Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:96–110, continued
قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: اعْلَمْ أنَّهُ كَثِيرًا ما يَحْدُثُ في الثَّوَراتِ البُرْكانِيَّةِ أنْ تَنْخَسِفَ بَعْضُ البِلادِ أوْ تَرْتَفِعَ بَعْضُ الأراضِي حَتّى تَصِيرَ كالجِبالِ. وهَذا أمْرٌ مُشاهَدٌ حَتّى في زَمَنِنا هَذا. فَإذا سَلَّمَ أنَّ سَدَّ ذِي القَرْنَيْنِ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مَوْجُودٍ الآنَ، فَرُبَّما كانَ ذَلِكَ ناشِئًا مِن ثَوْرَةٍ بُرْكانِيَّةٍ خَسَفَتْ بِهِ وأزالَتْ آثارَهُ. ولا يُوجَدُ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى بَقائِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] فَمَعْناهُ أنَّ هَذا السَّدَّ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِالأُمَمِ القَرِيبَةِ مِنهُ. لِمَنعِ غاراتِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ عَنْهُمْ، ولَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَفْهَمُوا أنَّ مَعَ مَتانَتِهِ وصَلابَتِهِ لا يُمْكِنُ أنْ يُقاوِمَ مَشِيئَةَ اللَّهِ القَوِيِّ القَدِيرِ، فَإنَّ بَقاءَهُ إنَّما هو بِفَضْلِ اللَّهِ. ولَكِنْ إذا قامَتِ القِيامَةُ وأرادَ اللَّهُ فَناءَ هَذا العالَمِ، فَلا هَذا (p-٤١١٤)السَّدُّ ولا غَيْرُهُ مِنَ الجِبالِ الرّاسِياتِ يُمْكِنُها أنْ تَقِفَ عَثْرَةً، لَحْظَةً واحِدَةٍ أمامَ قُدْرَةِ اللَّهِ. بَلْ يَدُكُّها جَمْعاءَ دَكًّا في لَمْحِ البَصَرِ. فَمُرادُ ذِي القَرْنَيْنِ بِهَذا القَوْلِ تَنْبِيهُ تِلْكَ الأُمَمِ عَلى عَدَمِ الِاغْتِرارِ بِمَناعَةِ هَذا السَّدِّ، أوِ الإعْجابِ والغُرُورِ بِقُوَّتِهِمْ. فَإنَّها لا شَيْءَ يُذْكَرُ بِجانِبِ قُوَّةِ اللَّهِ. فَلا يَصِحُّ أنْ يُسْتَنْتَجَ مِن ذَلِكَ أنَّ هَذا السَّدَّ يَبْقى إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بَلْ صَرِيحُهُ أنَّهُ إذا قامَتِ القِيامَةُ في أيِّ وقْتٍ كانَ، وكانَ هَذا السَّدُّ مَوْجُودًا، دَكَّهُ اللَّهُ دَكًّا، وأمّا إذا تَأخَّرَتْ فَيَجُوزُ أنْ يُدَكَّ قَبْلَها بِأسْبابٍ أُخْرى. كالزَّلازِلِ إذا قَدِمَ عَهْدُهُ. وكالثَّوْراتِ البُرْكانِيَّةِ كَما قُلْنا. ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُنافِي ذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] فالمُرادُ مِنهُ خُرُوجُهم بِكَثْرَةٍ وانْتِشارُهم في الأرْضِ، كَما يَخْرُجُ الشَّيْءُ المَحْبُوسُ أوِ المَضْغُوطُ إذا انْفَجَرَ. واسْتِعْمالُ لَفْظِ (الفَتْحِ) مَجازًا شائِعٌ في اللُّغَةِ. ومِنهُ قَوْلُكَ (فَتَحُوا البِلادَ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] فَلَيْسَ لِلْأشْياءِ أبْوابٌ. وكَذَلِكَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ لا بابَ لَهم. بَلْ هم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، والغالِبُ أنَّ المُرادَ بِخُرُوجِهِمْ هَذا، خُرُوجُ المَغُولِ التَّتارِ، وهم مِن نَسْلِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وهو الغَزْوُ الَّذِي حَصَلَ مِنهم لِلْأُمَمِ في القَرْنِ السّابِعِ الهِجْرِيِّ. وناهِيكَ بِما فَعَلُوهُ إذْ ذاكَ في الأرْضِ، بَعْدَ أنِ انْتَشَرُوا فِيها، مِنَ الإفْسادِ والنَّهْبِ والقَتْلِ والسَّبْيِ. والرّاجِحُ أنَّ السَّدَّ كانَ مَوْجُودًا بِإقْلِيمِ داغِسْتانَ التّابِعِ الآنَ لِرُوسِيا، بَيْنَ مَدِينَتِي دَرَبَنْدَ وخَوَزارَ. فَإنَّهُ يُوجَدُ بَيْنَهُما مَضِيقٌ شَهِيرٌ مُنْذُ القِدَمِ، يُسَمّى عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ القَدِيمَةِ والحَدِيثَةِ بِــ(السَّدِّ) وبِهِ مَوْضِعٌ يُسَمّى (بابُ الحَدِيدِ) وهو أثَرُ سَدٍّ حَدِيدِيٍّ قَدِيمٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِن جِبالِ القُوقازِ الشَّهِيرَةِ عِنْدَ العَرَبِ (بِجَبَلِ قافٍ) وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ فِيهِ السَّدَّ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ. ويَظُنُّونَ أنَّهُ في نِهايَةِ الأرْضِ. وذَلِكَ بِحَسَبِ ما عَرَفُوهُ مِنها. ومِن ورائِهِ قَبِيلَتا يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. انْتَهى.
وجاءَ في (صَفْوَةِ الِاعْتِبارِ) أنَّ السُّورَ الَّذِي وصَلُوا إلَيْهِ أيّامَ الواثِقِ مِن بَنِي العَبّاسِ، هو (p-٤١١٥)سُورُ الصِّينِ الَّذِي هو إحْدى عَجائِبِ مَمْلَكَةِ الصِّينِ. فَإنَّ طُولَهُ نَحْوَ ألْفٍ ومِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ مِيلًا، وسُمْكُهُ مِنَ الأسْفَلِ نَحْوَ خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ قَدَمًا، ومِن أعْلاهُ نَحْوَ خَمْسَةَ عَشَرَ قَدَمًا. وارْتِفاعُهُ ما بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ إلى عِشْرِينَ قَدَمًا. وفي أماكِنَ مِنهُ حُصُونٌ يَبْلُغُ ارْتِفاعُ بَعْضِها إلَيْهِ أرْبَعِينَ قَدَمًا. بُنِيَ لِرَدِّ الهَجَماتِ عَلى المَمْلَكَةِ الصِّينِيَّةِ الأصْلِيَّةِ، مِنَ المَغُولِ والقَبائِلِ الشَّمالِيَّةِ. والسُّورُ الآنَ خَرابٌ في جِهاتٍ كَثِيرَةٍ. فَإنْ كانَ هو المُرادَ بِالسَّدِّ في الآيَةِ. لَزِمَ حَمْلُ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ فِيهِ، مِن كَوْنِهِ مِن زُبَرِ الحَدِيدِ، ومُفَرَّغًا عَلَيْهِ النُّحاسُ، عَلى بِقاعٍ مِن ذَلِكَ السُّورِ. والصَّدَفانِ حِينَئِذٍ طَرَفانِ مِن ذَلِكَ السُّورِ. كَما تَؤُولُ صِفاتُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، إلى ما يَصِحُّ إطْلاقُها بِهِ عَلى التَّتَرِ والمَنشُورِيَّةِ. ويَكُونُ وعْدُ اللَّهِ الَّذِي يُدَكُّ فِيهِ السَّدُّ هو قُرْبُ السّاعَةِ. ولا شَكَّ أنَّها قَرُبَتْ بِإعْلامِ الشّارِعِ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ الفَسادُ المَوْعُودُ بِهِ في النُّصُوصِ مِن أُولَئِكَ القَوْمِ، هو ما وقَعَ مِنَ التَّتَرِ مِنَ الفَسادِ في المَمالِكِ. كَما في عَهْدِ جِنْكِزْخانَ، وما عَثاهُ هو وأصْحابُهُ في الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
وجاءَ في الجُغْرافِيَّةِ العُمُومِيَّةِ، في المَقالَةِ السّابِعَةِ والأرْبَعِينَ في تَخْطِيطِ آسِيا، بِلادِ القُوقاسِيِينَ أيْ: أهالِي كَوَهِ قافٍ، أيْ: جَبَلِ قافٍ: إنَّ في تِلْكَ الأقْطارِ يَمْتَدُّ هَذا الجَبَلُ كالسُّورِ العَظِيمِ، وفِيهِ مَجازانِ يُسَمَّيانِ عِنْدَ القُدَماءِ الأبْوابَ القُوقازِيَّةَ والأبْوابَ الألْبانِيَّةَ. فالمَجازُ الأوَّلُ وهو الأبْوابُ القُوقازِيَّةُ هو الَّذِي كانَ يُخْشى مِنهُ هُجُومُ المُتَبَرْبِرِينَ عَلى كُلٍّ مِن دَوْلَةِ الرُّومانِيِّينَ والعَجَمِ. ثُمَّ إنَّ الحِصْنَ الَّذِي كانَ يَسُدُّ هَذا المَجازَ يُسَمّى بِأسْماءٍ مُخْتَلِفَةٍ عِنْدَ القُدَماءِ. وأمّا الأبْوابُ الألْبانِيَّةُ فَأشْهَرُ الآراءِ فِيها أنَّهم مَجازُ دَرَبَنْدَ. عَلى امْتِدادِ بَحْرِ الخَزَرِ.
ثُمَّ قالَ: وهُناكَ حِكايَةٌ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ أهالِي (كَوَهِ قافٍ) تَقْتَضِي أنَّ هَذا الجَبَلَ كانَ مَسْدُودًا بِسَدٍّ عَظِيمٍ يَمْنَعُ غارَةَ المُتَبَرْبِرِينَ وهَذا السَّدُّ العَظِيمُ تارَةً يُعْزى لِإسْكَنْدَرَ، وتارَةً لِأنْوَ شِرْوانَ ويَسْتَدِلُّونَ عَلى ذَلِكَ بِآثارٍ مَوْجُودَةٍ إلى الآنِ، تُرى لِمَن يَرُومُ ذَلِكَ.
التَّنْبِيهُ الثّامِنُ: قالَ أبُو البَقاءِ: يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، لَمْ يَنْصَرِفا لِلْعُجْمَةِ (p-٤١١٦)والتَّعْرِيفِ. ويَجُوزُ هَمْزُهُما وتَرْكُ هَمْزِهِما. وقِيلَ: هُما عَرَبِيّانِ فَـ(يَأْجُوجُ ) يَفَعُولُ مِثْلَ يَرْبُوعٍ. و(مَأْجُوجُ ) مَفْعُولٌ مِثْلُ مَعْقُولٍ. وكِلاهُما مِن (أجَّ الظَّلِيمِ) إذا أسْرَعَ. أوْ مِن (أجَّتِ النّارُ) إذا التَهَبَتْ. ولَمْ يَنْصَرِفا لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ أيْ: لِلْقَبِيلَةِ كَمَجُوسِ. فالكَلِمَتانِ مِن أصْلٍ واحِدٍ في الِاشْتِقاقِ. وعَلى العُجْمَةِ، لا يَتَأتّى تَصْرِيفُهُ. ولا يُعْتَبَرُ وزْنُهُ إلّا بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا، كَما في (تَذْكِرَةِ أبِي عَلِيٍّ).
قالَ الرّازِيُّ: واخْتَلَفُوا في أنَّهُما مِن أيِّ: الأقْوامِ؟ فَقِيلَ: إنَّهُما مِنَ التُّرْكِ. وقِيلَ يَأْجُوجُ مِنَ التُّرْكِ ومَأْجُوجُ مِنَ الجِيلِ والدَّيْلَمِ. ثُمَّ مِنَ النّاسِ مَن وصَفَهم بِقِصَرِ القامَةِ وصِغَرِ الجُثَّةِ، انْتَهى.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: كانَ يُوجَدُ مِن وراءِ جَبَلٍ مِن جِبالِ القُوقازِ، المَعْرُوفِ عِنْدَ العَرَبِ بِجَبَلِ قافٍ، في إقْلِيمِ داغِسْتانَ، قَبِيلَتانِ. تُسَمّى إحْداهُما (آقُوقَ)، والثّانِيَةُ (ماقُوقَ) فَعَرَّبَهُما العَرَبُ بِـ(يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ) وهُما مَعْرُوفانِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ ووَرَدَ ذِكْرُهُما في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ. ومِنهُما تَناسُلُ كَثِيرٍ مِن أُمَمِ الشَّمالِ والشَّرْقِ في رُوسِيا وآسِيا.
التَّنْبِيهُ التّاسِعُ: تَوَسَّعَ مَن لَمْ يَشْتَرِطِ الصِّحَّةَ ولا الحُسْنَ في مُصَنَّفاتِهِ مِنَ الرُّواةِ، في تَخْرِيجِ ما رُوِيَ عَنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. وكُلُّهُ إمّا مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ أوِ المُنْكَراتِ أوِ المَوْضُوعاتِ. ومِن ذَلِكَ حَدِيثُ ««إنَّ يَأْجُوجَ أُمَّةٌ ومَأْجُوجَ أُمَّةٌ. كُلُّ أُمَّةٍ أرْبَعُمِائَةِ ألْفِ أُمَّةٍ. لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنهم حَتّى يَنْظُرَ إلى ألْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِن صُلْبِهِ. كُلٌّ قَدْ حَمَلَ السِّلاحَ إلَخْ»» رَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ في (الضُّعَفاءِ) عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا. وقالَ: مَوْضُوعٌ مُنْكَرٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ العُكاشِيُّ كَذّابٌ يَضَعُ، وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ.
وقالَ الحافِظُ ابْنُ جَرِيرٍ هَهُنا، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أثَرًا طَوِيلًا عَجِيبًا، في سَيْرِ ذِي القَرْنَيْنِ وبِنائِهِ السَّدَّ وكَيْفِيَّةِ ما جَرى لَهُ. وفِيهِ طُولٌ وغَرابَةٌ ونَكارَةٌ في أشْكالِهِمْ. وصِفاتِهِمْ وطُولِهِمْ وقِصَرِ بَعْضِهِمْ وآذانِهِمْ.
(p-٤١١٧)ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِيهِ في ذَلِكَ، أحادِيثَ غَرِيبَةً لا تَصِحُّ أسانِيدُها. انْتَهى.
فَجَزى اللَّهُ البُخارِيَّ أحْسَنَ الجَزاءِ، عَلى نَبْذِهِ تِلْكَ الرِّواياتِ، واشْتِراطِهِ الصِّحَّةَ في المَرْوِيّاتِ، فَقَدْ جَنَتِ الآثارُ المُنْكَرَةُ عَلى الأُمَّةِ أنْكَرَ الآثارِ. ومِن طالِعِ مُقَدِّمَةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ صِدْقُ قَوْلِهِ: (أنَّ راوِيَ الضِّعافِ غاشٌّ آثِمٌ مُضِلٌّ ) وبِاللَّهِ المُسْتَعانُ.
18:99Page 304
۞ وَتَرَكۡنَا بَعۡضَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ يَمُوجُ فِي بَعۡضٖۖ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعۡنَٰهُمۡ جَمۡعٗا ٩٩
And We will leave them that day1 surging over each other, and [then] the Horn will be blown, and We will assemble them in [one] assembly.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٩] ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ونُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ .
﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ونُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ أيْ: نُفِخَ فِيهِ لِلْبَعْثِ في النَّشْأةِ الثّانِيَةِ. فَجَمَعْناهم لِلْجَزاءِ والحِسابِ جَمْعًا عَجِيبًا لا يَكْتَنِهُ كُنْهُهُ.
قالَ إمامٌ: النَّفْخُ في الصُّورِ تَمْثِيلٌ لِبَعْثِ اللَّهِ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ بِسُرْعَةٍ لا يُمَثِّلُها إلّا نَفْخَةٌ في بُوقٍ، فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ. وعَلَيْنا أنْ نُؤْمِنَ بِما ورَدَ مِنَ النَّفْخِ في الصُّورِ، ولَيْسَ عَلَيْنا أنْ نَعْلَمَ ما هي حَقِيقَةُ ذَلِكَ الصُّورِ. والبَحْثُ وراءَ هَذا عَبَثٌ لا يَسُوغُ لِلْمُسْلِمِ. أيْ: لِأنَّهُ مِن عالَمِ الغَيْبِ، أيِ: الأُمُورِ المُغَيَّبَةِ عَنّا، الَّتِي لَمْ نُكَلَّفْ بِالبَحْثِ عَنْ حَقائِقِها.
18:100Page 304
وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡكَٰفِرِينَ عَرۡضًا ١٠٠
And We will present Hell that Day to the disbelievers, on display -
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٠] ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ .
﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ﴾ أيْ: أظْهَرْناها وأبْرَزْناها: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ جَمَعْنا الخَلائِقَ كافَّةً: ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنهم. حَيْثُ جَعَلْناهم بِحَيْثُ يَرَوْنَها ويَسْمَعُونَ لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا: عَرْضًا أيْ: فَظِيعًا هائِلًا لا يُقادِرُ قَدْرَهُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وتَخْصِيصُ العَرْضِ بِهِمْ، مَعَ أنَّها بِمَرْأى مِن أهْلِ الجَمْعِ قاطِبَةً، لِأنَّ ذَلِكَ لِأجْلِهِمْ خاصَّةً. وفي عَرْضِها وإراءَتِهِمْ ما فِيها (p-٤١١٨)مِنَ العَذابِ والنَّكالِ، قَبْلَ دُخُولِها، مَزِيدُ غَضَبٍ عَلَيْهِمْ ونِكايَةٌ. لِكَوْنِهِ أبْلَغَ في تَعْجِيلِ الهَمِّ والحُزْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
18:101Page 304
ٱلَّذِينَ كَانَتۡ أَعۡيُنُهُمۡ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكۡرِي وَكَانُواْ لَا يَسۡتَطِيعُونَ سَمۡعًا ١٠١
Those whose eyes had been within a cover [removed] from My remembrance,1 and they were not able to hear.2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠١] ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ .
﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ تَمْثِيلٌ لِتَعامِيهِمْ عَنِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ، أوْ عَنِ القُرْآنِ وتَأْمُّلِ مَعانِيهِ وتَبَصُّرِها. ولِتَصامِّهِمْ عَنِ الحَقِّ واتِّباعِ الهُدى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أبْلَغُ مِن وكانُوا صُمًّا لِأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ. وهَؤُلاءِ كَأنَّهم أُصْمِيَتْ أسْماعُهم فَلا اسْتِطاعَةَ بِهِمْ لِلسَّمْعِ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وفي تَوْصِيفِهِمْ بِالجُمْلَتَيْنِ نُكْتَةٌ أُخْرى، بِها تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُسْتَغْنى بِالثّانِيَةِ عَنِ الأُولى، كَما زَعَمَ، وذَلِكَ -كَما حَقَّقَهُ الشِّهابُ- إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ لِما أفادَ أنَّهم كَفاقِدِي حاسَّةِ السَّمْعِ، ومَن هو كَذَلِكَ إنَّما يَعْرِفُ الذِّكْرَ بِإشارَةٍ أوْ كِتابَةٍ أوْ نَحْوِهِما، مِمّا يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ، وذَكَرَ أنَّ أعْيُنَهم مَحْجُوبَةٌ عَنِ النَّظَرِ فِيما يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا. فَهم لا سَبِيلَ لَهم إلى مَعْرِفَةِ ذِكْرِهِ أصْلًا. وهَذا مِنَ البَلاغَةِ بِمَكانٍ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: والمَوْصُولُ يَعْنِي: (الَّذِينَ) نَعْتٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ جِيءَ بِهِ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، ولِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِإصابَةِ ما أصابَهم مِن عَرْضِ جَهَنَّمَ لَهم. فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِعَدَمِ اسْتِعْمالِ مَشاعِرِهِمْ فِيما عَرَضَ لَهم في الدُّنْيا مِنَ الآياتِ، وإعْراضُهم عَنْها، مَعَ كَوْنِها أسْبابًا مُنْجِيَةً عَمّا ابْتُلُوا بِهِ في الآخِرَةِ.
18:102Page 304
أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيٓ أَوۡلِيَآءَۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ نُزُلٗا ١٠٢
Then do those who disbelieve think that they can take My servants instead of Me as allies? Indeed, We have prepared Hell for the disbelievers as a lodging.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٢] ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي أوْلِياءَ إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُـزُلا﴾ .
﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي أوْلِياءَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى (p-٤١١٩)طَلِيعَةِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [الكهف: ٤] فَهو مِن بابِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ المُقَرَّرِ في البَدِيعِ، جِيءَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، إنْكارًا لِما وقَعَ مِنهم وتَوْبِيخًا لَهم. ومَفْعُولُ (حَسِبَ) الثّانِي مَحْذُوفٌ. أيْ: أفَحَسِبُوا اتِّخاذَهم نافِعًا لَهُمْ؟: ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] كَما قالُوا: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ [سبإ: ٤١] ﴿إنّا أعْتَدْنا﴾ أيْ: هَيَّأْنا: ﴿جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُـزُلا﴾ أيْ: شَيْئًا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ. و(النُّزُلُ) ما يُقامُ لِلنَّزِيلِ أيِ: الضَّعِيفِ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ. إذْ جَعَلَ ما يُعَذَّبُونَ بِهِ في جَهَنَّمَ كالزَّقُّومِ والغِسْلِينِ، ضِيافَةً لَهم.
وقالَ أبُو السُّعُودِ: وفِيهِ تَخْطِئَةٌ لَهم في حُسْبانِهِمْ، وتَهَكُّمٌ بِهِمْ. حَيْثُ كانَ اتِّخاذُهم إيّاهم أوْلِياءَ، مِن قَبِيلِ إعْتادِ العَتادِ، وإعْدادِ الزّادِ، لِيَوْمِ المَعادِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أعْتَدْنا لَهُمْ، مَكانَ ما أعَدُّوا لِأنْفُسِهِمْ، مِنَ العُدَّةِ والذُّخْرِ، جَهَنَّمَ عُدَّةً. وفي إيرادِ النُّزُلِ إيماءٌ إلى أنَّ لَهم وراءَ جَهَنَّمَ مِنَ العَذابِ ما هو أُنْمُوذَجٌ لَهُ. أيْ: لِأنَّ الضَّيْفَ لا يَسْتَقِرُّ في مَنزِلِ الضِّيافَةِ. ويَنْتَقِلُ إلى ما هو إهْناءٌ لَهُ في دارِ إقامَتِهِ. فَكانَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم سَيَذُوقُونَ ما هو أشَدُّ.
18:103–106Page 304
قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا ١٠٣
Say, [O Muḥammad], "Shall we [believers] inform you of the greatest losers as to [their] deeds?
ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤
[They are] those whose effort is lost in worldly life, while they think that they are doing well in work."
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا ١٠٥
Those are the ones who disbelieve in the verses of their Lord and in [their] meeting Him, so their deeds have become worthless; and We will not assign to them on the Day of Resurrection any weight [i.e., importance].
ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦
That is their recompense - Hell - for what they denied and [because] they took My signs and My messengers in ridicule.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٣] ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ [١٠٤] ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] [١٠٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] [١٠٦] ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٦] .
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ١٠٤] (p-٤١٢٠)أيْ: ضاعَ وبَطَلَ: ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] أيِ: الَّتِي جاءَتْ بِالعَمَلِ بِها رُسُلُهُمْ: ﴿ولِقائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٥] أيْ: بِالبَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] لِكُفْرِهِمُ المَذْكُورِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] أيْ: فَنَزْدَرِيهِمْ ولا نَجْعَلُ لَهم مِقْدارًا واعْتِبارًا، لِأنَّ مَدارَهُ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، وقَدْ حَبِطَتْ بِالمَرَّةِ.
﴿ذَلِكَ﴾ [الكهف: ١٠٦] أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾ [الكهف: ١٠٦] جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لَهُ، أوْ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. أيْ: جَزاؤُهم بِهِ. أوْ جَزاؤُهم خَبَرٌ وجَهَنَّمُ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ: ﴿بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٦] أيْ: مَهْزُوءًا بِهِما. وذَلِكَ مُوجِبٌ لِشِدَّةِ المَقْتِ والغَضَبِ والنَّكالِ.
18:107–108Page 304
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتۡ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡفِرۡدَوۡسِ نُزُلًا ١٠٧
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - they will have the Gardens of Paradise1 as a lodging,
خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا ١٠٨
Wherein they abide eternally. They will not desire from it any transfer.
ثُمَّ بَيَّنَ ما لِمُقابِلِهِمْ مِنَ الحُسْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٧] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُـزُلا﴾ [١٠٨] ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلا﴾ [الكهف: ١٠٨] .
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُـزُلا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلا﴾ [الكهف: ١٠٨] أيْ: تَحَوُّلًا، لِبُلُوغِهِمُ الكَمالَ في نَعِيمِها. فَلا شَوْقَ لَهم فِيما وراءَها. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى شِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِيها، وحُبِّهِمْ لَها. مَعَ أنَّهُ قَدْ يَتَوَهَّمُ، فِيمَن هو مُقِيمٌ في مَكانٍ دائِمًا، أنَّهُ يَسْأمُهُ أوْ يَمَلُّهُ. فَأخْبَرَ أنَّهُمْ، مَعَ هَذا الدَّوامِ والخُلُودِ السَّرْمَدِيِّ لا يَخْتارُونَ عَنْ مَقامِهِمْ مُتَحَوَّلًا.
18:109Page 304
قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا ١٠٩
Say, "If the sea were ink for [writing] the words1 of my Lord, the sea would be exhausted before the words of my Lord were exhausted, even if We brought the like of it in [continual] supplement."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٩] ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ .
﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ أيْ: لِكِتابَتِها: ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ﴾ أيْ: مَعَ (p-٤١٢١)كَثْرَتِهِ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ: ﴿قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ أيْ: لِكَوْنِها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، فَلا تَنْفَدُ نَفادَ المُتَناهِي.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي إضافَةِ (الكَلِماتِ) إلى اسْمِ الرَّبِّ، المُضافِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ في المَوْضِعَيْنِ، مِن تَفْخِيمِ المُضافِ وتَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ ما لا يَخْفى. وإظْهارُ (البَحْرِ) و(الكَلِماتِ) في مَوْضِعِ الإضْمارِ، لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ أيْ: بِمِثْلِ البَحْرِ عَوْنًا وزِيادَةً، لَنَفِدَ أيْضًا.
قالَ أبُو السُّعُودِ: كَلامٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ، جِيءَ بِهِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ، وتَصْدِيقِ مَدْلُولِهِ، مَعَ زِيادَةِ مُبالَغَةٍ وتَأْكِيدٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]
تَنْبِيهٌ:
دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذا شاءَ وكَما شاءَ. وأنَّ كَلِماتِهِ لا نِهايَةَ لَها. وقَدْ قالَ الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذا شاءَ وهو يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ. وهو مَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ، وأئِمَّةِ السُّنَّةِ، وكَثِيرٍ مِن أهْلِ الكَلامِ، كالهاشِمِيَّةِ والكَرّامِيَّةِ وأصْحابِ أبِي مُعاذٍ. وطَوائِفَ غَيْرِ هَؤُلاءِ يَقُولُونَ: إنَّ الكَلامَ صِفَةُ ذاتٍ وفِعْلٍ، وهو يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ كَلامًا قائِمًا بِذاتِهِ. وهَذا هو المَعْقُولُ مِن صِفَةِ الكَلامِ لِكُلِّ مُتَكَلِّمٍ. فَكُلُّ حَيٍّ وُصِفَ بِالكَلامِ كالمَلائِكَةِ والبَشَرِ والجِنِّ وغَيْرِهِمْ، فَكَلامُهم لا بُدَّ أنْ يَقُومَ بِأنْفُسِهِمْ، وهم يَتَكَلَّمُونَ بِمَشِيئَتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ، والكَلامُ صِفَةُ كَمالٍ لا صِفَةُ نَقْصٍ. ومَن تَكَلَّمَ بِمَشِيئَةٍ أكْمَلَ مِمَّنْ لا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَةٍ. فَكَيْفَ يَتَّصِفُ المَخْلُوقُ بِصِفاتِ الكَمالِ دُونَ الخالِقِ؟ وأمّا الجَهْمِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ فَيَقُولُونَ: لَيْسَ لَهُ كَلامٌ قائِمٌ بِذاتِهِ. بَلْ كَلامُهُ مَخْلُوقٌ (p-٤١٢٢)مُنْفَصِلٌ عَنْهُ. والكِلابِيَّةُ يَقُولُونَ: هو مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ قُدْرَةٌ، ولا يَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ. والأشْعَرِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّ الكَلامَ مَعْنًى واحِدٌ لا يَتَبَعَّضُ ولا يَتَعَدَّدُ. وكُلُّ هَذِهِ أقْوالٌ باطِلَةٌ مُخالِفَةٌ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ، وإجْماعِ سَلَفِ الأُمَّةِ. مُبْتَدَعَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى أصْلٍ واحِدٍ. وهو قَوْلُهم إنَّ الرَّبَّ لا تَقُومُ بِهِ الأُمُورُ الِاخْتِيارِيَّةُ. فَلا يَقُومُ بِهِ كَلامٌ ولا فِعْلٌ بِاخْتِيارِهِ ومَشِيئَتِهِ. وهو أصْلٌ باطِلٌ مُخالِفٌ لِلنَّقْلِ والعَقْلِ. والقُرْآنُ الكَرِيمُ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِهِ في أكْثَرَ مِن مِائَةِ مَوْضِعٍ. وأمّا الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ فَلا يُمْكِنُ ضَبْطُها في هَذا البابِ. والصَّوابُ في هَذا البابِ وغَيْرِهِ، هو مَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها؟ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذا شاءَ وأنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ. وأنَّ كَلِماتِهِ لا نِهايَةَ لَها. وأنَّهُ نادى مُوسى بِصَوْتٍ سَمِعَهُ مُوسى. وإنَّما ناداهُ حِينَ أتى، لَمْ يُنادِهِ قَبْلَ ذَلِكَ. وأنَّ صَوْتَ الرَّبِّ لا يُماثِلُ أصْواتَ العِبادِ، كَما أنَّ عِلْمَهُ لا يُماثِلُ عِلْمَهم وقُدْرَتَهُ لا تُماثِلُ قُدْرَتَهم. وأنَّهُ سُبْحانَهُ بائِنٌ عَنْ مَخْلُوقاتِهِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ. لَيْسَ في مَخْلُوقاتِهِ شَيْءٌ مِن ذاتِهِ وصِفاتِهِ القائِمَةِ بِذاتِهِ. ولا في ذاتِهِ شَيْءٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ. وأنَّ أقْوالَ أهْلِ التَّعْطِيلِ والِاتِّحادِ، الَّذِينَ عَطَّلُوا الذّاتَ والصِّفاتِ أوِ الكَلامَ أوِ الأفْعالَ، باطِلَةٌ. وأقْوالُ أهْلِ الحُلُولِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالحُلُولِ في الذّاتِ والصِّفاتِ، باطِلَةٌ. هَذا ما أفادَهُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ والرِّضْوانُ.
وقالَ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ الآيَةَ: كَلِماتُ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها. وهَذا تَسَلْسُلٌ جائِزٌ كالتَّسَلْسُلِ في المُسْتَقْبَلِ. فَإنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ دائِمٌ لا نَفادَ لَهُ. فَما مِن شَيْءٍ إلّا وبَعْدَهُ شَيْءٌ بِلا نِهايَةٍ.
18:110Page 304
قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠
Say, "I am only a man like you, to whom has been revealed that your god is one God. So whoever would hope for the meeting with his Lord - let him do righteous work and not associate in the worship of his Lord anyone."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٠] ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ .
﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ والكافِرِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ: ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: خُصِّصْتُ بِالوَحْيِ وتَمَيَّزْتُ عَنْكم بِهِ ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو (p-٤١٢٣)لِقاءَ رَبِّهِ﴾ أيْ: يَخافُ المَصِيرَ إلَيْهِ، أوْ يَأْمُلُ لِقاءَهُ ورُؤْيَتَهُ، أوْ جَزاءَهُ الصّالِحَ وثَوابَهُ: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا﴾ أيْ: في نَفْسِهِ، لائِقًا بِذَلِكَ المَرْجُوِّ، وهو ما كانَ مُوافِقًا لِشَرْعِ اللَّهِ: ﴿ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ أيْ: مِن خَلْقِهِ إشْراكًا جَلِيًّا. كَما فَعَلَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ. ولا إشْراكًا خَفِيًّا. كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الرِّياءِ، ومَن يَطْلُبُ بِهِ أجْرًا مِنَ المَدْحِ وتَحْصِيلِ المالِ والجاهِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وإيثارُ وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ في المَوْضِعَيْنِ، مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ، لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ولِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ العُنْوانِ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ، ووُجُوبِ الِامْتِثالِ فِعْلًا وتَرْكًا.
ودَلَّتِ الآيَةُ -كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - عَلى أنَّ لِلْعَمَلِ المُتَقَبَّلِ رُكْنَيْنِ: كَوْنُهُ مُوافِقًا شَرْعَ اللَّهِ المُنْزَلَ، ومُخْلَصًا أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ تَعالى، لا يُخْلَطُ بِهِ غَيْرُهُ. وتَسْمِيَةُ الرِّياءِ شِرْكًا أصْغَرَ، ثَبَتَ في السُّنَّةِ، وصَحَّ فِيها حُبُوطُ العَمَلِ بِالرِّياءِ. ودُخُولُ الرِّياءِ في الآيَةِ، بِاعْتِبارِ عُمُومِ مَعْناها، وإنْ كانَ السِّياقُ في الشِّرْكِ الجَلِيِّ، لِلْخِطابِ مَعَ الجاحِدِينَ. واللَّهُ تَعالى هو المُوَفِّقُ والمُعِينُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences