Al-QasimiMaryam · 19:47–75

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:47–75

19:47Page 308

قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧

[Abraham] said, "Peace [i.e., safety] will be upon you.1 I will ask forgiveness for you of my Lord. Indeed, He is ever gracious to me.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٧] ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ .

﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ أيْ: مُبالِغًا في اللُّطْفِ بِي. وفي جَوابِهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ مُقابَلَةُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] أيْ: لا أُصِيبُكَ بِمَكْرُوهٍ بَعْدُ. ولَكِنْ سَأدْعُو رَبِّي أنْ يَغْفِرَ لَكَ. كَما قالَ: ﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ [الشعراء: ٨٦] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مُتارَكَةِ المَنصُوحِ، والحالُ هَذِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دَعا لَهُ بِالسَّلامَةِ، اسْتِمالَةً لَهُ. ألا تَرى أنَّهُ وعَدَهُ بِالِاسْتِغْفارِ؟

وفِي (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى جَوازِ ابْتِداءِ الكافِرِ بِالسَّلامِ.

(p-٤١٤٨)وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدِ اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ ﷺ لِأبِيهِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وبَعْدَ أنْ هاجَرَ إلى الشّامِ وبَنى المَسْجِدَ الحَرامَ. وبَعْدَ أنْ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وإسْحاقُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] وقَدِ اسْتَغْفَرَ المُسْلِمُونَ لِقَراباتِهِمْ وأهْلِيهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ في ابْتِداءِ الإسْلامِ. وذَلِكَ اقْتِداءً بِإبْراهِيمَ الخَلِيلِ في ذَلِكَ. حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] يَعْنِي إلّا في هَذا القَوْلِ، فَلا تَتَأسَّوْا بِهِ.

19:48Page 308

وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨

And I will leave you and those you invoke other than Allāh and will invoke1 my Lord. I expect that I will not be in invocation to my Lord unhappy [i.e., disappointed]."

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ أقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ ورَجَعَ عَنْهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] وقَوْلُهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٨] ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وأدْعُو رَبِّي عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ .

﴿وأعْتَزِلُكُمْ﴾ أيْ: أتَباعَدُ عَنْكَ وعَنْ قَوْمِكَ بِالهِجْرَةِ: ﴿وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن أصْنامِكم.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِالدُّعاءِ العِبادَةُ، لِأنَّهُ مِنها ومِن وسائِطِها. ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ««الدُّعاءُ هو العِبادَةُ»» . ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٩] (p-٤١٤٩)﴿وأدْعُو رَبِّي﴾ أيْ: أعْبُدُهُ وحْدَهُ: ﴿عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أيْ: خائِبًا ضائِعَ السَّعْيِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِشَقاوَتِهِمْ بِدُعاءِ آلِهَتِهِمْ، مَعَ التَّواضُعِ لِلَّهِ بِكَلِمَةِ: عَسى، وما فِيهِ مِن هَضْمِ النَّفْسِ ومُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الإجابَةَ والإثابَةَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنهُ تَعالى.

19:49Page 308

فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا ٤٩

So when he had left them and those they worshipped other than Allāh, We gave him Isaac and Jacob, and each [of them] We made a prophet.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٩] ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ .

﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ بِالمُهاجَرَةِ إلى الشّامِ: ﴿وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ أيْ: جَعَلْنا لَهُ بَنِينَ وحَفَدَةً، أنْبِياءَ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِهِمْ في حَياتِهِ بَدَلَ مَن فارَقَهم مِن أقْرِبائِهِ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ.

19:50Page 308

وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠

And We gave them of Our mercy, and We made for them a mention [i.e., reputation] of high honor.

وقَوْلُهُ تَعالى:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٠] ﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ .

﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ أيْ: ما عُرِفَ فِيهِمْ مِنَ النُّبُوَّةِ والذُّرِّيَّةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ وحَوْزَةِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ: ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ أيْ: ثَناءً حَسَنًا. عَبَّرَ بِاللِّسانِ عَمّا يُوجَدُ بِاللِّسانِ. كَما عَبَّرَ بِـ(اليَدِ) عَمّا يُطْلَقُ بِاليَدِ وهي العَطِيَّةُ. وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ ووَصْفُهُ بِالعُلُوِّ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما يُثْنِي عَلَيْهِمْ، وأنَّ مُجاهَدَتَهم لا تَخْفى.

19:51–52Page 308

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥١

And mention in the Book, Moses. Indeed, he was chosen, and he was a messenger and a prophet.1

وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا ٥٢

And We called him from the side of the mount1 at [his] right and brought him near, confiding [to him].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥١] ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ [٥٢] ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] .

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا﴾ بِكَسْرِ اللّامِ أيْ: أخْلَصَ العِبادَةَ (p-٤١٥٠)عَنِ الشِّرْكِ وأسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ. وقُرِئَ بِفَتْحِهِ. أيْ: أخْلَصَهُ اللَّهُ، أيِ: اصْطَفاهُ، كَما قالَ: ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤] ﴿وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] أيْ: مِن جانِبِهِ الأيْمَنِ مِن مُوسى حِينَ ذَهَبَ يَبْتَغِي مِن تِلْكَ النّارِ جَذْوَةً، فَرَآها تَلُوحُ فَقَصَدَها فَوَجَدَها ثَمَّةَ. فَنُودِيَ عِنْدَها: ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] أيْ: مُناجِيًا، أيْ: كَلِيمًا. إذْ كَلَّمْناهُ بِلا واسِطَةٍ.

19:53Page 309

وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا ٥٣

And We gave him out of Our mercy his brother Aaron as a prophet.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٣] ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ .

﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ لِيَشُدَّ أزْرَهُ في أداءِ الرِّسالَةِ.

19:54–55Page 309

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤

And mention in the Book, Ishmael. Indeed, he was true to his promise, and he was a messenger and a prophet.

وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا ٥٥

And he used to enjoin on his people prayer and zakāh and was to his Lord pleasing [i.e., accepted by Him].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٤] ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ [٥٥] ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥] .

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ﴾ وهو ابْنُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. وإنَّما فَصَّلَ ذِكْرَهُ عَنْ ذِكْرِ أبِيهِ وأخِيهِ، لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِهِ، بِإيرادِهِ مُسْتَقِلًّا. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ. وإيرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا الوَصْفِ، وإنْ شارَكَهُ فِيهِ بَقِيَّةُ الأنْبِياءِ، تَشْرِيفًا لَهُ وإكْرامًا. ولِأنَّهُ المَشْهُورُ مِن خِصالِهِ. وناهِيكَ أنَّهُ وعَدَ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ، فَوَفّى بِهِ حَيْثُ قالَ: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ، وهَذا أعْظَمُ ما يُتَصَوَّرُ فِيهِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ بِعِظَمِ هَذِهِ الخِلَّةِ. ولِذا كانَ ضِدُّها نِفاقًا، كَما صَرَّحَتْ بِهِ الأخْبارُ ﴿وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مريم: ٥٥] أيْ: كانَ يَبْدَأُ أهْلَهُ في الأمْرِ بِالصَّلاحِ والعِبادَةِ لِيَجْعَلَهم قُدْوَةً لِمَن وراءَهم. ولِأنَّهم أوْلى مِن سائِرِ النّاسِ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ (p-٤١٥١)الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه: ١٣٢] ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التحريم: ٦] ألا تَرى أنَّهم أحَقُّ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ؟ فالإحْسانُ الدِّينِيُّ أوْلى. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ﴿وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥] أيْ: لِاتِّصافِهِ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ الَّتِي مِنها ما ذُكِرَ. وقَوْلُهُ تَعالى:

19:56–57Page 309

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦

And mention in the Book, Idrees. Indeed, he was a man of truth and a prophet.

وَرَفَعۡنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا ٥٧

And We raised him to a high station.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٦] ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [٥٧] ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] .

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] هو شَرَفُ النُّبُوَّةِ والزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. فالعُلُوُّ مَعْنَوِيٌّ. أوْ رَفَعَهُ بِجَسَدِهِ حَيًّا إلى السَّماءِ. قالَ الشِّهابُ: قِيلَ: والثّانِي أقْرَبُ لِأنَّ الرَّفْعَةَ المُقْتَرِنَةَ بِالمَكانِ لا تَكُونُ مَعْنَوِيَّةً، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ ورَدَ مِثْلُهُ بَلْ ما هو أظْهَرُ مِنهُ، كَقَوْلِهِ:

؎وكُنْ في مَكانٍ إذا ما سَقَطْتَ تَقُومُ ورِجْلاكَ في عافِيَةٍ

انْتَهى. ومِمّا يُؤَيِّدُ الثّانِيَ ما رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسٍ في حَدِيثِ المِعْراجِ؛ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ رَأى إدْرِيسَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ. وإدْرِيسُ هو إلْياسُ الآتِي ذِكْرُهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ. ويُسَمّى في التَّوْراةِ إيلِيا. ولِرَفْعِهِ إلى السَّماءِ فِيها نَبَأٌ عَجِيبٌ، قَدْ يَكُونُ التَّنْزِيلُ الكَرِيمُ في هَذِهِ الآيَةِ أشارَ إلَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ.

19:58Page 309

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا۩ ٥٨

Those were the ones upon whom Allāh bestowed favor from among the prophets of the descendants of Adam and of those We carried [in the ship] with Noah, and of the descendants of Abraham and Israel [i.e., Jacob], and of those whom We guided and chose. When the verses of the Most Merciful were recited to them, they fell in prostration and weeping.

وقَوْلُهُ تَعالى:

(p-٤١٥٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٨] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ .

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ في السُّورَةِ مِن لَدُنْ زَكَرِيّا إلى إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ، لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِفُنُونِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا﴾ أيْ: هَدَيْناهم لِلْحَقِّ واجْتَبَيْناهم لِلنُّبُوَّةِ والكَرامَةِ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ أيْ: إذا سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ المُتَضَمِّنِ حُجَجَهُ ودَلائِلَهُ وبَراهِينَهُ، سَجَدُوا لِرَبِّهِمْ خُضُوعًا واسْتِكانَةً. مَعَ ما لَهم مِن عُلُوِّ الرُّتْبَةِ. وسُمُوِّ الزُّلْفى عِنْدَهُ تَعالى. وفي الآيَةِ اسْتِحْبابُ السُّجُودِ والبُكاءِ عِنْدَ سَماعِ التِّلاوَةِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ هَهُنا، اقْتِداءً بِهِمْ، واتِّباعًا لِمِنوالِهِمْ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ سُورَةَ مَرْيَمَ فَسَجَدَ. وقالَ: هَذا السُّجُودُ فَأيْنَ البُكِيُّ.

19:59Page 309

۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا ٥٩

But there came after them successors [i.e., later generations] who neglected prayer and pursued desires; so they are going to meet evil1 -

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حِزْبَ السُّعَداءِ، وهُمُ الأنْبِياءُ ومَنِ اتَّبَعَهم مِنَ القائِمِينَ بِحُدُودِ اللَّهِ وأوامِرِهِ ذَكَرَ مَن نَبَذَ دَعْوَتَهم مِمَّنْ خَلْفَهُمْ، وما سَيَنالُهُمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

(p-٤١٥٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٩] ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ .

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ﴾ وقُرِئَ (الصَّلَواتِ) بِالجَمْعِ أيِ: المُتَضَمِّنَةُ لِلسُّجُودِ والأذْكارِ، المُسْتَدْعِيَةُ لِلْبُكاءِ. وإذا أضاعُوها، فَهم لِما سِواها مِنَ الواجِباتِ أضْيَعُ. لِأنَّها عِمادُ الدِّينِ وقِوامُهُ وخَيْرُ أعْمالِ العِبادِ: ﴿واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ أيْ: فَأتَوْا بِما يُنافِي البُكاءَ والأُمُورَ المُرْضِيَةَ مِنَ الأخْلاقِ والأعْمالِ، مِن الِانْهِماكِ في المَعاصِي الَّتِي هي بَرِيدُ الكُفْرِ: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ أيْ: شَرًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كُلُّ شَرٍّ عِنْدَ العَرَبِ غَيٌّ، وكُلُّ خَيْرٍ رَشادٌ. قالَ المُرَقَّشُ:

؎فَمِن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما

أيْ مَن يَفْعَلْ خَيْرًا، يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ. ومَن يَفْعَلُ الشَّرَّ لا يَعْدَمُ اللَّوائِمَ عَلى فِعْلِهِ. وقِيلَ: أرادَ الشّاعِرُ بِالخَيْرِ المالَ. وبِالغَيِّ الفَقْرَ أيْ: ومَن يَفْتَقِرُ. ومِنهُ القائِلُ:

؎والنّاسُ مَن يَلْقَ خَيْرًا قائِلُونَ لَهُ ∗∗∗ ما يَشْتَهِي. ولِأُمِّ المُخْطِئِ الهَبَلُ

أيِ الثَّكَلُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى جَزاءَ غَيٍّ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] أيْ: شَرًّا وعِقابًا. فَأطْلَقَ عَلَيْهِ كَما أطْلَقَ الغَيَّ عَلى مَجازاتِهِ المُسَبَّبَةِ عَنْهُ، مَجازًا أوْ: غَيًّا ضَلالًا عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ. فَهو بِمَعْناهُ المَشْهُورِ.

19:60–61Page 309

إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا ٦٠

Except those who repent, believe and do righteousness; for those will enter Paradise and will not be wronged at all.

جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا ٦١

[Therein are] gardens of perpetual residence which the Most Merciful has promised His servants in the unseen. Indeed, His promise has ever been eminent.1

(p-٤١٥٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٠] ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [٦١] ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] .

﴿إلا مَن تابَ﴾ أيْ: عَنْ تَرْكِ الصَّلَواتِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ: ﴿وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١] مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرِ العائِدِ إلى الجَنّاتِ. أوْ مِن عِبادِهِ أيْ: وعَدَها إيّاهم مُلْتَبِسَةً أوْ مُلْتَبِسِينَ بِالغَيْبِ. أيْ: غائِبَةً عَنْهم غَيْرَ حاضِرَةٍ. أوْ غائِبِينَ عَنْها لا يَرَوْنَها، وإنَّما آمَنُوا بِها بِمُجَرَّدِ الأخْبارِ. أوْ بِمُضْمَرٍ هو سَبَبٌ لِلْوَعْدِ أيْ: وعَدَها إيّاهم بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] أيْ: لا يَخْلُفُهُ.

19:62–63Page 309

لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمٗاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ٦٢

They will not hear therein any ill speech - only [greetings of] peace - and they will have their provision therein, morning and afternoon.

تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا ٦٣

That is Paradise, which We give as inheritance to those of Our servants who were fearing of Allāh.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٢] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلا سَلامًا ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [٦٣] ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] .

﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلا سَلامًا﴾ أيْ: لا يَسْمَعُونَ فِيها فُضُولَ كَلامٍ لا طائِلَ تَحْتَهُ. وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ صُدُورِ اللَّغْوِ عَنْ أهْلِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فِيهِ تَنْبِيهٌ ظاهِرٌ عَلى وُجُوبِ تَجَنُّبِ اللَّغْوِ واتِّقائِهِ. حَيْثُ نَزَّهَ اللَّهُ عَنْهُ الدّارَ الَّتِي لا تَكْلِيفَ فِيها. وما أحْسَنَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ اللَّغْوِ والجَهْلِ والخَوْضِ فِيما لا يَعْنِينا.

(p-٤١٥٥)ومَعْنى: ﴿إلا سَلامًا﴾ أيْ: تَسْلِيمًا. تَسْلِيمَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، أوْ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ كَما قالَ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] وهُمُ المُتَّصِفُونَ بِشُعَبِ الإيمانِ، المَسْرُودَةِ في مَواضِعَ شَتّى مِن آيِ القُرْآنِ. ولِما قَصَّ سُبْحانَهُ مِن أنْباءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما قَصَّ، مُثْبِتًا لَهُ، وعَقَّبَهُ بِما أحْدَثَهُ الخَلَفُ، وذَكَرَ جَزاءَهم -عَقِبَهُ بِحِكايَةِ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، رَدًّا لِما زَعَمَهُ المُشْرِكُونَ مِن أنَّهُ كانَ يَقْلُوهُ فَلا يَزُورُهُ، تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ، وإعْلامًا بِأنَّ الحالَ لَيْسَ عَلى ما زَعَمَهُ هَؤُلاءِ الخَلَفُ. فَقالَ سُبْحانَهُ:

19:64Page 309

وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ٦٤

[Gabriel said],1 "And we [angels] descend not except by the order of your Lord. To Him belongs that before us and that behind us and what is in between. And never is your Lord forgetful -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٤] ﴿وما نَتَنَـزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ .

﴿وما نَتَنَـزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أيْ: يَنْسى شَيْئًا ما، بَلْ لا يَفِيضُ عِلْمًا ولا يَنْزِلُ مَلَكًا إلّا لِحِكْمَةٍ يَسْتَعِدُّ لَها الحالُ، أيْ: فَلَيْسَ عَدَمُ النُّزُولِ إلّا لِعَدَمِ الأمْرِ بِهِ، ولَمْ يَكُنْ لِتَرْكِهِ تَعالى لَكَ وتَوْدِيعِهِ إيّاكَ. وفي إعادَةِ اسْمِ الرَّبِّ المُعْرِبِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ اللّائِقِ، مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن تَشْرِيفِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، ما لا يَخْفى. وقَوْلُهُ تَعالى:

19:65Page 310

رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا ٦٥

Lord of the heavens and the earth and whatever is between them - so worship Him and have patience for His worship. Do you know of any similarity to Him?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٥] ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ .

﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: مِنَ التَّوابِعِ والنَّجْمِيّاتِ والسُّحُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ. (p-٤١٥٦)قالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّماواتِ أكْثَرُ مِن سَبْعٍ. وأنَّ ذِكْرَ السَّبْعِ لَيْسَ لِلْحَصْرِ كَما قَدَّمْناهُ في البَقَرَةِ، مِن أنَّ السَّماواتِ عُنِيَ بِها الكَواكِبُ، والأرْضُ كَوْكَبٌ مِنها. قالَ أبُو السُّعُودِ: الآيَةُ بَيانٌ لِاسْتِحالَةِ النِّسْيانِ عَلَيْهِ تَعالى. فَإنَّ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَحُومَ حَوْلَ ساحَةِ سُبُحاتِهِ الغَفْلَةُ والنِّسْيانُ. وهو خَبَرٌ مَحْذُوفٌ. أوْ بَدَلٌ مِن (رَبِّكَ) فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ أيِ: اثْبُتْ لَها عَلى الدَّوامِ. وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أيْ: مِثْلًا وكُفْؤًا، فَتَلْتَفِتُ إلَيْهِ وتُقْبِلُ بِوَجْهِكَ نَحْوَهُ، فَيَفِيضُ عَلَيْكَ مَطْلُوبُكَ. والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِوُجُوبِ عِبادَتِهِ وحْدَهُ. أيْ: إذا صَحَّ أنْ لا مِثْلَ لَهُ، ولا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ التَّسْلِيمِ لِأمْرِهِ والقِيامِ بِعِبادَتِهِ، والِاصْطِبارِ عَلى مَشاقِّها.

19:66Page 310

وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا ٦٦

And man [i.e., the disbeliever] says, "When I have died, am I going to be brought forth alive?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٦] ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ .

﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ أيْ: يَقُولُ بِطَرِيقِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ: أأُخْرَجُ بَعْدَ ما لَبِثْتُ في القَبْرِ مُدَّةً.

19:67Page 310

أَوَلَا يَذۡكُرُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ يَكُ شَيۡـٔٗا ٦٧

Does man not remember that We created him before, while he was nothing?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٧] ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ .

﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ أيْ: قَبْلَ جَعْلِهِ تُرابًا ونُطْفَةً. وكانَ عَدَمًا صِرْفًا لا وُجُودَ لَهُ في الأعْيانِ. فَلا تَبْعُدُ إعادَتُهُ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي الإظْهارِ مَوْضِعِ الإضْمارِ، زِيادَةُ التَّقْرِيرِ بِأنَّ الإنْسانِيَّةَ مِن دَواعِي التَّفَكُّرِ فِيما جَرى عَلَيْهِ مِن شُؤُونِ التَّكْوِينِ المُنْخِيَةِ بِالقَلْعِ عَنِ القَوْلِ المَذْكُورِ. وهو السِّرُّ في إسْنادِهِ إلى الجِنْسِ أوْ إلى الفَرْدِ بِذَلِكَ العُنْوانِ. أيْ: ما أعْجَبَ الإنْسانَ في إنْكارِهِ وعَدَمِ تَذَكُّرِهِ لِما ذَكَرَ، وهو الَّذِي أعْطى العَقْلَ لِيَنْظُرَ في العَواقِبِ، وأنْعَمَ عَلَيْهِ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، لِيَعْرِفَ المُنْعِمَ فَيَشْكُرُهُ، ويَعْبُدُهُ فَيُجازى عَلى فِعْلِهِ.

19:68Page 310

فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا ٦٨

So by your Lord, We will surely gather them and the devils; then We will bring them to be present around Hell upon their knees.1

(p-٤١٥٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٨] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ .

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ﴾ أيْ: لَنَحْشُرَنَّ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ مَعَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ أغْوَوْهم وأضَلُّوهم عَنِ الحَقِّ: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ جَمْعُ جاثٍ. مِن جَثا إذا قَعَدَ عَلى رُكْبَتَيْهِ. وذَلِكَ لِهَوْلِ المَطْلَعِ. فَلا يَسْتَطِيعُونَ قِيامًا. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨]

19:69Page 310

ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمۡ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ عِتِيّٗا ٦٩

Then We will surely extract from every sect those of them who were worst against the Most Merciful in insolence.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٩] ﴿ثُمَّ لَنَنْـزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ .

﴿ثُمَّ لَنَنْـزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ أيْ: لَنُخْرِجَنَّ إلى النّارِ، مِن كُلِّ فِرْقَةٍ، الَّذِي هو أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ، الَّذِي رَحِمَهُ بِإنْزالِ الكِتابِ وإرْسالِ الرَّسُولِ وتَعْرِيفِ مَضارِّ الشَّهَواتِ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ ﴿عِتِيًّا﴾ أيْ: جَرّاءَةً، بِإيثارِ الشَّهَواتِ عَلى أمْرِهِ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِ.

19:70Page 310

ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِيّٗا ٧٠

Then, surely it is We who are most knowing of those most worthy of burning therein.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٠] ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ .

﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ وهُمُ المُنْتَزِعُونَ. فَإنَّهم أوْلى الشِّيَعِ. إذْ ضَلُّوا، لِأجْلِ لَذّاتِ الدُّنْيا وشَهَواتِها. فَصارُوا أوْلى بِالصِّلِيِّ بِها. فَيَخُصُّونَ بِعَذابٍ مُضاعَفٍ.

19:71Page 310

وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا ٧١

And there is none of you except he will come to it.1 This is upon your Lord an inevitability decreed.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧١] ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ .

﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ أيْ: لَيْسَ أحَدٌ مِنكُمْ، مِن بَرٍّ وفاجِرٍ، إلّا وهو يَرِدُها ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ: حُكْمًا جَزْمًا مَقْطُوعًا بِهِ.

19:72Page 310

ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا ٧٢

Then We will save those who feared Allāh and leave the wrongdoers within it, on their knees.

(p-٤١٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٢] ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ .

﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ الوُرُودِ والإحْضارِ لِلتَّعْرِيفِ: ﴿نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ أيْ: لا يُمْكِنُهُمُ التَّجاوُزُ عَنْها.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوُرُودِ، الجُثُوُّ حَوالَيْها. وأنَّ المُؤْمِنِينَ يُفارِقُونَ الكَفَرَةَ إلى الجَنَّةِ، بَعْدَ تَجاثِيهِمْ. وتَبْقى الكَفَرَةُ في مَكانِهِمْ جاثِينَ.

19:73Page 310

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ خَيۡرٞ مَّقَامٗا وَأَحۡسَنُ نَدِيّٗا ٧٣

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say to those who believe, "Which of [our] two parties is best in position and best in association?"1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٣] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ .

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا﴾ أيْ: مَوْضِعًا ومَكانًا: ﴿وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ أيْ: مُجْتَمَعًا لِلْقَوْمِ، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ إذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ تَعالى بَيِّنَةَ الحُجَّةِ واضِحَةَ البُرْهانِ عَلى مَقاصِدِها، أعْرَضُوا وأخَذُوا يَحْتَجُّونَ عَلى فَضْلِ ما هم عَلَيْهِ بِكَوْنِهِمْ أوْفَرَ حَظًّا مِنَ الدُّنْيا، لِكَوْنِهِمْ أحْسَنَ مَنازِلَ وأرْفَعَ دُورًا وأعْمَرَ نادِيًا وأكْثَرَ طارِقًا ووارِدًا، أيْ: فَكَيْفَ نَكُونُ ونَحْنُ بِهَذِهِ المَثابَةِ عَلى باطِلٍ، وأُولَئِكَ الَّذِينَ هم مُخْتَفُونَ في دارِ الأرْقَمِ بْنِ أبِي الأرْقَمِ عَلى الحَقِّ؟ كَما قالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْهُمْ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] وقالَ قَوْمُ نُوحٍ: ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] وقالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]

وكَذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِمْ شُبْهَتَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

19:74Page 310

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا ٧٤

And how many a generation have We destroyed before them who were better in possessions and [outward] appearance?

(p-٤١٥٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٤] ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ .

﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا﴾ أيْ: مَتاعًا: ﴿ورِئْيًا﴾ أيْ: مَنظَرًا وهَيْئَةً مِن عِظَمِ الجاهِ، فَما أغْنى عَنْهم مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا. كَما قالَ تَعالى عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُغْرَقِينَ:﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] و: ﴿ورِئْيًا﴾ فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالطِّحْنِ.

19:75Page 310

قُلۡ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَٰلَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَدًّاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلۡعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضۡعَفُ جُندٗا ٧٥

Say, "Whoever is in error - let the Most Merciful extend for him an extension [in wealth and time] until, when they see that which they were promised - either punishment [in this world] or the Hour [of resurrection] - they will come to know who is worst in position and weaker in soldiers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٥] ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ .

﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ أيْ: مَن كانَ مَغْمُورًا بِالجَهْلِ والغَفْلَةِ عَنْ عَواقِبِ الأُمُورِ. وهُمُ المَذْكُورُونَ قَبْلُ، ومَن شاكَلَهم ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ أيْ: يَمُدُّ لَهُ ويُمْهِلُهُ بِطُولِ العُمُرِ وإعْطاءِ المالِ. وإخْراجُهُ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ، لِقَطْعِ المَعاذِيرِ. كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] أوْ لِلِاسْتِدْراجِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] وقِيلَ المُرادُ بِهِ الدُّعاءُ بِالمَدِّ والتَّنْفِيسِ والإمْهالِ. أيْ: فَأمْهَلَهُ اللَّهُ فِيما هو فِيهِ حَتّى يَلْقى رَبَّهُ ويَنْقَضِيَ أجَلَهُ، إمّا بِعَذابٍ يُصِيبُهُ، وإمّا السّاعَةُ بَغْتَةً. وقَدْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ غايَةَ المَدِّ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ أيْ: فِئَةً وأنْصارًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском