Al-QasimiAl‑Kahf · 18:82–95

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:82–95, continued

ومِصْداقُ هَذا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] فَعِلْمُ الأنْبِياءِ أشْرَفُ مَرْتَبَةً مِن جَمِيعِ عُلُومِ الخَلائِقِ. لِأنَّ مَحْصُولَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِلا واسِطَةٍ ووَسِيلَةٍ. وبَيانُ هَذِهِ الكَلِمَةِ يُوجَدُ في قِصَّةِ آدَمَ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَإنَّهم طُولَ عُمْرِهِمْ حَصَّلُوا بِفُنُونِ الطُّرُقِ كَثِيرَ العُلُومِ. حَتّى صارُوا أعْلَمَ المَخْلُوقِينَ وأعْرَفَ المَوْجُوداتِ. آدَمُ لَمّا جاءَ، ما كانَ عالِمًا. لِأنَّهُ ما تَعَلَّمَ ولا رَأى مُعَلِّمًا. فَتَفاخَرَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِ وتَجَبَّرُوا وتَكَبَّرُوا وقالُوا: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ونَعْلَمُ حَقائِقَ الأشْياءِ. فَرَجَعَ آدَمُ إلى بابِ خالِقِهِ وأخْرَجَ قَلْبَهُ عَنْ جُمْلَةِ المُكَوِّناتِ، وأقْبَلَ بِالِاسْتِعانَةِ عَلى الرَّبِّ تَعالى، فَعَلَّمَهُ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٣١] أوْ صَغَرَ حالُهم عِنْدَ آدَمَ وقَلَّ عِلْمُهم وانْكَسَرَتْ سَفِينَةُ جَبَرُوتِهِمْ، فَغَرِقُوا في بَحْرِ العَجْزِ: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا﴾ [البقرة: ٣٢] فَقالَ تَعالى: ﴿يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] فَأنْبَأهم آدَمُ عَنْ مَكْنُوناتِ العِلْمِ ومُسْتَتِراتِ الأمْرِ. فَتَقَرَّرَ الأمْرُ عِنْدَ العُقَلاءِ؛ أنَّ العِلْمَ الغَيْبِيَّ المُتَوَلَّدَ عَنِ الوَحْيِ، أقْوى وأكْمَلُ مِنَ العُلُومِ المُكْتَسَبَةِ. صارَ عِلْمُ الوَحْيِ إرْثَ الأنْبِياءِ وحَقَّ الرُّسُلِ، حَتّى أغْلَقَ اللَّهُ بابَ الوَحْيِ في عَهْدِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ. فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ خاتَمَ النَّبِيِّينَ، وكانَ أعْلَمَ النّاسِ وأفْصَحَ العَرَبِ والعَجَمِ، وكانَ يَقُولُ: ««أدَّبَنِي رَبِّي فَأحْسَنَ تَأْدِيبِي»» وقالَ لِقَوْمِهِ: ««أنا أعْلَمُكم بِاللَّهِ وأخْشاكم لِلَّهِ»» وإنَّما كانَ عِلْمُهُ أكْمَلَ وأشْرَفَ وأقْوى، لِأنَّهُ حَصَلَ عَنِ التَّعْلِيمِ الرَّبّانِيِّ، وما اشْتَغَلَ قَطُّ بِالتَّعَلُّمِ والتَّعْلِيمِ الإنْسانِيِّ فَقالَ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥]

(p-٤٠٩٧)والوَجْهُ الثّانِي: هو الإلْهامُ. والإلْهامُ تَنْبِيهُ النَّفْسِ الكُلِّيِّ لِلنَّفْسِ الجُزْئِيِّ عَلى قَدْرِ صِفاتِهِ وقَبُولِهِ وقُوَّتِهِ واسْتِعْدادِهِ. والإلْهامُ أثَرُ الوَحْيِ فَإنَّ الوَحْيَ هو تَصْرِيحُ الأمْرِ الغَيْبِيِّ. والإلْهامُ هو تَعْرِيضُهُ. والعِلْمُ الحاصِلُ عَنِ الوَحْيِ يُسَمّى عِلْمًا نَبَوِيًّا. والَّذِي عَنِ الإلْهامِ يُسَمّى عِلْمًا لَدُنِّيًّا. والعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ هو الَّذِي لا واسِطَةَ في حُصُولِهِ بَيْنَ النَّفْسِ وبَيْنَ البارِّي. وإنَّما هو كالضَّوْءِ مِن سِراجِ الغَيْبِ يَقَعُ عَلى قَلْبٍ صافٍ فارِغٍ لَطِيفٍ. وذَلِكَ أنَّ العُلُومَ كُلَّها مَحْصُولَةٌ في جَوْهَرِ النَّفْسِ الكُلِّيِّ الأوَّلِيِّ الَّذِي هو مِنَ الجَواهِرِ المُفارِقَةِ الأوَّلِيَّةِ المَحْضَةِ، بِالنِّسْبَةِ إلى العَقْلِ الأوَّلِ كَنِسْبَةِ حَوّاءَ إلى آدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. وقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ العَقْلَ الكُلِّيَّ أشْرَفُ وأكْمَلُ وأقْوى وأقْرَبُ إلى البارِئِ تَعالى مِنَ النَّفْسِ الكُلِّيِّ. والنَّفْسُ الكُلِّيِّ أعَزُّ وأشْرَفُ مِن سائِرِ المَخْلُوقاتِ. فَمِن إفاضَةِ العَقْلِ الكُلِّيِّ يَتَوَلَّدُ الإلْهامُ. فالوَحْيُ حِلْيَةُ الأنْبِياءِ، والإلْهامُ زِينَةُ الأوْلِياءِ. فَكَما أنَّ النَّفْسَ دُونَ العَقْلِ، فالوَحْيُ دُونَ النَّبِيِّ. وكَذَلِكَ الإلْهامُ دُونَ الوَحْيِ. فَهو ضَعِيفٌ بِنِسْبَةِ الوَحْيِ، قَوِيَ بِإضافَةِ الرُّؤْيا. والإلْهامُ عِلْمُ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ. فَإنَّ عِلْمَ الوَحْيِ خاصٌّ بِالرُّسُلِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمْ. كَما كانَ لِآدَمَ ومُوسى وإبْراهِيمَ ومُحَمَّدٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وفَرَّقَ بَيْنَ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ. فالنُّبُوَّةُ هي قَبُولُ النَّفْسِ القُدْسِيِّ حَقائِقَ المَعْلُوماتِ والمَعْقُولاتِ عَنْ جَوْهَرِ العَقْلِ الأوَّلِ. والرِّسالَةُ تَبْلِيغُ تِلْكَ المَعْلُوماتِ والمَعْقُولاتِ إلى المُسْتَفِيدِينَ والمُتابِعِينَ. ورُبَّما يَتَّفِقُ القَبُولُ لِنَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ، ولا يَتَأتّى لَها التَّبْلِيغُ لِعُذْرٍ مِنَ الأعْذارِ وسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ. والعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ يَكُونُ لِأهْلِ النُّبُوَّةِ والوِلايَةِ، كَما حَصَلَ لِلْخِضْرِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]

ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا رَفَعَ الحِجابَ بَيْنَ نَفْسِهِ وبَيْنَ النَّفْسِ الكُلِّيِّ الَّذِي هو اللَّوْحُ. فَيَظْهَرُ فِيها أسْرارُ بَعْضِ المُكَوِّناتِ. ويَنْتَقِشُ فِيها مَعانِي تِلْكَ المُكَوِّناتِ. فَيُعَبِّرُ النَّفْسُ عَنْها كَما يَشاءُ إلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ.

(p-٤٠٩٨)وحَقِيقَةُ الحِكْمَةِ تَنالُ مِنَ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ. وما لَمْ تَبْلُغِ النَّفْسُ هَذِهِ الرُّتْبَةَ لا يَكُونُ حَكِيمًا. لِأنَّ الحِكْمَةَ مِن مَواهِبِ اللَّهِ تَعالى: و: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] مِن عِبادِهِ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] وهُمُ الواصِلُونَ مَرْتَبَةَ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، المُسْتَغْنُونَ عَنْ كَثْرَةِ التَّحْصِيلِ وتَعَبِ التَّعَلُّمِ. فَيَتَعَلَّمُونَ قَلِيلًا ويَعْلَمُونَ كَثِيرًا، ويَتْعَبُونَ يَسِيرًا ويَسْتَرِيحُونَ طَوِيلًا.

ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: اعْلَمْ أنَّ العِلْمَ اللَّدُنِّيَّ هو سَرَيانُ نُورِ الإلْهامِ. والإلْهامُ يَكُونُ بَعْدَ التَّسْوِيَةِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] والتَّسْوِيَةُ تَصْحِيحُ النَّفْسِ والرُّجُوعُ إلى فِطْرَتِها. وهَذا الرُّجُوعُ يَكُونُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: تَحْصِيلُ جَمِيعِ العُلُومِ وأخْذُ الحَظِّ الأوْفَرِ مِن أكْثَرِها.

والثّانِي: الرِّياضَةُ الصّادِقَةُ والمُراقَبَةُ الصَّحِيحَةُ. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أشارَ إلى هَذِهِ الحَقِيقَةِ فَقالَ: ««مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ، أوْرَثَهُ اللَّهُ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ»» .

والثّالِثُ: التَّفَكُّرُ. فَإنَّ النَّفْسَ، إذا تَعَلَّمَتْ وارْتاضَتْ بِالعِلْمِ والعَمَلِ، ثُمَّ أخَذَتْ تَتَفَكَّرُ بِمَعْلُوماتِها، بِشَرْطِ التَّفَكُّرِ، يَنْفَتِحُ عَلَيْهِ بابُ الغَيْبِ. كالتّاجِرِ الَّذِي يَتَصَرَّفُ في مالِهِ بِشَرْطِ التِّجارَةِ، يَنْفَتِحُ عَلَيْهِ أبْوابُ الرِّبْحِ. وإذا سَلَكَ طَرِيقَ الخَطَأِ يَقَعُ في مَهالِكِ الخُسْرانِ. فالمُتَفَكِّرُ إذا سَلَكَ سَبِيلَ الصَّوابِ يَصِيرُ مِن ذَوِي الألْبابِ، وتَنْفَتِحُ رَوْزَنَةٌ مِن عالِمِ الغَيْبِ في قَلْبِهِ فَيَصِيرُ عالِمًا كامِلًا عاقِلًا مُلْهَمًا مُؤَيَّدًا. كَما قالَ ﷺ: ««تَفَكُّرُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً»» انْتَهى مُلَخَّصًا.

وفِي خِلالِ كَلامِهِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، جُمَلٌ مِن إشاراتِ الصُّوفِيَّةِ وعِباراتِهِمْ. ولا يَأْباها العَقْلُ (p-٤٠٩٩)السَّلِيمُ ولا قَواعِدُ العِلْمِ الظّاهِرِ. لِأنَّها في هَذِهِ المَثابَةِ بِدَرَجَةِ الِاعْتِدالِ والتَّوَسُّطِ. كَذَلِكَ كانَ مَشْرَبُهُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:

18:83Page 302

وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا ٨٣

And they ask you, [O Muḥammad], about Dhul-Qarnayn. Say, "I will recite to you about him a report."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٣] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ .

﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ وهو الإسْكَنْدَرُ الكَبِيرُ المَقْدُونِيُّ وسَنَذْكُرُ وجْهَ تَلْقِيبِهِ بِذَلِكَ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: نَبَأً مَذْكُورًا مُعْجِزًا، أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيَّ.

18:84Page 303

إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا ٨٤

Indeed, We established him upon the earth, and We gave him from everything a way [i.e., means].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٤] ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ .

﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِالقُوَّةِ والرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ والسِّعَةِ في المالِ والِاسْتِظْهارِ بِالعَدَدِ وعِظَمِ الصِّيتِ وكِبَرِ الشُّهْرَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا مُوَصِّلًا إلَيْهِ. والسَّبَبُ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَقْصُودِ مِن عِلْمٍ أوْ قُدْرَةٍ أوْ آلَةٍ.

18:85–86Page 303

فَأَتۡبَعَ سَبَبًا ٨٥

So he followed a way

حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا ٨٦

Until, when he reached the setting of the sun [i.e., the west], he found it [as if] setting in a body of dark water,1 and he found near it a people. We [i.e., Allāh] said, "O Dhul-Qarnayn, either you punish [them] or else adopt among them [a way of] goodness."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٥] ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ [٨٦] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦] .

﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ قُرِئَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ التّاءِ. وقُرِئَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ وتَشْدِيدِ التّاءِ. فَقِيلَ هُما بِمَعْنًى ويَتَعَدَّيانِ لِمَفْعُولٍ واحِدٍ. وقِيلَ: (أتْبَعَ) بِالقَطْعِ يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ. والتَّقْدِيرُ: فَأتْبَعَ سَبَبًا سَبَبًا آخَرَ. أوْ فَأتْبَعَ أمْرَهُ سَبَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ [القصص: ٤٢]

(p-٤١٠٠)وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (اتَّبَعَ) بِالوَصْلِ في السَّيْرِ (وأتْبَعَ) بِالقَطْعِ مَعْناهُ اللَّحاقُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] وقالَ يُونُسُ: (أتْبَعَ) بِالقَطْعِ لِلْجِدِّ الحَثِيثِ في الطَّلَبِ وبِالوَصْلِ مُجَرَّدُ الِانْتِقالِ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعَ﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ. أيْ: فَأرادَ بُلُوغَ المَغْرِبِ ﴿فَأتْبَعَ﴾ سَبَبًا يُوصِلُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٦] أيْ: أقْصى ما يَسْلُكُ فِيهِ مِنَ الأرْضِ مِن ناحِيَةِ المَغْرِبِ، وهو مَغْرِبُ الأرْضِ: ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] أيْ: ذاتُ حَمْأةٍ وهو الطِّينُ الأسْوَدُ، وقُرِئَ (حامِيَةٍ) أيْ: حارَّةٍ. وقَدْ تَكُونُ جامِعَةً لِلْوَصْفَيْنِ و(وجَدَ) يَكُونُ بِمَعْنى رَأى لِما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ: ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ [الكهف: ٨٦] أيْ: أُمَّةً. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ مَكَّنَهُ مِنهُمْ، وأظْهَرَهُ بِهِمْ، وحَكَّمَهُ فِيهِمْ وجَعَلَ لَهُ الخِيَرَةَ في شَأْنِهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ [الكهف: ٨٦] أيْ: بِالقَتْلِ وغَيْرِهِ: ﴿وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦] بِالعَفْوِ.

18:87Page 303

قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا نُّكۡرٗا ٨٧

He said, "As for one who wrongs,1 we will punish him. Then he will be returned to his Lord, and He will punish him with a terrible punishment [i.e., Hellfire].

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عَدْلَهُ وإنْصافَهُ، لِيُحْتَذى حَذْوُهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٧] ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ .

﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾ أيْ: بِالبَغْيِ والفَسادِ في الأرْضِ بِالشِّرْكِ والضَّلالِ والإضْلالِ: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ: مُنْكَرًا لَمْ يَعْهَدْ مِثْلَهُ.

18:88Page 303

وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا يُسۡرٗا ٨٨

But as for one who believes and does righteousness, he will have a reward of the best [i.e., Paradise], and we [i.e., Dhul-Qarnayn] will speak to him from our command with ease."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٨] ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ .

﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ﴾ أيْ: في الدّارَيْنِ: ﴿جَزاءً الحُسْنى﴾ يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ (p-٤١٠١)والإضافَةِ. وهو مُبْتَدَأٌ، أوْ مَرْفُوعٌ بِالظَّرْفِ أيْ: فَلَهُ جَزاءُ الخَصْلَةِ الحُسْنى. يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ و: " الحُسْنى " بَدَلٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ويُقْرَأُ بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ. أيْ: فَلَهُ الحُسْنى جَزاءً. فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. أيْ: مَجْزِيًّا بِها. أوْ هو مَصْدَرٌ عَلى المَعْنى. أيْ: يَجْزِي بِها جَزاءً أوْ تَمْيِيزٌ. ويُقْرَأُ بِالنَّصْبِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. وهو مِثْلُ المُنَوَّنِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ التَّنْوِينُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. أفادَهُ أبُو البَقاءِ.

18:89–90Page 303

ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا ٨٩

Then he followed a way

حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطۡلِعَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَطۡلُعُ عَلَىٰ قَوۡمٖ لَّمۡ نَجۡعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتۡرٗا ٩٠

Until, when he came to the rising of the sun [i.e., the east], he found it rising on a people for whom We had not made against it any shield.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٩] ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ [٩٠] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ [الكهف: ٩٠] .

﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا راجِعًا مِن مَغْرِبِ الشَّمْسِ، مُوَصِّلًا إلى مَشْرِقِها. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ [الكهف: ٩٠] أيْ: مِنَ المَبانِي والجِبالِ.

18:91Page 303

كَذَٰلِكَۖ وَقَدۡ أَحَطۡنَا بِمَا لَدَيۡهِ خُبۡرٗا ٩١

Thus.1 And We had encompassed [all] that he had in knowledge.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩١] ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ .

﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ كَما وصَفْناهُ في رِفْعَةِ المَكانِ وبَسْطَةِ المُلْكِ. أوْ أمْرُهُ فِيهِمْ، كَأمْرِهِ في أهْلِ المَغْرِبِ مِنَ الحُكْمِ المُتَقَدِّمِ. أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ لِـ (وجَدَ) أيْ: وجَدَها تَطْلُعُ وِجْدانًا كَوِجْدانِها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ. أوْ مَعْمُولُ (بَلَغَ) أيْ: بَلَغَ مَغْرِبَها كَما بَلَغَ مَطْلَعَها، ولا يُحِيطُ بِما قاساهُ غَيْرُ اللَّهِ. أوْ صِفَةُ (قَوْمٍ) أيْ: عَلى قَوْمٍ مِثْلِ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ، في الكُفْرِ والحُكْمِ: ﴿وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ: عِلْمًا. نَحْنُ مُطَّلِعُونَ عَلى جَمِيعِ أحْوالِهِ وأحْوالِ جَيْشِهِ. لا يَخْفى عَلَيْنا مِنها شَيْءٌ، وإنْ تَفَرَّقَتْ أُمَمُهم (p-٤١٠٢)وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأرْضُ. وفي التَّذْيِيلِ بِهَذا، إشارَةٌ إلى كَثْرَةِ ما لَدَيْهِ مِنَ العَدَدِ والعُدَدِ، بِحَيْثُ لا يُحِيطُ بِها إلّا عِلْمُهُ تَعالى.

18:92–93Page 303

ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا ٩٢

Then he followed a way

حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيۡنَ ٱلسَّدَّيۡنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوۡمٗا لَّا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ قَوۡلٗا ٩٣

Until, when he reached [a pass] between two mountains, he found beside them a people who could hardly understand [his] speech.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٢] ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ [٩٣] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ [الكهف: ٩٣] .

﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا ثالِثًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.

﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف: ٩٣] قُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ وضَمِّها. أيْ: بَيْنَ الجَبَلَيْنِ اللَّذَيْنِ سَدَّ ما بَيْنَهُما: ﴿وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا﴾ [الكهف: ٩٣] أيْ: مِن ورائِهِما أُمَّةً مِنَ النّاسِ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ [الكهف: ٩٣] لِكَوْنِ لُغَتِهِمْ غَرِيبَةً مَجْهُولَةً، ولِقِلَّةِ فِطْنَتِهِمْ.

18:94–95Page 303

قَالُواْ يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا ٩٤

They said, "O Dhul-Qarnayn, indeed Gog and Magog1 are [great] corrupters in the land. So may we assign for you an expenditure that you might make between us and them a barrier?"

قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا ٩٥

He said, "That in which my Lord has established me is better [than what you offer], but assist me with strength [i.e., manpower]; I will make between you and them a dam.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٤] ﴿قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ [٩٥] ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥] .

﴿قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: في أرْضِنا بِالقَتْلِ والإضْرارِ: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ أيْ: جَعْلًا نُخْرِجُهُ مِن أمْوالِنا. وقُرِئَ ((خَراجًا)) وهو بِمَعْناهُ: ﴿عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ أيْ: حاجِزًا يَمْنَعُ خُرُوجَهم عَلَيْنا.

﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٩٥] أيْ ما جَعَلَنِي فِيهِ مَكِينًا مِنَ المالِ والمُلْكِ، أجَلُّ مِمّا تُرِيدُونَ بَذْلَهُ. فَلا حاجَةَ بِي إلَيْهِ: ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: ٩٥] أيْ: بِعَمَلَةٍ وصُنّاعٍ وآلاتٍ: ﴿أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥] أيْ: حاجِزًا حَصِينًا. وأصْلُ مَعْنى الرَّدْمِ سَدُّ الثُّلْمَةِ بِالحِجارَةِ ونَحْوِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском