Al-QasimiAl‑Baqarah · 2:152–154

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:152–154

2:152Page 23

فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ ١٥٢

So remember Me; I will remember you. And be grateful to Me and do not deny Me.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٢ ] ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾

﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ اذْكُرُونِي أيُّها المُؤْمِنُونَ بِطاعَتِكم إيّايَ فِيما آمُرُكم بِهِ وفِيما أنْهاكم عَنْهُ، أذْكُرُكم بِرَحْمَتِي إيّاكم ومَغْفِرَتِي لَكم. وقَدْ كانَ بَعْضُهم يَتَأوَّلُ ذَلِكَ أنَّهُ مِنَ الذِّكْرِ بِالثَّناءِ والمَدْحِ. وقالَ القاشانِيُّ: اذْكُرُونِي بِالإجابَةِ والطّاعَةِ، أذْكُرُكم بِالمَزِيدِ والتَّوالِي. وهي بِمَعْنى ما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ "واشْكُرُوا لِي" قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ اشْكُرُوا لِي فِيما أنْعَمْتُ عَلَيْكم مِنَ الإسْلامِ والهِدايَةِ لِلدِّينِ الَّذِي شَرَعْتُهُ. وقَوْلُهُ "ولا تَكْفُرُونِ" أيْ لا تَجْحَدُوا إحْسانِي إلَيْكم فَأسْلُبَكم نِعْمَتِي الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم.

قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أيِ اشْكُرُوا نِعْمَتِي: أنْ أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ، ولا تَجْحَدُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ، ويُقالُ: النِّعْمَةُ، في الحَقِيقَةِ هي العِلْمُ. وما سِواهُ فَهو تَحَوُّلٌ مِن راحَةٍ إلى راحَةٍ، ولَيْسَ بِنِعْمَةٍ. والعِلْمُ (p-٣١١)لا يَمِلُّ مِنهُ صاحِبُهُ. بَلْ يَطْلُبُ مِنهُ الزِّيادَةَ. فَأمْرُ اللَّهِ تَعالى بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، وهي نِعْمَةُ بَعْثِهِ رَسُولًا يُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ. كَما قَصَّهُ الحَرّالِيُّ. ولَمّا كانَ لِلْعَرَبِ ولَعٌ بِالذِّكْرِ لِآبائِهِمْ ولِوَقائِعِهِمْ، جَعَلَ تَعالى ذِكْرَهُ لَهم عِوَضَ ما كانُوا يَذْكُرُونَ. كَما جَعَلَ كِتابَهُ عِوَضًا مِن أشْعارِهِمْ. وهَزَّ عَزائِمَهم لِذَلِكَ بِما يَسُرُّهم بِهِ مِن ذِكْرِهِ لَهم.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا مَعَ عَبْدِي حِينَ يَذْكُرُنِي. فَإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ هم خَيْرٌ مِنهم. وإنِ اقْتَرَبَ إلَيَّ شِبْرًا اقْتَرَبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا. وإنِ اقْتَرَبَ إلَيَّ ذِراعًا اقْتَرَبْتُ إلَيْهِ باعًا. فَإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»» . صَحِيحُ الإسْنادِ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ أيْضًا.

ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ: أنَّهُما شَهِدا عَلى النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إلّا حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، ونَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وذَكَرَهُمُ اللَّهُ فَيَمَن عِنْدَهُ»» .

والآثارُ في فَضْلِ الذِّكْرِ مُتَوافِرَةٌ ويَكْفِي فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ.

(تَنْبِيهٌ) قالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: اعْلَمْ أنَّ فَضِيلَةَ الذِّكْرِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ في التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ ونَحْوِهِما، بَلْ كُلُّ عامِلٍ لِلَّهِ تَعالى بِطاعَةٍ، فَهو ذاكِرٌ لِلَّهِ تَعالى.

(p-٣١٢)كَذا قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وغَيْرُهُ مِنَ العُلَماءِ. وقالَ عَطاءٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَجالِسُ الذِّكْرِ هي مَجالِسُ الحَلالِ والحَرامِ، كَيْفَ تَشْتَرِي وتَبِيعُ ؟ وتُصَلِّي وتَصُومُ ؟ وتَنْكِحُ وتُطَلِّقُ ؟ وأشْباهُ هَذا. وقالَ النَّوَوِيُّ أيْضًا: إنَّ الأذْكارَ المَشْرُوعَةَ في الصَّلاةِ وغَيْرِها، واجِبَةً كانَتْ أوْ مُسْتَحَبَّةً، لا يُحْسَبُ شَيْءٌ مِنها ولا يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى يَتَلَفَّظَ بِهِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ نَفْسَهُ إذا كانَ صَحِيحَ السَّمْعِ، لا عارِضَ. وقَدْ صَنَّفَ، في عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ كُتُبًا نَفِيسَةً. ومِن أجْمَعِها لِلْمُتَأخِّرِينَ (كِتابُ الأذْكارِ لِلنَّوَوِيِّ)، ومِمَّنْ جَمَعَ زُبْدَةَ ما رَوى فِيها الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في (زادِ المَعادِ)، وقالَ في طَلِيعَةِ ذَلِكَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ أكْمَلَ الخَلْقِ ذِكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. بَلْ كانَ كَلامُهُ كُلُّهُ في ذِكْرِ اللَّهِ وما والاهُ. وكانَ أمْرُهُ ونَهْيُهُ وتَشْرِيعُهُ لِلْأُمَّةِ ذِكْرًا مِنهُ لِلَّهِ. وإخْبارُهُ عَنْ أسْماءِ الرَّبِّ وصِفاتِهِ وأحْكامِهِ وأفْعالِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ ذِكْرًا مِنهُ لَهُ. وثَناؤُهُ عَلَيْهِ بِآلائِهِ وتَمْجِيدُهُ وتَسْبِيحُهُ ذِكْرًا مِنهُ لَهُ. وسُؤالُهُ ودُعاؤُهُ إيّاهُ ورَغْبَتُهُ ورَهْبَتُهُ ذِكْرًا مِنهُ لَهُ. وسُكُونُهُ وصَمْتُهُ ذِكْرًا مِنهُ لَهُ بِقَلْبِهِ. فَكانَ ذِكْرُ اللَّهِ في كُلِّ أحْيانِهِ وعَلى جَمِيعِ أحْوالِهِ. وكانَ ذِكْرُهُ اللَّهَ يَجْرِي مَعَ أنْفاسِهِ قائِمًا وقاعِدًا، وعَلى جَنْبِهِ، وفي مَشْيِهِ ورُكُوبِهِ ومَسِيرِهِ، ونُزُولِهِ وظَعْنِهِ وإقامَتِهِ. انْتَهى.

وأمّا الأذْكارُ المُحْدَثَةُ والسَّماعاتُ المُبْتَدَعَةُ، سَماعُ الكَفِّ والدُّفِّ، فَلَمْ يَكُنِ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ، وسائِرُ الأكابِرِ مِن أئِمَّةِ الدِّينِ، يَجْعَلُونَ هَذا طَرِيقًا إلى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى. ولا يَعُدُّونَهُ مِنَ القُرَبِ والطّاعاتِ بَلْ يَعُدُّونَهُ مِنَ البِدَعِ المَذْمُومَةِ. حَتّى قالَ الشّافِعِيُّ: خَلَّفْتُ بِبَغْدادَ شَيْئًا أحْدَثَتْهُ الزَّنادِقَةُ يُسَمُّونَهُ (التَّغْبِيرَ) يَصُدُّونَ بِهِ النّاسَ عَنِ القُرْآنِ. وأوْلِياءُ اللَّهِ العارِفُونَ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، ويَعْلَمُونَ أنَّ لِلشَّيْطانِ فِيهِ نَصِيبًا وافِرًا. ولِهَذا تابَ مِنهُ خِيارُ مَن حَضَرَهُ مِنهم، ومَن كانَ أبْعَدَ عَنِ المَعْرِفَةِ وعَنْ كَمالِ وِلايَةِ اللَّهِ، كانَ نَصِيبُ الشَّيْطانِ فِيهِ أكْثَرَ. فَسَماعُ الغِناءِ والمَلاهِي مِن أعْظَمِ ما يُقَوِّي الأحْوالَ الشَّيْطانِيَّةَ، وهو (p-٣١٣)سَماعُ المُشْرِكِينَ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وغَيْرُهُما مِنَ السَّلَفِ: التَّصْدِيَةُ، التَّصْفِيقُ بِاليَدِ. والمُكاءُ مِثْلُ الصَّفِيرِ. فَكانَ المُشْرِكُونَ يَتَّخِذُونَ هَذا عِبادَةً. وأمّا النَّبِيُّ ﷺ فَعِبادَتُهم ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الصَّلاةِ والقِراءَةِ والذِّكْرِ ونَحْوَ ذَلِكَ، والِاجْتِماعاتِ الشَّرْعِيَّةِ، ولَمْ يَجْتَمِعِ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ عَلى اسْتِماعِ غِناءٍ قَطُّ. لا بِكَفٍّ ولا بِدُفٍّ ولا تَواجُدَ. وكانَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، إذا اجْتَمَعُوا، أمَرُوا واحِدًا مِنهم أنْ يَقْرَأ. والباقُونَ يَسْتَمِعُونَ. وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ لِأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ: ذَكِّرْنا رَبَّنا. فَيَقْرَأُ وهم يَسْتَمِعُونَ. «ومَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وهو يَقْرَأُ فَقالَ لَهُ: «مَرَرْتُ بِكَ البارِحَةَ، (p-٣١٤)وأنْتَ تَقْرَأُ فَجَعَلْتُ أسْتَمِعُ لِقِراءَتِكَ» . فَقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّكَ تَسْتَمِعُ لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا». أيْ لَحَسَّنْتُهُ لَكَ تَحْسِينًا. كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأصْواتِكم»» . وقالَ ﷺ: ««لَلَّهُ أشَدُّ أذَنًا (أيِ اسْتِماعًا) إلى الرَّجُلِ الحَسَنِ الصَّوْتِ بِالقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ، مِن صاحِبِ القَيْنَةِ إلى قَيْنَتِهِ»» . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ: أقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟ قالَ: «نَعَمْ» . فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّساءِ حَتّى أتَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قالَ: «حَسْبُكَ الآنَ» . فالتَفَتُّ فَإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ».

ومِثْلُ هَذا السَّماعِ هو سَماعُ النَّبِيِّينَ وأتْباعِهِمْ كَما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في كِتابِهِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وقالَ تَعالى في أهْلِ المَعْرِفَةِ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ (p-٣١٥)تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] ومَدَحَ سُبْحانَهُ أهْلَ هَذا السَّماعِ بِما يَحْصُلُ لَهم مِن زِيادَةِ الإيمانِ واقْشِعْرارِ الجِلْدِ ودَمْعِ العَيْنِ فَقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَـزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] فَخِلافُ هَذا السَّماعِ، مِنَ الباطِلِ الَّذِي نَهى عَنْهُ. ولِذَلِكَ لَمْ يَفْعَلْهُ القُرُونُ الثَّلاثَةُ الَّتِي أثْنى عَلَيْها النَّبِيُّ ﷺ، ولا فَعَلَهُ أكابِرُ المَشايِخِ، فَلْيُفِقْ مَن كانَ مِنَ الفَرِيقِ الأدْنى في سُلُوكِ فَقْرِهِ، ولِيَصْحَبْ مَن هو مِنَ الرَّفِيقِ الأعْلى إلى حُلُولِ قَبْرِهِ، ولْيُداوِ جِراحاتِ اجْتِراحِ بِدْعَتِهِ، بِاتِّباعِ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ، ولُزُومِ سُنَّتِهِ. واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى تارَةً يَكُونُ لِعَظَمَتِهِ، فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ الهَيْبَةُ والإجْلالُ. وتارَةً يَكُونُ لِقُدْرَتِهِ فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ الخَوْفُ والحُزْنُ، وتارَةً لِنِعْمَتِهِ فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ الشُّكْرُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُها، وتارَةً لِأفْعالِهِ الباهِرَةِ فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ العِبَرُ. فَحَقُّ المُؤْمِنِ أنْ لا يَنْفَكَّ أبَدًا عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى عَلى أحَدِ هَذِهِ الأوْجُهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ فِيهِ أمْرٌ بِشُكْرِهِ عَلى نِعَمِهِ وعَدَمِ جَحْدِها؛ (فالكُفْرُ هُنا سَتْرُ النِّعْمَةِ لا التَّكْذِيبُ) . وقَدْ وعَدَ تَعالى عَلى شُكْرِهِ بِمَزِيدِ الخَيْرِ فَقالَ: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اشْكُرُوا لِي واشْكُرُونِي بِمَعْنًى واحِدٍ. و"لِي" أفْصَحُ وأشْهَرُ مَعَ الشُّكْرِ.

2:153Page 23

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٣

O you who have believed, seek help through patience and prayer. Indeed, Allāh is with the patient.

(p-٣١٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٣ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ أرْشَدَ تَعالى المُؤْمِنِينَ، إثْرَ الأمْرِ بِالشُّكْرِ في الآيَةِ قَبْلُ، بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ. لِأنَّ العَبْدَ إمّا أنْ يَكُونَ في نِعْمَةٍ فَيَشْكُرُ عَلَيْها، أوْ في نِقْمَةٍ فَيَصْبِرُ عَلَيْها. كَما جاءَ في الحَدِيثِ: ««عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ لا يُقْضى لَهُ قَضاءٌ إلّا كانَ خَيْرًا لَهُ، إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ فَشَكَرَ كانَ خَيْرًا لَهُ، وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ فَصَبَرَ كانَ خَيْرًا لَهُ»» . وبَيَّنَ تَعالى أنَّ أجْوَدَ ما يُسْتَعانُ بِهِ عَلى تَحَمُّلِ المَصائِبِ في سَبِيلِ اللَّهِ، الصَّبْرُ والصَّلاةُ؛ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] وفي الحَدِيثِ: ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى»» . ثُمَّ إنَّ الصَّبْرَ صَبْرانِ: صَبْرٌ عَلى تَرْكِ المَحارِمِ والمَآثِمِ، وصَبْرٌ عَلى فِعْلِ الطّاعاتِ والقُرُباتِ. والثّانِي أكْثَرُ ثَوابًا. لِأنَّهُ المَقْصُودُ. وأمّا الصَّبْرُ الثّالِثُ، وهو الصَّبْرُ عَلى المَصائِبِ والنَّوائِبِ، فَذاكَ أيْضًا واجِبٌ. كالِاسْتِغْفارِ مِنَ المَعائِبِ.

(p-٣١٧)وقالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في كِتابِهِ (السِّياسَةُ الشَّرْعِيَّةُ) وأعْظَمُ عَوْنٍ لِوَلِيِّ الأمْرِ خاصَّةً، ولِغَيْرِهِ عامَّةً ثَلاثَةُ أُمُورٍ: أحَدُها الإخْلاصُ لِلَّهِ، والتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ بِالدُّعاءِ وغَيْرِهِ. وأصْلُ ذَلِكَ المُحافَظَةُ عَلى الصَّلاةِ بِالقَلْبِ والبَدَنِ. والثّانِي الإحْسانُ إلى الخَلْقِ بِالنَّفْعِ والمالِ الَّذِي هو الزَّكاةُ. والثّالِثُ الصَّبْرُ عَلى الأذى مِنَ الخَلْقِ وغَيْرِهِ مِنَ النَّوائِبِ؛ ولِهَذا يَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَ الصَّلاةِ والصَّبْرِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥] وقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طه: ١٣٠] وأمّا قِرانُهُ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ في القُرْآنِ فَكَثِيرٌ جِدًّا. فَبِالقِيامِ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّبْرِ يَصْلُحُ حالُ الرّاعِي والرَّعِيَّةِ. إذا عَرَفَ الإنْسانُ ما يَدْخُلُ في هَذِهِ الأسْماءِ الجامِعَةِ، يَدْخُلُ في الصَّلاةِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى ودُعائِهِ وتِلاوَةِ كِتابِهِ وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وفي الزَّكاةِ الإحْسانُ إلى الخَلْقِ بِالمالِ والنَّفْعِ: مِن نَصْرِ المَظْلُومِ وإعانَةِ المَلْهُوفِ وقَضاءِ حاجَةِ المُحْتاجِ. وفي الصَّبْرِ احْتِمالُ الأذى وكَظْمُ الغَيْظِ والعَفْوُ عَنِ النّاسِ ومُخالَفَةُ الهَوى وتَرْكُ الشَّرِّ والبَطَرِ. انْتَهى.

"إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ" قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في (شَرْحِ حَدِيثِ النُّزُولِ): لَفْظُ المَعِيَّةِ في كِتابِ اللَّهِ جاءَ عامًّا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وفي قَوْلِهِ (p-٣١٨)﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا﴾ [المجادلة: ٧] وجاءَ خاصًّا كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] فَلَوْ كانَ المُرادُ بِذاتِهِ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لَكانَ التَّعْمِيمُ يُناقِضُ التَّخْصِيصَ. فَإنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] أرادَ بِهِ تَخْصِيصَ نَفْسِهِ وأبا بَكْرٍ دُونَ عَدُوِّهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] خَصَّهم بِذَلِكَ دُونَ الظّالِمِينَ والفُجّارِ.

وأيْضًا، فَلَفْظُ المَعِيَّةِ لَيْسَتْ في لُغَةِ العَرَبِ ولا في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ أنْ يُرادَ بِها اخْتِلاطُ إحْدى (p-٣١٩)الذّاتَيْنِ بِالأُخْرى. كَما في قَوْلِهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] وقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وقَوْلِهِ: ﴿وجاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ. فامْتَنَعَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ "وهُوَ مَعَكُمْ" يَدُلُّ عَلى أنْ تَكُونَ ذاتُهُ مُخْتَلِطَةً بِذَواتِ الخَلْقِ.

وقَدْ بَسَطَ الكَلامَ عَلَيْهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ وبَيَّنَ أنَّ لَفْظَ المَعِيَّةِ في اللُّغَةِ، وإنِ اقْتَضى المُجامَعَةَ والمُصاحَبَةَ والمُقارَنَةَ، فَهو، إذا كانَ مَعَ العِبادِ، لَمْ يُنافِ ذَلِكَ عُلُوَّهُ عَلى عَرْشِهِ. ويَكُونُ حُكْمُ مَعِيَّتِهِ في كُلِّ مَوْطِنٍ بِحَسَبِهِ. فَمَعَ الخَلْقِ كُلِّهِمْ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ والسُّلْطانِ، ويَخُصُّ بَعْضَهم بِالإعانَةِ والنُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ. انْتَهى مُخْتَصَرًا.

2:154Page 24

وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ ١٥٤

And do not say about those who are killed in the way of Allāh, "They are dead." Rather, they are alive, but you perceive [it] not.

(p-٣٢٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٤ ] ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [ ١٥٤ ]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ يَنْهى تَعالى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَقُولُوا لِلشُّهَداءِ أمْواتًا؛ بِمَعْنى الَّذِينَ تَلِفَتْ نُفُوسُهم وعَدِمُوا الحَياةَ، وتَصَرَّمَتْ عَنْهُمُ اللَّذّاتُ، وأضْحَوْا كالجَماداتِ، كَما يَتَبادَرُ مِن مَعْنى المَيِّتِ، ويَأْمُرُهم سُبْحانَهُ بِأنْ يَقُولُوا لَهُمُ: الأحْياءُ؛ لِأنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، كَما قالَ تَعالى في آلِ عِمْرانَ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧١] فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ "عِنْدَ رَبِّهِمْ" يُفَسِّرُ المُرادَ مِن حَياتِهِمْ؛ أيْ: إنَّها لِأرْواحِهِمْ عِنْدَهُ تَعالى، وقَوْلُهُ "ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ" أيْ بِحَياتِهِمُ الزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؛ إذْ لَمْ يَظْهَرْ مِنها شَيْءٌ في أبْدانِهِمْ، وإنْ حَفِظَ بَعْضَها عَنِ التَّلَفِ، كَما تَرَوْنَ النِّيامَ هُمُودًا لا يَتَحَرَّكُونَ، فَلا فَخْرَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ في الدُّنْيا، ولا عَيْشَ أرْغَدُ مِنهُ في الآخِرَةِ.

قالَ الحَرّالِيُّ: فَكَأنَّهُ تَعالى يَنْفِي عَنِ المُجاهِدِ مَنالَ المَكْرُوهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، حَتّى في أنْ يُقالَ عَنْهُ: مَيِّتٌ. فَحَماهُ مِنَ القَوْلِ الَّذِي هو عِنْدَهم مِن أشَدِّ غَرَضِ أنْفُسِهِمْ، لِاعْتِلاقِ أنْفُسِهِمْ بِجَمِيلِ الذِّكْرِ. انْتَهى.

ولِذا قالَ الأصَمُّ: يَعْنِي لا تُسَمُّوهم بِالمَوْتى، وقُولُوا لَهُمُ الشُّهَداءُ الأحْياءُ. وقالَ الرّاغِبُ الأصْفَهانِيُّ: الحَياةُ عَلى أوْجُهٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنها يُقابِلُهُ مَوْتٌ (الأُولى) هي القُوَّةُ النّامِيَةُ الَّتِي (p-٣٢١)بِها الغِذاءُ، والشَّهْوَةُ إلَيْهِ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في النَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ. ولِذَلِكَ يُقالُ: نَباتٌ حَيٌّ.

(والثّانِيَةُ) في القُوَّةِ الحاسَّةِ الَّتِي بِها الحَرَكَةُ المَكانِيَّةُ. وهي في الحَيَوانِ دُونَ النَّباتِ.

(والثّالِثَةُ) القُوَّةُ العامِلَةُ العاقِلَةُ. وهي في الإنْسانِ دُونَ الحَيَوانِ والنَّباتِ. وبِها يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ. وقَدْ يُقالُ لِلْعِلْمِ المُسْتَفادِ والعَمَلِ الصّالِحِ: حَياةٌ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] وقِيلَ: المُحْسِنُ حَيٌّ وإنْ كانَ في دارِ الأمْواتِ، والمُسِيءُ مَيِّتٌ وإنْ كانَ في دارِ الأحْياءِ.

(قالَ) ونَعُودُ إلى مَعْنى الآيَةِ فَنَقُولُ: قَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَثْبُتُ لَهُمُ الحَياةُ الَّتِي بِها النُّمُوُّ والغِذاءُ، ولا الحَياةُ الَّتِي بِها الحِسُّ. فَإنَّ فِقْدانَهُما عَنِ المَيِّتِ مَحْسُوسٌ ومَعْقُولٌ. فَبَعْضُ المُفَسِّرِينَ اعْتَبَرَ الحَياةَ المُخْتَصَّةَ بِالإنْسانِ. وقالَ: إنَّ هَذِهِ الحَياةَ مُخَصَّصَةٌ بِالقُوَّةِ المُسَمّاةِ تارَةً الرُّوحَ وتارَةً النَّفْسَ. قالَ: والمَوْتُ المُشاهَدُ هو مُفارَقَةُ هَذِهِ القُوَّةِ - الَّتِي هي الرُّوحُ البَدَنَ. فَمَتى كانَ الإنْسانُ مُحْسِنًا كانَ مُنَعَّمًا بِرُوحِهِ مَسْرُورًا لِمَكانِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وإنْ كانَ مُسِيئًا كانَ بِهِ مُعَذَّبًا. وإلى هَذا ذَهَبَ الحُكَماءُ ودَلُّوا عَلَيْهِ بِالبَراهِينِ والأدِلَّةِ. وهو مَذْهَبُ أصْحابِ الحَدِيثِ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ الأخْبارُ والآياتُ المَرْوِيَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . بَلْ إلَيْهِ ذَهَبَ أصْحابُ المِلَلِ كُلِّها.

ومِمّا دَلَّ عَلى صِحَّتِهِ خَبَرا ««الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَما تَعارَفَ مِنها ائْتَلَفَ وما تَناكَرَ مِنها اخْتَلَفَ»» وما رُوِيَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسادِ (p-٣٢٢)بِألْفَيْ عامٍ»» . ورُوِيَ «أنَّهُ لَمّا قُتِلَ مَن قُتِلَ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ -يَوْمَ بَدْرٍ- وجُمِعُوا في قَلِيبٍ، أقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَخاطَبَهم بِقَوْلِهِ: «هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا ؟ فَإنِّي وجَدْتُ ما وعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! أتُخاطِبُ جِيَفًا ؟ فَقالَ: «ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَوْ قَدَرُوا لَأجابُوا»» . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ. وقالَ تَعالى في آلِ فِرْعَوْنَ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] وهَذا يَعْنِي بِهِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] انْتَهى.

وفِي البَيْضاوِيِّ وحَواشِيهِ: إنَّ إثْباتَ الحَياةِ لِلشُّهَداءِ في زَمانِ بُطْلانِ الجَسَدِ، وفَسادِ البِنْيَةِ؛ ونَفْيَ الشُّعُورِ بِها - دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَياتَهم لَيْسَتِ الجَسَدَ، ولا مِن جِنْسِ حَياةِ الحَيَوانِ، لِأنَّها بِصِحَّةِ البِنْيَةِ، واعْتِدالِ المِزاجِ وإنَّما هي أمْرٌ يُدْرَكُ بِالوَحْيِ لا بِالعَقْلِ. انْتَهى.

وقَدْ جاءَ الوَحْيُ بِبَيانِ حَياتِهِمْ -كَما أسْلَفْنا- قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِ (الرُّوحِ): وقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الشُّهَداءِ بِأنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وهَذِهِ حَياةُ أرْواحِهِمْ، ورِزْقُها دارٌّ، وإلّا فالأبْدانُ قَدْ تَمَزَّقَتْ. وقَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ (p-٣٢٣)الحَياةَ: بِأنَّ أرْواحَهم في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَها قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلْكَ القَنادِيلِ، فاطَّلَعَ إلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلاعَةً فَقالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا ؟ قالُوا: أيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي ؟ ونَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنا. . . ! فَفَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ. فَلَمّا رَأوْا أنَّهم لَنْ يُتْرَكُوا مِن أنْ يُسْألُوا -قالُوا: يا رَبِّ ! نُرِيدُ أنْ تُرَدَّ أرْواحُنا في أجْسادِنا حَتّى نُقْتَلَ في سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرى. . ! فَلَمّا رَأى أنْ لَيْسَ لَهم حاجَةٌ تَرَكُوا. وصَحَّ عَنْهُ ﷺ: ««إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ»» (وتَعْلُقُ بِضَمِّ اللّامِ؛ أيْ: تَأْكُلُ العَلَقَةَ) وهَذا صَرِيحٌ في أكْلِها، وشُرْبِها، وحَرَكَتِها، وانْتِقالِها، وكَلامِها. . . ! انْتَهى.

قالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ ﷺ: ««أرْواحُهم في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ»» أيْ: يَخْلُقُ لِأرْواحِهِمْ، بَعْدَما فارَقَتْ أبْدانَهم، هَياكِلَ عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ، تَتَعَلَّقُ بِها وتَكُونُ خَلَفًا عَنْ أبْدانِهِمْ، فَيَتَوَسَّلُونَ بِها إلى نَيْلِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ. وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِ (الرُّوحِ): إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ الدُّورَ ثَلاثَةً: دارَ الدُّنْيا، ودارَ البَرْزَخِ، ودارَ القَرارِ، وجَعَلَ لِكُلِّ دارٍ أحْكامًا تَخْتَصُّ بِها، ورَكَّبَ هَذا الإنْسانَ مِن بَدَنٍ ونَفْسٍ وجَعَلَ أحْكامَ دارِ الدُّنْيا عَلى الأبْدانِ، والأرْواحُ تَبَعٌ لَها، ولِهَذا جَعَلَ أحْكامَهُ الشَّرْعِيَّةَ مُرَتَّبَةً عَلى ما يَظْهَرُ مِن حَرَكاتِ اللِّسانِ والجَوارِحِ، وإنْ أضْمَرَتِ النُّفُوسُ خِلافَهُ.

وجَعَلَ أحْكامَ البَرْزَخِ عَلى الأرْواحِ، والأبْدانُ (p-٣٢٤)تَبَعٌ لَها، فَكَما تَبِعَتِ الأرْواحُ الأبْدانَ في أحْكامِ الدُّنْيا، فَتَألَّمَتْ بِألَمِها، والتَذَّتْ بِراحَتِها، وكانَتْ هي الَّتِي باشَرَتْ أسْبابَ النَّعِيمِ والعَذابِ -تَبِعَتِ الأبْدانُ الأرْواحَ في نَعِيمِها وعَذابِها، والأرْواحُ حِينَئِذٍ هي الَّتِي تُباشِرُ العَذابَ والنَّعِيمَ، فالأبْدانُ هُنا ظاهِرَةٌ، والأرْواحُ خَفِيَّةٌ. والأبْدانُ كالقُبُورِ لَها. والأرْواحُ هُناكَ ظاهِرَةٌ والأبْدانُ خَفِيَّةٌ في قُبُورِها، فَتَجْرِي أحْكامُ البَرْزَخِ عَلى الأرْواحِ. فَتَرى إلى أبْدانِها نَعِيمًا وعَذابًا. كَما جَرى أحْكامُ الدُّنْيا عَلى الأبْدانِ فَتَرى إلى أرْواحِها نَعِيمًا وعَذابًا، فَأحِطْ بِهَذا المَوْضِعِ عِلْمًا واعْرِفْهُ كَما يَنْبَغِي، يَزُلْ عَنْكَ كُلُّ إشْكالٍ يُورَدُ عَلَيْكَ مِن داخِلٍ وخارِجٍ. وقَدْ أرانا اللَّهُ سُبْحانَهُ، بِلُطْفِهِ، ورَحْمَتِهِ وهِدايَتِهِ مِن ذَلِكَ، أُنْمُوذَجًا في الدُّنْيا مِن حالِ النّائِمِ. فَإنَّ ما يَنْعَمُ بِهِ، أوْ يُعَذَّبُ في نَوْمِهِ، يَجْرِي عَلى رُوحِهِ أصْلًا، والبَدَنُ تَبَعٌ لَهُ، وقَدْ يَقْوى حَتّى يُؤَثِّرَ في البَدَنِ تَأْثِيرًا مُشاهَدًا، فَيَرى النّائِمُ أنَّهُ في نَوْمِهِ ضُرِبَ، فَيُصْبِحُ وآثارُ الضَّرْبِ في جِسْمِهِ. ويَرى أنَّهُ قَدْ أكَلَ وشَرِبَ، فَيَسْتَيْقِظُ وهو يَجِدُ أثَرَ الطَّعامِ والشَّرابِ في فِيهِ. ويَذْهَبُ عَنْهُ الجُوعُ والظَّمَأُ.

وأعْجَبُ مِن ذَلِكَ أنَّكَ تَرى النّائِمَ، ثُمَّ يَقُومُ مِن نَوْمِهِ، ويَضْرِبُ ويَبْطِشُ ويُدافِعُ، كَأنَّهُ يَقْظانُ، وهو نائِمٌ لا شُعُورَ لَهُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. لِأنَّ الحُكْمَ، لَمّا جَرى عَلى الرُّوحِ، اسْتَعانَتْ بِالبَدَنِ مِن خارِجِهِ، ولَوْ دَخَلَتْ فِيهِ لاسْتَيْقَظَ وأحَسَّ.

فَإذا كانَتِ الرُّوحُ تَتَألَّمُ وتَتَنَعَّمُ، ويَصِلُ ذَلِكَ إلى بَدَنِها بِطَرِيقِ الِاسْتِتْباعِ، فَهَكَذا في البَرْزَخِ، بَلْ أعْظَمُ. فَإنَّ تَجَرُّدَ الرُّوحِ هُناكَ أكْمَلُ وأقْوى، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِبَدَنِها، لَمْ تَنْقَطِعْ عَنْهُ كُلَّ الِانْقِطاعِ. فَإذا كانَ يَوْمُ حَشْرِ الأجْسادِ، وقِيامِ النّاسِ مِن قُبُورِهِمْ، صارَ الحُكْمُ والنَّعِيمُ والعَذابُ عَلى الأرْواحِ والأجْسادِ ظاهِرًا بادِيًا. ومَتى أعْطَيْتَ هَذا المَوْضِعَ حَقَّهُ تَبَيَّنَ لَكَ أنَّ ما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ مِن عَذابِ القَبْرِ ونَعِيمِهِ، وضِيقِهِ وسِعَتِهِ، وضَمِّهِ، وكَوْنِهِ حُفْرَةً مِن حُفَرِ النّارِ، أوْ رَوْضَةً مِن رِياضِ الجَنَّةِ- مُطابِقٌ لِلْعَقْلِ. وأنَّهُ حَقٌّ لا مِرْيَةَ فِيهِ. وأنَّ مَن أشْكَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَمِن سُوءِ فَهْمِهِ، وقِلَّةِ عِلْمِهِ. انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском