَّها لَمْ تَقْتُلْ نَفْسًا فَتُقْتَلُ. بَلْ هي زَكِيَّةٌ طاهِرَةٌ مِن مُوجِباتِ القَتْلِ: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا أيْ: مُنْكَرًا. أوْ أُنْكِرَ مِنَ الأوَّلِ. لِأنَّ ذَلِكَ كانَ خَرْقًا يُمْكِنُ تَدارُكُهُ بِالسَّدِّ، وهَذا لا سَبِيلَ إلى تَدارُكِهِ بِوَجْهٍ ما.
18:75Page 302
۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٥
[Al-Khiḍr] said, "Did I not tell you that with me you would never be able to have patience?"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٥] ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ .
﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ تَأْكِيدٌ في التِّذْكارِ بِالشَّرْطِ الأوَّلِ. ونُكْتَةٌ زِيادَةٌ: لَكَ هو -كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: زِيادَةُ المُكافَحَةِ بِالعِتابِ عَلى رَفْضِ الوَصِيَّةِ، والوَسْمِ بِقِلَّةِ الصَّبْرِ عِنْدَ الكَرَّةِ الثّانِيَةِ. كَما لَوْ أتى إنْسانٌ بِما نَهَيْتُهُ عَنْهُ، فَلُمْتَهُ وعَنَّفْتَهُ، ثُمَّ أتى بِهِ مَرَّةً أُخْرى فَإنَّكَ تَزِيدُ في تَعْنِيفِهِ. قالَ في (المَثَلِ السّائِرِ): وهَذا مَوْضِعٌ تَدُقُّ عَنِ العُثُورِ عَلَيْهِ مُبادَرَةُ النَّظَرِ.
18:76Page 302
قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا ٧٦
[Moses] said, "If I should ask you about anything after this, then do not keep me as a companion. You have obtained from me an excuse."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٦] ﴿قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ .
﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ: ﴿فَلا تُصاحِبْنِي (p-٤٠٨٢)قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ أيْ وجَدْتَ مِن جِهَتِي عُذْرًا. إذْ أعْذَرْتَ إلَيَّ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَخالَفْتُكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، بِمُقْتَضى طَبْعِ الِاسْتِعْجالِ.
18:77Page 302
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا ٧٧
So they set out, until when they came to the people of a town, they asked its people for food, but they refused to offer them hospitality. And they found therein a wall about to collapse, so he [i.e., al-Khiḍr] restored it. [Moses] said, "If you wished, you could have taken for it a payment."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧] ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ .
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ اخْتُلِفَ في تَسْمِيَتِها.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ): الخِلافُ فِيها كالخِلافِ في مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ. ولا يُوثَقُ بِشَيْءٍ مِنهُ: ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أيِ: امْتَنَعُوا مِن أنْ يُطْعِمُوهُما الطَّعامَ الَّذِي هو حَقُّ ضِيافَتِهِما عَلَيْهِمْ. وقُرِئَ: ((يُضِيفُوهُما)) مِنَ الإضافَةِ. يُقالُ: ضافَهُ إذا نَزَلَ بِهِ، وأضافَهُ وضَيَّفَهُ: أنْزَلَهُ لِيُطْعِمَهُ في مَنزِلِهِ، عَلى وجْهِ الإكْرامِ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ أيْ: يَنْهَدِمَ بِقُرْبٍ. مِنِ (انْقَضَّ الطّائِرُ) إذا أسْرَعَ سُقُوطَهُ. والإرادَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْمُداناةِ والمُشارَفَةِ. لِما فِيهِما مِنَ المَيْلِ. اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أوْ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، أوْ هي مَجازٌ لُغَوِيٌّ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ سَبَبِ الإرادَةِ، لِقُرْبِ الوُقُوعِ.
وقَدْ أوْسَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ، عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى مِثْلِ هَذا المَجازِ. فانْظُرْهُ: ﴿فَأقامَهُ﴾ أيْ: عَمَّرَهُ وأصْلَحَهُ ﴿قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: لَوْ طَلَبْتَ عَلى عَمَلِكَ جُعْلًا حَتّى تَنْتَعِشَ بِهِ. فَفِيهِ لَوْمٌ عَلى تَرْكِ الأُجْرَةِ، مَعَ مَسِيسِ الحاجَةِ إلَيْها.
18:78Page 302
قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا ٧٨
[Al-Khiḍr] said, "This is parting between me and you. I will inform you of the interpretation of that about which you could not have patience.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٨] ﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ .
﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ الإشارَةُ إلى الفِراقِ المَوْعُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ [الكهف: ٧٦] أوْ إلى الِاعْتِراضِ الثّالِثِ. أوْ إلى الوَقْتِ الحاضِرِ ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ (p-٤٠٨٣)صَبْرًا﴾ أيْ: بِمَآلِ ما لَمْ تَصْبِرْ عَلى ظاهِرِهِ، وبِعاقِبَتِهِ. وهو خَلاصُ السَّفِينَةِ مِنَ اليَدِ العادِيَّةِ، وخَلاصُ أبَوَيِ الغُلامِ مِن شَرِّهِ، مَعَ الفَوْزِ بِالبَدَلِ الأحْسَنِ، واسْتِخْراجُ اليَتِيمَيْنِ لِلْكَنْزِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي جَعْلِ صِلَةِ المَوْصُولِ. عَدَمُ اسْتِطاعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلصَّبْرِ، دُونَ أنْ يُقالَ (بِتَأْوِيلِ ما فَعَلْتُ) أوْ (بِتَأْوِيلِ ما رَأيْتُ) ونَحْوَهُما، نَوْعُ تَعْرِيضٍ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وعِتابٍ. ثُمَّ أخَذَ الخِضْرُ في تَفْسِيرِ ما أشْكَلَ أمْرُهُ عَلى مُوسى، وما كانَ أنْكَرَ ظاهِرَهُ. وقَدْ أظْهَرَ اللَّهُ الخِضْرَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلى باطِنِهِ. فَقالَ:
18:79Page 302
أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا ٧٩
As for the ship, it belonged to poor people working at sea. So I intended to cause defect in it as there was after them a king who seized every [good] ship by force.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٩] ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ .
﴿أمّا السَّفِينَةُ﴾ أيِ: الَّتِي خَرَقْتُها: ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ أيْ: لِفُقَراءَ يَحْتَرِفُونَ العَمَلَ في البَحْرِ، لِنَقْلِ النّاسِ مِن ساحِلٍ إلى آخَرَ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أيْ: إنَّما خَرَقْتُها لِأعِيبَها. لِأنَّهم كانُوا يَمُرُّونَ بِها عَلى مَلِكٍ مِنَ الظَّلَمَةِ، يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ سَلِيمَةٍ جَيِّدَةٍ، غَصْبًا. فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها لِأرُدَّهُ عَنْها، لِعَيْبِها.
18:80–81Page 302
وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا ٨٠
And as for the boy, his parents were believers, and we feared that he would overburden them by transgression and disbelief.
فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا ٨١
So we intended that their Lord should substitute for them one better than him in purity and nearer to mercy.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٠] ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ [٨١] ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١] .
﴿وأمّا الغُلامُ﴾ أيِ: الَّذِي قَتَلْتُهُ: ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا﴾ أيْ: لَوْ تَرَكْناهُ: ﴿أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: يُنْزِلَ بِهِما طُغْيانَهُ وكُفْرَهُ ويُلْحِقَهُ بِهِما. لِكَوْنِهِ طُبِعَ عَلى ذَلِكَ. فَيَخْشى أنْ يُعْدِيَهُما بِدائِهِ.
﴿فَأرَدْنا﴾ [الكهف: ٨١] أيْ: بِقَتْلِهِ: ﴿أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكهف: ٨١] أيْ: طَهارَةً عَنِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ: ﴿وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١] أيْ: رَحْمَةً بِأبَوَيْهِ، وبَرًّا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences