Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:116–123
2:116Page 18
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ بَل لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ١١٦
They say, "Allāh has taken a son." Exalted is He!1 Rather, to Him belongs whatever is in the heavens and the earth. All are devoutly obedient to Him,
(p-٢٣٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٦ ] ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾
﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ يُرِيدُ الَّذِينَ قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَأكْذَبَ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَهم في دَعْواهم وقَوْلِهِمْ: إنَّ لِلَّهِ ولَدًا. فَقالَ "سُبْحانَهُ" أيْ تَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ عَمّا زَعَمُوا تَنَزُّهًا بَلِيغًا. وكَلِمَةُ "بَلْ" لِلْإضْرابِ عَمّا تَقْتَضِيهِ مَقالَتُهُمُ الباطِلَةُ مِن مُجانَسَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِشَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ. أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، بَلْ هو خالِقُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عُزَيْرٌ والمَسِيحُ والمَلائِكَةُ، والتَّنْوِينُ في "كُلٌّ" عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. أيْ كُلُّ ما فِيهِما، كائِنًا ما كانَ مِن أُولِي العِلْمِ وغَيْرِهِمْ "لَهُ قانِتُونَ" مُنْقادُونَ، لا يَسْتَعْصِي شَيْءٌ مِنهم عَلى تَكْوِينِهِ وتَقْدِيرِهِ ومَشِيئَتِهِ، ومَن كانَ هَذا شَأْنُهُ لَمْ يُتَصَوَّرْ مُجانَسَتُهُ لِشَيْءٍ، ومِن حَقِّ الوَلَدِ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الوالِدِ.
قالَ الرّاغِبُ في تَفْسِيرِهِ: نَبَّهَ عَلى أقْوى حُجَّةٍ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ. وبَيانُها: هو أنَّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ في العالَمِ، مَخْلُوقًا طَبِيعِيًّا، أوْ مَعْمُولًا صِناعِيًّا، غَرَضًا وكَمالًا أُوجِدَ لِأجْلِهِ. وإنْ كانَ قَدْ يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ عَلى سَبِيلِ العَرْضِ، كاليَدِ لِلْبَطْشِ، والرِّجْلِ لِلْمَشْيِ، والسِّكِّينِ لِقَطْعٍ مَخْصُوصٍ، والمِنشارِ لِلنَّشْرِ، وإنْ كانَتِ اليَدُ قَدْ تَصْلُحُ لِلْمَشْيِ في حالٍ، والرِّجْلُ لِلتَّناوُلِ، لَكِنْ لَيْسَ عَلى التَّمامِ.
والغَرَضُ في الوَلَدِ لِلْإنْسانِ إنَّما هو لِأنْ يَبْقى بِهِ نَوْعُهُ، وجُزْءٌ مِنهُ، لَمّا لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ سَبِيلًا إلى بَقائِهِ بِشَخْصِهِ، فَجَعَلَ لَهُ بَذْرًا لِحِفْظِ نَوْعِهِ. ويُقَوِّي ذَلِكَ، أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ وسائِرِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ بَذْرًا واسْتِخْلافًا، لَمّا لَمْ يَجْعَلْ لَها فَناءَ النَّباتِ والحَيَوانِ.
ولِما كانَ اللَّهُ تَعالى هو الباقِيَ الدّائِمَ، بِلا ابْتِداءٍ ولا انْتِهاءٍ، لَمْ يَكُنْ لِاتِّخاذِهِ الوَلَدَ لِنَفْسِهِ مَعْنًى، ولِهَذا قالَ: ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١] أيْ هو مُنَزَّهٌ عَنِ السَّبَبِ المُقْتَضِي لِلْوَلَدِ. (p-٢٣٣)ثُمَّ لَمّا كانَ اقْتِناءُ الوَلَدِ لِفَقْرٍ ما، وذَلِكَ لِما تَقَدَّمَ، أنَّ الإنْسانَ افْتَقَرَ إلى نَسْلٍ يَخْلُفُهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ كامِلٍ إلى نَفْسِهِ - بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أنَّهُ لا يُتَوَهَّمُ لَهُ فَقَرٌ، فَيَحْتاجُ إلى اتِّخاذِ ما هو سَدٌّ لِفَقْرِهِ، فَصارَ في قَوْلِهِ "لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ" دَلالَةٌ ثانِيَةٌ، ثُمَّ زادَ حُجَّةً بِقَوْلِهِ "قانِتُونَ" وهو أنَّهُ لَمّا كانَ الوَلَدُ يُعْتَقَدُ فِيهِ خِدْمَةُ الأبِ، ومُظاهَرَتُهُ كَما قالَ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢] بَيَّنَ أنَّ كُلَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، مَعَ كَوْنِهِ مُلْكًا لَهُ، قانِتٌ أيْضًا، إمّا طائِعًا، وإمّا كارِهًا، وإمّا مُسَخَّرًا. كَقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وهَذا أبْلَغُ حُجَّةً لِمَن هو عَلى المَحَجَّةِ.
ثُمَّ قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ مِن أيْنَ وقَعَ لَهُمُ الشُّبْهَةُ في نِسْبَةِ الوَلَدِ إلى اللَّهِ تَعالى ؟ قِيلَ قَدْ ذُكِرَ في الشَّرائِعِ المُتَقَدِّمَةِ: كانُوا يُطْلِقُونَ عَلى البارِئِ تَعالى اسْمَ الأبِ وعَلى الكَبِيرِ مِنهُمُ اسْمَ الإلَهِ، حَتّى إنَّهم قالُوا: إنَّ الأبَ هو الرَّبُّ الأصْغَرُ وإنَّ اللَّهَ هو الأبُ الأكْبَرُ، وكانُوا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أنَّهُ تَعالى هو السَّبَبُ الأوَّلُ في وُجُودِ الإنْسانِ، وإنَّ الأبَ هو السَّبَبُ الأخِيرُ في وُجُودِهِ وإنَّ الأبَ هو مَعْبُودُ الِابْنِ مِن وجْهٍ أيْ مَخْدُومُهُ. وكانُوا يَقُولُونَ لِلْمَلائِكَةِ: آلِهَةٌ. كَما (p-٢٣٤)قالَتِ العَرَبُ لِلشَّمْسِ: إلاهَةٌ، وكانُوا يَقْصِدُونَ مَعْنًى صَحِيحًا كَما يَقْصِدُ عُلَماؤُنا بِقَوْلِهِمُ: اللَّهُ مُحِبٌّ ومَحْبُوبٌ، ومُرِيدٌ ومُرادٌ ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الألْفاظِ. كَما يُقالُ لِلسُّلْطانِ: المَلِكُ، وقَوْلُ النّاسِ: رَبُّ الأرْبابِ وإلَهُ الآلِهَةِ ومَلِكُ المُلُوكِ، مِمّا يَكْشِفُ عَنْ تَقَدُّمِ ذَلِكَ التَّعارُفِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ ما يُرْوى أنَّ يَعْقُوبَ كانَ يُقالُ لَهُ بِكْرُ اللَّهِ، وأنَّ عِيسى كانَ يَقُولُ: أنا ذاهِبٌ إلى أبِي. ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الألْفاظِ، ثُمَّ تَصَوَّرَ الجَهَلَةُ مِنهم، بِأُخَرَةٍ، مَعْنى الوِلادَةِ الطَّبِيعِيَّةِ. فَصارَ ذَلِكَ مَنهِيًّا عَنِ التَّفَوُّهِ بِهِ في شَرْعِنا، تَنَزُّهًا عَنْ هَذا الِاعْتِقادِ، حَتّى صارَ إطْلاقُهُ، وإنْ قَصَدَ بِهِ ما قَصَدَهُ هَؤُلاءِ، قَرِينُ الكُفْرِ، اهـ كَلامُ الرّاغِبِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
2:117Page 18
بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ١١٧
Originator of the heavens and the earth. When He decrees a matter, He only says to it, "Be," and it is.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٧ ] ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
"بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ" أيْ مُبْدِعُهُما وخالِقُهُما عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ. وكُلُّ مَن فَعَلَ ما لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ يُقالُ لَهُ: أبْدَعْتَ. ولِهَذا قِيلَ لِمَن خالَفَ السُّنَّةَ والجَماعَةَ: مُبْتَدِعٌ، لِأنَّهُ يَأْتِي في دِينِ الإسْلامِ، ما لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حُجَّةٌ أُخْرى لِدَفْعِ تَشَبُّثِهِمْ في وِلادَةِ عِيسى بِلا أبٍ، وعِلْمِ عُزَيْرٍ بِالتَّوْراةِ بِلا تَعَلُّمٍ. وتَقْرِيرُ الحُجَّةِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مُبْدِعُ الأشْياءِ كُلِّها. فَلا يَبْعُدُ أنْ يُوجِدَ أحَدًا بِلا أبٍ، أوْ يَعْلَمَ بِلا واسِطَةِ بَشَرٍ. وقالَ الرّاغِبُ: ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حُجَّةً رابِعَةً. شَرْحُها: إنَّ الأبَ هو عُنْصُرٌ لِلِابْنِ. مِنهُ تَكَوَّنَ. واللَّهُ مُبْدِعُ الأشْياءِ كُلِّها، فَلا يَكُونُ عُنْصُرًا لِلْوَلَدِ، فَمِنَ المُحالِ أنْ يَكُونَ المُنْفَعِلُ فاعِلًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا أرادَ أمْرًا. والقَضاءُ إنْفاذُ المُقَدَّرِ. والمُقَدَّرُ ما حَدَّ مِن مُطْلَقِ المَعْلُومِ. قالَ الرّاغِبُ: القَضاءُ إتْمامُ الشَّيْءِ قَوْلًا أوْ فِعْلًا، فَمِنَ القَوْلِ آيَةُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] (p-٢٣٥)﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسراء: ٤] ومِنَ الفِعْلِ قَوْلُهُ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] وقَضى فُلانٌ دَيْنَهُ، وقَضى نَحْبَهُ، وانْقَضى الأمْرُ. (ثُمَّ قالَ) ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ "وإذا قَضى أمْرًا" عَلى حُجَّةٍ خامِسَةٍ وهو أنَّ الوَلَدَ يَكُونُ بِنُشُوءٍ وتَرْكِيبٍ، حالًا بَعْدَ حالٍ. وهو إذا أرادَ شَيْئًا، فَقَدْ فَعَلَ بِلا مُهْلَةٍ. ولَمْ يُرَدْ بِـ "إذا" حَقِيقَةُ الزَّمانِ، إذْ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ما قَبْلَ وُجُودِ الزَّمانِ. ولَمْ يُرَدْ أيْضًا بِـ "كُنْ" حَقِيقَةُ اللَّفْظِ، ولا بِالفاءِ التَّعْقِيبُ الزَّمانِيُّ. بَلِ اسْتُعِيرَ كُلُّ ذَلِكَ لِأنَّهُ أقْرَبُ ما يَتَراءى لَنا بِهِ سُرْعَةَ الفِعْلِ وتَمامَهُ، وذُكِرَ لَفْظُ القَضاءِ إذْ هو لِإتْمامِ الفِعْلِ، والأمْرُ لِكَوْنِهِ مُنْطَوِيًا عَلى اللَّفْظِ والفِعْلِ، والقَوْلُ إذْ هو أخَفُّ مُوجِدٍ مِنّا وأسْرَعُهُ إيجادًا، ولَفْظُ "كُنْ" لِعُمُومِ مَعْناهُ واخْتِصارِ لَفْظِهِ، ثُمَّ قالَ "فَيَكُونُ" تَنْبِيهًا لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ يُرِيدُ إيجادَهُ. و"كُنْ فَيَكُونُ" وإنْ كانَ مَخْرَجُها مَخْرَجَ شَيْئَيْنِ، أحَدُهُما مَبْنِيٌّ عَلى الآخَرِ، فَهو في الحَقِيقَةِ شَيْءٌ واحِدٌ. انْتَهى.
والَّذِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ المُرادَ بِـ "كُنْ" حَقِيقَةُ اللَّفْظِ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ سُؤالٌ مَشْهُورٌ، وهو: إنَّ "كُنْ" لَفْظُ أمْرٍ، والأمْرُ لا يَكُونُ إلّا لِمَوْجُودٍ. فَبَعْضٌ أجابَ بِأنَّهُ أمْرٌ لِلشَّيْءِ في حالِ تَكَوُّنِهِ لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ. وبَعْضٌ قالَ: هو أمْرٌ لِمَعْلُومٍ لَهُ، وذَلِكَ في حُكْمِ المَوْجُودِ، وإنْ كانَ مَعْدُومَ الذّاتِ. وبَعْضٌ قالَ: هو أمْرٌ لِلْمَعْدُومِ. قالَ ويَصِحُّ أمْرُ المَعْدُومِ كَما يَصِحُّ أمْرُ المَوْجُودِ.
ولَهم أجْوِبَةٌ أكْثَرُ تَكَلُّفًا وتَمَحُّلًا.
(p-٢٣٦)وقَدْ سُئِلَ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا بِأنَّهُ إنْ كانَ المُخاطَبُ بِـ "كُنْ" مَوْجُودًا، فَتَحْصِيلُ الحاصِلِ مُحالٌ. وإنْ كانَ مَعْدُومًا، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ خِطابُ المَعْدُومِ ؟ فَأجابَ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ المَسْألَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أصْلَيْنِ: أحَدِهِما: الفَرْقُ بَيْنَ خِطابِ التَّكْوِينِ الَّذِي لا يَطْلُبُ بِهِ سُبْحانَهُ فِعْلًا مِنَ المُخاطَبِ، بَلْ هو الَّذِي يُكَوِّنُ المُخاطَبَ بِهِ، ويَخْلُقُهُ بِدُونِ فِعْلٍ مِنَ المُخاطَبِ، أوْ قُدْرَةٍ أوْ إرادَةٍ أوْ وُجُودٍ لَهُ. وبَيَّنَ خِطابَ التَّكْلِيفِ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ مِنَ المَأْمُورِ فِعْلًا أوْ تَرْكًا يَفْعَلُهُ بِقُدْرَةٍ وإرادَةٍ. وإنْ كانَ ذَلِكَ جَمِيعُهُ بِحَوْلِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ؛ إذْ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ؛ وهَذا الخِطابُ قَدْ تَنازَعَ فِيهِ النّاسُ. هَلْ يَصِحُّ أنْ يُخاطَبَ بِهِ المَعْدُومُ بِشَرْطِ وُجُودِهِ أمْ لا يَصِحُّ أنْ يُخاطَبَ بِهِ إلّا بَعْدَ وُجُودِهِ ؟ لا نِزاعَ بَيْنَهم أنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الخِطابِ إلّا بَعْدَ وُجُودِهِ. وكَذَلِكَ تَنازَعُوا في الأوَّلِ هَلْ هو خِطابٌ حَقِيقِيٌّ ؟ أمْ هو عِبارَةٌ عَنْ الِاقْتِدارِ وسُرْعَةِ التَّكْوِينِ بِالقُدْرَةِ ؟ . والأوَّلُ هو المَشْهُورُ عِنْدَ المُنْتَسِبِينَ إلى السُّنَّةِ. والأصْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْدُومَ في حالِ عَدَمِهِ، هَلْ هو شَيْءٌ أمْ لا ؟ فَإنَّهُ قَدْ ذَهَبَ طَوائِفُ مِن مُتَكَلِّمَةِ المُعْتَزِلَةِ والشِّيعَةِ إلى أنَّهُ شَيْءٌ في الخارِجِ وذاتٌ وعَيْنٌ، وزَعَمُوا أنَّ الماهِيّاتِ غَيْرُ مَجْعُولَةٍ ولا مَخْلُوقَةٍ، وأنَّ وُجُودَها زائِدٌ عَلى حَقِيقَتِها. وكَذَلِكَ ذَهَبَ إلى هَذا طَوائِفُ مِنَ المُتَفَلْسِفَةِ والِاتِّحادِيَّةِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المَلاحِدَةِ. والَّذِي عَلَيْهِ جَماهِيرُ النّاسِ، وهو قَوْلُ مُتَكَلِّمَةِ أهْلِ الإثْباتِ والمُنْتَسِبِينَ إلى السُّنَّةِ والجَماعَةِ، إنَّهُ في الخارِجِ عَنِ الذِّهْنِ قَبْلَ وُجُودِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا ولا ذاتٍ ولا عَيْنٍ، وإنَّهُ لَيْسَ في الخارِجِ شَيْئانِ أحَدُهُما حَقِيقَةٌ، والآخَرُ وُجُودُهُ الزّائِدُ عَلى حَقِيقَتِهِ. فَإنَّ اللَّهَ أبْدَعَ الذَّواتَ الَّتِي هي الماهِيّاتُ. فَكُلُّ ما سِواهُ سُبْحانَهُ مَخْلُوقٌ ومَجْعُولٌ ومُبْدَعٌ ومَبْدُوءٌ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. ولَكِنْ في هَؤُلاءِ مَن يَقُولُ: المَعْدُومُ لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، وإنَّ سُمِّيَ شَيْئًا بِاعْتِبارِ ثُبُوتِهِ في العِلْمِ، كانَ مَجازًا. ومِنهم مَن يَقُولُ: لا رَيْبَ أنَّ لَهُ ثُبُوتًا في العِلْمِ ووُجُودًا فِيهِ، فَهو بِاعْتِبارِ هَذا الثُّبُوتِ والوُجُودِ هو شَيْءٌ وذاتٌ. وهَؤُلاءِ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الوُجُودِ والثُّبُوتِ. كَما فَرَّقَ مَن قالَ: المَعْدُومُ شَيْءٌ. ولا يُفَرِّقُونَ في كَوْنِ المَعْدُومِ لَيْسَ بِشَيْءٍ بَيْنَ المُمْكِنِ والمُمْتَنِعِ، كَما فَرَّقَ أُولَئِكَ؛ إذْ قَدِ (p-٢٣٧)اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُمْتَنِعَ لَيْسَ بِشَيْءٍ وإنَّما النِّزاعُ في المُمْكِنِ. وعُمْدَةُ مَن جَعَلَهُ شَيْئًا، إنَّما هو لِأنَّهُ ثابِتٌ في العِلْمِ، وبِاعْتِبارِ ذَلِكَ صَحَّ أنْ يَخُصَّ بِالقَصْدِ والخَلْقِ والخَبَرِ عَنْهُ والأمْرِ بِهِ والنَّهْيِ عَنْهُ، وغَيْرِ ذَلِكَ. قالُوا: وهَذِهِ التَّخْصِيصاتُ تَمْتَنِعُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِالعَدَمِ المَحْضِ. فَإنْ خُصَّ الفَرْقُ بَيْنَ الوُجُودِ الَّذِي هو الثُّبُوتُ العَيْنِيُّ، وبَيْنَ الوُجُودِ الَّذِي هو الثُّبُوتُ العِلْمِيُّ، زالَتِ الشُّبْهَةُ في هَذا البابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] ذَلِكَ الشَّيْءُ هو مَعْلُومٌ قَبْلَ إبْداعِهِ وقَبْلَ تَوْجِيهِ هَذا الخِطابِ إلَيْهِ. وبِذَلِكَ كانَ مِقْدَرًا مَقْضِيًّا. فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ ويَكْتُبُ مِمّا يَعْلَمُهُ ما شاءَ. كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««كَتَبَ اللَّهُ مَقادِيرَ الخَلائِقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ» . قالَ: «وعَرْشُهُ عَلى الماءِ»» . وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عِمْرانَ (p-٢٣٨)بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ»» . وفي سُنَنِ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ: اكْتُبْ قالَ: رَبِّ، وماذا أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ مَقادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ»» . إلى أمْثالِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي تُبَيِّنُ أنَّ المَخْلُوقَ قَبْلَ أنْ يُخْلَقَ كانَ مَعْلُومًا مُخْبَرًا عَنْهُ، مَكْتُوبًا، فَهو شَيْءٌ بِاعْتِبارِ وُجُودِهِ العِلْمِيِّ الكَلامِيِّ الكِتابِيِّ، وإنْ كانَتْ حَقِيقَتُهُ الَّتِي هي وُجُودُهُ العَيْنِيُّ لَيْسَ ثابِتًا في الخارِجِ. بَلْ هو عَدَمٌ مَحْضٌ ونَفْيٌ صِرْفٌ.
وهَذِهِ المَراتِبُ الأرْبَعَةُ المَشْهُورَةُ مَوْجُوداتٌ. وقَدْ ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ في أوَّلِ سُورَةٍ أنْزَلَها عَلى نَبِيِّهِ في قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] وقَدْ بَسَطْنا الكَلامَ في ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الخِطابُ مُوَجَّهًا إلى مَن تَوَجَّهَتْ إلَيْهِ الإرادَةُ، وتَعَلَّقَتْ بِهِ القُدْرَةُ، وخَلَقَ وكَوَّنَ كَما قالَ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالَّذِي يُقالُ لَهُ "كُنْ" هو الَّذِي يُرادُ، وهو، حِينَ يُرادُ قَبْلَ أنْ يُخْلَقَ، لَهُ ثُبُوتٌ وتَمَيُّزٌ في العِلْمِ والتَّقْدِيرِ. ولَوْلا ذَلِكَ لَما تَمَيَّزَ المُرادُ المَخْلُوقُ مِن غَيْرِهِ، وبِهَذا يَحْصُلُ الجَوابُ عَنِ التَّقْسِيمِ. فَإنَّ قَوْلَ السّائِلِ: إنْ كانَ المُخاطَبُ مَوْجُودًا، فَتَحْصِيلُ الحاصِلِ مُحالٌ. يُقالُ لَهُ هَذا إذا كانَ مَوْجُودًا في الخارِجِ وُجُودَهُ الَّذِي هو وُجُودُهُ. ولا رَيْبَ أنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ مَوْجُودًا، ولا هو في نَفْسِهِ ثابِتٌ. وأمّا ما عُلِمَ وأُرِيدَ وكانَ شَيْئًا في العِلْمِ والإرادَةِ والتَّقْدِيرِ فَلَيْسَ وُجُودُهُ في الخارِجِ مُحالًا، بَلْ (p-٢٣٩)جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ لا تُوجَدُ إلّا بَعْدَ وُجُودِها في العِلْمِ والإرادَةِ.
وقَوْلُ السّائِلِ: إنْ كانَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ خِطابُ المَعْدُومِ ؟ يُقالُ لَهُ: أمّا إذا قَصَدَ أنْ يُخاطِبَ المَعْدُومَ بِخِطابٍ يَفْهَمُهُ ويَمْتَثِلُهُ فَهَذا مُحالٌ، إذْ مِن شَرْطِ المُخاطَبِ أنْ يَتَمَكَّنَ مِنَ الفَهْمِ والفِعْلِ. والمَعْدُومُ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَفْهَمَ ويَفْعَلَ. فَيَمْتَنِعُ خِطابُ التَّكْلِيفِ لَهُ حالَ عَدَمِهِ بِمَعْنى أنَّهُ مَطْلُوبٌ مِنهُ حِينَ عَدَمِهِ أنْ يَفْهَمَ ويَفْعَلَ، ولِذَلِكَ أيْضًا يَمْتَنِعُ أنْ يُخاطَبَ المَعْدُومُ في الخارِجِ خِطابَ تَكْوِينٍ. بِمَعْنى أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ شَيْءٌ ثابِتٌ في الخارِجِ وأنَّهُ يُخاطَبُ بِأنْ يَكُونَ. وأمّا الشَّيْءُ المَعْلُومُ المَذْكُورُ المَكْتُوبُ إذا كانَ تَوْجِيهُ خِطابِ التَّكْوِينِ إلَيْهِ مِثْلَ تَوْجِيهِ الإرادَةِ إلَيْهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مُحالًا. بَلْ هو أمْرٌ مُمْكِنٌ. بَلْ مِثْلُ ذَلِكَ يَجِدُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ؛ فَيُقَدِّرُ أمْرًا في نَفْسِهِ يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ وبِوَجْهِ إرادَتِهِ وطَلَبِهِ إلى ذَلِكَ المُرادِ المَطْلُوبِ، الَّذِي قَدَّرَهُ في نَفْسِهِ، ويَكُونُ حُصُولُ المُرادِ المَطْلُوبِ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ. فَإنْ كانَ قادِرًا عَلى حُصُولِهِ حَصَلَ مَعَ الإرادَةِ والطَّلَبِ الجازِمِ. وإنْ كانَ عاجِزًا، لَمْ يَحْصُلْ. وقَدْ يَقُولُ الإنْسانُ: لِيَكُنْ كَذا ونَحْوَ ذَلِكَ مِن صِيَغِ الطَّلَبِ. فَيَكُونُ المَطْلُوبُ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَإنَّ أمْرَهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. انْتَهى.
2:118Page 18
وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ١١٨
Those who do not know say, "Why does Allāh not speak to us or there come to us a sign?" Thus spoke those before them like their words. Their hearts resemble each other. We have shown clearly the signs to a people who are certain [in faith].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٨ ] ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهم قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾
"وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" مِنَ المُشْرِكِينَ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ وهو الأظْهَرُ. لِأنَّ ما تَقَدَّمَ، كُلُّهُ في حِوارِهِمْ ورَدِّ أضالِيلِهِمْ، ونَفى عَنْهُمُ العِلْمَ لِأنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ: ﴿لَوْلا (p-٢٤٠)يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ هَلّا يُكَلِّمُنا كَما يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَ مُوسى ؟ اسْتِكْبارًا مِنهم وعُتُوًّا "أوْ تَأْتِينا آيَةٌ" جُحُودًا لِأنْ يَكُونَ ما أتاهم مِن آياتِ اللَّهِ، آياتٌ، واسْتِهانَةً بِها: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ أيْ: هَذا الباطِلُ الشَّنِيعُ فَقالُوا: أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً. وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ كَما تُعُنِّتَ عَلَيْهِ تُعُنِّتَ عَلى مَن قَبْلَهُ "تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ" أيْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ ومَن قَبْلَهم في العَمى والعِنادِ والتَّحَكُّمِ عَلى الأنْبِياءِ ﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ بِالحَقِّ. لا تَعْتَرِيهِمْ شُبْهَةٌ ولا رِيبَةٌ. وهَذا رَدٌّ لِطَلَبِهِمُ الآيَةَ وفي تَعْرِيفِ الآياتِ وجَمْعِها وإيرادِ التَّبْيِينِ المُفْصِحِ عَنْ كَمالِ التَّوْضِيحِ، مَكانَ الإتْيانِ الَّذِي طَلَبُوهُ، ما لا يَخْفى مِنَ الجَزالَةِ. والمَعْنى أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا آيَةً فَذَّةً، ونَحْنُ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ العِظامَ لِقَوْمٍ يَطْلُبُونَ الحَقَّ واليَقِينَ. وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ "لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ" إيذانًا بِأنَّهُ مِن ظُهُورِ البُطْلانِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ لَهُ إلى الرَّدِّ والجَوابِ.
2:119Page 18
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسۡـَٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ ١١٩
Indeed, We have sent you, [O Muḥammad], with the truth as a bringer of good tidings and a warner, and you will not be asked about the companions of Hellfire.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٩ ] ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾
﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا﴾ بِالثَّوابِ لِلْمُؤْمِنِينَ "ونَذِيرًا" بِالعِقابِ لِلْكافِرِينَ "ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ" ولا نَسْألُكَ عَنْهم: ما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ أنْ بَلَّغْتَ وبَلَغْتَ جُهْدَكَ في دَعْوَتِهِمْ ؟ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وفي التَّعْبِيرِ عَنْهم بِصاحِبِيَّةِ الجَحِيمِ، دُونَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ ونَحْوِهِما، وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم، وإيذانٌ بِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، لا يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ.
والجَحِيمُ، مِن أسْماءِ النّارِ وتُطْلَقُ عَلى النّارِ الشَّدِيدَةِ التَّأجُّجِ، وعَلى كُلِّ نارٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وعَلى كُلِّ نارٍ عَظِيمَةٍ في مِهْواةٍ، وعَلى المَكانِ الشَّدِيدِ الحَرِّ.
2:120Page 19
وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٢٠
And never will the Jews and the Christians approve of you until you follow their religion. Say, "Indeed, the guidance of Allāh is the [only] guidance." If you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, you would have against Allāh no protector or helper.
(p-٢٤١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٠ ] ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾
﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ أيْ لِأنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يَكُونُوا مَتْبُوعِينَ عَلى الإطْلاقِ. وفِيهِ مُبالَغَةٌ في الإقْناطِ مِن إسْلامِهِمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يُرْضِيهِمْ إلّا ما لا يَجُوزُ وُقُوعُهُ مِنهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ "قُلْ" لا يَتْبَعُ رَسُولٌ إلّا الهُدى "إنَّ هُدى اللَّهِ" أيِ الَّذِي هو الإسْلامُ "هُوَ الهُدى" أيْ فَلَيْسَ وراءَهُ هُدًى. وما تَدْعُونَ إلَيْهِ لَيْسَ بِهُدًى، بَلْ هو هَوًى. كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ "ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ" أيْ آراءَهُمُ الزّائِغَةَ الصّادِرَةَ عَنْهم بِقَضِيَّةِ شَهَواتِ أنْفُسِهِمْ "بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ" بِأنَّ دِينَ اللَّهِ هو الإسْلامُ، أوْ مِنَ الدِّينِ المَعْلُومِ صِحَّتُهُ بِالبَراهِينِ الواضِحَةِ ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يَلِي أمْرَكَ "ولا نَصِيرٍ" يَدْفَعُ عَنْكَ عِقابَهُ. وإنَّما أُوثِرَ خِطابُهُ ﷺ لِيَدْخُلَ دُخُولًا أوَّلِيًّا مَنِ اتَّبَعَ أهْواءَهم بَعْدَ الإسْلامِ مِنَ المُنافِقِينَ تَمَسُّكًا بِوِلايَتِهِمْ، طَمَعًا في نُصْرَتِهِمْ.
قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اتِّباعَ الهَوى لا يَكُونُ إلّا باطِلًا. فَمِن هَذا الوَجْهِ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ. انْتَهى.
وفِي فَتْحِ البَيانِ ما نَصُّهُ: وفي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ الَّذِي تَرْجُفُ لَهُ القُلُوبُ وتَنْصَدِعُ مِنهُ الأفْئِدَةُ، ما يُوجِبُ عَلى أهْلِ العِلْمِ الحامِلِينَ لِحُجَجِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والقائِمِينَ بِبَيانِ شَرائِعِهِ تَرْكَ الدِّهانِ لِتارِكِي العَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، المُؤْثِرِينَ لِمَحْضِ الرَّأْيِ عَلَيْهِما. انْتَهى.
2:121Page 19
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٢١
Those to whom We have given the Book recite it with its true recital.1 They [are the ones who] believe in it. And whoever disbelieves in it - it is they who are the losers.
(p-٢٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢١ ] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ لِما ذَكَرَ تَعالى، فِيما تَقَدَّمَ، عَدَمَ رِضاءِ اليَهُودِ والنَّصارى إلّا بِاتِّباعِ مِلَّتِهِمْ، لِدَعْواهم أنَّهم عَلى حَقٍّ، وأنَّهم مُؤْمِنُونَ بِما لَدَيْهِمْ - فَنَّدَ تَعالى دَعْواهُمُ الإيمانَ بِهِ بِأنَّ مَن أُوتِيَ الكِتابَ فَتَلاهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ فَذاكَ المُؤْمِنُ بِهِ. والمَذْكُورُونَ مِمَّنْ لَمْ يَتْلُهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ، لِما عَدَّدَ مِن مَساوِئِ اليَهُودِ أوَّلًا، وشَفَعَهُ بِدَعْوى النَّصارى اتِّخاذَ الوَلَدِ. ومَن كانَ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ فَأنّى لَهُ الإيمانُ ؟ وهَلْ هو مِمَّنْ يَتْلُو الكِتابَ حَقَّ تِلاوَتِهِ؟ وكِتابُهُ يَأْمُرُ بِتَوْحِيدِ رَبِّهِ والمَشْيِ مَعَ شَرِيعَتِهِ وتَصْدِيقِ كُلِّ نَبِيٍّ يُصَدِّقُ ما مَعَهم، وقَدْ كَفَرُوا بِكُلِّ ذَلِكَ. فَجُمْلَةُ "يَتْلُونَهُ" حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن "هُمْ" أوْ مِنَ "الكِتابِ" . وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ سِيقَتْ مَدْحًا لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ بِالقُرْآنِ. فالضَّمِيرُ في "يَتْلُونَهُ" لِلْقُرْآنِ. فَتَكُونُ كَآيَةِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] وكَآيَةِ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]
ومِن تِلاوَتِهِ حَقَّ تِلاوَتِهِ الإيمانُ بِأنَّهُ حَقٌّ مِن رَبِّهِمْ، وصَبْرُهم ودَرْؤُهم بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ، وإنْفاقُهم وسُجُودُهم لَهُ تَعالى فالآيَتانِ مُفَسِّرَتانِ لِتِلاوَتِهِمْ حَقَّ تِلاوَتِهِ.
(p-٢٤٣)وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! إنَّ حَقَّ تِلاوَتِهِ أنْ يُحِلَّ حَلالَهُ ويُحَرِّمَ حَرامَهُ، ويَقْرَأهُ كَما أنْزَلَ اللَّهُ، ولا يُحَرِّفُ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، ولا يَتَأوَّلُ مِنهُ شَيْئًا عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ. ومِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِإيتاءِ الكِتابِ وتِلاوَتِهِ كَما هو حَقُّهُ "يُؤْمِنُونَ بِهِ" مَحَطُّ الفائِدَةِ ما يَلْزَمُ الإيمانُ بِهِ مِنَ الرِّبْحِ. بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ حَيْثُ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى.
2:122–123Page 19
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢٢
O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.
وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ١٢٣
And fear a Day when no soul will suffice for another soul1 at all, and no compensation will be accepted from it, nor will any intercession benefit it, nor will they be aided.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٢ ] ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [١٢٣ ] ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣]
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا﴾ [البقرة: ١٢٣] أيْ خافُوا "يَوْمًا لا تَجْزِي" أيْ لا تُغْنِي "نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ" فِيهِ "شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ" أيْ فِداءٌ "ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ" أيْ يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ مَرَّ نَظِيرُ الآيَتَيْنِ في صَدْرِ السُّورَةِ.
قالَ القاضِي: ولَمّا صَدَّرَ قِصَّتَهم بِالأمْرِ بِذِكْرِ النِّعَمِ، والقِيامِ بِحُقُوقِها، والحَذَرِ عَنْ إضاعَتِها، والخَوْفِ مِنَ السّاعَةِ، وأهْوالِها- كَرَّرَ ذَلِكَ وخَتَمَ بِهِ الكَلامَ مَعَهم، مُبالَغَةً في النُّصْحِ وإيذانًا بِأنَّهُ فَذْلَكَةُ القَضِيَّةِ والمَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences