Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:136–142
2:136Page 21
قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٦
Say, [O believers], "We have believed in Allāh and what has been revealed to us and what has been revealed to Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants [al-Asbāṭ]1 and what was given to Moses and Jesus and what was given to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [in submission] to Him."
(p-٢٧١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٦ ] ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا وما أُنْـزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
"قُولُوا" أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا. وفِيهِ إظْهارٌ لِمَزِيَّةِ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ يُلَقِّنُهم ولا يَسْتَنْطِقُهم فَيُقَصِّرُوا في مَقالِهِمْ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا﴾ أيْ: مِنَ الكِتابِ الَّذِي تَقَدَّمَ إنَّهُ الهُدى: ﴿وما أُنْـزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي كانُوا مُتَعَبِّدِينَ بِها، مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ صُحُفُ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومِنَ المُوحى إلَيْهِمْ خاصَّةً. والأسْباطُ هم أوْلادُ يَعْقُوبَ الِاثْنا عَشَرَ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم، جَمْعُ سِبْطٍ وهو الحافِدُ. سُمُّوا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ حَفَدَةَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ. ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴿وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ﴾ مِمّا ذُكِرَ، وغَيْرُهم. ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ في الإيمانِ فَلا نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَّصارى "ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" مُنْقادُونَ.
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم، وقُولُوا: آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا»» .
2:137Page 21
فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣٧
So if they believe in the same as you believe in, then they have been [rightly] guided; but if they turn away, they are only in dissension, and Allāh will be sufficient for you against them. And He is the Hearing, the Knowing.
(p-٢٧٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٧ ] ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
"فَإنْ آمَنُوا" أيْ أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ أرادُوا أنْ يَسْتَتْبِعُوكم "بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ" أيْ بِما آمَنتُمْ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي فُصِّلَ. عَلى أنَّ المِثْلَ مُقْحَمٌ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: بِما آمَنتُمْ بِهِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ "فَقَدِ اهْتَدَوْا" إلى الحَقِّ وأصابُوهُ كَما اهْتَدَيْتُمْ. عَكْسَ ما قالُوا: كُونُوا مِثْلَنا تَهْتَدُوا "وإنْ تَوَلَّوْا" أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ بِما آمَنتُمْ بِهِ. "فَإنَّما هم في شِقاقٍ" أيْ فَما هم إلّا في خِلافٍ وعَداوَةٍ ولَيْسُوا مِن طَلَبِ الحَقِّ في شَيْءٍ.
قالَ القاضِي: ولا يَكادُ يُقالُ في المُعاداةِ عَلى وجْهِ الحَقِّ أوِ المُخالَفَةِ الَّتِي لا تَكُونُ مَعْصِيَةً إنَّهُ شِقاقٌ. وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ في مُخالَفَةٍ عَظِيمَةٍ تُوقِعُ صاحِبَها في عَداوَةِ اللَّهِ وغَضَبِهِ ولَعْنِهِ، وفي اسْتِحْقاقِ النّارِ. فَصارَ هَذا القَوْلُ وعِيدًا مِنهُ تَعالى لَهم، وصارَ وصْفُهم بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ القَوْمَ مُعادُونَ لِلرَّسُولِ، مُضْمِرُونَ لَهُ السُّوءَ، مُتَرَصِّدُونَ لِإيقاعِهِ في المِحَنِ، فَعِنْدَ هَذا أمَّنَهُ اللَّهُ تَعالى مِن كَيْدِهِمْ وأمَّنَ المُؤْمِنِينَ مِن شَرِّهِمْ ومَكْرِهِمْ فَقالَ "فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ" تَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ وقَلْبِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ تَعالى إذا تَكَفَّلَ بِالكِفايَةِ في أمْرٍ حَصَلَتِ الثِّقَةُ بِهِ. وقَدْ أنْجَزَ وعْدَهُ بِقَتْلِ قُرَيْظَةَ وسَبْيِهِمْ (p-٢٧٣)وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ "وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ" أتْبَعَ وعْدَهُ بِالنَّصْرِ والكِفايَةِ، بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ مِن أمْرِهِمْ لا يَخْفى عَلَيْهِ تَعالى. فَهو يُسَبِّبُ لِكُلِّ قَوْلٍ وضَمِيرٍ مِنهم ما يَرُدُّ ضَرَرَهُ عَلَيْهِمْ. فَهو وعِيدٌ لَهم، أوْ وعْدٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أيْ يَسْمَعُ ما تَدْعُو بِهِ، ويَعْلَمُ نِيَّتَكَ وما تُرِيدُهُ مِن إظْهارِ دِينِ الحَقِّ. وهو مُسْتَجِيبٌ لَكَ ومُوَصِّلُكَ إلى مُرادِكَ.
2:138Page 21
صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ ١٣٨
[And say, "Ours is] the religion of Allāh. And who is better than Allāh in [ordaining] religion? And we are worshippers of Him."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٨ ] ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾
"صِبْغَةَ اللَّهِ" مَصْدَرُ مُؤَكِّدٌ مُنْتَصِبٌ مِن قَوْلِهِ "آمَنّا بِاللَّهِ" كَذا قالَهُ سِيبَوَيْهِ، فَهو بِمَثابَةِ فِعْلِهِ. كَأنَّهُ قِيلَ صَبَغَنا اللَّهُ صِبْغَةً. أيْ صَبَغَ قُلُوبَنا بِالهِدايَةِ والبَيانِ صِبْغَةً كامِلَةً لا تَرْتَفِعُ بِماءِ الشَّبَهِ، ولا تَغْلِبُ صِبْغَةُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ. والصِّبْغَةُ كالصَّبْغِ (بِالكَسْرِ فِيهِما لُغَةً)، ما يُصْبَغُ بِهِ وتُلَوَّنُ بِهِ الثِّيابُ. ووُصِفَ الإيمانُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ تَطْهِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أوْضارِ الكُفْرِ، وحِلْيَةً تُزَيِّنُهم بِآثارِهِ الجَمِيلَةِ، ومُتَداخِلًا في قُلُوبِهِمْ. كَما أنَّ شَأْنَ الصَّبْغِ بِالنِّسْبَةِ إلى الثَّوْبِ كَذَلِكَ. ويُقالُ: صَبَغَ يَدَهُ بِالماءِ غَمَسَها فِيهِ، وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
؎دَعِ الشَّرَّ وانْزِلْ بِالنَّجاةِ تَحَرُّزًا إذا أنْتَ لَمْ يِصْبِغْكَ في الشَّرِّ صابِغُ
وقالَ الرّاغِبُ: الصِّبْغَةُ إشارَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى ما أوْجَدَهُ في النّاسِ مِن بِدايَةِ العُقُولِ (p-٢٧٤)الَّتِي مَيَّزَنا بِها مِنَ البَهائِمِ، ووَشَحَنا بِها لِمَعْرِفَتِهِ ومَعْرِفَةِ حُسْنِ العَدالَةِ وطَلَبِ الحَقِّ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِالفِطْرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] الآيَةَ، والمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ««كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ. .».» الخَبَرُ، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ بِالصِّبْغَةِ مِن حَيْثُ إنَّ قُوى الإنْسانِ الَّتِي رَكِبَ عَلَيْها، إذا اعْتُبِرَتْ بِذاتِهِ، تَجْرِي مَجْرى الصِّبْغَةِ الَّتِي هي زِينَةُ المَصْبُوغِ. ولَمّا كانَتِ اليَهُودُ والنَّصارى، إذا لَقَّنُوا أوْلادَهُمُ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، يَقُولُونَ: قَدْ صَبَغْناهُ -بَيَّنَ تَعالى أنَّ الإيمانَ بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ هو صِبْغَةُ اللَّهِ وفِطْرَتُهُ الَّتِي رَكَزَها في الخَلْقِ، ولا أحَدَ أحْسَنُ صِبْغَةً مِنهُ.
(ثُمَّ قالَ): وقَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ: إنَّ الصِّبْغَةَ هي الدِّينُ، وقَوْلُ غَيْرِهِمْ: إنَّها الشَّرِيعَةُ، وقَوْلُ مَن قالَ: هو الخِتانُ- إشارَةً إلى مَغْزًى واحِدٍ: ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ. أيْ: لا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ تَعالى. لِأنَّها صِبْغَةُ قَلْبٍ لا تَزُولُ. لِثَباتِها بِما تَوَلّاها الحَفِيظُ العَلِيمُ، فَلا يَرْتَدُّ أحَدٌ عَنْ دِينِهِ سَخْطَةً لَهُ بَعْدَ أنْ خالَطَ الإيمانُ بَشاشَةَ قَلْبِهِ. والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما في "صِبْغَةَ اللَّهِ" مِن مَعْنى الِابْتِهاجِ "ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ" شُكْرًا لِتِلْكَ النِّعْمَةِ ولِسائِرِ نِعَمِهِ. فَكَيْفَ تَذْهَبُ عَنّا صِبْغَتُهُ ونَحْنُ نُوَكِّدُها بِالعِبادَةِ، وهي تُزِيلُ رَيْنَ القَلْبِ فَيَنْطَبِعُ فِيهِ صُورَةُ الهِدايَةِ. وهو عَطْفٌ عَلى آمَنّا، داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ الأمْرِ.
2:139Page 21
قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ ١٣٩
Say, [O Muḥammad], "Do you argue with us about Allāh while He is our Lord and your Lord? For us are our deeds, and for you are your deeds. And we are sincere [in deed and intention] to Him."
(p-٢٧٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٩ ] ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ وهو رَبُّنا ورَبُّكم ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾
"قُلْ" مُنْكِرًا لِمُحاجَّتِهِمْ ومُوَبِّخًا لَهم عَلَيْها "أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ" أيْ: أتُناظِرُونَنا في تَوْحِيدِ اللَّهِ والإخْلاصِ لَهُ واتِّباعِ الهُدى وتَرْكِ الهَوى "وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمُ" المُسْتَحِقُّ لِإخْلاصِ العُبُودِيَّةِ لَهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ونَحْنُ وأنْتُمْ في العُبُودِيَّةِ لَهُ سَواءٌ: ﴿ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ أيْ نَحْنُ بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ، وأنْتُمْ بُرَآءُ مِنّا. كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] وقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] الآيَةَ. "ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ" في العِبادَةِ والتَّوَجُّهِ، لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وأنْتُمْ تُشْرِكُونَ بِهِ عُزَيْرًا والمَسِيحَ والأحْبارَ والرُّهْبانَ. ولَمّا بَقِيَ مِن مُباهَتاتِهِمُ ادِّعاؤُهم أنَّ أسْلافَهم كانُوا عَلى دِينِهِمْ، أبْطَلَها سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ:
2:140Page 21
أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٠
Or do you say that Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants were Jews or Christians? Say, "Are you more knowing or is Allāh?" And who is more unjust than one who conceals a testimony1 he has from Allāh? And Allāh is not unaware of what you do.
(p-٢٧٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤٠ ] ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
"أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ" خَلِيلَ اللَّهِ "وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ" ابْنَيْهِ "ويَعْقُوبَ" ابْنَ إسْحاقَ "والأسْباطَ" أوْلادَ يَعْقُوبَ: "كانُوا هُودًا أوْ نَصارى" أيْ عَلى مِلَّتِهِمْ، إمّا اليَهُودِيَّةِ وإمّا النَّصْرانِيَّةِ "قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ" أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ كُلُّها أعْلَمُ. فَلا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: نَحْنُ. وإنْ قالُوا: اللَّهُ، فَقَدْ بَرَّأ اللَّهُ إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ مِن ذَلِكَ. فَبَطَلَ ما ادَّعَوْا. وثَبَتَ أنَّهم، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، كانُوا عَلى الحَنِيفِيَّةِ مُسْلِمِينَ مُبَرَّئِينَ عَنِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. هَذا مَعَ أنَّ رَدَّ قَوْلِهِمْ هَذا أظْهَرُ ظاهِرٍ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَعْقِلُ أنْ يَكُونَ السّابِقُ عَلى نِسْبَةٍ لِلّاحِقِ، ما حَدَثَتْ إلّا بَعْدَهُ بِمُدَدٍ مُتَطاوِلَةٍ. وسَيَأْتِي النَّصُّ الصَّرِيحُ بِإبْطالِ ذَلِكَ في آلِ عِمْرانَ. ولِما كانَ العِلْمُ عِنْدَهم عَنِ اللَّهِ بِأنَّ الخَلِيلَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، عَلى دِينِ الإسْلامِ، وكانُوا يَكْتُمُونَ ما عِنْدَهم مِن ذَلِكَ. مَعَ تَقْرِيرِ اللَّهِ لَهم بِهِ واسْتِخْبارِهِمْ عَنْهُ ونَهْيِهِ لَهم عَنْ كِتْمانِهِ وما يُقارِبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢] الآيَةَ- أشارَ إلى أشَدِّ الوَعِيدِ في كِتْمانِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ مَوْجُودَةً ومَوْعُودَةً "عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ" وهو كِتْمانُ العِلْمِ الَّذِي هو الإخْبارُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ حَيْثُ كَتَمُوا شَهادَتَهُ تَعالى لَهم، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِالحَنِيفِيَّةِ والبَراءَةِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.
(p-٢٧٧)قالَ التَّقِيُّ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: سَمّى تَعالى ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ شَهادَةً كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ [البقرة: ١٥٩] الآيَةَ، كَأنَّهُ قالَ: خَبَرًا عِنْدَهُ، دِينًا عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ، وبَيانًا عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ، وعِلْمًا عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ فَإنْ كانَ قَوْلُهُ "مِنَ اللَّهِ" مُتَعَلِّقًا بِـ "كَتَمَ" فَإنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ الشَّهاداتِ. وإنْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِـ "عِنْدَهُ"، وهو الأوْجَهُ، أوْ بِشَهادَةٍ، أوْ بِهِما، فَإنَّ الأمْرَ في ذَلِكَ واحِدٌ. أيْ شَهادَةً اسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ مِن جِهَةِ اللَّهِ. فَهو كِتْمانُ شَهاداتِ العِلْمِ المَوْرُوثِ عَنِ الأنْبِياءِ. فَسَمّى الإخْبارَ بِهِ شَهادَةً.
ثُمَّ قالَ: وكَذَلِكَ الأخْبارُ النَّبَوِيَّةُ إنَّما يُرادُ بِالشَّهادَةِ فِيها الإخْبارُ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ. أيْ أنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكم وسَيَجْزِيكم عَلَيْهِ.
قالَ الرّازِيُّ: هَذا هو الكَلامُ الجامِعُ لِكُلِّ وعِيدٍ. ومَن تَصَوَّرَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِسِرِّهِ وإعْلانِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، وأنَّهُ مِن وراءِ مُجازاتِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ لا يَمْضِي عَلَيْهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ إلّا وهو حَذِرٌ خائِفٌ. ألا تَرى أنَّ أحَدَنا لَوْ كانَ عَلَيْهِ رَقِيبٌ مِن جِهَةِ سُلْطانٍ يَعِدُّ عَلَيْهِ الأنْفاسَ، لَكانَ دائِمَ الحَذَرِ والوَجَلِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ الرَّقِيبَ لا يَعْرِفُ إلّا الظّاهِرَ، فَكَيْفَ بِالرَّبِّ الرَّقِيبِ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى، إذا هَدَّدَ وأوْعَدَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ القَوْلِ ؟
2:141Page 21
تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤١
That is a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤١ ] ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ فَلا يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِكم (p-٢٧٨)﴿ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لِما ذَكَرَ تَعالى حُسْنَ طَرِيقَةِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، ولَمْ يَدَعْ لَهم مُتَمَسِّكًا مِن جِهَتِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ الإشارَةَ إلى أنَّ الدِّينَ دائِرٌ مَعَ أمْرِهِ في كُلِّ زَمانٍ. وأنَّهُ لا يَنْفَعُهم إلّا ما يَسْتَجِدُّونَهُ بِحُكْمِ ما تَجَدَّدَ مِنَ المُنْزَلِ المُعْجِزِ لِكافَّةِ أهْلِ الأرْضِ، أحْمَرُهم وأسْوَدُهم. . أيْ فَعَلَيْكم بِتَرْكِ الكَلامِ في تِلْكَ الأُمَّةِ. فَلَها ما كَسَبَتْ. وانْظُرُوا فِيما دَعاكم إلَيْهِ خاتَمُ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَإنَّ ذَلِكَ أنْفَعُ لَكم وأعْوَدُ عَلَيْكم. ولا تُسْألُونَ إلّا عَنْ عَمَلِكم.
قالَ الرّاغِبُ: إعادَةُ هَذِهِ الآيَةِ مِن أجْلِ أنَّ العادَةَ مُسْتَحْكَمَةٌ في النّاسِ، صالِحِهِمْ وطالِحِهِمْ أنْ يَفْتَخِرُوا بِآبائِهِمْ ويَقْتَدُوا بِهِمْ في مُتَحَرِّياتِهِمْ. سِيَّما في أُمُورِ دِينِهِمْ.
ولِهَذا حَكى عَنِ الكُفّارِ قَوْلَهم: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] فَأكَّدَ اللَّهُ تَعالى القَوْلَ في إنْزالِهِمْ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. وذَكَرَ في أثَرِ ما حَكى مِن وصِيَّةِ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ بَنِيهِ بِذَلِكَ، تَنْبِيهًا أنَّ الأمْرَ سَواءٌ عَلى ما قُلْتَ أوْ لَمْ يَكُنْ. فَلَيْسَ لَكم ثَوابُ فِعْلِهِمْ ولا عَلَيْكم عِقابُهُ، وفي الثّانِي لَمّا ذَكَرَ ادِّعاءَهُمُ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ لِآبائِهِمْ أعادَ أيْضًا تَأْكِيدًا عَلَيْهِمْ تَنْبِيهًا عَلى نَحْوِ ما قالَ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] وقَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [فاطر: ١٨] ولِما جَرَتْ بِهِ عادَتُهم وتَفَرَّدَتْ بِهِ مَعْرِفَتُهم: كُلُّ شاةٍ تُناطُ بِرِجْلَيْها.
2:142Page 22
۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٤٢
The foolish among the people will say, "What has turned them away from their qiblah,1 which they used to face?"2 Say, "To Allāh belongs the east and the west. He guides whom He wills to a straight path."
(p-٢٧٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤٢ ] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ أنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وأنَّهُ صَلّى أوَّلَ صَلاةٍ صَلّاها، صَلاةَ العَصْرِ وصَلّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ صَلّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلى أهْلِ المَسْجِدِ وهم راكِعُونَ فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدارُوا كَما هم قِبَلَ البَيْتِ».
ورَوى مُسْلِمٌ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ ولَفْظُهُ: «صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صَرَفَنا نَحْوَ الكَعْبَةِ» .
ورَوى الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «بَيْنا النّاسُ بِقُباءٍ في صَلاةِ الصُّبْحِ إذْ جاءَهم آتٍ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ. وقَدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فاسْتَقْبِلُوها، وكانَتْ وُجُوهُهم إلى الشّامِ فاسْتَدارُوا إلى الكَعْبَةِ». (اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ)
والأحادِيثُ في تَحْوِيلِ القِبْلَةِ مِنَ القُدْسِ إلى الكَعْبَةِ مُتَوافِرَةٌ، وفِيما ذَكَرْنا كِفايَةٌ.
(p-٢٨٠)وقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ أنَّ فَرِيقًا مِنَ النّاسِ سَيُنْكِرُونَ تَغْيِيرَ القِبْلَةِ وسَمّاهم سُفَهاءَ، جَمْعُ سَفِيهٍ، وهو الخَفِيفُ الحِلْمِ والأحْمَقُ والجاهِلُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: أيِ الَّذِينَ خَفَّتْ أحْلامُهم واسْتَمْهَنُوها بِالتَّقْلِيدِ والإعْراضِ عَنِ التَّدَبُّرِ والنَّظَرِ. انْتَهى.
ومَعْنى قَوْلِهِ "ما ولّاهُمْ" أيْ أيُّ شَيْءٍ صَرَفَهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، أيْ ثابِتِينَ عَلى التَّوَجُّهِ إلَيْها، وهي بَيْتُ المَقْدِسِ. ومَدارُ الإنْكارِ، إنْ كانَ القائِلُونَ هُمُ اليَهُودَ، كَراهَتُهم لِلتَّحْوِيلِ عَنْها لِأنَّها قَبِلَتَهم، وإنْ كانَ غَيْرُهم، فَمُجَرَّدُ القَصْدِ إلى الطَّعْنِ في الدِّينِ والقَدْحِ في أحْكامِهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ القائِلِينَ هُمُ اليَهُودُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهم مُشْرِكُو العَرَبِ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُمُ المُنافِقُونَ.
قالَ الرّاغِبُ: ولا تَنافِيَ بَيْنَ أقْوالِهِمْ فَكُلٌّ قَدْ عابُوا، وكُلٌّ سُفَهاءُ.
(تَنْبِيهٌ): ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى "سَيَقُولُ السُّفَهاءُ" إلَخْ، أنَّهُ إخْبارٌ بِقَوْلِهِمُ المَذْكُورِ، ثُمَّ إنَّ الإخْبارَ قَبْلَ وُقُوعِهِ. وفائِدَتُهُ تَوْطِينُ النَّفْسِ وإعْدادُ ما يُبَكِّتُهم، فَإنَّ مُفاجَأةَ المَكْرُوهِ عَلى النَّفْسِ أشَقُّ وأشَدُّ، والجَوابُ العَتِيدُ لِشَغَبِ الخَصْمِ الألَدِّ أرَدُّ، مَعَ ما فِيهِ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ حَيْثُ يَكُونُ إخْبارًا عَنْ غَيْبٍ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ جَوابٌ عَنْ شُبْهَتِهِمْ. وتَقْرِيرُهُ أنَّ الجِهاتِ كُلَّها لِلَّهِ مِلْكًا، فَلا يَسْتَحِقُّ شَيْءٌ مِنها لِذاتِهِ أنْ يَكُونَ قِبْلَةً. بَلْ إنَّما تَصِيرُ قِبْلَةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَها قِبْلَةً، فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ بِالتَّحْوِيلِ مِن جِهَةٍ إلى أُخْرى، وما أمَرَ بِهِ فَهو الحَقُّ: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فِيهِ تَعْظِيمُ أهْلِ الإسْلامِ وإظْهارُ عِنايَتِهِ تَعالى بِهِمْ وتَفْخِيمُ شَأْنِ الكَعْبَةِ. كَما فَخَّمَهُ بِإضافَتِهِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences